تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

إنّ جملة القول في الأحوال المتكافئة أنّ الأصول اللفظية إذا تعارض بعضها مع بعض ، وتكافئا ـ من حيث المرجّحات المعتبرة ـ احتمل فيه وجوه ، أو أقوال ، على أظهر الاحتمالين :

الأوّل : إلحاقها بالأخبار المتعارضة المتكافئة في الحكم بالتخيير.

وهذا ، وإن لم نجد به مصرّحا إلاّ أنّه يظهر من كلماتهم في تعارض القراءات السبع ، مع اختلاف الحكم الشرعي باختلافها.

ووجه الاستظهار أمران :

أحدهما : أنّ المشهور تواتر القراءات السّبع كلها ، وهذا يقتضى أن يكون النزاع في تعارضها من حيث مداليل تلك القراءات وظواهرها ، فيدخل فيما نحن فيه ، لأنّ الكلام في المقام في تعارض الظواهر اللّفظية ، وظواهر القراءات من جملتها.

هذا ، لكن الحقّ عدم توقف الاستظهار المذكور على ثبوت تواترها ، بل مع ثبوت جواز الاستدلال بها ، وجعل المتعارضين منها بمنزلة آيتين قطعيّتين ، أيضا يتمّ الخطب ، إذ مع ثبوت ذلك لا يكون ملاحظة التعارض والترجيح راجعا إلى الصدور قطعا ، بل راجع إلى جهة الدلالة والظهور ، أو الأعمّ منه ، بحيث يشمل الترجيح ، من حيث كون القراءة موضوعا للحكم الفرعي ، لكن الحقّ أنّه بعد فرضها كالمتواتر في الأخبار من جهة الصدور ، فلا وجه للتوقف في جواز القراءة بكل منهما ، فإنهما حينئذ بمنزلة آيتين يجوز القراءة بأيّهما شاء ، وترجيح القراءة بالقراءة من الإشمام الظاهر أنّه من جهة الصدور على القول بعدم التواتر ، وعلى عدم ثبوت كونها في حكم المتواتر ، كما يدلّ عليه بعض الأخبار ، من أنّ القرآن واحد ، ونزل من عند الواحد. وسيأتي تمام الكلام فيه.

وثانيهما : أنّ المشهور في تعارض القراءات التخيير ، كما في الأخبار مع عدم تقييدهم له بما إذا كان القراءات موضوعا للحكم الفرعي ، بل ظاهر إطلاق كلامهم ثبوت التخيير عند التعارض بالنسبة إلى جميع الأحكام المترتبة على لفظ القراءات ، بأن يكون موضوعا للحكم الفرعي ، وإلى الأحكام المرتبة على معناه بأن يكون القراءات طريقا إليها ، وحجة في إثباتها ، فمقتضى الأمرين وجود القائل بالتخيير فيما نحن فيه ، لعدم الفرق بين ظواهر ألفاظ الكتاب وبين غيرها ، إذ بعد فرض تواتر القراءات ، فيكون القراءتان المختلفتان سيّما فيما إذا كان الاختلاف من جهة المادّة ، آيتين مستقلتين حقيقة ، فيقع التعارض بين ظاهري الخطابين المفروغ عن صدورهما ، فيدخل فيما نحن فيه ، لأنّ

١٦١

الكلام فيه في تعارض ظاهري الخطابين ذاتا أو عرضا ، كما عرفت بعد البناء على صدورهما.

ثم إنه بناء على ثبوت تواتر القراءات ، فإن ثبت جواز الاستدلال بكل منها ، فيمكن الاستظهار المذكور أيضا ، إذ به يعلم أنه ليس النزاع في ترجيح نفس إحدى القراءات على الأخرى ، بل الترجيح والتعارض إنما هو من حيث التمسك بظواهرها.

وأما مع عدم ثبوت ذلك أيضا ، فيشكل الاستظهار ، لدوران الاحتمال بين أن يكون انتزاعهم (١) وملاحظتهم التعارض والترجيح ، من حيث السند والظهور ، وبين أن يكون الاستدلال بظاهرها.

هذا مع أنه يحتمل حينئذ أن يكون ذلك ـ أي البحث وملاحظة التعارض والترجيح ـ من حيث جواز القراءة بها وعدمه ، بأن يكون القراءة موضوعا للحكم الفرعي ، ولم يكن غرضهم إثبات كون القراءات طرقا ، وموضوعات للحكم الأصولي ، أعني الطريقية ، والاستدلال ، واستكشاف الأحكام الفرعية بها.

هذا ، ولكن يمكن تنزيل كلامهم ـ ثمة ـ ، على القول بعدم التواتر ، وعدم ثبوت الاستدلال بها ، فيخرج عما نحن فيه ، ويؤيده أو يدل عليه قولهم بالتخيير ثمة بعد فقد المرجحات الغير الراجعة إلى الدلالة فراجع وتأمل.

قال السيد الكاظمي ، في شرح الوافية (٢) على ما حكى عنه قدّس سره ، لما كانت القراءات السبع المعتبرة. كلها قرآنا ، كانت إذا اختلف اثنتان منها في حكم ، بمنزلة خطابين متعارضين ، والضابط في ذلك عند الأكثرين التخيير.

وذهب قوم من العامة إلى التساقط والرجوع إلى الأصل ، ثم لمّا كان ذلك مبنيّا على تكافؤ القراءات وانتفاء الترجيح ، وكان

__________________

(١) كذا في الأصل والصحيح ظاهرا ( التزامهم ).

(٢) الوافي في شرح الوافية ( مخطوط ) في تعارض القراءات وإليك نصّه :

فالمشهور التخيير ... لما كانت القراءة المعتبرة كلّها قرآنا كانت إذا اختلفت ثنتان منها في حكم بمنزلة خطابين متعارضين والضّابط في ذلك عند الأكثرين التخيير ، وذهب قوم من العامّة إلى التساقط والرجوع إلى الأصل ثم لما كان ذلك مبنيّا على تكافؤ القراءات وانتفاء الترجيح وكان ذلك على إطلاقه محل نظر رجح العلامة رحمه الله القراءتين المذكورتين لظهور المرجح بالسّلامة مما استقامت السنة الفصحاء على خلافه من الإمالة والإشمام ونحوهما فيجب الأخذ بما يقتضيانه دون ما عداهما فقد ظهر المستند الّذي يجب التعويل على مثله فالأولى الرجوع فيه إلى تفسير حملة الذّكر عليهم السلام أي في الحكم الّذي اختلف باختلاف القراءة وأنت تعلم انّ الرجوع إلى ما ثبت عنهم كاف في الباب ولا يتوقف على التفسير.

١٦٢

ذلك على إطلاقه محل نظر ، رجّح العلامة القراءتين المذكورتين ، لظهور المرجح بالسلامة مما استقامت ألسنة الفصحاء على خلافه في الإمالة والإشمام ونحوهما ، فيجب الأخذ بما تقتضيانه دون ما عداهما ، وأراد بالقراءتين قراءة عاصم ، وقراءة حمزة (١).

وأنت خبير بأنّ السلامة من مثل الإمالة والإشمام لا توجب الترجيح في مقام الاستدلال على الحكم الفرعي ، بعد فرض كون القراءتين متواترتين ، كما هو ظاهر قوله بمنزلة خطابين متعارضين ، فإنّ الظاهر منه أنّه أراد بالخطابين الآيتين المتواترتين ، مع أنّه لا يختلف المعنى باختلاف القراءة من حيث الإشمام والإمالة وعدمهما ، كما لا يخفى.

والظاهر أنّ نظر العلامة (قدس سره) في الترجيح إلى بعض ما يترتب على القرآن غير الاستدلال على الحكم من الأحكام الفرعية الثابتة له ، كالقراءة في الصلاة ، وأمثال ذلك مما يكون نفس القراءة فيه موضوعا للحكم ، لا طريقا إليه ، وهو ترجيح في محلّه ـ على تقدير كون الإمالة ـ مثلا من منافيات الفصاحة ، لأنّ الأفصح من آيات القرآن أولى بترتّب آثار القرآنية عليه ، فتأمل.

