تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

[ هل ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيحة أو للأعم ]

أصل : اختلفوا في ألفاظ المعاملات على نحو اختلافهم في ألفاظ العبادات من أنّها موضوعة للصحيحة أو للأعم.

وتحقيق الكلام فيها يتوقف على رسم مقدمة ومقام :

أما المقدمة : فهي أن المراد بألفاظ المعاملات المتنازع فيها ، هي بمعناها الأعم ـ أعني ما ليس بعبادة ـ لا بمعناها الأخص ، وهو العقود ، بقرينة تصريح بعضهم بدخول ألفاظ الإيقاعات في محل النزاع.

ثم إن النزاع ليس في مطلق تلك الألفاظ ، بل في التي يكون معانيها مما يقبل الصحة والفساد ، بأن يكون لها فرد متصف بالصحّة ، وآخر متصف بالفساد ولو بحكم العرف وبنائهم.

والصحة هنا : عبارة عن ترتب الأثر المقصود من الفعل عند العقلاء.

والصحيح : ما يترتب عليه هذا الأثر بحكم الشارع أو العرف ويفيده.

فعلى هذا يخرج الألفاظ الموضوعة لمعان لا تتصف بالصحّة والفساد بهذا المعنى ، كالزناء واللواط والشرب وأمثالها ، حيث إنّه ليس فيها أثر مقصود ، وغرض عقلائي مجعول ، يتحقق ببعض أفرادها دون بعض ، وان كان أفرادها مختلفة في الحكم الشرعي ، حيث أن بعض أفراد الزنا ليس عليه الحد ، والآخر عليه ذلك ، وثالث عليه القتل ، لكن هذه أحكام شرعية ، لا من الآثار المقصودة للفاعل ، فعلى هذا ينحصر النزاع في ألفاظ العقود والإيقاعات.

ثم إن جريان النزاع فيها ـ أيضا ـ يتوقف على جعل معانيها عبارة عن الأفعال الخارجية ، لا الأثر حيث أنه أمر بسيط ، فلو تحقق كان صحيحا ، ولو لم يتحقق فلا شيء ، حتى يتصف بالفساد ، فيكون أمره دائرا بين الصحة دائما ، أو كونه لا شيء كذلك.

ثم إنه هل يتوقف النزاع على تصرف الشارع في معاني تلك الألفاظ

٤٢١

بزيادة شيء منه فيها على ما كانت عليه بحسب اللغة ، أو العرف؟ وبعبارة أخرى : هل يتوقّف على كون معانيها من المخترعات الشرعية بإضافته بعض الأمور إليها زائدا على ما كانت عليه بحسب اللغة أو العرف ، ـ فعلى هذا لا بد من اعتبار استعمال الشارع لتلك الألفاظ في غير المعاني اللغوية ، أو العرفيّة لا محالة إن لم يلتزم بوضعه إياها لغير المعاني المذكورة ، فإن تصرفه فيها ، إما في مقام الوضع ، أو في مقام الاستعمال ولو مجازا ـ أو لا يتوقف على ذلك ، بل يكفي كون المعنى مما له فرد صحيح بحكم العرف أو الشارع؟

ظاهر بعض المحققين من المتأخرين (١) الأول.

والأقوى الثاني ، إذ مع قطع النّظر عن تصرف الشارع في تلك المعاني يمكن النزاع في أن تلك الألفاظ في اللغة ، أو العرف العام موضوعة لما يترتب عليه الأثر ، فعلى القول بوضعها للأول المعبر عنه بالصحيح ، يقال : إنها موضوعة لأفعال تفيد الأثر المقصود منها ، أعني لهذا المفهوم الكلي ، فحينئذ قد يكون صدق هذا المفهوم على بعض الأفراد ناشئا عن بناء النّاس بكونهم ملتزمين بترتيب الأثر المذكور عليه ، فيدخل في المفهوم المذكور لذلك ، وقد يكون ناشئا من حكم الشارع بترتيب الأثر عليه.

وكيف كان ، فلما كان الصحة هنا من الأمور الاعتبارية المنتزعة من حكم حاكم ، فمتى ثبت الحكم بلزوم الترتيب من العرف ، أو من الشارع بالنسبة إلى فرد فيدخل في المفهوم ، وإلا فلا.

وربما يتحد العرف والشرع في الحكم بالترتيب ، فيكون الفرد المذكور من أفراد المفهوم المذكور شرعا وعرفا ، وقد يختلف فيدخل فيه بملاحظة أحدهما دون الآخر.

