وأمّا الثاني : فلأنّ التشكيك في صدق الإطاعة بدون العلم التفصيلي بالمكلّف به بعينه حين الإتيان لا بدّ له من موجب ، وهو إمّا احتمال وجوب قصد الوجه من الوجوب في الواجب ، والندب في المندوب ، أو احتمال وجوب معرفة الوجه على أنّها في نفسها معتبرة في الصحّة ، لا على أنّها مقدّمة لإحراز قصد الوجه ، أو إطلاق الإجماعات المنقولة على عدم معذوريّة الجاهل في عباداته وعلى أنّها باطلة ، فإنّه يشمل الجاهل بالمكلّف به الّذي يحرز الإتيان به بطريقة الاحتياط ، والكلّ باطل.
أمّا الأوّلان : فلما حقّقناه في غير موضع من عدم اعتبار قصد الوجه ولا معرفته في صحّة العبادة ، على أنّ قصد الوجه عند معتبريه إنّما يعتبر على أنّه من شروط الامتثال لا على أنّه من قيود المأمور به ، وقد عرفت صدق الامتثال بدونهما.
وأمّا الثالث : فلمنع تناول هذه الإجماعات لهذا الجاهل ، فإنّ معقدها الجاهل المتسامح في أمر دينه التارك للطريقين لتسامحه في الدين الغير المبالي للمخالفة فيه ، أو الجاهل المقصّر الّذي لم يطابق عمله الواقع ، أو الجاهل الّذي لم يحرز في عمله القربة ، لتردّده حين العمل في كونه المأمور به أو المأمور به شيء آخر غيره.
وأيّا مّا كان فلا يندرج فيه المحتاط ، السالك لطريقه بالجمع والتكرار بداعي إدراك الواقع لاهتمامه في أمر الدين.
ثمّ إنّ في العمل بالاحتياط مزيد مباحث أوردناها مشروحة في موضعين من الكتاب :
أحدهما : في ذيل بحث أصل البراءة عند التكلّم في وجوب الفحص وعدمه.
وثانيهما : باب الاجتهاد والتقليد عند البحث في عبادات الجاهل.
نعم ينبغي [ أن يعلم ] أنّ الكلام في كفاية الامتثال الإجمالي لا يجري في العمل بالاحتياط عند الشكّ في أجزاء المكلّف به أو شروطه الموجب لدورانه بين الأقلّ والأكثر ، فإنّ الاحتياط هنا إنّما هو بمراعاة الإتيان بالأكثر المتحقّق بالإتيان بجميع الأجزاء المشكوكة والشرائط المشكوكة ، فإنّه في الحقيقة موافقة تفصيليّة ، لا أنّه موافقة إجماليّة لمكان العلم بكون المأتيّ به في صورة الاحتياط هو الفرد الكامل من المكلّف به على الأجزاء والشرائط المستحبّة زائدة على الأجزاء والشرائط الواجبة ، فهو إتيان بالمكلّف به مع زيادة.
غاية الأمر عدم التمييز فيما بين الأجزاء والشرائط الواجبة والمستحبّة ، وهذا لا يوجب كون الموافقة المتحقّقة فيه إجماليّة لا تفصيليّة ، بل الموافقة الإجماليّة مقصورة على ما كان المكلّف به دائرا بين أمرين متبائنين ، أو امور متبائنة على سبيل الانفصال الحقيقي
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