نعم لو تبيّن أنّ القراءات السبع مطلقا ، أو عند التعارض فيما يختلف فيه الحكم الشرعي غير متواترة ، كانت السلامة من مثل الإمالة مرجّحة.

هذا ما عرفت في تعارض القراءات ، ولكن القول بالتخيير مع التكافؤ لم نجد قائلا به في تعارض الأحوال المتكافئة ، كما أشرنا إليه سابقا.

الثاني : من الاحتمالات ، أو الأقوال إلحاقها بالأصول العلمية المتعارضة في الحكم بالتساقط مطلقا ، حتى في نفي الثالث ، وقد ينزل عليه ما سمعت عن بعض العامة ، كما هو الظاهر ، مع احتمال أن يكون المراد التّساقط في مورد التعارض ، لا مطلقا ، حتى في نفي الثالث أيضا الّذي يتفقان فيه.

الثالث : التوقف بمعنى تساقطهما في إثبات شيء من مورديهما لا مطلقا.

وهذا الاحتمال الأخير ممّا نسب إلى بعض العامّة ، كما عرفت فإنّ المنسوب إليهم في تعارض القراءات التساقط ، وهو لمّا كان محتملا لكل واحد من الاحتمالين الأخيرين ، وهما الثاني والثالث ، وإن كان أوّلهما أظهر ، فلذا جعلنا الاحتمالات أو الأقوال ثلاثة ، بناء على دخول النزاع في القراءات فيما نحن فيه ـ كما عرفت ـ.

__________________

(١) قد تقدم ذكر نصّ كلامه ـ في هامش الصفحة المتقدّمة ـ من كتابه المخطوط المسمى بـ ( نهاية الوصول ).

١٦٣

وتظهر الثمرة بين الاحتمال الثاني ، وبين الثالث فيما إذا كان الأصل مخالفا لكلا الظاهرين ، بأن يكون أحد الخطابين دالاّ على الوجوب والآخر دالاّ على التحريم ، إذ على الأوّل منهما يرجع إلى الإباحة التي هي مخالفة للأمرين ، وعلى الثاني وهو الثالث لا يجوز التعدي عن كليهما معا ، بل يجب العمل بأصل موافق لأحدهما دون المخالف لهما.

وأمّا فيما إذا كان الأصل موافقا لأحدهما فلا ثمرة بين الاحتمالين ، إذ على التقديرين يجب العمل بهذا الأصل.

أمّا على الاحتمال الثاني فلانحصار الأصل الّذي يرجع إليه عند تساقطهما وفرضهما كأن لم يكونا.

وأمّا على الثالث فواضح.

ثم إنّي بعد ما تلقّيت منه ( دام عمره ) ما نقله عن السيد المتقدّم ، وجدت كتاب المحصول (١) للسيّد المذكور (قدس سره) فراجعت كلامه في مسألة تواتر القراءات ، فوجدت كلامه ـ ثمّة ـ صريحا في وجود القول بالتخيير ، وبالتساقط في مقام الاستدلال بالقراءتين المختلفين بعد فرض اعتبارهما من حيث الصدور ، وجعلهما بمنزلة آيتين ، فإنّه (قدس سره) بعد ذكره أدلة الطرفين على تواتر القراءات وعدمه قال :

وثمرة هذا البحث تقع في مقامين.

أحدهما : التلاوة.

والثاني : استنباط الأحكام.

والخطب في الأوّل سهل لتخيير التالي بعد الإعراض عن الشاذ المفروض كما عرفت.

وأمّا الثاني : فالوجه ـ بناء على ما نطقت به أخبارنا ـ من أنّ القرآن أمر واحد ـ وهو التخيير أيضا ، فإنّهما بمنزلة خطابين متعارضين ، غير أنّه لا بد هاهنا من الترجيح أوّلا ، والأخذ بالراجح ، وإنّما يتخير بعد التكافؤ ، وقد رجّح العلاّمة (قدس سره) قراءة عاصم بطريق أبي بكر ، وقراءة حمزة ، وكأنّه للسلامة ممّا استقامت ألسنة بعض على خلافه ، من الإمالة والإشمام ونحوهما وأنّه المرجّح.

وأوجب صاحب الوافية (٢) التوقف ، فيما لم يرد تقريره (٣) عنهم عليهم السلام.

__________________

(١) المحصول : مخطوط.

(٢) وافية الأصول ، مخطوط ، وإليك نصّه : والأولى التوقّف في صورة التعارض.

(٣) في الأصل ( تقييده ) وهو كما ترى.

١٦٤

وليس بالوجه : لما ثبت من الإذن بما يقرأ الناس على الإطلاق نصّا وتقريرا وإجماعا ، فكان الأخذ بهما ، والتقرير عليهما ، بمنزلة ورودهما.

أقصى ما هناك انّ الواقع أحدهما ، كما في كل خطابين متعارضين ، وكما أنهم خيّرونا في المتعارضين لرفع الحيرة ، مع أنّ الواقع أحدهما ، لاستحالة تناقضه كذلك ما كان بمكانتهما. والمعروف بين القوم أن القراءتين بمنزلة آيتين ، نطق بهما الكتاب ، فإذا كان اختلافهما مفضيا إلى الاختلاف في الحكم ، عملوا بما يقتضيه ذلك النحو من الاختلاف ، فخصّصوا إحداهما بالأخرى ، وقيّدوا ، كما خصّصوا قراءة الأكثرين ( حتى يطهرن ) بالتخفيف بقراءة بعضهم بالتشديد ، وإن كان بالتنافي عملوا بمقتضاه من التخيير ، كما هو المعروف ، أو التساقط ، كما ذهب إليه بعضهم ، ولهم في ذلك مذهب آخر غريب منهم ، انتهى موضع الحاجة من كلامه (قدس سره).

وأنت ترى أنّ قوله : والمعروف بين القوم أنّ القراءتين بمنزلة آيتين إلى آخر ما ذكرنا منه (قدس سره) نصّ في فرض الكلام ، بعد اعتبارهما في ظاهريهما ، فاستظهار القول بالتخيير يكون قويا.

وأمّا القولان الآخران ، أعني التوقف ، أو التساقط رأسا ، فيحتملهما قوله : أو التساقط ، ويظهر نسبة القولين المذكورين ـ أعنى التخيير ، أو التساقط ـ إلى القوم في المقام المفروض ، الداخل فيما نحن فيه ، واختيار القول بالتخيير ـ حينئذ ـ من المحقق النراقي (١) أيضا ناسبا التخيير إلى أبيه (قدس سره) أيضا.

__________________

(١) فانّه قال رحمه الله في كتاب مناهج الأحكام والأصول في المقصد الثالث في الفصل الأوّل تحت عنوان منهاج :

اختلفوا في القراءات إلى أن قال : ثم اعلم إنّه قد ورد في بعض الأخبار بعض كلمات القرآن مخالفا لجميع القراءات ففي مثله هل اللازم متابعة الحديث أو موافقة القراءات ، الصّحيح هو الثّاني ، لأنّ الوارد في الأخبار أنّ القرآن كان كذا ، وهذا لا يدلّ على وجوب قراءته هكذا ، فلا يعارض ما مرّ من الإجماع والأمر بالقراءة كما يقرؤه النّاس ، ثم إنّ تجويز القراءة بكلّ من القراءات إنّما هو لأجل الجهل بالواقع ، ومن باب الضّرورة ، وإلاّ فكلامه سبحانه واحد لا اختلاف فيه ، ولا يخفى أنّ ما ذكر انّما هو حكم القراءة ، وأمّا العمل فلا شكّ في أنّ العمل بالقرآن على ما هو الموافق للقراءات جائز ، على القول بجواز العمل بظاهر الكتاب ، للإجماع المركّب ، بل البسيط فلا إشكال فيما لم يختلف القراءات فيه ، أو اختلف بما يوجب اختلاف الحكم ، وقد استشكلوا فيما أوجبه واختار والدي العلامة رحمه الله أنّ اللازم فيه التّرجيح إن كان مرجّح شرعي وإلاّ فالتخيير ، ولا يخفى أنّ لزوم الرجوع إلى التخيير عند فقد المرجّح إنّما هو على فرض ثبوت عموم حجيّة هذا القرآن الموجود بحيث يشمل ما وقع فيه التعارض بين القراءات وسيجيء تحقيق القول فيه.

