الواجب والحرام الشرعيّين تمسّكا بوجوه تأتي ذكرها في محلّه ، وهذا يدلّ على أنّ استحقاق الثواب والعقاب اعتبار يؤخذ في جانب الحكم الشرعي لا في جانب الحكم العقلي.
وأمّا رابعا : فلأنّ استحقاق الثواب والعقاب بالقياس إلى الحكم العقلي من عوارض الشخص لا من لوازم الماهيّة ، والكلام في مسألة التحسين والتقبيح إنّما هو في إثبات الماهيّة لا في إثبات شخص يكون الاستحقاق المذكور من عوارضه ، وذلك : أنّ الحسن والقبح بالمعنى المبحوث عنه يراد به أعمّ ممّا يرجع إلى أفعال الله تعالى وما يرجع إلى أفعال العباد.
مع إمكان أن يقال : إنّ الغرض الأصلي من عقد المسألة في أصل تدوينها باعتبار كونها كلاميّة إنّما هو إثبات ما يرجع إلى أفعال الله تعالى ونفيه ليتفرّع عليه مطالب كلاميّة اختلف فيها العدليّة والأشاعرة ، وكانت مبنيّة عند العدليّة على قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين ، مثلا أنّهم كانوا يقولون : إنّه تعالى ليس بخالق لأفعال العباد لأنّه يثيبهم ويعذّبهم عليها ، والعقل يحكم باستحقاق من يفعل ثمّ يثيب ويعاقب على فعل نفسه للذمّ ، ويقولون : إنّه لا يفعل فعلا إلاّ لغرض ، لأنّ من يكون عمله لغير داع مستحقّ للذمّ ، وأنّهم يقولون : لا يجوز له تعالى أن يفضّل المفضول على الفاضل ، لأنّ من يفعل ذلك يستحقّ الذمّ عند العقل ، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
وظاهر أنّ دخول استحقاق الثواب والعقاب فيما يرجع إليه تعالى غير معقول ، وإنّما يصحّ اعتباره بالقياس إلى ما يرجع إلى أفعال العباد ، فوجب تعرية موضوع المسألة عن ذلك ليصحّ رجوعه إلى أفعاله تعالى أيضا.
ثمّ إنّه قد ظهر من تضاعيف كلماتنا المتقدّمة أنّ محلّ النزاع بالقياس إلى الأفعال الموصوفة بالحسن والقبح أعمّ من أفعال الخلق وأفعال الخالق ، والأشاعرة ينكرون اتّصاف أفعاله تعالى بالحسن والقبح ، ولذا يجيزون عليه الظلم والجبر والفعل لا لغرض وداع ، والتكليف بالمحال وتعذيب المطيع حتّى نحو النبيّ ، وتنعيم العاصي حتّى نحو قاتل النبيّ ، وتفضيل المفضول على الفاضل كما في أمر الخلافة ، على خلاف العدليّة في جميع ذلك استنادا إلى قاعدة التحسين والتقبيح.
لكن ينبغي تخصيصه بالقياس إلى أفعال الخلق بأفعال المكلّفين ، لوضوح عدم لحوقهما أفعال غيرهم كالصبيّ والمجنون ، ولذا لا يمدح عند العقلاء بعطائه ولا يذمّ بمنعه.
ومن هنا ينبغي القطع باختصاص النزاع بالنسبة إلى المكلّفين بأفعالهم الاختياريّة وأمّا
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