وظاهر الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك (٢) جعل النزاع في العقود بقرينة قوله : إن البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح.

__________________

(١) كالشيخ محمد تقي (قدس سره) في هداية المسترشدين : ٩٩.

(٢) مسالك الإفهام ٢ : ١٥٩.

٤٢٢

وظاهر الشهيد الأول (قدس سره) أيضا ذلك كما عن القواعد (١) بقرينة قوله : وسائر العقود. وأيضا ظاهره تصرف الشارع في العقود أيضا ، بمعنى استعماله لها في غير المعاني اللغوية وابتناء النزاع عليه وقد عرفت ما فيه (٢).

ثم إن النزاع مع قطع النّظر عن تصرف الشارع بالنحو المذكور إنما يتصور بأن يقال : إن تلك الألفاظ موضوعة لغة أو عرفا للأفعال المفيدة للأثر فيقال : إن البيع مثلا هل هو موضوع لغة أو عرفا لإيجاب وقبول يترتب عليهما الانتقال أو للأعمّ منه سواء بحكم العرف أو بحكم الشارع.

وبعبارة أخرى : إنه موضوع لما يفيد هذا الأثر بحكم حاكم ، أو للأعم إلا أن الحاكم قد يكون العرف ، وقد يكون الشارع ، فحينئذ على القول بوضعه للصحيح يختلف صدقه بالنسبة إلى المصاديق ، فلو فرضنا فردا من البيع يكون صحيحا عند العرف بمقتضى بنائهم ، وفاسدا بمقتضى نهي الشارع واستعمله المتشرعة فيه ، فإن كان المستعمل تابعا للعرف في البناء على ترتيب هذا الأثر عليه ، فيكون استعماله فيه حقيقة ، وإن كان تابعا للشارع فيكون استعماله فيه مجازا حيث إنّه باعتقاده استعمل اللفظ فيما يترتب عليه الأثر.

نعم لما كان ظاهر حال المتشرعة تبعيتهم للشارع ، فإذا استعملوه ينصرف إلى الصحيح عند الشارع ، كما أن غير المتشرعة لو استعملوه ينصرف إلى ما هو صحيح بمقتضى بنائهم ، لظهور حاله في تبعيته لقبيله.

وكيف كان ، فلا يصح في الفرض المذكور جعل النزاع في أنها موضوعة للصحيح عند الشارع ، فإن أهل اللّغة والعرف المتقدمين على زمن الشارع لم يكونوا يعرفون ما عنده حتى يضعوها بإزائه ، بل الموضوع عندهم حينئذ هو المفهوم العام ، أعني ما يترتب عليه الأثر ، ويكون مصاديقه ما هو المتعارف عندهم ، ولو حكم الشارع بعد بصحة فرد آخر غير ما هو عندهم ، فليس هذا تصرفا منه في وضع اللفظ ، بل إنما هو إحداث مصداق لمفهومه ، فيطلق اللفظ عليه حقيقة حينئذ.

__________________

(١) القواعد ١ : ١٥٨.

(٢) جاءت في هامش المخطوطة زيادة غير مقروءة بمقدار سطر من جهة محو بعض الكلمات ويلاحظ في نهايتها علامة التصحيح « صحّ ».

٤٢٣

لكونه فردا من المفهوم بحكم الشارع ، أو حكم بفساد بعض ما عندهم ، فإنه أيضا ليس تصرفا في وضع اللفظ ، بل إنما هو إخراج لبعض المصاديق عن كونه مصداقا للمفهوم بحكمه.

واما مع ملاحظة تصرف الشارع ، فمرجع النزاع حينئذ إلى أن الموضوع عند الشارع ـ على ثبوت الحقيقة الشرعية فيها ، أو المجاز الشائع عنده بناء على عدم ثبوتها ـ هل هو ما حكم بصحته وبترتيب الأثر عليه أو للأعم فافهم.

وأما المقام : فهو في تحقيق المرام ، فنقول : الظاهر اختصاص وضع تلك الألفاظ لغة وعرفا أو شرعا ـ على ثبوت الحقيقة الشرعية ـ بالصحيحة ، وكذا اختصاص غلبة استعمال الشارع لها فيها على عدم ثبوتها ، لجريان كثير من الوجوه المتقدمة في المسألة السابقة هنا.