هذا ما عثرنا عليه في هذا الكتاب وله كتب أخرى ، في علم الأصول حسب ما أشار إليها في كتابه

١٦٥

ويظهر من المحقق القمّي (١) (قدس سره) ذلك أيضا ، أي وجود القولين المذكورين في المقام المفروض في مسألة تواتر القراءات ، فإنّ كلامه مطلق غير مقيد بالتخيير ، أو التساقط ، من حيث التلاوة ، فيدل بإطلاقه على وجود القولين من حيث التلاوة ، ومن حيث الاستدلال أيضا ، فراجع.

ثم أقول : إنّ الظاهر من المحكيّ من العلامة (٢) (قدس سره) أنه (قدس سره) رجح بالسلامة من الإمالة والإشمام ، تلاوة إحدى القراءتين على الأخرى ، لا جواز الاستدلال بإحداهما دون أخرى ، فإنّ كلامه المحكي عنه إنّ أحبّ القراءات إليّ قراءة عاصم بطريق أبي بكر وقراءة حمزة.

هذا ، ثمّ إنه تظهر الثمرة بين القولين الأخيرين ، أعني التوقف ، والتساقط رأسا ، فيما إذا كان مقتضى الأصلين كلاهما ، مخالفين للأصل ، كأن يكون مقتضى أحدهما الوجوب ، ومقتضى الآخر التحريم ، فعلى التوقف يتساقط الأصلان في إثبات شيء من مؤداهما المطابقيين ، لكنهما معا دليل على نفي الثالث أعني الإباحة ، وعلى التساقط يفرضان كأن لم يكونا ، ويعمل على ما يقتضيه الأصول العملية في المقام من التخيير ، أو اختيار احتمال التحريم ، إذا علم بثبوت أحدهما واقعا إجمالا ، وإلا فيرجع إلى أصالة البراءة ، ويحكم بالإباحة وأما فيما إذا كان أحدهما موافقا للأصل العملي ، فلا ثمرة بين القولين حينئذ :

أما على القول بالتوقف فواضح ، إذ قد عرفت أن مقتضاه عدم الرجوع إلى ثالث ، فيعمل بمقتضى الأصل العملي في مؤداهما ، فيؤخذ بما وافق الأصل ، من الأصلين المتعارضين ، بمعنى أنه يعمل على طبقه ، لا أنه يجعله دليلا على إثبات مؤداه واقعا.

وأما على القول الآخر ، فلأن فرضهما كأن لم يكونا يقتضي الأخذ بما يقتضيه الأصل العملي ، والمفروض أنه موافق لأحدهما ، فيؤخذ بمقتضاه ، ويعمل على طبقه.

__________________

الموسوم بعوائد الأيّام مثل أساس الأحكام ، وشرح تجريد الأصول ، ومفتاح الأحكام ولكن ما عثرنا على نسخة منها.

(١) القوانين : ٤٠٩.

(٢) منتهى المطلب : ٢٧٣ في الفرع السادس : يجوز ان يقرأ بأيّ قراءة شاء من السبع لتواترها أجمع ولا يجوز أن يقرأ بالشّاذ وان اتّصلت روايته لعدم تواترها وأحبّ القراءات إليّ ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عيّاش وقراءة أبي عمرو بن أبي العلاء فانّهما أولى من قراءة حمزة والكسائي لما فيهما من الإدغام والإمالة وزيادة المدّ وذلك كلّه تكلّف ولو قرأ به صحّت صلاته بلا خلاف.

١٦٦

فإذا عرفت ذلك كله ، فلنرجع إلى تحقيق الحال في الأقوال فنقول :

إنّ الحق أوسطها ، أعني التوقف في الاستدلال بواحد من الأصلين على إثبات شيء من مؤداهما ، والاستدلال بهما معا على نفي الثالث ، فنبتدئ أولا بذكر ضعف القولين الآخرين ، ثم نحتج على ما اخترناه من البين.

أما ضعف الأوّل منهما ـ أعني التخيير في الاستدلال بأيّهما شاء ـ ، فبيانه أن المراد بالتخيير فيهما ، إما التخيير الواقعي الناشئ عن كون المصلحة في السلوك على طبق كل منهما :

إمّا مع عدم إمكان تدارك مصلحة كل منهما بمصلحة الآخر بأن يكون تعارضهما من باب تزاحم الواجبين ، بحيث لو أمكن الجمع بينهما لكان العمل بكليهما مطلوبا ، كما في كل واجبين متزاحمين ، كتزاحم إنقاذ الغريقين ، فيكون التخيير واقعيا عقليا ناشئا عن عجز المكلف عن الجمع بينهما.

وإمّا مع إمكان تدارك المصلحة في كل منهما بمصلحة الآخر ، فيخرجان عن حقيقة التعارض ، فيكون التخيير شرعيا واقعيا ، كما في خصال الكفارة.

وإمّا التخيير الظاهري ـ الناشئ عن قيام المصلحة بأحدهما خاصّة في الواقع ـ الثابت بحكم العقل ، كما ثبت في كلّ طريقين علم بكون أحدهما موصلا وخلوّ الآخر عن مصلحة الإيصال ، مع عدم ما يرجّح كون أحدهما بخصوصه هو الطريق الموصل وإمّا بدليل شرعيّ ، كما في تعارض الأخبار على المشهور.

والمختار والحق انتفاؤه في المقام بجميع معانيه الأربعة المذكورة.

أمّا التخيير الواقعي ، فبطلانه بكلا قسميه في المقام أوضح من أن يذكر ، إذ لا ريب أنّ العمل بالأصول اللفظية عند العرف ليس إلاّ لمجرد الكشف عن المراد ، والطريقية المحضة ، ولا مرية أنّ طريقة الشارع في المحاورات ـ وما يتعلّق بها ـ ليست طريقة مغايرة مجعولة منه ، فلا تعبّد منه بالعمل بالأصول اللفظية أيضا ، ولا شك أنّ تلك المصلحة ـ أعني الكشف والطريقية ـ لا يعقل قيامها بكل من الطريقين المتعارضين ، ضرورة استحالة تناقض الواقع ، فلا معنى للتخيير الواقعي حينئذ بوجه ، ومعلوم أنّ القائل به لا يريد هذا المعنى قطعا.

ومن هنا ظهر أنّه لو قلنا بالتخيير في الأصول العملية لا يلزمنا القول فيما نحن فيه ، لقيام احتمال السببية في الأصول العملية ، دون الأصول اللفظية ، مع أنّ الحق في الأصول العملية أيضا عدم التخيير والتساقط رأسا.

١٦٧

وتوضيح الفرق بينها وبين الأصول العملية أنّ العمل بالأصول العمليّة حكم شرعي أمكن فيه القول بالتخيير عند التعارض عملا بعموم دليله بقدر الإمكان ، كما ذهب إليه بعض ، هذا بخلاف العمل بالأصول اللفظية ، فإنّ العمل بها من جهة بناء العقلاء ، فالحوالة فيها على العرف ، دون الدليل الشرعي.

وأمّا التخيير الظاهري ، فلا ريب في بطلانه أيضا بكلا قسميه.

أمّا العقلي ، فلانحصاره فيما لا مندوحة فيه ، بسبب العلم الإجمالي بانحصار الواقع في مفاد أحد الطريقين ، مع عدم الترجيح في البين ، فهو لا يتمّ في جميع صور تعارض الأصول اللفظية ، لفقد العلم الإجمالي المذكور في أكثرها ، مع أنّ التخيير ـ حينئذ أي عند العلم الإجمالي المذكور ـ ليس تخييرا في العمل بالأصلين ، بل هو في العمل.

وبعبارة أخرى : إنّه ليس في جواز الاستدلال بالأصلين اللفظين المتعارضين ، بل إنّما هو في العمل بمقتضى الأصول العمليّة ، فالعمل ـ حينئذ ـ حقيقة على الأصول العملية.

