تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

وكيف كان ، فمخالفته على فرض صدقها لا تضرنا في المقام ، لشذوذه ، فيكفي اتفاق الباقين للكشف عن مجازية المشتق في الاستقبال بالنظر إلى حال التلبس معه.

مضافا إلى ما سنقيمه من الأدلة المحكمة عليه فانتظر.

وبالجملة فاعتبار التلبس في الجملة في المقام المردد بين خصوص حال إرادة صدق المشتق ، وبين الأعم منه ، الشامل للماضي بالنسبة إلى هذا الحال متفق عليه بين الأقوام ، وإنما اختلفوا في أن المعتبر منه ، هل هو حصوله في خصوص حال إرادة صدق المشتق بحيث لا يكفي حصوله قبله ، مع انقضائه حينئذ ، أو حصوله في الجملة من غير خصوصية للحال المذكور بحيث يكفي حصوله بالنسبة إلى الماضي بالنسبة إليه مع انقضائه ، فمن يقول بكون المشتق حقيقة في خصوص الحال يعتبر الأول ، ومن يقول بكونه حقيقة في الماضي أيضا يكتفي بالثاني.

وكيف ما كان ، فهم بعد اتفاقهم على التلبس بالمبدإ في الجملة ، وكون الإطلاق على المستقبل بالنظر إلى حال إرادة الصدق مجازا ، كاتفاقهم على كون إطلاقه حقيقة في الحال أي إطلاقه على من تلبس بالمبدإ باعتبار حال إرادة الصدق ، اختلفوا في كونه حقيقة في خصوص الحال بمعنى اعتبار تلبس الذات المطلق عليها المشتق بالمبدإ باعتبار حال إرادة الصدق ، من دون كفاية حصوله لها قبله ، أو في الأعم منه ومن الماضي ، بالاشتراك المعنوي ، بمعنى كفاية حصوله لها في قطعة من الزمان آخرها حال إرادة صدق المشتق عليها على أقوال :

ثالثها : كونه حقيقة في الماضي أيضا ، إن كان المبدأ فيه مما لا يمكن بقاؤه ، كالمصادر السيالة الغير القارة ، وإلاّ ، فمجاز حكي عن جماعة حكايته ، وعن العلامة (قدس سره) في النهاية (١) نسبته إلى قوم ، إلاّ أنه قال علي ما حكي عنه في أثناء احتجاجه إن الفرق بين ممكن الثبوت وغيره منفي بالإجماع ، وهو يومئ إلى حدوث هذا القول.

رابعها : إنه حقيقة فيه إن كان الاتصاف أكثريا بحيث يكون عدم الاتصاف في جنب الاتصاف مضمحلا ، ولم يكن الذات معرضة عن المبدأ وراغبة عنه ، سواء كان المشتق محكوما عليه ، أو به ، وسواء طرأ القيد الوجوديّ على المحل أولا ، اختاره

__________________

(١) النهاية : ٢٠ وقال قوم إنه يشترط إن أمكن والا فلا ـ وقد استدلّ العلامة على بطلانه بعد أسطر بالإجماع ـ وقال قده : لأنا نقول : إجماع أهل اللغة ينفي ذلك.

٢٦١

الفاضل التوني رحمه الله في محكي الوافية (١).

خامسها : التفصيل بين المشتقات المأخوذة على سبيل التعدية ، ولو بواسطة الحروف ، والمأخوذة على سبيل اللزوم ، فالأولى للأعم ، والثانية لخصوص الحال ، نسب إلى غير واحد ، وحكى القول به ـ أيضا ـ عن بعض الأفاضل (٢) في تعليقاته على المعالم.

سادسها : إيكال الحال في كل لفظ من ألفاظ المشتقات ، أعني جزئياتها المتشخصة بالموارد المختلفة إلى العرف ، فلا ضابطة حينئذ في تمييز ما هو حقيقة في الأعم عن غيره ، بل كل لفظ حقيقة فيما يتبادر منه عرفا ، فان تبادر منه الأعم فهو له ، أو خصوص الحال ، فهو له خاصة ، فيقال في نحو القاتل والضارب والآكل والشارب والبائع والمشتري : إنها حقيقة في الأعم ، وفي نحو النائم ، والمستيقظ ، والقائم ، والقاعد ، والحاضر ، والمسافر : إنها حقيقة في خصوص الحال ، حكي هذا عن بعض ، مع عدم التصريح باسمه ، وعن الحاجبي (٣) ، والآمدي (٤) التوقف في المسألة ، وحكي أيضا بعض الأقوال في المقام غير ما تقدم من غير تعيين لكيفية القول ، ولا لقائله ، ولا فائدة في التفتيش عن حاله.

