تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

للظّاهر ، بل نسلم كونه مخالفا له من الوجوه الأخرى فإنّ فرض ذات واحدة اثنتين ، أو ادّعاء فرديّة ما ليس بفرد ، مخالف للظّاهر يقينا ، وإن لم يكن مخالفا لظاهر المشتقّ ، إلاّ أنّ القرينة قائمة في الموارد المذكورة ، في بعضها غالبا ، كما في موارد النّداء ، وفي بعضها دائما ، كما في الأخيرتين على ارتكاب نوع من وجوه خلاف الظّاهر ، موجب لحقيقة إطلاق المشتق بعده ، فافهم.

الثّاني : بعد ما ثبت كون المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدإ حال تلبّسه به بالتّقريب الّذي تقدّم ، فلا بدّ من حمله عليه في كلّ مورد لم يقم قرينة لفظيّة أو عقليّة على خلافه ، كما في الحكم بوجوب قتل القاتل ، أو إقامة الحدّ على السّارق والزّاني ، ونحوهما ممّا لا يمكن ترتّب الحكم عليه حال قيام المبدأ بالذّات ، من جهة عدم استقرار المبدأ بها بقدر فعل القتل أو الحد قطعا ، فإنّ القاتل قبل تحقّق القتل منه ولو كان مشتغلا بالجزء الأخير من مقدّماته لا يكون قاتلا قطعا ، وبعد تحقّق هذا الجزء الأخير ، فلا ريب في تحقّقه معه ، ولا ريب في انقضائه حينئذ بمجرّد تحقّقه ، فلا يبقى لموضوع الحد أو القتل ، لو علّقا على قيام المبدأ بالقاتل والسّارق وجود ، فلا يمكن امتثال هذا الحكم ، فحينئذ فالعقل حاكم بكون المراد خلاف الظاهر يقينا ، وإلاّ لغا الحكم ، فلذا يتمسّكون بآيتي الزّنا ، والسّرقة على وجوب الحدّ على من انقضى عنه الزّنا والسّرقة.

وكيف كان ، فهذا ممّا لا إشكال فيه وإنّما الكلام في كيفية الاستعمال ، وأنه هل وقع التّصرف في المادة في هذه الموارد ، أو الهيئة ، وهذا وإن لم يكن فيه فائدة مهمة ، إلاّ أنّه لا بأس به والتّعرض له في الجملة :

فنقول : قد قيل أو يقال : إنّ التّصرف فيها في المادّة ، لا الهيئة ، بمعنى أنّها عارضة عليها بعد تقييدها بالزّمان الماضي ، فيقال : إنّ المراد بالقاتل مثلا إذا أطلق على من انقضى عنه المبدأ ، كما في الآية هو المتلبّس الآن بالقتل الواقع أمس ، فلا يلزم مجاز في الهيئة.

لكن فيه ما لا يخفى من الرّكاكة كما أشير إليه آنفا.

ويمكن أن يقال : إنّ إرادة المعنى من اللفظ شيء ، والحكم على هذا

٢٨١

المعنى شيء آخر ، فيمكن أن يراد من الزّاني والقاتل ـ مثلا ـ معناهما الحقيقي ، وهو الموصوف بهما ، ويحكم عليه بوجوب الحدّ ، أو القتل مع تقييد ظرف الامتثال بحال انقضاء المبدأ.

لكن فيه : أنّه مستلزم للتّكليف بغير المقدور ، وموجب لإعادة ما هو المحذور ، ضرورة عدم إمكان هذا المعنى بعد انقضاء المبدأ ، إذ المفروض قوامه بقيام المبدأ ، فكيف يعقل بقاؤه بعد انقضائه.

والّذي يقتضيه التحقيق : أن يوجّه إطلاق المشتق في المفروض ، بحيث لا يستلزم المحذور المذكور ، بأنّه مستعمل في المتلبّس بالمبدإ حال تلبّسه به ، لكن الحكم لم يتعلّق بالذّات المطلق هو عليها بهذا العنوان ، حتى يكون الموضوع حقيقة هو هذا العنوان ، فيعود المحذور ، بل علّق على الذّات بشرط حصول الاتّصاف لها بالعنوان المذكور ، مع عدم اعتبار بقاء الاتّصاف ، فيكون موضوع الحكم هو الذّات لا العنوان ، أو هي مقيدة به ، ويكون النّكتة في تعليق الحكم على العنوان المذكور في الظّاهر ، مع أنّ موضوعه هي الذّات واقعا ، تعريف الذّات الّتي هي موضوع لهذا الحكم بهذا العنوان ، مع التّنبيه على مدخليّة هذا العنوان في ثبوت الحكم المذكور ولو بنحو السّببيّة في الوجود ، فإنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بسببيّة هذا الوصف وجودا لا محالة (١). وإنّما الخلاف في أنّه يفيد السببيّة في جانب العدم ، بأن

__________________

(١) ومن هنا ظهر جواب آخر عن القائلين بكون المشتق حقيقة في الأعم من حال التلبّس الشامل للماضي في احتجاجهم ، بأنّه لو لا ذلك لما صحّ التمسّك بآيتي الزنا والسرقة على وجوب الحدّ على من انقضى عنه المبدأ.

وملخّص الجواب أن هذا يرد على تقدير كون العنوان قيدا لموضوع الحكم وواسطة في العروض ، والأمر ليس كذلك ، فانّ العنوان علة الثبوت والمفروض إنما هو الذّات باقية بعد زوال العنوان.

وقد يقرّر هذا الاستدلال بنحو آخر ، وهو أنّه لو لا ذلك لما صحّ الاستدلال بالآيتين على وجوب حدّ الزاني والسارق مطلقا ، لانصرافهما إذن بمقتضى الوضع إلى من تلبّس بالزنى والسرقة حال نزول الآية ، فلا يندرج غيرهم فيها ، والتالي باطل ، وهذا التقريب مبنيّ على حمل المشتق في الآيتين على حال النطق.

والجواب عنه أوّلا : أنّ المراد بالمشتق إذا وقع محكوما عليه كما في الآيتين المتلبّس بالمبدإ مع قطع النّظر عن حصوله في أحد الأزمنة ، فيعم الأفراد المتحققة في الماضي والحال والمقدّرة.

وثانيا : أنّ ذلك لو تمّ لدلّ على بطلان الوضع باعتبار حال النطق ، ولا يلزم منه الوضع للأعم ، لثبوت الواسطة ، وهي ما اخترنا من وضعه باعتبار حال التلبّس.

٢٨٢

يفيد انتفاء هذا الحكم بانتفاء الوصف أولا.

وإيراد ما هو شرط للحكم واقعا بصورة موضوع الحكم وعنوانه شائع كشيوع عكسه ، وهو إيراد ما هو موضوع وعنوان للحكم واقعا بصورة الشرط ، وهذا هو الشّرط الّذي يقال : إنّه لتحقيق الموضوع ، فيحكمون بعدم المفهوم له لذلك ، فعلى هذا ، يصير معنى قوله تعالى ( الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما. ) (١) ـ والله أعلم ـ أنّه إن زنت امرأة أو زنى رجل فاجلدوهما ، ولا ريب أنّ هذين الموضوعين ، أعني الرّجل والمرأة باقيان بعد انقضاء المبدأ عنهما.

