في لحظة ما ، في موقف ما ، لعلّه اختبار أو محكّ بسيط حتى .... تظهر الخفايا وتتجلّى الاُمور على حقائقها ، فتُبرِز الذات ما في أعماقها وحناياها من مخزون طالما سعت إلى دفنه تحت ظواهر الشعور والسلوك ، أو تركه تابعاً خلف قضبان التصنّع واختلاق الصور ..
لا مواربة ، فإنّ تلك اللحظة والموقف والاختبار والمحكّ تضع أو تعيد كلّ شيء إلى مربّعه الحقيقي ، بمعنى : أنّها تنسف وتطوّح بكلّ ما شُيّد وبُني على أساس هشّ وقاعدة رخوة واسطوانة جوفاء ، فكما قيل : «إنّ حبل الكذب قصير» فهنا أيضاً بناءُ الكيان الإنساني على اُسس وقواعد وأعمدة هشّة ورخوة وجوفاء ، بناءٌ موهونٌ كبيت العنكبوت ..
إنّنا نختبىء غالباً خلف ثقافة مستورَدة أساساً ، ولا نعني بالاستيراد أن يكون بالضرورة خارج الفضاء والمنظومة التي نتحرّك ونعيش في إطارها ، بل قد يكون من داخلنا بخلق الفرص والظروف التي نحتاجها لتمرير أو تبرير ما لا يتناغم مع القيم والثوابت والاُصول ، لكنّه يحقّق للذات مطامحها ومراميها ، آنذاك لا يعني القفز فوق الحقائق والمفاهيم الحقّة سوى تمرّداً وتعدٍّ ونوعاً من أنواع الاستيراد ، ثقافيّاً كان أم غيره ..
إنّنا بذلك نخادع أنفسنا ، ومن خادع نفسه ضعيف ، فالضعيف هو الذي يفتقد المقوّمات الموضوعيّة للبقاء والثبات والتقدّم إلى الأمام ، ذلك التقدّم القيَمي والأخلاقي ، لذا يتشبّث بكلّ ما اُتيح له من أداة وآلية كي يبقى بقاءً على حساب الحقّ والحقيقة ..
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