أما التبادر ، وصحة السلب عن الفاسدة فمطلقا ، وأما دليل الحكمة والاستقراء ، فهما يقتضيان وضعها للصحيحة لغة وعرفا وشرعا ـ على القول بثبوت الحقيقة الشرعية ـ وأما مع عدمها فلا.

وكيف كان ، فيكفي تبادر الصحيحة عند المتشرعة وغيرهم ، فهو يكشف عن وضعها لها عرفا ولغة ، ولو بضميمة أصالة عدم النقل.

وأما احتمال ثبوت الحقيقة الشرعية في تلك الألفاظ ، فهو مما يكاد أن يقطع بعدمه ، فإنها على فرض ثبوتها ، فالذي وضعت تلك الألفاظ بإزائه ، أمّا ما هو الموضوع له لتلك عند العرف واللغة أو غيره بتغيير وتصرف من الشارع فيها.

فإن كان الأول فيلغى الوضع لو كان ثبوته بطريق التعيين ، إذ الغرض منه حصول اختصاص بين اللفظ والمعنى بحيث متى أطلق فهم منه المعنى بنفسه ، وهو حاصل بوضع العرف أو اللغة ، ولو كان ثبوته بطريق التعين الناشئ عن غلبة الاستعمالات المجازية ، فلا ريب أنه لا يكون إلا بأن استعمل الشارع تلك الألفاظ مجازا كثيرا إلى حد يوجب الاختصاص ، التالي باطل ، بداهة أن الشارع تابع للعرف في استعماله الألفاظ اللغوية والعرفية ، والمفروض أن تلك المعاني معان حقيقية لتلك الألفاظ ، فيكون استعمال الشارع لها فيها أيضا حقيقيا ، فإنه حينئذ كواحد من العرف ، مع أنه لا يعقل المجازية هنا ، فإنه لا بد فيها من ثبوت

٤٢٤

وضع للفظ في غير المعنى المستعمل فيه مجازا وتبعية المتكلم للوضع المذكور ، ثم ملاحظة العلاقة بين ما وضع له وبين هذا المعنى ، ولا ريب انه لم يثبت لتلك الألفاظ وضع لمعنى آخر غير تلك المعاني ، لا من اللغة ولا من الشارع ، بل وضعه منحصر في تلك المعاني ، فلا يكون هنا معنيان : أحدهما ، الموضوع له والآخر غيره حتى يستعمل اللفظ في الآخر بملاحظة العلاقة.

هذا ، مع أنه يلزم على هذا اتحاد المنقول منه والمنقول إليه وهو محال ، لأن الشرط في النقل هجر اللفظ من المنقول منه ، وهذا لا يمكن مع اتحاد المعنى ، لاستلزامه التناقض ، فإنه إن كان تلك الاستعمالات توجب هجر اللفظ من هذا المعنى ، فكيف يعقل معه كونها موجبا لحصول الاختصاص أيضا ، مع أنه لا معنى لكون غلبة الاستعمال موجبا للهجر.

وأمّا إن كان الثّاني : فهو مبنيّ على كون معاني تلك الألفاظ من الماهيات المخترعة عند الشارع ، والظاهر أنه خلاف الإجماع وإن كان يوهمه عبارة الشّهيد الأوّل (قدس سره) في القواعد (١).

وكيف كان ، فالظاهر بل المقطوع عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في تلك الألفاظ بوجه ، بل القدر الثابت بشهادة أمارات الوضع وضعها للصحيحة عرفا ولغة ، ومع ثبوت ذلك يكفي في رد احتمال ثبوت الحقيقة الشرعية أصالة عدم النقل مع عدم قيام دليل قاطع بعد التنزل عن دعوى الظهور ، أو القطع بعدم ثبوتها.

ومن هنا ظهر ضعف احتمال أن يكون النزاع على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في تلك الألفاظ في المجاز الشائع عند الشارع ، لما عرفت من أن المجازية متوقفة على تصرف الشارع في تلك المعاني وجعلها غير ما كانت عليه بحسب اللغة والعرف ، وإلا لم يعقل المجازية في تلك المعاني مع بقائها بحالها ، لاتحاد المعنى الموضوع له والمجازي ، وهو محال.

وقد عرفت فساد كونها من المخترعات عند الشارع أيضا ، بل هي باقية عنده على ما كانت عليه لغة وعرفا.