لكن لا يخفى أنّ هذا التّوجيه كسابقيه إنّما يوجب إطلاق المشتق على الحقيقة ، وعدم خلاف ظاهر في هيئته ، لكن لا بدّ من التزام خلاف الظّاهر بوجه آخر ، فإنّ ظاهر تعليق الحكم على شيء ، كون ذلك الشيء هو الموضوع لهذا الحكم على ما هما عليه من الإطلاق والتقييد ، فإرادة تعليقه على غيره واقعا ـ كما في التّوجيه الأخير ـ أو تقييده واقعا ، مع أنّه مطلق في الظّاهر ـ كما في الأول ـ أو تقييد الحكم في الواقع مع أنّه مطلق في الظّاهر ، كلّها خلاف الظّاهر ، فلذا نفينا الفائدة من التعرّض له.

ثم إنّه ربما يتصرّف في الموارد المذكورة في الهيئة ، كما في مجاز المشارفة ، فيقال : ( زيد غريق ) مع أنّه بعد لم يغرق ، فيستعمل اللّفظ ويراد به غير المتلبّس لإشرافه على التلبّس ، وكما في صورة استعماله فيمن لم يتلبّس بعد بالمبدإ بعلاقة الأول إلى التلبّس.

والفرق بينهما أنّ العلاقة في الثاني إنما هي بحسب قرب الزّمان ، وفي الأوّل بملاحظة الذّات نفسها ، بمعنى أنّه يلاحظ الذّات اثنتين باعتبار حالتين ، فيستعمل

__________________

وثالثا : أنّ الاستدلال بالآيتين على ثبوت الحكم لمطلق الزّاني والسارق [ يتوقف ] على وضع اللفظ للأعم ، لجواز أن يكون نظرهم في ذلك إلى إثبات الحكم لمن تلبّس بالمبدإ حال نزول الآيتين بهما ولغيرهم بأصالة الاشتراك في الحكم الجمع عليه ، كما هو الشأن في استدلالهم بمطلق الخطابات الشفاهيّة على ثبوت الحكم لعامّة المكلّفين.

ورابعا : أنّ هذا على فرض تماميّته يدلّ على إرادة الأعم من الآيتين ، وهي تستلزم وضع اللّفظ له ، لكونها أعمّ من الحقيقة. لمحرّره عفا الله عنه.

(١) النّور : ٢.

٢٨٣

اللفظ في إحداهما لمشابهتها بالأخرى ، كما في قوله تعالى ( إنّي أراني أعصر خمرا ) (١) وكما إذا استعمل في غير المتلبّس بعلاقة ما كان ، والعلاقة فيه أيضا إنما هي بملاحظة الذّات على نحو ما عرفت.

هذا كلّه إذا لم يكن على وجه الادّعاء والتّنزيل ، وإلاّ فلا يكون مجازا في الكلمة ، كما لا يخفى.

والظّاهر أنّ أكثر الاستعمالات العرفيّة الغير المنطبقة على المشتقّات من حيث أوضاعها النّوعية في الظّاهر ، إمّا لانقضاء المبدأ عما أطلقت عليه ، أو عدم تلبّسه به بعد بالنّسبة إلى حال النّسبة مبنيّة :

إمّا على وجه جعل المشتق معرّفا لهذه الذّات المجردة عن المبدأ باعتبار ثبوته لها من قبل ، أو بعد ذلك ، مع تيقّن ثبوته لها ، مع إطلاقه على الذّات المتلبّسة به حال النسبة ، وجعله لاتّحادها مع هذه الذّات معرّفا لتلك.

وهذا على قسمين بحسب الموارد :

أحدهما : أن يراد به تعريف الذّات من حيث هي ، من غير اعتبار كونها محكوما عليها بحكم ، كما مرّ أمثلته في التّنبيه السّابق كقولك ( هذا ضارب زيد ، أو هو قاتل عمرو ).

وثانيهما : أن يراد به تعريف الذّات باعتبار كونها محكوما عليها بحكم ، كما تقول : ( جاءني ضارب زيد ) مريدا به المتلبّس بالضّرب قبل ، المتّحد لهذا الجائي من حيث الذّات ، فتجعله بذلك الاعتبار معرّفا لهذه الذّات المحكوم عليها بالمجيء ، أو تقول : ( اضرب قاتل عمرو ) قاصدا ضرب الذّات الموجودة الآن المنقضي عنها القتل ، لكن علّقت الحكم على هذا العنوان في الظّاهر مريدا به المتلبّس به حال تلبّسه به لنكتة التّعريف ، أي تعريف الذّات المحكوم عليها الآن بالضّرب ، أو لنكتة الإشعار بمدخليّة هذا العنوان لوجوب الضّرب أيضا ، إذا كان سبب أمرك بضربه كونه قاتلا لعمرو ، كما وجّهنا الآية المتقدمة به ، كما عرفت.

ومثل ذلك يجري في المنادى أيضا ، سيّما في موارد النّدب كقولك ( يا

__________________

(١) يوسف : ٣٦.

٢٨٤

معطي الفقراء ) مريدا بالنّداء حقيقة هذا الشّخص المنقضي عنه الإعطاء حال النّداء ، وإنّما ناديته بهذا العنوان تنبيها على أنّه هو الّذي كان يعطي الفقراء ، والآن صار فقيرا مثلا ، مع إرادة الذات المتلبّسة بالإعطاء في ذلك الزّمان من هذا الوصف ، وجعله بهذا الاعتبار معرّفا لمن تدعوه ، لاتّحاده مع تلك الذّات المتلبّسة بما ذكر في ذلك الزّمان.

وإمّا على التّنزيل والادّعاء.

وإمّا على تصرّف في المادّة ، كما في موارد استعمالها في ملكات مبادئها ، كالكاتب ، والشّاعر والفقيه ، وأمثالها ممّا يراد بها التّلبّس بملكة المبدأ ، لا بنفسه ، أو فيمن أخذ مبادئها حرفة ، وصنعة ، كالبنّاء والنسّاج والكاتب ، وأمثالها ، إذا أطلقت على هذا الوجه ، وكما في استعمال البقّال والتّمار ، وأمثالهما من المشتقات المأخوذة من أسماء الذّوات في مزاولة مع البقل والتّمر ، إلى غير ذلك مما يعرف وجوه التّصرف فيها حسب موارد استعمالها ، فإنّ أسماء الآلة إذا أطلقت ولم يرد بها المتلبّس بالآليّة حال النسبة ، كالمقراض لغير المتلبس بآليّة القرض حال النسبة ، فلا بدّ أن يكون التّصرف فيها بنحو آخر ، كأن يقال : إنّها مستعملة فيما له شأنيّة الآلية مع إعداده لذلك أو بدونه.

وقد جعل بعض المتأخرين المدار في صدق أسماء الآلة حقيقة على شأنية الآليّة مع الإعداد لها ، بمعنى أنّه جعل معناها المتلبّس بشأنيّة كونه آلة لإيجاد المبدأ مع كونه معدّا للآليّة ، فيعتبر في صدقها حقيقة على ما أطلقت عليه من تحقّق هذين الشّأنيّة ، والإعداد فيه حال النسبة ، وعلى هذا فإطلاقها على هذا الوجه ليس من وجوه التّصرف فيها ، وإنّما يكون من ذلك ـ بناء على ما اخترنا ـ من أنّ المعتبر فيها التلبّس بالآليّة فعلا (١).