وكيف كان ، فالمعروف بين الأصوليين هما القولان الأوّلان :

أحدهما : عدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق ، ووضعه للقدر المشترك بين الماضي والحال مطلقا ، وهو المعروف بين الأصوليين ، وقد حكي نصّ جماعة عليه من

__________________

(١) الوافية للفاضل التّوني ، مخطوط وإليك نصّه والحق أنّ إطلاق المشتق باعتبار الماضي حقيقة إذا كان اتصاف الذّات بالمبدإ أكثريّا بحيث يكون عدم الاتّصاف بالمبدإ مضمحلا في جنب الاتّصاف ولم يكن الذات معرضة عن المبدأ وراغبة عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به إلخ.

(٢) الحاكي هو صاحب هداية المسترشدين : ٨٤.

(٣) لاحظ شرح العضدي على مختصر بن حاجب ، مخطوط وهذا لفظه : مسألة : اشترط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة ثالثها ان كان ممكنا ، اشترط المشترط لو كان حقيقة وقد انقضى لم يصحّ نفيه وأجيب بأنّ المنفيّ الأخصّ فلا يستلزم نفي الأعم إلخ وقال العضدي في مقام بيان مختار المصنّف ما هذا نصّه : فتقدير كلامه اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة فيه مذاهب : أحدها اشتراطه وثانيها : نفيه وثالثها : انّه لو كان البقاء ممكنا اشترط وإلاّ فلا ، وكأنّ ميل المصنّف إلى التوقّف ولذلك ذكر دلائل الفرق وأجاب عنها.

(٤) الأحكام في أصول الأحكام ، الجزء الأول : ٤٨ ـ ٥٠ ، فانه بعد ردّه وجوه الأقوال في المسألة قال : هذا ما عندي في هذه المسألة ، وعليك بالنّظر والاعتبار.

٢٦٢

المحققين منهم العلامة (قدس سره) في عدة من كتبه (١) وعن شرح الوافية للسيد صدر الدين (٢) أنّه المشهور بين المعتزلة والإمامية ، وعن المبادئ أنّه مذهب أكثر المحققين ، بل حكي عن ظاهر السيد العميدي (٣) وغيره : دعوى الإجماع ، وحكي أنه (قدس سره) قال في شرح كلام المصنف ، هذه المسألة من المسائل الأربع (٤) : وهي أنه لا يشترط في صدق اللفظ المشتق بقاء المعنى المشتق منه ، وهو مذهب أصحابنا والمعتزلة ، وأبي علي سينا ، خلافا لجمهور الأشاعرة.

وثانيهما : اشتراط البقاء ومجازية إطلاق المشتق على الماضي مطلقا ، وعزي هذا إلى الرّازي والبيضاوي والحنفية ، وجمهور الأشاعرة ، وإليه ذهب أكثر أفاضل من تأخر.

هذا ، والظاهر انحصار القول بين المتقدمين في هذين ، وأنّ الأقوال الأخرى محدثة ممن تأخر عنهم من إلجاء كل واحد من الطرفين في مقام العجز عن رد شبهة خصمه ، وسيأتي توضيح فساده مفصلا.

وكيف كان ، فالذي ينبغي اختياره ويساعد عليه الدليل إنما هو القول الثاني من الأولين ـ أعني اشتراط بقاء المبدأ ومجازية المشتق ـ فيما انقضى عنه المبدأ مطلقا.

لنا تبادر المتلبس بالمبدإ من هيئات المشتقات مع قطع النّظر عن خصوصيات الموارد المفروضة لها ، بمعنى أنه متى لوحظت تلك الهيئات في حد أنفسها ، ولو في ضمن مادة لا نعلم معناها يتبادر منها المتلبس بتلك المادة ، نجد ذلك من أنفسنا بعد تخلية الأذهان ، ومن العرف العارفين باللسان ، فانه إذا أطلق نحو ضارب وقائم وعالم مع قطع النّظر عن الأمور الخارجية يتبادر عندهم منها جميعا ما يعبر عنه بالفارسية بـ ( زننده ،

__________________

(١) منها كلامه في نهاية الوصول : ٢٠ والأقرب عدم الاشتراط لنا وجوه إلخ.

ومنها في التهذيب حيث قال : ولا يشترط البقاء في الصّدق.

ومنها في مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ٦٧ حيث قال : ولا يشترط بقاء المعنى في صدقه.

(٢) شرح الوافية للسيد صدر الدين مخطوط ، في بحث المشتق وإليك نصّه : ثانيها ( أي ثاني الأقوال ) حقيقة مطلقا إلخ ، هذا هو المشهور بين المعتزلة والإماميّة.

(٣) ما عثرنا على هذه النسبة في النسخة الموجودة ولعلّه كانت في النسخ الأخرى.

(٤) منية اللبيب ، مخطوط ، في بحث المشتق ، وإليك نصّه : هذه المسألة الثانية من المسائل الأربع : وهي أنّه لا يشترط في صدق لفظ المشتق على سبيل الحقيقة بقاء المعنى المشتق منه وهو مذهب أصحابنا والمعتزلة وأبي علي ابن سينا خلافا لجمهور الأشاعرة.