وأمّا الشرعي منه ، كما هو الظاهر من القائل ، فأقصى ما يتخيّل دلالته عليه من الأدلة الشرعية ، إنّما هي الأخبار الواردة في تعارض الخبرين وتكافئهما ، بأن يدعى دلالتها على ثبوت التخيير ـ هنا أيضا ـ بفحواها ، بمعنى دلالتها على ثبوت الحكم بكلّ طريقين متكافئين ، من باب تنقيح المناط ، بأن يقال : إنّه قد ثبت التخيير بالأخبار في تكافؤ الخبرين ، ولا ريب أنّ اعتبار الأخبار ـ أيضا ـ من باب الطريقية المحضة ، لا السببية ، كما يظهر من أدلّة اعتبارها ، حيث سئل فيها عن الوثوق بالراوي ، وفي بعضها فرض السائل مورد السؤال الثقة ، والظاهر من الثقة هو مطلق من يحصل بقوله الاطمئنان ، فاسقا كان أو عادلا ، ومن الأخبار العلاجية أيضا كما يظهر للمتأمل ، فلهذا يعمل بخبر من يثق به ، ولو كان فاسقا ، ولا يقتصر بخبر العادل ، فيتعدّى حينئذ من تكافؤ الخبرين إلى تكافؤ كل طريقين وأمارتين ، ويحكم بالتخيير مطلقا ، لعدم خصوصية لتكافؤ الخبرين كغيره بالفرض ، إذ مع احتمالها يرجع الأمر إلى احتمال اعتبار الأخبار من باب السببية ، وهو خلاف الفرض ، وخلاف ظاهر ما دلّ على اعتبارها.

وفيه أنّ الظاهر من أدلة اعتبار الأخبار ، وإن كان ما ذكر ، ونحن نقول به إلاّ أنّ هذا ظاهر ، وليس بمقطوع ، وخلاف الظاهر منها احتمال اعتبارها من باب

١٦٨

السببية ، إذ من المحتمل أن يكون المراد بالثقة في الأخبار هو العادل ، كما في قول السائل حيث سأل عن الوثوق بالراوي ، وهذا الاحتمال ، وإن لم يمنع من البناء على حجّية خبر مطلق الثقة في الأخبار ، لكنّه مانع من التعدي فيما نحن فيه جدّاً ، لكون استفادة المناط ـ حينئذ ـ عن ظنّ ، فيكون إثبات الحكم في الفرع من باب تخريج المناط لا تنقيحه ، وهذا ليس إلاّ القياس المتّفق على بطلانه.

وأمّا ضعف القول بالتساقط رأسا ، كما هو المختار في تعارض الأصول الشرعية العملية ، فلما عرفت أنّ الأصول اللفظية إنّما هي أمارات وطرق عقلائية ، ولا ريب أنّ الأمارة كما تكشف عن الملزوم ، وهو المعنى المطابقي فيما نحن فيه ، كذلك تكشف عن لازمه أيضا ، وهو نفي الثالث أيضا ، فكلّ واحد من الخطابين المتعارضين بتعارض الأصلين فيهما يكشف بسبب الأصل الموافق له عن إرادة معناه المطابقي والالتزامي ، لكنّه لمّا وقع التعارض بينهما في مدلوليهما المطابقيين ، فيتعذر الاستدلال بواحد منهما في إثبات مدلوله المطابقي لذلك ، وبالاستدلال بهما على نفي الثالث ، الّذي هو مدلولهما الالتزامي ، فلا مانع منه ، فإنّ سقوط الاستدلال بهما فيما يخصّان به من المعنى المطابقي ـ بسبب التعارض ـ لا يوجب سقوطهما في الاستدلال بهما على نفي الثالث.

والحاصل أنّه يجب العمل ـ عرفا وشرعا ـ أيضا ـ من جهة الإمضاء ـ بالأصول اللفظية ، وترتيب ما تقتضيه ، وتكشف عنه عليها مطلقا ، سواء كان المنكشف من المداليل المطابقية أو الالتزامية ، فإذا وقع التعارض بين آيتين منها ، فهو مانع عن الاستدلال بهما في مدلوليهما المطابقيين ، وأمّا فيما دلّتا عليه التزاما ، فلا مانع منه ، فيجب العمل عليهما فيه عرفا وشرعا ، ضرورة إمضاء الشارع لطريقة العرف في محاوراتهم ، وأصولهم المعتبرة عندهم ، وليس تعارض الأصلين اللفظين إلاّ كتعارض الأمارتين الشرعيتين كالبيّنتين ، بأن قامت إحداهما على كون المال الفلاني لزيد ، والأخرى على كونه لعمرو ، فإنّ تعارضهما يمنع عن العمل بمدلوليهما المطابقيين وهو كونه لزيد أو لعمرو ، وأمّا فيما دلّتا عليه التزاما أعني عدم كونه لبكر ، فهما متفقان فيه ، ولا مانع من العمل بكلتيهما فيه ، فيجب العمل بهما فيه ، لئلا يلزم طرح الأمارة المعتبرة ، من دون تعارض.

فظهر أنّه لا مجال للتساقط رأسا في الأصول اللفظية ، فيدور الأمر فيهما بين التخيير أو التوقف ، والتساقط فيما يخصّ به المتعارضان ، وعدم الرجوع إلى ثالث ،

١٦٩

لمّا عرفت أنّ الأول على خلاف الأصل ، لا بدّ في ثبوته من دليل ، وعرفت عدم ثبوته ، فانحصر الأمر فيها في التساقط في الجملة ، على النهج المذكور.

هذا بخلاف الأصول العمليّة ، فإنّ الأمر فيها دائر بين التخيير أو التساقط رأسا ، كما هو المختار فيها ، ولا مجال للتوقّف فيها ، لأنّها لم تعتبر بعنوان الطريقية إلى الواقع دائما ، بل إنّما هي ظاهريّة متعلّقة بعمل المكلف عند الشك ، ولا ريب أنّه لا يعقل التوقّف في العمل ، لعدم خلوّ المكلّف عن الفعل المطابق لأحد الأصلين العمليّين أو لغيرهما ، فإن اختار العمل بواحد منهما ، فهو معنى التخيير ، وإن اختار الرجوع إلى غيرهما ، فهو معنى تساقطهما رأسا.

ووجه الأوّل ـ أي التخيير ـ دعوى شمول أدلّتها الدالّة على وجوب العمل بها ، لمورد التعارض أيضا ، ولمّا لم يمكن العمل بكلا المتعارضين معا ، فلا بدّ من إيقاع العمل على طبق أحدهما ، لئلا يلزم مخالفة الأدلّة رأسا ، فإنّ هذا المقدار من امتثالها مقدور ، فيجب ، ولمّا لم يكن ترجيح لأحدهما بالفرض ، فيثبت التخيير بينهما.

ووجه الثاني : منع دلالة الأدلّة على اعتبارها حينئذ ، كما هو الظاهر فيفرضان حينئذ كأن لم يكونا ، فيعمل بما يقتضيه المقام من أصل عملي آخر ، أو أصل من الأصول العقلية ، كالبراءة مثلا أو الاشتغال حسب ما يقتضيه المقام.

هذا حال الأصول اللفظية العقلائية الممضاة من الشارع ، وقس عليها حال سائر الأصول العقلائية في غير الألفاظ وحال الأصول الشرعيّة التأسيسيّة العمليّة.

وأما الطرق الشرعية التأسيسيّة من الشارع ، كالأخبار في الأحكام الكلية أو الموضوعات الشرعيّة كذلك ، وكالأمارات في الموضوعات الخارجيّة ، فهي لمّا كان لها جهة تشبّه بالأصول العمليّة ، من حيث عموم أدلّتها ـ بحسب الظاهر ـ لمورد التعارض أيضا ، فيحتمل فيها التخيير حينئذ ، بتقريب ما مرّ في وجه التخيير في الأصول العمليّة ، ولمّا كان لها أيضا جهة تشبّه بالأصول والطرق العقلائيّة الإمضائية ، نظرا إلى أنّ اعتبارها إنّما هو من باب الطريقية المحضة ، بحيث لم يلاحظ فيها مصلحة سوى الكشف ، كما يظهر ذلك للمتأمل في أدلّتها ، فيحتمل فيها التوقف عند التعارض ، كما هو الأظهر ، الّذي يقتضيه الأصل في تعارض كلّ طريقين وتكافئهما ، ولو لا أخبار التخيير في تعارض الأخبار ، لكان القول به متيقّنا حينئذ ، وإنّما خرجنا عنه لأجلها ، فلا بدّ في ثبوت التخيير في غيرها من الطرق والأمارات عند التكافؤ من الدليل كما

١٧٠

هناك ، وإلاّ فالأصل المحكّم هو التوقف فيما يخصّ به المتعارضان ، وكونهما دليلا على نفي الثالث.