لكن هذا القول ليس بجيّد ، كما لا يخفى ، إذ ليس المتبادر من نفس تلك

__________________

(١) وعلى ما اخترنا من اعتبار التلبّس في أسماء الآلة بالآليّة حال النسبة ، فلا يصدق على ماله شأنية ذلك مع عدم تلبّسه به حينئذ ، ويصدق عليه على القول الآخر ، وأمّا بالنسبة إلى ما لا يكون له الصّلاحيّة لذلك حال النسبة ، كإطلاق الميزان مثلا على قطع منتشرة من الخشب والحديد مع كونها ميزانا قبل ، أو سيصير ميزانا ، فالإطلاق مجازيّ على القولين ، لمحرّره عفا الله عنه.

٢٨٥

الهيئات عرفا ، مع قطع النّظر عن خصوص بعض الموارد ، إلاّ المتلبّس بآليّة إيجاد المبدأ حال النّسبة ، فيكشف ذلك أنّ المعتبر في وضعها لغة ذلك ، فحينئذ لو كان مفاد تلك الهيئات في بعض الموارد غير منطبق على ذلك ، فهو إمّا لأجل قرينة متحقّقة في خصوص المورد ، وإمّا لأجل حدوث نقل ووضع طار بسبب غلبة استعمال العرف لها في المورد الخاصّ في المعنى المخالف لما ذكرنا ، كما هو ليس ببعيد فيها بالنسبة إلى مادّة الوزن ، والثقل ، والثّقب والنّشر ، كالميزان والمثقال والمثقب والمنشار ، فإنّ المتبادر منها عرفا هو ما يصلح لآليّة إيجاد هذه المبادئ مع كونه معدّا لذلك وإن لم يتلبّس بالآليّة فعلا.

والكاشف عن كون هذا التّبادر من نفس اللّفظ عدم صحّة سلب تلك الألفاظ عما له شأنيّة الآلية مع إعداده لها ، وان لم يكن متلبّسا بها حال النسبة ، وصحة سلبها عما له شأنية ذلك مع عدم إعداده له ، بل الظّاهر منها كما يظهر للمتأمّل هي الذّوات المعدّة لما ذكر ، من دون التفات إلى عنوان كونها آلات ، فإنّ المتبادر منها ، ما يعبّر عنه بالفارسية ، بـ ( ترازو ، ومتّه ، وأرّه ) فهي على هذا كأسماء الجوامد الموضوعة للذّوات ، فيخرج عن كونها أوصافا بالمرّة ، فإنّ الدّال حينئذ هو أمر واحد ، وهو المركّب من الهيئة والمادّة المخصوصة ، فيكون وضعها حينئذ شخصيّا.

ولعلّ منشأ تخيّل البعض ملاحظة بعض الأمثلة الخاصة المقرونة بالقرائن المفيدة لما زعم ، أو المنقولة إليه.

وكيف كان ، فقد عرفت وجه التّصرف في أسماء الآلة بناء على المذهب المختار فيها.

ويقرب منه وجه التّصرف في أسماء المكان ، فإنّه أيضا إطلاقها على غير المتلبّس بظرفيّة المبدأ حال النسبة باعتبار صلاحية الظّرفية لذلك.

وكيف ما كان ، فإن شئت توضيح الكلام فيما ذكرنا فنقول :

إنّه لا ريب أنّ مبادئ المشتقّات مختلفة ، فقد يكون المبدأ فيها وصفا ، كالأبيض والأسود ونحوهما ، وقد يكون قولا كالمتكلّم والمخبر ، وقد يكون فعلا

٢٨٦

صدوريّا متعدّيا إلى الغير ، كالضّارب والنّاصر والقاتل ونحوها ، وقد يكون ثبوتيا غير متعدّ إلى الغير ، كالقائم والقاعد والمضطجع ، والمستلقي ونحوها ، ويعبّر عن الجميع بالحال ، وقد يكون ملكة ، كالعادل والمجتهد ونحوهما ، إذا أريد التلبّس بملكة الاقتدار على مبادئها ، وقد يكون حرفة وصنعة على أنحاء خاصّة ، كالبنّاء والكاتب والنسّاج ، ونحوها من المشتقّات المأخوذة من المصادر من أسماء الفاعلين ، وصيغ المبالغة ، إذا أريد بالأولى التلبّس بمبادئها بعنوان أخذها حرفة ، وبالثّانية التلبّس بمبادئها بعنوان كثرة أخذها حرفة ، لا مجرد التلبّس بأخذها حرفة لا بشرط ، وإلاّ فيلزم التّصرف في الهيئة المفيدة لكثرة التلبس ، لكونها حينئذ لمجرّد الوصف ، كما هو الغالب في استعمال أسماء الحرف الّتي على هذا الوزن عرفا ، سواء كانت مأخوذة من المصادر كالنّسّاج والبنّاء ، حيث إنّ الغالب استعمالها فيمن تلبّس بأخذ مبادئها حرفة من دون اعتبار الكثرة ، أو من أسماء الذّوات كالبقّال والعطّار والتّراب والزبال ، حيث إنّ الغالب عرفا في استعمالها أيضا إرادة التّلبّس بأخذ بيع تلك الذّوات ، أو نقلها حرفة ، بل الظّاهر هجر تلك الهيئة ، أعني زنة فعّال عرفا عن معناها الأصلي ، ونقلها إلى مجرّد المعنى الوصفيّ المجرد عن الكثرة ، فيما إذا أريد بالمبدإ الحرفة ، مصدرا كان ، أو اسم ذات ، كما لا يبعد دعوى طروء الوضع عليها عرفا بواسطة غلبة الاستعمال للتّلبّس بأخذ المبدأ حرفة فيما إذا كان المبدأ من أسماء الذّوات ، بحيث يكون استعمالها حينئذ في التلبس على وجه الحال ، بأن يراد التلبس ببيع هذه الذّوات مجازا محتاجا في الانفهام إلى القرينة الصارفة.

ولا يبعد دعوى ذلك أيضا في بعض أمثلتها المأخوذة من المصادر ، كالنسّاج والبنّاء والخرّاط والغسّال ونحوها.

وكيف كان ، فكلامنا الآن مع الغضّ عن ذلك كلّه ، فتأمّل (١) أو من

__________________

(١) وجه التأمّل أنّه يمكن نقل المادة في الصورتين في ضمن تلك الهيئة إلى الحرفة ، لغلبة استعمالها فيها في ضمن الهيئة ، فالهيئة على ما استظهرنا إنما هي منقولة إلى مجرد التلبّس بالمبدإ إلى التلبّس بمعنى خاص.

هذا مع إمكان نقل المجموع من الهيئة والمادّة إلى التلبّس بمعنى خاصّ ، فتأمل لمحرّره عفا الله عنه.

٢٨٧

أسماء الذّوات (١) ، كاللاّبن والتّامر ، ونحوهما من أسماء الفاعلين المأخوذة منها ، وكالبقّال والعطّار ، ونحوهما ممّا مرّ من صيغ المبالغة المأخوذة منها إذا أريد بها كلّها ، التلبّس بأخذ بيع تلك الأعيان حرفة ، وقد عرفت ما في الثانية.

وأمّا الأولى ، أعني أسماء الفاعلين المأخوذة من أسماء الذّوات ، فلا تصرّف من العرف في هيئتها أصلا ، والغالب استعمالها في التلبّس الحالي ، أعني إرادة مجرّد التلبّس مع تلك الأعيان ، وهذا هو الظّاهر المتبادر منها عرفا ، فيكون أخذ مبادئها حرفة خلاف الظاهر المحتاج إلى القرينة الصّارفة عما ذكر ، لكنّه لا يوجب التّصرف في الهيئة ، فإنّها لمجرّد التلبّس بالمبدإ بمعناه ولو مجازا ، وهذا باق على جميع التّقادير.