__________________

(١) القواعد والفوائد ١ : ١٥٢ ، ١٥٣.

٤٢٥

ومما يكشف عن ذلك : إطباق علماء الإسلام طرا على جواز التمسك بإطلاق هذه الألفاظ إذا وقعت في حيز الخطابات الشرعية ، مع أنه لو ثبت ماهية مخترعة عنده فلا بد من حمل اللفظ عليه سواء كان موضوعا بإزائها ، أو لا ، فإن الظاهر من اختراعه وتصرفه في تلك المعاني إعراضه عن إرادة ما هو عند العرف واللغة ، فيكون قرينة صارفة عن المعنى اللغوي أو العرفي ، فحينئذ يحمل على أقرب المجازات وهو المجعول صحيحا ، اللازم باطل الضرورة ، فالملزوم مثله.

نعم قد علم تصرف الشارع في بعض مصاديق تلك المعاني اللغوية والعرفية ، بنهيه عن ترتيب الأثر عليه ، لكنه لا يوجب التصرف في أصل المعني ، كما لا يوجب تخطئة اللغة ، والعرف في شئون هذا المعنى معنى لذلك اللفظ ، أو كون هذا الفرد المنهي عنه فردا ، بل يوجب التصرف في منشأ صدق المعنى الكلي على هذا الفرد ، لما أشرنا إليه سابقا من أن تأثير تلك الأفعال الخارجية التي هي جزئيات لمعاني تلك الألفاظ ـ المعبر عنها بالصحيحة ـ ليس من حيث كونها عللا عقلية ، بل إنما هو بحسب الاعتبار ، فلذا يختلف اتصافها بالصحّة باعتبار المعتبرين وحكم الحكام ، ويختلف بذلك صدق المفاهيم الكلية عليها ، فإذا فرضنا أن فردا من البيع مثلا كان الناس قبل عثورهم على الشرع أو تدينهم به ملتزمين بترتيب أثر النقل والانتقال عليه ، فلا ريب حينئذ في صحة إطلاق البيع الموضوع للصحيح عليه حينئذ بهذا الاعتبار حقيقة ، ثم لو فرض نهي الشارع عن ترتيب الأثر المذكور على هذا الفرد ، فهو موجب لإخراج هذا الفرد عن المفهوم الكلي بحكم الشارع ، حيث أن منشأ صدق صدقه انما هو [ كونه ](١) من مقولة الحكم ، فبنهي الشارع يزول هذا المنشأ عنه بالنظر إلى الشارع وإلى تابعيه ، وأما بالنظر إلى العرف الغير التابعين ، الملتزمين بترتيب الأثر عليه ، فهو من مصداقه.

وكيف كان ، فلفظ البيع والصّلح وغيرهما من العقود ، ولفظ الطّلاق وغيره من ألفاظ الإيقاعات ، نظير لفظ المال والزوجة والملك ، فإن لفظي المال والملك كما أنهما موضوعان لما يختص بالإنسان مع كونه مما يبذل الثمن بإزائه ، ولا ريب أن الاختصاص المأخوذ في مفهومهما ليس مما يقتضيه ذات المال ، ولا مما

__________________

(١) زيادة يقتضيها السياق.