وكيف كان ، فبعد ما عرفت بطلان التخيير والتساقط فيما نحن فيه ، فالحجّة على القول المختار انحصار الاحتمال فيه عقلا ، إذ لا واسطة عقلا بين القولين المذكورين بينه ، فإبطالهما يستلزم ثبوته ضرورة استحالة ارتفاع النقيضين هذا ما أفاده دام عمره.

لكن للنفس فيه تأمّل نظرا إلى الفرق بين الأصول اللفظيّة وبين غيرها من الطرق والأمارات ، إذ من المعلوم أنّه لا شك في مراد البيّنتين المتعارضتين من كون غرض كل واحدة منهما إثبات مورد النزاع لذيها ، ونفيه عن ذي البيّنة الأخرى وعن الثالث أيضا ، فلمّا وقع التعارض بينهما في مدلوليهما المطابقيين ، ولم يمكن الجمع بينهما ولا العمل بإحداهما خاصّة لعدم الترجيح ، فسقطتا عن الاعتبار لذلك في مدلوليهما المطابقيّين ، وأمّا في مدلوليهما الالتزاميين فلمّا لم يكن مانع عن العمل بهما فيهما مع العلم بكونهما مقصودين لهما ، فيجب العمل بهما فيهما ، فيتمسّك بهما على نفي الثالث.

هذا بخلاف الأصول اللفظية ، إذ من المعلوم أنّ كشفها عن المداليل الالتزامية تابع لكشفها عن مداليلها المطابقية ، والمفروض وقوع التعارض بينها فيها ، فيصير اللفظ مجملا في مدلوله المطابقي ، فيسري الإجمال إلى الالتزامي أيضا ، إذ لعلّ المراد من كلّ واحد من الخطابين ـ حينئذ ـ معنى لا يعاند الثالث ، فيسقط الأصلان المتعارضان عن الكشف والطريقية ـ حينئذ ـ رأسا ، وإذ لا كشف فيهما ، فلا يلزم الاستدلال بهما على نفي الثالث ، بل ولا يجوز ، لأن العمل بالأصول اللفظيّة من باب الطريقية والكشف ، فإذ ليس فليس.

نعم يتّجه نفي الثالث فيما إذا كان التعارض عرضيّا مسببا عن العلم الإجمالي بانحصار الواقع في ظاهر أحد الخطابين ، لكن ليس ذلك حينئذ بسبب الاستدلال بالأصلين ، بل إنّما هو بمقتضى العلم بعدم الثالث تفصيلا ، فإنّ العلم الإجمالي المذكور تفصيليّ من هذه الجهة ، وإنّما إجماله من جهة تردّد المعلوم كونه هو الواقع بين مفاد هذا الخطاب وبين مفاد ذاك.

والحاصل أنّ الأصول اللفظية طريقيّتها بالنسبة إلى المداليل الالتزامية ليست أصليّة في عرض كشفها عن المداليل المطابقيّة ، بل إنّما هي تابعة لطريقيتها حينئذ إلى المداليل المطابقيّة ، فإذا سقطت عن كونها طريقا إلى المدلول المطابقي بسبب التعارض ،

١٧١

وصار اللفظ مجملا فيه ، فلا يعقل ـ حينئذ ـ طريقيّتها وكشفها عن المدلول الالتزامي ، فإنه كان لازما عند العقل لإرادة الملزوم ، فإذا لم يعلم إرادته فلا يعقل الظن من اللفظ بإرادة اللازم ، فعلى هذا ، فالحق هو التساقط رأسا.

ثم إنّه ( دام عمره ) أجاب عن ذلك بأنّ المدار في اعتبار الأصول اللفظيّة إنّما هو على طريقة العقلاء ، وأهل اللسان ، ونحن نراهم أنّهم حينئذ يتمسّكون ـ على نفي الثالث ـ بالخطابين المتعارضين.

وفيه أنّه لم يتحقق لنا الآن منهم ذلك ، بل لا يعقل منهم ، من دون آمر لهم عليه ، كما هو المفروض في الأصول اللفظية ، فإنّ عملهم في أمورهم على الظن ، وقد عرفت انتفاءه في اللازم بسبب ابتلاء الأصل في الملزوم بمثله.

اللهم إلاّ أن يقال : إنّ التعارض مانع من إفادة الخطابين الظن الفعلي ، وقد ثبت أنّ المدار في ظواهر الألفاظ ـ على ما هو التحقيق ـ على الظن النوعيّ ، وهو غير مانع منه ، فالأصلان المتعارضان يفيدان الظن النوعيّ بمدلول اللفظ مطابقة والتزاما ، ومقتضاه وجوب العمل بظاهر الخطابين ، إلاّ أنّه لمّا وقع التعارض بينهما فيمنع من الاستدلال بكليهما في مدلولهما المطابقي ، لأنّ الواقع واحد ، لا يمكن التناقض فيه والمفروض عدم الترجيح لأحدهما ، وأمّا في مدلولهما الالتزامي ، فلا مانع من الاستدلال فيجب فتأمل.

ثمّ إنّه ينبغي التنبيه على أمور :

الأوّل : أنه لا فرق فيما اخترنا من التوقف بين ظواهر الكتاب عند التعارض وبين غيرها ، بل جار في مطلق الظواهر ، وكذا القولان الآخران.

نعم ربّما يتوهّم أنّه ثبت التخيير في الكتاب عند تعارض القراءات بتقريرهم عليهم السلام ، كما يدلّ عليه الأخبار ، فيثبت في غير ما اختلف فيها القراءات من الآيات المقطوعة المتواترة بالأولويّة ، فإنّ ثبوته فيما علم كونه قرآنا أولى من ثبوته فيما لم يعلم بعد ، ومقتضى ذلك :

أوّلا : التزام التخيير في خطابات الكتاب المتعارضة مطلقا لا التوقّف.

وثانيا : الاقتصار على ذلك في خطابات الكتاب فحسب ، لعدم الدليل عليه في غيرها ، فيحصل الفرق بين ظواهر الكتاب وغيرها ، فلا يلزم الالتزام بأحد الأقوال الالتزام به مطلقا.

١٧٢

لكنّه مدفوع ، أوّلا : بأن الكلام إنّما هو في الاستدلال بالظواهر ، والّذي دلّت عليه الأخبار تقريرهم عليهم السلام تلاوة القراءات المختلفة والتخيير فيها بقولهم عليهم السلام ( اقرأ كما يقرأ الناس ) (١) لا جواز الاستدلال ، كما هو محلّ الكلام ، فلم يثبت التخيير فيها ، حتى يتمسّك بالأولويّة على ثبوته في الآيات القطعية.

وثانيا : أنّه على فرض ثبوت التخيير في ظواهر الكتاب المتعارضة ، وجواز الاستدلال بها ، فأيّ فرق بينها وبين غيرها من الظواهر اللفظية ، كظواهر السّنة ، إذ لا ريب أنّه ليس العمل بظواهر الكتاب من باب التعبّد الشرعي ، بل إنّما هو من باب الطريقية ، وبناء العقلاء عليه من هذه الجهة ، فلا فرق حينئذ بينها وبين غيرها في مناط العمل.

الأمر الثاني : أنّه لا فرق فيما اخترناه من التوقف في تكافؤ الأصلين بين ما إذا كان الخطابان كلاهما محلا للابتلاء ، بمعنى تضمن كل واحد منهما توجها إلى المكلف ، وبين ما إذا لم يكونا كذلك ، بأن خرج أحدهما عن مورد الابتلاء ، كأن يكون أحدهما في الأحكام ، والآخر في القصص ، فوقع التّعارض بينهما بالعرض ـ أعني بسبب العلم الإجمالي ـ بمخالفة ظاهر أحدهما ، ولا يجوز قياس الأصول اللّفظية بالأصول الشرعية العملية أو الأمارات والطرق الشرعيّة.