وقد يجتمع في المبدأ الواحد الوجوه الثلاثة ، أعني الحال والملكة والحرفة ، بمعنى أنّه يصلح لإرادة التلبّس بكل واحد من تلك الوجوه ، كما في الكاتب والقارئ والمدرّس وأمثالها ، أو الاثنان منها ، كما في العالم والفقيه والمجتهد ونحوها ، لصلاحيّتها لإرادة التلبّس الحالي ، والتلبّس بملكة الاقتدار على مبادئها ، ومن المعلوم عدم التّصرف في الهيئة من جهة أحد الوجوه الثّلاثة (٢) في جميع الصّور.

أمّا في صورة إرادة التلبّس الحالي فواضح ، إذا كان المبدأ من المصادر ، وأمّا إذا كان المبدأ من أسماء الذّوات فالتّصرف أنّما وقع في المبدأ من حيث إخراجه عن معناه الأصلي وهو الذّات إلى غيره ، وهو الفعل المتعلّق بالذّات المناسب لتعلّقه بها ، كالبيع ، بل يمكن عدم التزام التّصرف في المادّة أيضا ، بتقريب ما يقال : في مثل قوله تعالى ( حرّمت عليكم أمّهاتكم ) (٣) فإنّ الأمّ فيه في معناه الأصلي ، وكذا الحرمة ، إلاّ أنّه تجوّز في أمر عقلي ، وهو نسبة

__________________

(١) قولنا ( أو من أسماء الذوات ) عطف على قولنا المذكور سابقا ، أعني من المصادر في قولنا : ( من المشتقّات المأخوذة من المصادر من أسماء الفاعلين أو صيغ المبالغة ) ، لمحرّره عفا الله عنه.

(٢) بمعنى أن شيئا منها لا يستلزم التصرّف في الهيئة ، بان يكون التصرّف مسبّبا عنه وإن أمكن التصرّف فيها بواسطة امر خارجيّ ، كنقلها إلى غير معناها الأصلي بواسطة غلبة الاستعمال في هذا الغير ، كما مرت الإشارة إليه في بعض الأمثلة ، لمحرّره عفا الله عنه.

(٣) النساء : ٢٣.

٢٨٨

الحرمة إلى الأمّ الّتي هي من الذّوات ، فلا مجاز في الكلمة ، أصلا ، وأمّا تفهيم المقصود الواقعي ، وهو حرمة وطء الأمّهات ، فالتعويل فيه على القرينة العقلية الدّالة على امتناع إرادة حرمة الذّوات نفسها ، بضميمة ظهور الوطء من بين الأفعال المتعلّقة بها ، وتكون الأولى صارفة ، والثّانية معيّنة ، فأريد من كلّ واحد من الطّرفين معناه الأصليّ ، وأريد الدّلالة على المقصود بالقرينة.

فعلى هذا يقال فيما نحن فيه أيضا : إنّ الهيئة لإفادة التلبّس بمعروضها ، وأريد بها هذا المعنى ، والمبدأ للذّات ، وأريد به هذه ، لكنّ التعويل في تفهيم المقصود ـ وهو التلبّس بالفعل المتعلّق بالذّات ـ على العقل ،

حيث إنّه لا يصحّ الاتصاف بنفس الذّات ، بمعنى أنّه مستحيل عقلا ، فيكشف ذلك عن التّجوز في النسبة الضّمنية بين الهيئة ـ والمادة ، وأنّ المراد غير إرادة التلبس بنفس [ المادة ](١) فيكون هذا بضميمة ظهور البيع ، لكونه متعلّقا لمفاد الهيئة بالنسبة إلى سائر الأفعال دالاّ على المراد ، فلا مجاز لغة في شيء من المادّة والهيئة أصلا ، بل هو عقليّ فحسب ، كما في الآية ، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ التّجوز ثمة وقع في النسبة التّامة بين الموضوع والمحمول ، وهنا وقع في النسبة الناقصة الضمنيّة الحاصلة بين الهيئة والمادّة.

هذا كلّه إذا أريد بالمشتق التلبّس الحالي.

وأمّا إذا أريد به التّلبّس بالمبدإ باعتبار الملكة أو الحرفة ، فلا يلزم أيضا في الهيئة تصرّف أصلا ، وإن كان ، فهو في المادّة ، فإنّه إن أريد بها الملكة فالهيئة لإفادة التلبّس بها ، أو الحرفة فكذلك ، فلم يخرج عما يقتضيه وضعها الأصليّ.

ثم إنّ المبدأ إذا أريد به الحال ، فقد عرفت أنّه لا مجازيّة فيه حينئذ مطلقا ، من حيث اللّغة ، وإنّما كان يلزم التّجوز العقلي في بعض الموارد ، وهو ما إذا كان من أسماء الذّوات.

وأمّا إذا كان للملكة أو الحرفة ، فلا إشكال في مجازيّته لغة بالنّظر إلى معناه الأصلي.

__________________

(١) زيادة يقتضيها السياق.

٢٨٩

لكنّه قد يدّعى طروء الوضع من العرف عليه بواسطة غلبة الاستعمالات بالنسبة إلى الحرفة أيضا ، مع بقاء معناه الأصلي ، فيكون في العرف مشتركا لفظا بينهما ، بل قد يدّعى هجره عن المعنى الأصليّ إلى خصوص الحرفة في أسماء الحرف الّتي على وزن فعّال ، كنسّاج وتمّار وبقّال ، وغيرها.

والحقّ عدم عروض الوضع الجديد له مطلقا (١) ، فيما إذا كان المبدأ في ضمن غير فعّال من هيئات المشتق.

نعم قد يتعدّى في بعض الأمثلة دعوى إجماله حينئذ عرفا ، لغلبة استعماله في غير الحال ، الموجبة للتّوقف والإجمال ، فيكون مجازا مشهورا.

وأمّا إذا كان في ضمن هيئة فعّال ، فالظّاهر هجره عرفا عن المعنى الأصليّ ، إلى الحرفة ، بحيث يظهر منه هذه عند الإطلاق ، ويحتاج انفهام معناه الأصليّ ، وهو الحال ، إلى القرينة الصّارفة عن ذلك مطلقا ، بالنسبة إلى المصادر وأسماء الذّوات ، لكن لا مطلقا ، بل فيما يطلق على الحرفة غالبا ، كالنسّاج والبنّاء والبقّال والعطّار ، لا مثل القتّال والأكّال والسيّار ونحوها ، لعدم غلبة استعمالها فيما ذكر ، بل الغالب إرادة المعنى الحالي ، ومن المعلوم أيضا عدم التصرّف في هيئة فعّال ، الموضوعة للمبالغة في تلك الأمثلة.

وكما في صيغ المبالغة (٢) ، المأخوذة من أسماء الذّوات مطلقا ، فإنّ الغالب إرادة الحرفة منها مع ما عرفت بالنسبة إلى الهيئة فيها أيضا.

والدليل على ذلك التّبادر من تلك المواد عند الإطلاق ، وصحّة سلب تلك الصّيغ حينئذ عمّن تلبّس بالمبدإ بمعناه الحالي ، فإنّه يصحّ أن يقال لمن تلبّس بفعل النّسج مثلا. أو بيع التّمر ، من دون أخذهما حرفة : إنّه ليس بنسّاج ، أو تمّار ، ولا يصحّ أن يقال : إنّه ليس بناسج ، وتامر.