٤٢٦

يقتضيه السبب المنقّل من الغير إلى الشخص بطريق العلية ، بل إنما هو أمر اعتباري من مقولة الحكم ، يختلف باختلاف الحكام ، فلذا يكون الخمر مثلا مالا بالنسبة إلى الكفار المحللين له ، وليس بمال عند المتشرعة ، وكذلك الملك ، ومثلهما الزوجة حيث أنه موضوع لمرأة مختصة بالشخص ، مع أن زوجات الكفار ، المعقود عليهن بطريقتهم لسن بزوجات حقيقة عند الشارع ، أعني بملاحظة حكمه وان كان قد أمضى عملهم السابق إذا أسلموا ، فلذا لو تزوج أحد من المتشرعة زوجة بطريقة الكفار لا تكون زوجة له شرعا ، فيكون صدق المفاهيم المذكورة على الأفراد الخاصة ، دائرا مدار الاعتبار ، حيث أن القيد المأخوذ فيها ، وهو الاختصاص أمر اعتباري ، فكلما يطلق تلك الألفاظ على بعض تلك الأفراد تبعا للعرف ، فلا بد من ثبوت الاختصاص في ذلك البعض عرفا ، أو تبعا للشارع ، فلا بد من ثبوته فيه شرعا ، وإلا لكان الاستعمال في غير ما وضع له اللفظ مع ان مفهوم المال لا يختلف باختلاف المستعملين والموارد ، وانما الاختلاف في الأفراد والمصاديق ، وكذلك لفظ البيع وما بعده موضوع لما يفيد الأثر المجعول له ، فإن استعمل في هذا المفهوم من حيث هو مع قطع النّظر عن خصوصيات الأفراد فلا ريب في حقيقته وجواز إطلاقه ، وأما إذا أريد [ من ](١) إطلاقه بعض المصاديق ، فهو لا يصدق عليه إلا بعد تحقق القيد المعتبر في المفهوم فيه أيضا ، وإلا لما صار مصداقا له ، لكن تحقق هذا القيد له لما لم يكن من آثار ذات العقد ـ مثلا ـ بل من الأمور الجعلية ، فحينئذ يدور صدق صدقه عليه مدار ملاحظة الجعل والاعتبار ، فإذا أراد إطلاقه عليه تبعا للعرف الغير المتشرعين فلا بد من إحراز التزامهم بترتيب الأثر عليه ، ليكون هذا منشأ لصدق المفهوم عليه أو تبعا للمتشرعين أو الشّرع ، فلا بد من إحرازه عندهم حتى يتحقق منشأ الصدق ، وذلك لا يوجب تفرقا واختلافا في وضع البيع ، وفي مفهومه الّذي وضع له.

وكيف كان ، فالظاهر وضع ألفاظ العقود والإيقاعات للصحيحة منها لغة وعرفا ، أعني ما يترتب عليه الأثر المقصود المجعول بشهادة التبادر من جوهر تلك

__________________

(١) زيادة يقتضيها السياق.

٤٢٧

الألفاظ وصحة سلبها عن الفاسدة ، وأن تصرف الشارع وشبهه عن بعض مصاديقها العرفية لا يستلزم التصرف في وضعها ، وتغييرا في معناها ، حيث إنّها موضوعة للمفاهيم الكلية ، لا المصاديق ، وتصرفه موجب [ لـ ] خروج ما نهي عنه عن تلك المفاهيم بحكمه ، فإطلاقها عليه مجاز بملاحظة حكم الشارع ، وإلا فبملاحظة العرف إذا بنوا على ترتب الأثر عليه فحقيقة بلا شبهة ، فلذا لا يلزم من تصرفه في بعض الأفراد ثبوت الوضع الشرعي لها.

ثم إنه قد يستشكل في وضع تلك الألفاظ للصحيحة ، بأن مقتضاه لزوم الإجمال في تلك الألفاظ إذا وقعت في حيز الخطابات ، كما في ألفاظ العبادات على القول بوضعها للصحيحة ، فعلى هذا لا يجوز التمسك بإطلاقها ، ولا يصح الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق المشكوك في حالها ، بل لا بد من التوقف والرجوع في تشخيص المصاديق إلى الأدلة الشرعية ، اللازم باطل ، ضرورة عدم توقف أحد من علماء الإسلام في صحة التمسك بإطلاق تلك الألفاظ والرجوع إلى العرف في تشخيص بعض المصاديق.

وكيف كان فقد اتفق الكل على ذلك ، وكان ذلك عندهم كالضروريات ، فالملزوم مثله ، لأن انتفاء اللازم يكشف عن انتفاء الملزوم ، لعدم جواز التفكيك بينهما عقلا ، فلذا اختار جماعة وضعها للأعم.

لكنه مدفوع ، بأن لزوم الإجمال في ألفاظ العبادات على تقدير وضعها للصحيحة ليس من جهة وضعها لها من حيث وضعها لها ، بل من جهة أن معانيها من الماهيات المخترعة من الشارع ، لا سبيل للعرف في معرفة وتشخيص الصحيحة منها بكنهها حتى يتشخص مفهومها ، ويتمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شيء ، بل لا يعقل الشك بعد تبين مفهومها ، فإن مفاهيمها مساوية لما أمر الشارع به ، ومعلوم أن ما أمر به مشتمل على جميع الأجزاء والشرائط ، فالعلم بها يستلزم العلم بجميع الأمور المعتبرة ، فلا يبقى شك فتأمل ، وعدم جواز الرجوع في تشخيصها إلى العرف أيضا لذلك.