أمّا الأصول العمليّة ، فهي حقيقة أحكام ظاهريّة ، وليس لها جهة كشف أصلا ، فتعارضها يرجع إلى تعارض الحكمين الشرعيّين ، فإذا فرض ابتلاء المكلف بأحدهما أي أحد الأصلين المتعارضين ، فالمتوجّه إليه ـ حينئذ ـ إنّما هو هذا الّذي ابتلي به دون الآخر ، فهو غير مكلف بالحكم الآخر ، وغير متوجّه إليه ذلك ، فلا تعارض بينهما ، بل المتعين عليه هذا الأصل المبتلى به ، كما إذا علم إجمالا بنجاسة ثوبه أو ثوب زيد مع عدم ملاقاته لثوب زيد ، فإنّه ليس حينئذ مكلّفا باستصحاب طهارة ثوب زيد ، حتى يعارض استصحاب طهارة ثوبه ، بل المتوجّه إليه الآن إنّما هو استصحاب طهارة ثوب نفسه ، فهو المتعين عليه.

وأمّا الأمارات والطرق الشرعية ، فلأنّ جعلها حقيقة إنّما يرجع إلى أحكام ظاهريّة مماثلة للأحكام الواقعيّة ، فإنّ معنى جعل البينة أمارة إيجاب الشارع العمل على

__________________

(١) أصول الكافي ٢ ، كتاب فضل القرآن : ٤٦٢ حديث ٢٣.

١٧٣

طبقها ، وترتيب آثار الصدق عليها ، لا إحداث صفة الكشف فيها ، فإنّها غير قابلة للجعل ، فيكون الحال في تعارضها أيضا حال الأصول العمليّة ، من حيث رجوع التعارض فيها ـ أيضا ـ إلى تعارض الحكمين ، فيتّجه التفصيل فيها ، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد اللحمين اللّذين كان كلّ منهما لمسلم فاشترى أحدهما ، فإنّ المتوجّه ـ حينئذ ـ إنّما هو ترتيب آثار هذه اليد على ما أخذ منها ، دون اليد الأخرى ، فيحلّ له أكل هذا اللحم من دون توقّف على تبيّن حاله ، ليعلم أنّه ليس المعلوم بالإجمال.

والحاصل : انّ التعارض في الأصول والطرق الشرعية مرجعه إلى تعارض الأحكام الفرعية ، ولا ريب أنّه إذا لم يتوجه عليه أحد الحكمين المتنافيين فالمتعيّن في حقّه إنّما هو الحكم الآخر ، هذا بخلاف الأصول اللفظية فإنّها لمّا كانت طريقيّتها بأنفسها ، ولم يكن للشارع فيها جعل أصلا إلاّ إمضاءه عمل العقلاء عليها فتعارضها لتكاذب الأمارتين ، فكلّ واحد من الأصلين اللفظيّين المتعارضين يكذّب الآخر. ولو لم يكن متضمّنا لحكم على المكلّف لكان كلّ من الخطابين ـ حينئذ ـ مجملا في مفاده ، سواء كان التعارض ذاتيّا أو عرضيّا ، ومعه يسقط الاستدلال بالخطاب الّذي هو مورد الابتلاء ، إذ مداره على الظهور ، وإذ ليس فليس.

ومن هذا ظهر وجه اختيار شيخنا ـ دام ظلّه ـ لما اخترنا من عدم الفرق في رسالة أصالة البراءة (١) ، وضعف ما اختاره من التفصيل في مسألة حجية ظواهر الكتاب (٢).

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢٥٦ في مبحث العلم الإجمالي في التدريجيّات عند قوله : اللهم إلاّ أن يقال : إنّ العلم الإجمالي بين الشبهات التدريجيّة ( إلى أن قال ) لكنّ الظاهر الفرق بين الأصول اللفظيّة والعمليّة ، فتأمّل. وإن شئت بيان الفرق في كلام الشيخ (ره) فلاحظ كلام المحقق الآشتياني في بحر الفوائد : ١١٨ ، وكلام المحقق الآخوند (ره) في حاشيته على فرائد الأصول : ١٤٧.

(٢) فرائد الأصول : ٤٠ ، الثالث : وقوع التحريف في القرآن على القول به ( إلى أن قال ) : مع أنّه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة أمكن القول بعدم قدحه لاحتمال كون الظّاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلقة بالأحكام الشرعيّة التي أمرنا بالرجوع فيها إلى ظواهر الكتاب فافهم. للتفصيل ومعرفة كلام الشيخ (ره) راجع كلام المحقق الآشتياني في بحر الفوائد : ٩٨ ـ ١٠٢ ، كما أنه إن شئت تفصيل كلامه في بحث الابتلاء في الأصول العملية في كون الأصل جاريا في طرف الابتلاء دون الآخر لاحظ كلامه في الرسائل : ٢٥١ ، وفي أوّل مبحث البراءة : ١٩١ عند قوله : وأما الدليل الدال على اعتباره فهو وان كان علميّا إلا أنه لا يفيد إلا أحكاما ظاهريّا حيث أن هذه العبارة تدلّ على رجوع جعل الأمارات والطرق إلى جعل أحكام ظاهرية مماثلة للأحكام الواقعيّة.

١٧٤

الأمر الثالث : إنّ البحث عن تعارض الأصول اللفظية ، وترجيح بعضها على بعض إنّما هو على القول باعتبار الظواهر اللفظية من باب الظن النوعيّ بأحد معنييه ، وأمّا على القول به من باب الظن الفعلي إمّا بالخصوص ، كما اختاره المحقق الخوانساري (١) قدّس سرّه ، أو من جهة دليل الانسداد ، فلا ينفع المزايا الآتية الموجودة لأحد الأصلين في حمل اللفظ على المعنى المطابق له ، بل المدار على الظن الفعلي ، فإن حصل لأحد الخطابين ـ ولو كان على خلاف ـ فهو المتّبع ، وإن لم يحصل أصلا فالأصل هو التساقط رأسا ، وفرضهما كأن لم يكونا ، وعدم الركون إلى شيء من الأصول أو المزايا الآتية.

اللهم إلاّ أن يبحث من حيث كون الأصول أو المزايا مفيدة للظن الفعلي وعدمه.

المرحلة الثانية في تحقيق الحال في رجحان الأحوال بعضها على بعض نوعا ، وهذا هو المقصود في مبحث تعارض الأحوال المعروف عندهم ، فتلك المرحلة باعتبار وقوع الكلام فيها من هذه الجهة هو هذا المبحث المعروف ، كما أشرنا إليه سابقا ، وتوضيح المقال يحلّ العقال عن القلم وإطلاق عنانه إلى مسائل الدّوران.

فالأولى منها : دوران الأمر بين الاشتراك والنقل ، كأن كان اللّفظ موضوعا في الأصل لمعنى ، ثمّ حصل له وضع جديد في معنى آخر تعيينا أو تعينا حاصلا بغلبة استعماله فيه مجازا إلى أن وصل حدّ الحقيقة ، بمعنى أنّه حصل له علقة بالنسبة إليه أيضا ، والأوّل أعني الوضع التعييني أعمّ من أن يكون من الواضع أيضا أو من أهل العرف العام أو الخاصّ.

لكن في تحقق الاشتراك وتصوّره فيما إذا كان وضع اللفظ للمعنى الثاني من العرف العام أو الخاصّ ، مع تأخّر زمانه عن وضعه للمعنى الأوّل إشكال ، فانه إمّا تعييني وإمّا تعيني حاصل بغلبة استعمال اللفظ مجازا ، فعلى الأوّل لا معنى لتعيين اللفظ في المعنى بعد وضعه للمعنى الأوّل ، إلاّ تخصيصه بهذا المعنى ، ولا ريب أنّ بقاء وضعه حينئذ للمعنى الأول أيضا يناقض تخصيصه به ، فيلزمه عقلا هجر اللفظ عنه حينئذ ، فيعيّن النقل.