__________________

(١) أي سواء كان بطريق الاشتراك أو النقل ، وسواء كان المبدأ من أسماء الذوات أو المصادر ، لمحرّره عفا الله عنه.

(٢) وكيفيّة نقل تلك الألفاظ إلى ما ذكر : أنّ العرف أطلقوها على من تكرّر منه صدور المبدأ وتلبّس به في أغلب الأحوال ، فمن اتخذ الفعل حرفة وصنعة إلى حدّ استغنى ذلك عن القرينة ، صارت حقائق عرفيّة فيما قلنا. لمحرّره عفا الله عنه.

٢٩٠

وأما عدم ثبوت طروء الوضع عرفا لغير ما ذكر بالنسبة إلى غير الحال من الملكة والحرفة ، فلأنّه لو ثبت ، فهو إما بطريق الهجر والنقل ، وإما بطريق الاشتراك اللفظي ، كما قيل.

والأول مفقود في المقام ، فإنّ لازمه تبادر غير الحال ، بحيث يتوقف انفهام الحال على القرينة ، وليس كذلك في المقام ، فإنّه إما مجمل بالنّسبة إلى الحال وغيره ، كما هو كذلك في كثير من الأمثلة ، وإمّا ظاهر في الحال ، كما في بعض أمثلته الأخرى ، فانتفاء اللازم يكشف عن انتفاء الملزوم.

والثاني باطل في نفسه لما حققنا في محله ـ في مسألة المجاز المشهور ـ أنه لا يمكن الاشتراك بواسطة غلبة الاستعمال ، فإنّ اللّفظ ، ما لم يهجر عن معناه الأصلي ـ بغلبة الاستعمال ـ لا يعقل اختصاصه بالمعنى الثاني أيضا ، فراجع.

هذا مضافا إلى تبادر الحال في بعض الأمثلة.

نعم لا يبعد دعوى النقل في مثل : العادل والمجتهد ـ في عرف المتشرعة ـ إلى الملكة ، لكنّ الكلام في ثبوته بالنّظر إلى العرف العام.

احتجّ مدّعي الاشتراك (١)(٢) ، بأنّه إذا قيل : ( رأيت كاتبا ، ولقيت قارئا ) ، يتوقّف العرف في المراد ، وينتظرون القرينة لتعيين المراد من الحال والحرفة ، فيكشف ذلك عن اشتراك المبدأ فيهما ، وفي أمثالهما عرفا بين الحال والحرفة.

وفيه ـ مضافا إلى ما عرفت ـ ان التّوقف والإجمال لا يصلح لأن يكون علامة للاشتراك ، لكونه أعمّ منه ، لوجوده في المجاز المشهور أيضا ، والعلامة لا بد أن تكون مساوية للمدلول ، أو الأخص ، فلذا لم يعدّه أحد من علائم الاشتراك.

__________________

(١) مدعي الاشتراك حسبما نسبه المحرّر هو الآخوند المولى أحمد الخوانساري (ره) ، وقال في طبقات أعلام الشيعة ١ : ٧٠ رقم ١٤٠ ( الشيخ المولى أحمد الخوانساري ) ما ملخصه : بأنه كان من أعلام الشيعة في القرن الثالث بعد العشرة ، ومن فحول علماء عصره الجامعين المتفنّنين ، أخذ العلم عن جماعة من الأعاظم كالمولى أسد الله البروجردي الملقّب بحجة الإسلام وشريف العلماء المازندراني ... وله آثار منها [ مصابيح الأصول ] كتب المجلّد الأوّل منه تلميذ المصنّف الشيخ عبد الحسين البرسي عن خطّ أستاذه ، وكتب عليه ما سمعه من الدروس في [١٢٧٣] وله أيضا الأدعية المتفرّقة ...

(٢) مصابيح الأصول.

٢٩١

نعم لو استدل بتبادر كلّ من المعنيين من اللفظ ، بمعنى تصوّرهما من نفس اللفظ عند الإطلاق مع التوقّف في أنّ أيّهما المراد ، حيث إنه يجوز إرادة أكثر من معنى ، لاتّجه الاستدلال ، لكنّ الواقع ليس كذلك.

هذا ، ثم إنّ الظاهر أنّه لم يقع الخلاف من أحد في مجازيّة المبدأ الصّالح لإرادة الملكة فيها في العرف أيضا ، وانّما اختلفوا في ثبوت الوضع بالنّسبة إلى الحرفة فيما يصلح لإرادتها وعدمه اشتراكا أو نقلا ، فيكون إطلاق المبدأ على الملكة في نحو كاتب وقارئ مجازا قطعا ، إذا أريدت الملكة من نفس اللّفظ ، لعدم ثبوت الوضع لها بوجه ، مضافا إلى تبادر الغير.

لكنّ الظّاهر بناء الإطلاق في صورة حصول الملكة ، دون الحال على تنزيل من له ملكة التلبّس بالمبدإ منزلة المتلبس به فعلا ، وإرادة الحال من المبدأ بهذا الاعتبار ، فيلزم التجوّز بحسب العقل دون اللغة.

وكيف كان ، فالنسبة بين الحال وبين كل من الملكة والحرفة ، كالنّسبة بين الأخيرتين ، هي العموم من وجه.

والأمر واضح بالنّسبة إلى الحال وغيرها.

وأما الأخيرتان ، فمحلّ الافتراق فيهما من جانب الملكة ، الاجتهاد والعدالة ، ومن جانب الحرفة ما لا يحتاج في حصوله إلى تحصيل ملكة ، مثل بيع التّمر والخبز ونحوهما. ومورد الاجتماع فيهما الحرفة التي يحتاج تحصيلها إلى صرف العمر في مدة طويلة لتحصيل قوّة يقتدر بها على الفعل ، كالخياطة والحياكة والصّباغة ونحوها.

ثم إنّ مورد الخلاف في المسألة (١) يعمّ جميع الأقسام ، كما أشرنا إليه في تحرير النّزاع ، كما صرّح به غير واحد منهم ، لإطلاق العنوانات ، وعموم الأدلة وتمثيلهم بالألفاظ الموضوعة بإزاء الملكات والحرف ، وبيان الثّمرة على حسب اختلاف المبادئ ، كما ستعرف ، فما ذكره بعض الأعلام من اختصاص النّزاع بما يكون المبدأ فيه حالا ، استنادا إلى حصرهم الخلاف فيما تلبّس بالمبدإ وانقضى عنه

__________________

(١) تحقيق مقال متضمّن لدفع بعض ما ربما يتخيّل من اختصاص محلّ النزاع في المسألة ببعض الوجوه. لمحرّره عفا الله عنه.

٢٩٢

ذلك ، نظرا إلى عدم تحقّق الزّوال إلاّ في الحال لعدم زوال الملكة والحرفة ، ليس بجيد.

ويردّ مستنده ، بأنّه لا ريب في إمكان زوال كلّ من الملكة والحرفة بعد حصولهما ، إذ الأولى : قد تزول بالنّسيان الحاصل من ترك الاشتغال بالفعل في مدة طويلة ، كما تزول الثانية أيضا بالإعراض وترك الاشتغال ، مع عدم قصد العود والاشتغال بما يضادّها من الحرف والصّنائع ، بل بدونه أيضا ، مع قصد الإعراض وترك الاشتغال ، فإنّ زوال كلّ شيء بحسبه ، فالنّزاع يعمّ الجميع ، إلاّ أنّ التّلبّس بالمبدإ يختلف باختلاف المبادئ ، ولا كلام لنا باعتبار ذلك. فافهم واغتنم.