وكيف كان ، فلما لم يكن تشخيصها بالعرف بحقائقها وكنهها ، لعدم سبيل لهم إليها ، فلا يجوز الرجوع إليهم لذلك ولا يجوز التمسّك بإطلاق الألفاظ

٤٢٨

أيضا ، فإنه لا يكون إلا بعد إحراز المفهوم ، وصدقه على المشكوك ، والمفروض عدم إمكان إحرازه بالعرف وإنما سبيله منحصر في الأدلة الشرعية ، فإذا شك في اعتبار شيء فمعناه عدم تحصيل المفهوم من الأدلة الشرعية فهو موجب للشك في المفهوم ، وصدقه على الفرد المشكوك.

نعم القدر المتيقن من مصاديقها معلوم ، وهو لا يكفي فيما ذكر.

ولو قيل : إنا نعلم مفاهيم تلك الألفاظ بوجه من وجوهها ، ككونها صحيحة أو مأمورا بها أو مقرّبة ، وغير ذلك من الوجوه ، وكذلك ، العرف يعرفون ذلك ، فلم لا يجوز التمسك بإطلاقها ، ولا يجوز الرجوع إليهم في تشخيصها؟

قلنا : إن معرفتها بوجه من تلك الوجوه حقيقة في معنى الإجمال ، فإنها عناوين منتزعة من المفهوم المجمل ، حيث إنّا نعلم أنه متصف بتلك الصفات ، فلذا لا يكفي العلم في تشخيص مصاديقها ، وصدقها عليها ، بل معرفة المصاديق حينئذ أيضا متوقفة على الرجوع إلى الأدلة الشرعية.

هذا بخلاف ألفاظ المعاملات ، فإنها لما كان وضعها لغويا أو عرفيا ، ويكون معانيها مما يمكن تشخيصها بالعرف ، كسائر الألفاظ اللغوية والعرفية ، فيجوز الرّجوع إليهم في معرفتها ، ثم التمسك بإطلاقها على نفي ما يحتمل اعتباره شرعا ، فإن اعتبار الشارع أمرا في مفاهيمها في مقام الحكم ، بأن يقيدها حينئذ باعتبار بعض الأفراد لا يوجب التصرف في وضعها كما عرفت ، ولا يمنع عن صدقها على مصاديقها العرفية ، بل يوجب تقييدها وتخصيصها في الحكم الّذي حكم به عليها ، من الحل أو الحرمة ، وإخراج بعض المصاديق عن ذلك الحكم ، فلا يكون الشك في اعتبار شيء شرعا منشأ للشك في تلك المفاهيم ، أو في صدقها على بعض المصاديق العرفية (١) ، فيكون حال تلك الألفاظ إذا وقعت في حيز الأحكام الشرعية حال سائر الألفاظ اللغوية والعرفية في عدم كون الشك في اعتبار أمر زائد منشأ للشك في المفهوم ، أو في صدقه على بعض المصاديق العرفية ، كلفظ الغسل مثلا حيث انه موضوع لغة وعرفا.

__________________

(١) نعم لو شك في اعتبار شيء عرفا في صحّة بعض المصاديق فهو موجب للشك في المفهوم ، لكنّ الإشكال من جهة الشك في اعتبار شيء شرعا. لمحرّره عفا الله عنه.

٤٢٩

فهرس الموضوعات

الموضوع

الصفحة

في تقسيم اللفظ باعتبار المعنى الموضوع له.............................................. ٣

في تقسيم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز وتعريفهما........................................... ٩

في أقسام الحقيقة والمجاز وتحقيق الحال في الكناية....................................... ١٣

في أحكام الحقيقة والمجاز........................................................... ١٨

في طرق معرفة الوضع............................................................. ١٩

في حجية قول الناقل للغة وعدمها................................................... ٢٠

في تقرير دليل الانسداد في حجية قول الناقل للغة ورده................................. ٢٣

في بيان مقتضى القاعدة عند تعارض قول النقلة....................................... ٢٦

في الأخذ بالمرجحات في باب تعارض قول النقلة وعدمه................................ ٣٠

في شرط حجية قول أهل اللغة...................................................... ٣٣

ومن الطرق الشرعية إلى معرفة اللغات قول العدل...................................... ٣٥

ومن الطرق الشرعية إلى معرفة اللغات خبر الواحد المصطلح............................. ٣٦

ومن الطرق العقلية إلى معرفة اللغات العقل وأصل العدم................................ ٣٨