__________________

(١) مشارق الشموس : ١٤ ، ٤١

١٧٥

وأمّا على الثاني : فلأن اللفظ ما بلغ إلى مرتبة توجب اختصاصه بهذا المعنى ، فلا (١) يمكن كونه حقيقة فيه ، بل مجازا ، وإذا بلغ وحصل الاختصاص ، فهو يناقض بقاء وضعه للمعنى الأصلي ، كما أشرنا إليه في مبحث المنقول والمشترك ، فلا واسطة عقلا في حال اللفظ بالنسبة إلى هذا المعنى بين النقل وبين المجازية.

وكيف كان ، فالاشتراك إنّما يتصوّر من واضعين ابتداء ، أو واضع واحد بوضعين كذلك ، كما سيأتي في كلام السيّد المحقّق الكاظمي قدّس سرّه (٢).

أمّا على الأوّل : فلأنّ اختصاص اللفظ بكلّ من المعنيين ـ حينئذ ـ غير ملحوق باختصاصه بالمعنى الآخر ، حتّى يناقض حصوله في أحدهما بقاءه في الآخر ، بل اختصاص كلّ من المعنيين باللفظ في مرتبة واحدة ، لكن لا يكون شيء من الاختصاصين تاما لحصول التزاحم بينهما.

وأما التخصيصان الموجبان لهما ، فلا نقصان في شيء منهما أصلا ، بحيث لو انفرد كلّ منهما لكان سببا للاختصاص التامّ ، إلاّ أنّ حصولهما في آن واحد صار مانعا عن حصول الاختصاص التامّ بشيء (٣) منهما.

والحاصل : أنّ غرض كلّ واحد من الواضعين ـ حينئذ ـ حصول الاختصاص التامّ بين اللفظ وبين ما يريد وضعه له ، وأوجد سببه من غير نقصان فيه إلاّ أنّه زوحم بوجود سبب أعمّ مثله في مرتبة (٤).

وأمّا على الثاني : فلأنّه وإن لم يتصوّر فيما إذا كان غرضه حصول الاختصاص التام بين اللفظ وبين كلّ واحد من المعنيين لاستلزامه اجتماع إرادة المتناقضين في إرادته ، نظرا إلى أنّ إرادة اختصاصه ـ بهذا المعنى ـ معناه عدم إرادة شركة الغير له في اللفظ ، وإرادته اختصاصه ـ بذلك المعنى أيضا ـ معناه إرادة عدم شركة غيره في اللفظ ، فيلزم كونه مريدا لاختصاص اللفظ بكلّ من المعنيين ، ومريدا لعدم اختصاصه بشيء منهما ، إلاّ أنّه يتصور فيما إذا كان غرضه حصول الاختصاص بين اللفظ وبين كلّ

__________________

(١) في الأصل ( لا ) والصحيح ظاهرا المثبت والمراد ( فلأن اللفظ ما لم يبلغ ... لا يمكن ).

(٢) صحيفة ٢١٠ ، هامش رقم : ١

(٣) في الأصل ( من شيء ) والصحيح المثبت.

(٤) كذا في الأصل والصواب : مرتبته.

١٧٦

من المعنيين في الجملة.

وبعبارة أخرى يكون غرضه نفي شركة معنى ثالث مع المعنيين في هذا اللفظ.

هذا ، لكنّ الإنصاف عدم ورود الإشكال المذكور على الفرض الثاني ، أعني حصول الوضع للمعنى الثاني من العرف العام أو الخاصّ بالوضع التعييني بالتوجيه المذكور ، فإنّ المناقضة المدّعاة إنّما هي على فرض إرادة الواضع الثاني بقاء اللفظ في المعنى ، واختصاصه به بنحو ما كان أوّلا من الاختصاص التام ، وكان غرضه ـ أيضا ـ تخصيص اللفظ بالمعنى الثاني بالتخصيص التامّ ، بمعنى نفي شركة غيره معه في اللفظ.

وأمّا إذا كان غرضه بقاء اختصاص اللفظ في المعنى الأصلي في الجملة ، وحصوله للمعنى الثاني كذلك ، فلا منافاة ، ولا تناقض أصلا ، بل لا ينبغي التأمل في وقوعه ، فإنّ الأعلام المشتركة كلّها من هذا القبيل ، فإنّ عمرا إذا سمّى ابنه زيدا ، فإذا رزق بكر ولدا أيضا ، فيسمّيه زيدا ، فلا ريب أنّه لا يقصد هجر اللفظ عن ابن عمرو ، بل غرضه اشتراك ابنه مع ابن عمرو في هذا الاسم فتدبّر.

وكيف كان فمثال ما نحن فيه على ما ذكروه قوله عليه السلام ( الطواف بالبيت صلاة ) (١) لدوران الأمر في الصلاة بين أن تكون مشتركة بين المعنى اللغوي والشرعي ، فيكون الحديث مجملا ، وبين أن تكون منقولة إلى المعنى الشرعي ، فيكون مبيّنا ، ودليلا على اعتبار ما اعتبر في الصلاة في الطواف أيضا بمقتضى التنزيل ، إمّا مطلقا نظرا إلى عموم المنزلة ، وإمّا بعض أوصافها وشروطها الظاهرة ، كالطهارة من الحدث ، والخبث مثلا إن لم نقل بعمومها.

وقد يورد عليهم ، مضافا إلى ما مرّ ، إيراد ان في خصوص المثال المذكور : أوّلهما : أن الظاهر ـ بل كاد أن يكون مقطوعا ـ أنّ كون الصلاة حقيقة شرعيّة في الأركان المخصوصة ، على القول بها ، ليس بسبب وضع تعييني من الشارع ، بل هي حاصلة بسبب غلبة استعمالها فيها إلى أن أغنيت عن القرينة ، فإذن انحصر سبب الحقيقة بالغلبة ، فلا يعقل الاشتراك حينئذ ، كما عرفت سابقا ، بل الاحتمال معين في النقل خاصة ، فلم يظهر ثمرة المسألة في المثال المذكور ، لأنه ليس من أفرادها ، لما ذكر.

__________________

(١) عوالي اللئالي ٢ ، ١٦٧ ، ٣ ، سنن الدّارمي : ٢ ، ٤٤ كتاب المناسك باب الكلام في الطواف.

١٧٧

ويعضدنا في ذلك ما حكي عن السيد المحقق الكاظمي في المحصول (١) ما هذا لفظه : وكان ينبغي أن يكون الرجحان للأوّل ، أعني الاشتراك ، لأصالة عدم الهجر ، لكن حدوث المعنى الآخر ـ إن كان في العرف العام ، ويكون بالتجوز والاشتهار ، حتى يهجر الأوّل ، ويختص بالثاني ـ استلزامه للنقل ظاهر ، وإن كان باصطلاح خاص من شرع أو غيره ، فلا معنى لصيرورته حقيقة في المعنى الثاني ـ عندهم ـ إلاّ تخصيصه به ، حتى إذا استعملوه في الأوّل كان مجازا ، وإنّما يتصور الاشتراك من واضعين ابتداء ، أو واضع واحد بوضعين كذلك. انتهى كلامه (قدس سره) فإن حصره تصوير الاشتراك فيما ذكره ظاهر في نفيه عن غيره مطلقا حتّى بسبب الاشتهار.

وأمّا الكلام في الحصر المذكور ، فقد عرفت الحال فيه ، من أنّ الحقّ فيه التفصيل كما عرفت.

وكيف كان ، فمفهوم ما حصره (قدس سره) في غاية المتانة فيما إذا كان سبب العلقة الوضعيّة غلبة الاستعمال ، وأمّا في غيره فقد عرفت الكلام فيه.

وممّا يؤيّد ما ذكرنا من نفي احتمال الاشتراك في لفظ الصلاة ، على القول بكونه حقيقة شرعيّة ، بل يدل عليه إطباقهم في مسألة الحقيقة الشرعية على وجوب حمل الحقائق الشرعية على معانيها الجديدة ، وأنّه ثمرة البحث في المسألة ، ولا ريب أنّه مع إمكان اجتماع الوضع الجديد مع الوضع القديم حتّى يكون اللفظ مشتركا بينهما ، لا وجه للحمل المذكور بقول مطلق ، بل لا بدّ من التفصيل بين بقاء الوضع الأوّلي ، فعدم الحمل ، وهجره فالحمل.