الثالث : (١) الذّوات الخارجيّة أعني الجزئيات الحقيقية التي تكون معروضة للمبادئ في الخارج ، غير داخلة في مفهوم المشتق ، بلا خلاف أجده ، ولا بد من خروجها وإلاّ لزم أن تكون المشتقات موضوعة للخصوصيات على سبيل عموم الوضع ، وخصوص الموضوع له ، ولا قائل به ، بل الظاهر اتفاقهم على كون المفهوم فيها كلّيا ، ولذا وقعت موضوعات للقضايا المعتبرة في المحاورات الدّالة على ثبوت المحمولات لكل فرد من أفراد الموضوع ، ولولاه للزم استعمالها في أكثر من معنى واحد ، حيث يراد بها جميع الخصوصيات ، وهذا باطل.

وأيضا لو ثبت ذلك لزم حمل الذات على الذات وتوصيفها بها في قولك : ( زيد ضارب ) و ( زيد القائم ) ولا ريب في فساده.

وحمل المشتق في المثالين على المجرّد عن الذات ـ بقرينة الحمل والتوصيف ـ مستلزم للتجوّز في الاستعمالات الغير المتناهية الثابتة في المحاورات ، ولا يلتزم به أحد جدّاً.

هذا مضافا إلى كفاية الأدلّة الآتية في مورد الخلاف عن التكلم هنا.

وكيف كان ، فكما لا ينبغي الرّيب في عدم أخذ الذوات الخارجية في مفاهيم المشتقات ، كذلك لا ينبغي [ الرّيب ] في عدم دلالتها على شيء من

__________________

(١) أي التنبيه الثالث.

٢٩٣

خصوصيّات الذّوات ، مثل كون المعروض جسما في نحو الأبيض والأسود ، وإنسانا في نحو الضاحك والكاتب ، وهكذا ، لعدم حصول الانتقال إلى نحو ذلك من خصوص الألفاظ المشتقة قطعا ، وإلاّ لزم أن لا يصح قولك : الجسم الأسود والأبيض ، لكونه حينئذ من باب توصيف الأعم بالأخص ، كقولك : الحيوان الإنسان ، ولا ريب في بطلان التالي ، ضرورة صحة التوصيف في المثال ونحوه.

مع أنّ المعتبر في المفهوم إن كان هو العنوان الخاصّ ، من حيث وجوده في الخارج ، فيلزم حمل الذّات على الذّات وتوصيفها بها ، على حسب ما مرّ بيانه في ردّ دخول الجزئيّات الحقيقية في مفهوم المشتق. وإن اعتبر لا بشرط ، فلا يصح ، لأنّ المبادئ غير جارية على تلك العنوانات في الذهن ، بل من عوارض الماهيّات الخارجية ، فكيف يعتبر في المشتق تلبسها بالمبادئ إذ على هذا يصير قولك :

الأسود ، معناه مفهوم الجسم المتصور في الذهن المتلبس بالسواد ، وهذا مما يضحك الثكلى ، ضرورة عدم إمكان عروض المبدأ الّذي هو السّواد بالمفهوم الذهني ، وإنما هو عارض لجزئياته الحقيقية المتحققة في الخارج ، وهكذا في سائر أمثلة المشتقات.

وكيف كان ، فهذا بديهيّ لا حاجة فيه إلى تجشّم الاستدلال ، فلنأخذ بالكلام فيما هو محل للخلاف في المقام.

فنقول : إنّهم بعد اتفاقهم ظاهرا على خروج الذّوات الخارجية عن مفهوم المشتقات ـ كما عرفت ـ اختلفوا في اعتبار الذّات المبهمة المفسرة بالشيء في بعض العبارات في مفهوم المشتقات على أقوال :

أحدها : الدّخول مطلقا ، وهو المحكيّ عن العلامة (قدس سره) في التهذيب (١) وابن الحاجب في المختصر والعضدي في شرحه (٢).

__________________

(١) تهذيب الأصول : ١٠ ، الفصل الرابع في الأسماء المشتقّة عند قوله : ومفهوم المشتق شيء ماله المشتق منه من غير دلالة على خصوصيّة الشيء.

(٢) مختصر الأصول لابن الحاجب وشرحه للعضدي وسماه بـ ( حواشي بر شرح مختصر ) الجزء الأوّل : ١٧١ ، ١٧٢ ، وإليك نصّهما : امّا نصّ المختصر لابن الحاجب فهذا لفظه : المشتق ما وافق أصلا بحروفه الأصول ومعناه وقد يزاد بتغيير مّا وقد يطّرد كاسم الفاعل ... إلى آخره. وامّا نصّ العضدي في شرحه فهذا لفظه : أقول : اشترط في المشتق أمور ( إلى أن قال : ) ثالثها الموافقة في المعنى ، بأن يكون فيه معنى الأصل ، إمّا مع زيادة كالضّرب والضّارب ، فإنّ الضارب ذات ثبت له الضّرب.

٢٩٤

ثانيهما : الخروج مطلقا ، وهو المحكي عن جماعة من المحققين ، وعن المحقق السّيد الشريف (١) والعلامة الدواني ، واختاره بعض المحققين من المتأخرين ـ أيضا ـ في تعليقاته على المعالم (٢).

ثالثها : التفصيل بين أسماء الآلات وغيرها فقيل بالأوّل في الأولى ، وبالثاني في الثانية ، وخير الثلاثة أوسطها ، وفاقا لشيخنا الأستاذ وسيدنا الأستاذ دام ظلهما أيضا.

لنا على ذلك وجوه أوّلها : التبادر ، فإنّ المتبادر من نفس الألفاظ المشتقة هي العنوانات العرضيّة الجارية على الذّوات على أنحاء الجريان ، بحسب اختلاف المشتقات ، لا ذات ما مع تلك العنوانات ، فإنّا لا نفهم من الضّارب ، والقاتل والرّاكب والكاتب مثلا ـ إلاّ ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( زننده وكشنده وسواره ونويسنده ) كما مر ، ولا ريب أنّ هذه المعاني مفاهيم عرضية تجري على الذّوات على سبيل الحمل والتوصيف ، لكونها من وجوه الذّوات الصّادقة عليها ومن مزاياها الحاكية عنها ، فإنّ لكلّ شيء عنوانات ووجوها صادقة عليه ، يعبر عنه بكلّ واحد من تلك الوجوه ، لاتحاده معه في الوجود ، كما يعبّر عن زيد ، تارة بكاتب وأخرى بقارئ وثالثة بضاحك ، ورابعة بعالم ، وخامسة بأنه ابن فلان ، أو أبوه أو صاحبه ، أو عدوه ، وسادسة بإنسان أو حيوان أو ضاحك ، إلى غير ذلك من الوجوه الصادقة عليه من الوجوه العرضيّة ، كما هو مفاد المشتقات ، ومفاد بعض الجوامد ، كالابن والأب والزوج والزوجة وأمثالها ، أو الذّاتية كما هو مفاد الغالب منها ، كما في الحيوان والإنسان والحجر والشجر والماء والتّراب ، وغير ذلك مما لا يكون الموضوع له فيها هو نفس الذّات بما هي ، بحيث لا تختلف باختلاف بعض الوجوه الصادقة عليها المتحققة لها في حال ، وتبدّلها إلى وجه آخر ، بل باعتبار وجه خاص من تلك الوجوه ، بمعنى أنّ الموضوع له في هذا القسم أيضا هو نفس الوجه الخاصّ الصادق

__________________

(١) شرح المطالع : ١١ انظر عبارة السّيد في الهامش فإنه قال عند قول الشارح ( والمشتق وان كان في اللفظ مفردا إلاّ أنّ معناه شيء له المشتق منه ) بما هذا لفظه : يرد عليه ان مفهوم الشيء لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلا ... إلى آخره.