ومن الطرق العقلية إلى معرفة الوضع الاستعمال المستمر................................. ٤٤

في بيان أدلة الأقوال في مسألة الاستعمال............................................. ٦٣

في بيان الثمرة بين الأقوال في مسألة الاستعمال........................................ ٦٨

ومن الطرق العقلية إلى معرفة اللغات صحة الاشتقاق................................... ٦٩

في التبادر........................................................................ ٧٠

٤٣٠

الموضوع

الصفحة

في ان التبادر كما يكون علامة للحقيقة يكون علامة للمجاز........................... ٧١

في بيان الإشكالات الواردة على التبادر وأجوبتها...................................... ٧٣

تحقيق الحال في المجاز المشهور....................................................... ٧٩

في بيان القول بالتفصيل في المجاز المشهور............................................. ٨٢

في تشخيص الحدود واللوازم للمعنى المطابقي بالتبادر................................... ٨٧

في بيان أقسام التبادر الإطلاقي...................................................... ٩٠

في تشخيص التبادر الوضعي........................................................ ٩٢

في بيان صحة السلب وعدمها...................................................... ٩٤

في إشكال العضدي على صحة السلب بلزوم الدور.................................... ٩٥

في توضيح مراد العضدي........................................................... ٩٧

في بيان كلمات الاعلام في تقرير الدور.............................................. ٩٩

في بيان وجوه دفع الدور......................................................... ١٠٥

في بيان الإشكال على كون عدم صحة السلب علامة للحقيقة والجواب عنه............. ١١٠

في كون الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز....................................... ١١٥

في تعيين مورد الاطراد........................................................... ١١٧

في بيان الأقوال والأدلة في علامية الاطراد وعدمه..................................... ١٢٠

في علامية اختلاف الجمع......................................................... ١٢٦

في علامية التزام التقييد........................................................... ١٢٨

في علامية صحة التقسيم......................................................... ١٣١

في علامية حسن الاستفهام........................................................ ١٣٣

في علائم الحقيقة والمجاز عند الشك في المراد......................................... ١٣٤

في بيان أصالة الحقيقة وأدلة اعتبارها والنقاش فيها.................................... ١٣٥

التحقيق في الاستدلال على اعتبار أصالة الحقيقة..................................... ١٤٠

في أصالة عدم القرينة وبيان أدلتها والتحقيق فيها..................................... ١٤٥

في ان اعتبار أصالة الحقيقة هل هو على الإطلاق أم لا................................. ١٥٠

في ان المجازات المحفوفة بالقرائن من الظواهر اللفظية................................... ١٥٢

في التعارض بين الأصول اللفظية................................................... ١٥٧

٤٣١

الموضوع

الصفحة

في بيان الأقوال في تعارض الأصول اللفظية.......................................... ١٦١

تحقيق الحال في الأقوال........................................................... ١٦٧

في بيان المختار في تعارض الأصول اللفظية.......................................... ١٧١

في تنبيهات مسألة تعارض الأصول اللفظية.......................................... ١٧٢

في تحقيق الحال في رجحان الأحوال في تعارض الأحوال............................... ١٧٥

في دوران الأمر بين الاشتراك والنقل................................................ ١٧٥

في دوران الأمر بين الاشتراك والتخصيص........................................... ١٨٥

في دوران الأمر بين الاشتراك والمجاز................................................ ١٩٠

في دوران الأمر بين الاشتراك والإضمار............................................. ١٩٠

في دوران الأمر بين النقل وغيره من التخصيص والتقييد والمجاز......................... ١٩٤

في دوران الأمر بين النقل والإضمار................................................ ١٩٧

في دوران الأمر بين التخصيص والمجاز.............................................. ١٩٨

في دوران الأمر بين التخصيص الابتدائي والمجاز...................................... ٢٠٠

في دوران الأمر بين التخصيص والإضمار........................................... ٢٠٢

في دوران الأمر بين المجاز والإضمار................................................ ٢٠٤

في دوران الأمر بين الاشتراك والنسخ............................................... ٢٠٥

في بيان سائر صور الدورانات..................................................... ٢٠٦

في اعتبار المرجحات والمزايا وتشخيص صغرياتها..................................... ٢١٠

في بيان مقتضى القاعدة عند الدوران بين المرجح النوعيّ والشخصي.................... ٢١٦

في بيان الدوران بين حالات لم يتعرضها القوم....................................... ٢١٩