__________________

(١) المحصول في علم الأصول ، مخطوط ، في تعارض الأحوال ، وإليك نصّه : الخامسة بين الاشتراك والنقل يكون للّفظ معنى ثم يصير له معنى آخر فلا يعلم هل هجر الأوّل ، فيكون منقولا ، أو لم يهجر بعد ، فيكون مشتركا ، وكان ينبغي أن يكون الرجحان للأوّل ، لأصالة عدم الهجر ، لكن حدوث المعنى الآخر ـ إن كان في العرف العام ، وما ليكون إلاّ بالتجوز والاشتهار حتىّ يهجر الأوّل ، ويختصّ بالثاني ـ استلزامه للنقل ظاهر ، وإن كان باصطلاح خاصّ ـ من شرع أو غيره ـ فلا معنى لصيرورته حقيقة في المعنى الثاني عندهم إلاّ تخصيصه به ، حتّى إذا استعملوه في الأوّل كان مجازا ، وإنما يتصوّر الاشتراك من واضعين ابتداء أو من واضع واحد بوضعين كذلك ، وقد اشتهر التمثيل له بلفظ الصّلاة ، واستظهار الثمرة في الترجيح بمثل قوله عليه السلام ( الطّواف بالبيت صلاة ) من حيث إنّه إن كان منقولا دلّ على وجوب الطهارة بالطّواف ، لأنّها من أخصّ لوازم الصّلاة ، وأظهرها وإن كان مشتركا لم ينهض لذلك لإجماله ، وأنت تعلم أنّ اسم العبادة على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة يكون من المنقولات ، وعلى القول بنفيها يكون حقيقة في المعنى اللّغوي ، وليس لاحتمال الاشتراك فيه مجال.

١٧٨

هذا كله مضافا إلى عدم الفائدة في المثال المذكور على القول بتصوّر الاشتراك ، واحتماله فيه ، فإنّه على كونه مشتركا أيضا محمول عند الإطلاق على المعنى الشرعي للقرينة ، وهو كونه ملقى إلى المتشرّعة ، فتأمل.

وثانيهما : أنّ لفظ الصلاة ليس مشتركا بين المعنى اللغوي والشرعي باتفاق المثبتين للحقيقة الشرعية والنافين لها ، بل إمّا مجاز في المعنى اللغوي بكونه منقولا منه ، وإمّا مجاز في المعنى الشرعي ببقاء وضعه للمعنى اللغوي.

هذا ، ثم إنّ الظاهر من الاشتراك في المقام أعمّ من الاشتراك المعروف ومن المرتجل إذ هو على مذهب المحقّقين كلا أو جلاّ قسم من المشترك ، وكيف كان ، فنحن نفصل المقال لكشف الحال ، حسب ما يعيننا المجال :

فنقول : إنّ الدوران بين الاشتراك بالمعنى الأعمّ الشامل للارتجال وبين النقل يتصوّر في فروض :

الأوّل : أن يكون اللفظ حقيقة في الصدر الأوّل في معنى ، ثمّ عرض له في العرف العامّ أو الخاصّ وضع آخر لغير ذلك المعنى ، وشك في بقاء الوضع الأوّل ، فيكون مشتركا ، أو هجره ، فيكون منقولا.

وفيه أقوال حينئذ : اختيار الاشتراك مطلقا ، واختيار النقل كذلك ، والتفصيل بين ما إذا حدث المعنى الثاني في عرف غير عرف المعنى الأوّل ، وبين ما إذا حدث في ذلك العرف ، فحكم بالنقل في الأوّل ، وبالاشتراك في الثاني.

حجّة الأوّل : أنّ فائدة النقل أكثر من فائدة الاشتراك ، إذ على تقديره يحمل اللفظ على المعنى الثاني ، المنقول إليه عند تجرّده عن القرينة من غير توقّف ، بخلاف الاشتراك لحصول الاحتمال معه ، فيكون النقل أولى.

حجّة الثاني : انّ الاشتراك أكثر وأغلب ، فيكون أولى من النقل ، فإنّ أكثريّته دليل على أحسنيّته وأولويّته ، ولم يتمسّك أحد من الفريقين بالأصول الجارية في المقام على إثبات المرام ، مع أنّها خير ما يعوّل عليه في أمثال المقام ، وعليه ديدنهم في سائر مباحث الألفاظ.

ولعلّ نظرهم إلى أنّ الأولوية والرجحان ، هو المحكم في المقام ، لأنّه ظن اجتهادي بالنسبة إلى ما يقضي به الأصول العدميّة ، فيكون نسبته معها نسبة الأدلّة الاجتهادية مع الأصول العمليّة ، ولا ريب أنّه مع جريان الأوّل لا موضوع للثاني ولا

١٧٩

مورد.

وكيف كان ، ففي كلّ من الوجهين نظر ، بل منع ، فإنّ تلك الاستحسانات أيّ ربط لها بالترجيح ، والحكم بأنّ لفظ الصلاة مثلا منقولة أو مشتركة ، وأنّ حكم الله في الطواف اعتبار الوضوء باعتبار كون النقل أمرا حسنا ذا مزيّة كاملة.

وما يقال في تقريب هذه المرجّحات من المدعي ، من أنّ ذا المزية الكاملة أولى بإرادة المتكلم ، خصوصا الفصيح الحكيم ، فيحصل الظن بالمراد ، فهو على تقدير صحّته لا مساس له بما نحن فيه ، فإنّ الّذي يقع موردا لإرادة المتكلم فيما نحن فيه ، إنّما هو أمر واحد ، وهو المعنى الثاني ، ولا يتفاوت فيه الحال بالنسبة إلى إرادة المتكلم ، إذا تعلّق غرضه به بين أن يكون اللفظ مشتركا بينه وبين المعنى الآخر ، وبين كونه منقولا إليه مختصّا به.

والحاصل : انّ المرجحات المذكورة ـ على تقدير صحّة التعويل عليها ـ يؤخذ بها فيما إذا دار أمر الشخص بين النقل والاشتراك ، ولا ريب أنّ ذلك الدوران لا يتّفق لمتكلّم عند إرادته للمعنى الثاني أبدا ، بل هذا إنّما يتصور في حق الواضع للّفظ ـ للمعنى الثاني ـ فيما إذا كان وضع اللفظ له حاصلا بالوضع التعييني ، لا التعيني الحاصل بسبب الغلبة ، فإنّ النقل والاشتراك لما كانا من أقسام الوضع ، فيرجعان إلى فعل الواضع ، كسائر أفعاله الاختيارية ، فحينئذ يمكن أن يكون كون النقل أكثر فائدة مثلا مرجحا لصدور الوضع منه على سبيل النقل وهجر اللفظ عن المعنى الأصلي.

وبالجملة ، الدوران بين النقل والاشتراك ، وإرادة المعنى من اللفظ إنّما هي فعل المتكلم ، ولا يتصوّر فيها ذلك الدوران ، فإذن لا ربط للمرجّحات المذكورة فيما نحن فيه ، لأنّا في مقام تشخيص الإرادة من اللفظ المردّد بين كونه مشتركا أو منقولا.

اللهم إلاّ أن يقال : إنّ الشك في إرادة المعنى الثاني مسبّب عن الشك في كون اللفظ منقولا إليه ، أو مشتركا بينه وبين المعنى الآخر ، فإنّه لو علم النقل ، لكان إرادته معلومة من اللفظ المجرّد عن القرينة ، كما هو المفروض ، ولو بحكم الأصل المحكم ـ أعني أصالة الحقيقة ـ فإذا رجّحنا بتلك المرجّحات أنّ الّذي صدر من الواضع بالنسبة إلى المعنى الثاني إنّما هو النقل ، فيرتفع ذلك الشك فيحمل اللفظ عليه حينئذ.

لكن الإنصاف ، عدم جواز الركون إلى مثل هذه المرجّحات ، وعدم إفادتها شيئا حتى الظن ، فإنّ كلا من النقل والاشتراك ممّا يصلح لتعلّق غرض عقلائي به ، إذ كما يقال : إنّ فائدة النقل رفع الإجمال عن اللفظ ، وتعيين المراد ، وإفهامه ، كذلك

١٨٠