(٢) هداية المسترشدين : ٧٦ انظر مبحث المشتق.

٢٩٥

على الذّات ، لا هي معه أو بشرطه ، فيكون الحال فيها من هذه الجهة هو ما اخترنا في المشتقات من خروج نفس الذّوات عن حقيقة اللفظ ، وانّما الموضوع له اللفظ هو الوجه لا غير.

إلا أنّ الوجه المعتبر في المشتقات من الأمور الغرضية ، نظير بعض الجوامد ـ كما مرّ ـ وفي هذه من الأمور الذّاتية ـ فإنّها هي الصّور النوعية التي يختلف الشيء باختلافها ، فيتبعه الاختلاف في صدق الاسم ، ولذا لا يصدق الكلب على المستحيل منه ملحا ، أو ترابا ، وكذا في أمثالها.

وبالجملة ، فالحال في الجوامد ، ـ بكلا قسميها ـ إذا لم يكن من الأعلام الشخصية هو ما حققنا في المشتق ، من جهة كون الموضوع له هو الوجه.

وأما الأعلام ، فالظّاهر أنّ الغالب اعتبار عنوان خاص فيها أيضا ، ووضع الاسم لذلك العنوان المتحد مع ذات الشخص.

نعم يمكن أن يضع أحد لفظ زيد ـ مثلا ـ لذات ابنه الّذي سيولد من غير ملاحظة عنوان شطرا أو شرطا ، أو وضع اللفظ لنفس هذا العنوان ، فيدلّ اللفظ حينئذ على الذّات أصالة ، كما أنه دال عليها في المشتقات وأمثالها من الجوامد ممّا يكون الموضوع فيها هو نفس الوجه تبعا ـ من باب الالتزام ـ نظرا إلى عدم إمكان انفكاك تلك الوجوه عن ذات ما ، واتحادها معها ، كما عرفت.

وكيف كان ، فلما كانت الذات معروضة لتلك الوجوه العرضية المستفادة من المشتقات ، ككونها معروضة لغير تلك الوجوه في غير المشتقات ، والارتباط التام حاصل بين العارض والمعروض ، فيحصل الانتقال إلى ذات ما ، من الانتقال إلى المفهوم العرضي ـ على سبيل الالتزام ـ كما في غيره من لوازم المعاني ، وهذا هو المنشأ لتوهم الدخول.

وتعبير بعضهم عن معنى اسم الفاعل بمن قام به المبدأ ، وعن معنى اسم المفعول بمن وقع عليه ، إنما هو لتسهيل البيان وتفهيم المعنى ، وتعريفه على الوجه الأوضح لضيق مجال البيان بالنسبة إلى نفس المعنى ، لا أنه تفسير لمعنى اللفظ ، ويكفي في مقام التعريف انطبقا المعرّف ـ بالكسر ـ على المعرّف ، وصدقه عليه ،

٢٩٦

وإن كانا متغايرين في الحقيقة ، فانّ الصّدق يحصل بمجرد اتّحاد كلا الأمرين في الوجود ، وان كانا في الواقع موجودين بوجود واحد. فلذا يجوز تعريف الضّاحك بأنه الإنسان ، أو حيوان ناطق ـ مثلا ـ ويجوز العكس أيضا ، فيقال : الإنسان هو الضّاحك.

فنقول فيما نحن فيه إنه لما كان تحقق الوجوه المذكورة مستلزما لتحقق الذات معها ، لكونها من عوارضها ، والمفروض أنهما موجودان بوجود واحد ، فكلما صدقت هي صدقت الذّات ، فيصحّ تعريف المصداق الخارجي بكل منهما ، لكونه متحدا مع كل منهما فعلى هذا ، لا يكشف تعريف شيء بأمر عن اعتبار جميع ما ينحل إليه هذا الأمر في المعرّف ، بل هو أعمّ.

هذا ، مع أنّ انحلال معنى إلى أجزاء ـ بالدقائق الحكمية ـ لا يوجب اعتبار تركّب المعنى المذكور من تلك الأجزاء عند الوضع ، ليكون كلّ جزء جزء من الموضوع له من حيث إنه الموضوع له ، بل ربما يضع الواضع لفظا لمعنى لا يدري أن حقيقته ما ذا ، وإنما يلاحظ هذا المعنى بوجه من وجوهه ، ككونه معنى اللفظ الفلاني في اللغة الفلانية ، كأن يضع لفظ الذئب ـ مثلا ـ لما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( گرگ ) مع ملاحظته بهذا الوجه ، أي ما يعبّر عنه بـ ( گرگ ) بل الغالب في الأوضاع البشرية ذلك ، فإنّهم كثيرا ما يضعون لفظا لمعنى لا يعرفون حقيقته ، وإنما يعرفها الحكيم ، والعرف أيضا لا يفهمون تلك المعاني ، إلاّ على وجه لاحظه الواضع.

وكيف كان ، فالمدار في بساطة معنى اللفظ وتركبه على ملاحظة الواضع ، لا على انحلال المعنى ـ في نظر العقل ـ فلذا لم يقل أحد بكون دلالة الإنسان على الحيوان أو على الناطق تضمّنا ، مع أن معناه ـ في نظر العقل ـ ينحل إليهما.

وعلى فرض تسليم أنّ المدار ـ فيما ذكر ـ على التّركب والبساطة ـ في نظر العقل (١) ـ مع أنه لم يقل به أحد ، فلا يرد علينا في المقام شيء ، لما قد عرفت من خروج الذّات عن حقيقة معاني تلك الألفاظ ، وانما هي معروضة لها لا تنفك عنها.

__________________

(١) في نسخة الأصل ذكر بدل العقل النقل ولكن الظاهر انه سهو.

٢٩٧

الثاني : أن الذات لو دخلت في مفهوم المشتقات ، فالدّال عليها إمّا المادة أو الهيئة أو هما معا والكلّ باطل.

أما الأول ، فلأنّ المادة لو دلّت عليها بالوضع ، للزم أن تكون داخلة في مفهوم المصادر أيضا ، لأنّ معاني المواد ـ في ضمن المشتقات ـ عين معاني المصادر بالاتّفاق ، كيف؟ وقد ذهب جماعة إلى أن المواد ـ في ضمنها ـ غير موضوعة بوضع على حدة ، بل وضعها وضع المصادر ، ولا يعقل معه المغايرة في المفهوم باعتبار اختلاف الهيئة ، واللازم باطل بالاتّفاق على عدم دخول الذات في مفهوم المصادر ، وبأنّها لو دلّت عليها لدلّت على النسبة أيضا ، فلم يبق فرق بينها وبين المشتقات.