في تقسيم الحقيقة باعتبار الواضع.................................................. ٢٢٣

في تقسيمات المجاز............................................................... ٢٢٥

في ثبوت الحقيقة العرفية.......................................................... ٢٢٩

في ذكر موارد وقع الاختلاف في كونها حقائق عرفية.................................. ٢٣١

في الحقيقة الشرعية............................................................... ٢٣٤

في بيان معنى الشارع............................................................. ٢٣٨

في تحرير محل النزاع في الحقيقة الشرعية.............................................. ٢٤١

٤٣٢

الموضوع

الصفحة

في بيان الثمرة في الحقيقة الشرعية.................................................. ٢٤٥

في بيان الأقوال في الحقيقة الشرعية................................................. ٢٤٧

في المشتق....................................................................... ٢٥٠

في بيان مقدمات مبحث المشتق................................................... ٢٥١

في بيان الأقوال في المشتق......................................................... ٢٥٩

في بيان المختار في المشتق والاحتجاج عليه.......................................... ٢٦٣

في دفع الإشكالات الواردة على المختار............................................. ٢٦٥

في تصوير إطلاق المشتق باعتبار حال النطق......................................... ٢٦٨

في تصوير إطلاق المشتق باعتبار الماضي............................................. ٢٦٩

في حجة القائلين بعدم اشتراط بقاء المبدأ مطلقا...................................... ٢٧٣

في حجة مشترطي البقاء في المشتق وحجة القائل بأنه حقيقة في الماضي.................. ٢٧٦

حجة القائل باعتبار البقاء في المشتقات المأخوذة على سبيل اللزوم....................... ٢٧٧

في تنبيهات المشتق............................................................... ٢٧٨

في بيان الأقوال في اعتبار الذات المبهمة في المشتق.................................... ٢٩٤

في بيان الوجوه على المختار....................................................... ٢٩٥

في بيان عدم تمامية بعض الوجوه المذكورة للمختار................................... ٣٠٣

في حجة القائل بدخول الذات المبهمة في المشتق والقائل بالتفصيل...................... ٣٠٧

في بيان ملاحظة الثمرة في المشتق على بعض الأقوال.................................. ٣٠٩

في بيان جريان النزاع في المشتقات في الجوامد أيضا................................... ٣١٢

في الصحيح والأعم.............................................................. ٣١٤

في تفسير الألفاظ المأخوذة في عنوان مبحث الصحيح والأعم........................... ٣١٥

في بيان أنحاء التصوير للقول الصحيحي............................................. ٣١٨

في بيان أنحاء التصوير للقول الأعمي................................................ ٣٢٢

في تأسيس الأصل في مسألة الصحيح والأعم وبيان الأقوال فيها........................ ٣٢٧

في بيان أدلة المختار.............................................................. ٣٢٩

في بيان أدلة الأعميين والجواب عنها................................................ ٣٣٦

في بيان أدلة القائلين بالتفصيل والجواب عنها........................................ ٣٤٨

٤٣٣

الموضوع

الصفحة

تحقيق حول استناد القول بالتفصيل إلى الشهيد (قدس سره)........................... ٣٤٩

في بيان الفرق والثمرة بين الصحيح والأعم.......................................... ٣٥١

في بيان موانع التمسك بالإطلاق على الأعمي....................................... ٣٦٠

في بيان ترتب الثمرة على الأعمي والجواب عنه...................................... ٣٦٦

في بيان الأقوال واحتجاج كل بالتبادر وصحة السلب وعدمها......................... ٣٨٩

في بيان ما هو الحق من الأقوال والاحتجاج بالوجوه المشتركة.......................... ٣٩٢

في بيان الاحتجاج بالوجوه الخاصة للقول بالصحيح.................................. ٣٩٥

في بيان الاحتجاج بالوجوه الخاصة للقول بالأعم..................................... ٤٠٢

في بيان الاحتجاج على القول بالتفصيل بين الاجزاء والشرائط......................... ٤١٣

في الفرق بين الجزء والشرط....................................................... ٤١٤

في ذكر الثمرات بين الجزء والشرط................................................. ٤١٧

في الفرق بين الاجزاء الواجبة والمستحبة............................................. ٤١٨

في ان ألفاظ المعاملات هل هي موضوعة للصحيحة أو للأعم........................... ٤٢١

في بيان المختار والاحتجاج عليه................................................... ٤٢٤

٤٣٤