الإباحة المذكورة ليست من السببيّة ولا محلاّ لها بل هي أثر مترتّب على السبب ومسبّب فيه.
لا يقال : إنّ من دأب الحاكم إذا كان حكيما أن يلاحظ موضوع حكمه بجميع مشخّصاته أوّلا ثمّ يحكم عليه بما أراد وشاء من وجوب أو ندب أو غيرهما ، وقضيّة ذلك عدم جريان الاستصحاب في حكم شرعي يشكّ في بقائه وارتفاعه باعتبار الشكّ في المقتضي ـ أعني استعداده للاستمرار ـ لأنّ الشارع إمّا أن يلاحظ موضوع الحكم ـ كردّ السلام مثلا ـ مقيّدا بالزمان الأوّل أو يلاحظه لا بهذا القيد ، وعلى التقديرين لا معنى لاستصحاب وجوبه ، لاستلزام الأوّل يقين الارتفاع في الزمان الثاني ، واستلزام الثاني يقين البقاء فلا شكّ على التقديرين.
لأنّا نقول : هذا إنّما يتوجّه إذا علم كون الموضوع في لحاظ الآمر مقيّدا أو مطلقا لمكان اليقين بالارتفاع على الأوّل والبقاء على الثاني فلا شكّ على التقديرين. وأمّا إذا لم يعلم أحد التقديرين فلا مانع من استصحاب الحكم ، وهو الوجوب المشكوك فوريّته. إلاّ توهّم عدم كون بقاء موضوع المستصحب محرزا.
ويدفعه : أنّ الضابط في موضوع المستصحب وإحراز بقائه العرف ، ونراهم في مثل ردّ السلام بعد انقضاء زمان الفور يحكمون ببقائه ، ولو بالبناء على نحو من المسامحة في عدم الاعتناء باحتمالي التقييد والإطلاق وجعله نفس ردّ السلام على طريقة الإهمال.
ولا ريب أنّه على هذا الوجه باق فيما بعد زمان الفور ، والتشكيك في بقائه إنّما هو من مقتضى المداقّة العقليّة وهي عند الأصحاب في كثير من المقامات بمعزل عن السقوط (١) بجعلهم المورد ممّا بقي فيه موضوع المستصحب بالبناء على المسامحة العرفيّة ومن ذلك تمسّكهم باستصحاب وجوب التمام عند الشكّ في حدوث التكليف بالقصر ، واستصحاب الكرّيّة وعدمها ، واستصحاب الليل أو النهار وغير ذلك من الامور التدريجيّة المتجدّدة شيئا فشيئا.
وبالجملة ضابط جريان الاستصحاب المبنيّ على بقاء موضوع المستصحب هو كون القضيّة المشكوكة في الزمان الثاني هي عين القضيّة المتيقّنة في نظر أهل العرف بلا تفاوت بينهما ، إلاّ في وصفي اليقين والشكّ الراجعين إلى الحكم لا إلى موضوعه ، ولا في الزمان المختلف بالسبق واللحوق المجعول بالاعتبارين ظرفا لليقين والشكّ من دون مدخليّة له في الموضوع أيضا ولو باعتبار المسامحة.
__________________
(١) كذا في الأصل ، والأوفق بسياق العبارة هو : « بمعزل عن التحقيق » ، والله العالم.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٦ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1390_taliqaton-ala-maalem-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