وأما الثاني : فللاتفاق على أنّ الهيئة في المشتقات لا تفيد أزيد من الرّبط بين الحدث والذات ، مضافا إلى قضاء التتبّع في سائر الهيئات الموضوعة بعدم وضع هيئة بإزاء معنى مستقل ، وقد صرّحوا بأن معاني الهيئات معان حرفية ، فتأمل (١).

أما الثالث : فلأنّ مدلول المشتقّات موزّع على الهيئة والمادة فمدلول المادة هو الحدث ، ومدلول الهيئة الرّبط والنسبة ، والتفكيك بهذا النحو ثابت بضرورة اللّغة ، سواء قلنا : بأنّ وضع المواد في ضمن المشتقات وضع المصادر ، أو أنّها موضوعة بوضع آخر.

الثالث : انّ مفهوم المشتق على هذا التقدير إمّا الذّات المبهمة من حيث اتّصافها بالمبدإ ، بأن يكون التقيّد بالاتّصاف داخلا والقيد خارجا ، أو مجموع ذات مّا والمبدأ والنسبة ، فيكون مركّبا من الأمور الثلاثة ، وكلاهما باطل.

أما الأول : فلاستلزام خروج المبدأ عن مفهوم المشتق ، وهو باطل بالضّرورة والاتّفاق.

وأما الثاني : فلأّن قضيّته في مقام الحمل في نحو قولك : زيد ضارب ، أن يلاحظ إطلاق كل من الأجزاء الثلاثة على أمر من الأمور الخارجيّة ، فيطلق ذاتا مّا في المثال على خصوص زيد والمبدأ الكلي على المبدأ الخاصّ اللاحق به ، والنسبة

__________________

(١) سيجيء وجه التأمّل. لمحرّره قدس سره.

٢٩٨

الكلية على الرّبط الحاصل بين المبدأ والذّات ، لأنّ قضية الحمل اتّحاد المحمول مع الموضوع في الوجود الخارجي ، ومن البيّن أنّ هذا المفهوم المركّب غير متّحد مع ذات زيد الّتي هي موضوع القضيّة ، بل كل جزء منه متّحد مع شيء في الخارج على حسب ما ذكر.

لا يقال : إنّ هذا لازم على القول بعدم الدّخول مطلقا أيضا بالنّسبة إلى المبدأ والرّبط ، فإنّ المفهوم حينئذ أمر بسيط منتزع من الأمر الخارجي بملاحظة اتّصافه بالمبدإ ، واتّحاده مع الموضوع بالاعتبار ، لعدم وجود متأصّل لهذا المعنى العرضي ـ في الخارج ـ على حسب الذّاتيات ، حتى يعتبر اتّحاده على سبيل الحقيقة.

ولا يندفع بذلك ما يلزم من المحذور على فرض تركيب المفهوم ، لأنه لازم للإطلاق الدّال على الاتّحاد في الجملة ، ومع فرض بساطة المفهوم لا يكون إلا باعتبار واحد ، بخلاف صورة التركيب ، فإنّ الإطلاق حينئذ بالاعتبارات الثلاثة (١).

الرابع : ما استفدناه من المحقق السيّد الشريف ـ في حاشيته على شرح المطالع ـ على قول الشارح في شرح كلام المصنف في تعريف النّظر ، بأنّه ترتيب أمور حاصلة في الذهن يتوصّل بها إلى تحصيل غير الحاصل.

قال الشارح : وإنّما قال : أمور ، لأنّ التّرتيب لا يتصور في أمر واحد ، والمراد بها ما فوق الواحد ، ثم قال : والإشكال الّذي استصعبه قوم بأنّه لا يتناول التعريف بالفصل وحده ، ولا بالخاصة وحدها ، مع أنّه يصحّ التعريف بأحدهما على رأي المتأخرين ، حتى غيّروا التعريف إلى تحصيل أمر ، أو ترتيب أمور ، فليس من تلك الصّعوبة في شيء.

أمّا أوّلا : فلأنّ التعريف بالمفردات إنما يكون بالمشتقات ، كالنّاطق

__________________

(١) وحاصل الفرق بين القولين أن النسبة بين المحمول والموضوع في قولك ( زيد ضارب ) هي النسبة بين الكلّ والجزء على القول بدخول الذات في مفهوم المشتق ، فلا يصحّ الحمل ، لأن قضيّته اتحاد المحمول مع الموضوع ، والكل والجزء ليسا كذلك ، بل جزء منه متّحد مع الموضوع ومن نسبة الكلّي إلى الجزئي على ما اخترنا ، لبساطة المعنى حينئذ وصدقه على زيد الّذي هو الموضوع ، فيصحّ الحمل لاتّحاد الموضوع والمحمول في الوجود حينئذ ، لمحرّره عفا الله عنه.

٢٩٩

والضّاحك والمشتق ، وإن كان في اللفظ مفردا ، إلاّ أن معناه شيء له المشتق منه ، فيكون من حيث المعنى مركبا (١).

فأورد السيّد على هذا الجواب ، بأنّ مفهوم الشيء لا يعتبر في مفهوم النّاطق مثلا ، وإلاّ لكان العرض العام داخلا في الفصل ، ولو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشيء انقلب مادة الإمكان الخاصّ ضرورية ، فإنّ الشيء الّذي له الضّحك هو الإنسان ، وثبوت الشيء لنفسه ضروري ، انتهى (٢).

وحاصل الوجه المستفاد ـ من كلام السّيد ـ أنّه لو اعتبر الشّيء أو الذّات في مفهوم المشتق ، فهو إمّا مفهوم أحدهما أو مصداقه الخارجي ، وكلاهما باطل.

أما الأول : فلأنّ من المشتقات الناطق ، ولازمه أخذ مفهوم أحد الأمرين في مفهوم النّاطق ، ولا ريب أنّ مفهوم الشّيء ، أو الذات من الاعراض العامة ، فيلزم دخول العرض العام في الفصل ، وهو النّاطق ، للاتفاق على كونه فصلا للإنسان ، واللازم باطل بالاتّفاق ، وبديهة العقل ، إذ فصل كلّ شيء هو المقوّم لذلك الشيء ، ويستحيل كون الأمر العرضي مقوما لمحلّه.

وما يقال : من أنّ المراد بالنّاطق ـ الّذي يعدّ ذاتيا ـ هو النّطق ، ليس بشيء ، فإنّ الذّاتي يحمل على ما تحته من غير تأويل ، ولا يصحّ حمل النّطق كذلك.

وربما قيل : بأنّ المصطلح عند أهل الميزان في نحو النّاطق ما تجرد عن الذّات ، وهذا هو الّذي حكموا بكونه ذاتيا لما تحته.

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة بقاء النّاطق على المعنى الأصلي في ألسنتهم ، وعدم ثبوت اصطلاح جديد منهم فيه بوجه ، وإنّما يقولون بكونه فصلا بمعناه اللغوي.

وأمّا الثاني : فلأنّه مستلزم لانقلاب كلّ قضية ممكنة بالإمكان الخاصّ إلى الضّرورة ، كما في قولك : ( زيد ضارب أو كاتب أو ضاحك ) ، فان الشّيء أو الذّات الّذي له الضحك ـ على هذا ـ عين زيد ونفسه ، وثبوت الشّيء لنفسه ضروريّ ، واللازم باطل بالاتّفاق على أنّ ثبوت تلك المحمولات لتلك الموضوعات

__________________

(١ و ٢) شرح المطالع : ١١ ، انظر المتن والهامش.

٣٠٠