٢٦٣

وايستاده ، ودانا ) ولا ريب أنّ هذه العناوين لا تصدق حقيقة إلاّ على المتلبس بموادّها ومبادئها حال إرادة صدقها عليه ، إذ الصّدق حقيقة لا يتحقق إلا بكون ما يحمل هي عليه من أفرادها حقيقة ومندرجا تحتها ، ولا ريب أن من انقضى عنه المبدأ بالنسبة إلى حال النسبة وإرادة صدقها عليه ليس من أفرادها ـ حينئذ ـ حقيقة ، فان مفاهيمها هي المتلبس بالمبدإ ، فمن انقضى عنه المبدأ لا يكون متلبسا به حال النسبة لارتفاع الوصف العنواني عنه ـ حينئذ ـ فليس من أفراد المتلبس به حينئذ.

وبالجملة : الحال في الأسماء المشتقة ، كالحال في الأسماء الجوامد ، من حيث وضع كل واحدة منهما للمتصف بالوصف العنواني ، إلا أن الوصف العنواني في الأولى هو المبادئ والمصادر المأخوذة منها هذه ، وفي الثانية هي وجوه الذوات الموضوعة لها تلك ، باعتبار تلك الوجوه ، كالإنسانية لذات الإنسان ، والكلبية لذات الكلب ، والفرسية لذات الفرس ، وهكذا ، فانها لم توضع لنفس تلك الذوات لا بشرط ، بل باعتبار اتصافها بهذه الأوصاف ، فلذا ينتفي الأسماء عند انتفائها ، مع بقاء جوهر الذوات كالكلب المستحيل ملحا أو ترابا ، وهذا هو السّر في تبادر المتلبس المتصف بالمبدإ من الأولى ، فحينئذ ، فلا يصح إطلاقها حقيقة إلا باعتبار حال التلبس ، ليكون ما أطلقت هي عليه داخلا ومندرجا في مفاهيمها ، كما لا يصح إطلاق الجوامد حقيقة أيضا إلا باعتبار حال تلبس الذوات بالأوصاف العنوانية.

وكيف كان ، فلا فرق بينهما من الحيثية المذكورة ، فانه كما لا يتبادر من الكلب والفرس والبقر وغيرها إلا ( سگ ، واسب ، وگاو ) وليست هي إلاّ عبارة عن المتصف بالوصف العنواني ، فلا يجوز إطلاقها على من انقضى عنه هذا الوصف حقيقة ، فكذلك لا يتبادر من الضارب والعالم والقائم إلا ( زننده ، ودانا ، ونشسته ) وهي لا تكون إلا عبارة عن المتصف بالضرب ، أو العلم ، أو القيام ، فلا يصح إطلاقها حقيقة على المنقضي عنه المبدأ ، إذ نحن ادّعينا التبادر المذكور من الهيئات المذكورة ، مع قطع النّظر عن الخصوصيات الخارجة اللاحقة لبعض الموارد ، فلا يرد النقض علينا بتبادر الأعم في بعض الأمثلة ، كما ورد على من ادعاه في خصوص أمثلته خاصة.

وسيجيء دفع تبادر الأعم في ردّ بعض الأمثلة أيضا من نفس الهيئة ، بل بواسطة خصوصية لاحقة للمادة ، أو لمورد خاص من موارد استعمالها.

وكيف كان ، فبعد حصول التبادر المذكور من نفس الهيئة ثبت وضعها

٢٦٤

لخصوص الحال في جميع الموارد ، وفي جميع حالاتها ، لاتفاقهم ظاهرا على اتحاد الوضع فيها ، كما ادعاه شيخنا الأستاذ ، وسيدنا الأستاذ ( دام ظلهما ) فيكون المسألة من دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز ، وبين الاشتراك.

ومع التنزل عنه ، فلا ريب في اتفاقهم على اتحاد جهة الوضع في جميع الموارد على ما يظهر من كلماتهم ، فراجع وهو يكفينا فيما نطلبه.

نعم ربما يتوهم تعدد جهة الوضع من التفاصيل المتقدمة بالنظر إلى الألفاظ أو الحالات.

لكنه مدفوع أولا : بما أشرنا إليه من أنها محدثة من المتأخرين من إلجاء كل من الطرفين في مقام العجز عن رد شبهة خصمه.

وثانيا : بانحصار القول بين المتقدمين بين اثنين كل منهما نقيض الآخر مطلقا.

وثالثا : بحصول التبادر المذكور منها في جميع الموارد على نحو سواء ، مع قطع النّظر عن الخصوصيات الخارجة اللاحقة للمورد.

ورابعا : بأن تعدد جهة الوضع بالنسبة إلى الموارد المختلفة لا يعقل مع اتحاد نفس الوضع ، وقد عرفت الاتفاق على اتحاد هذا.

وخامسا : صحة سلبنا تلك الأوصاف عمن انقضى عنه المبدأ بالنسبة إلى زمان انقضائها عنه ، فانه يصح أن يقال لمّا كان ضاربا أمس : أنه ليس بضارب الآن بمعنى سلب مطلق هذا الوصف عنه في الآن بجعل الآن ظرفا للنفي لا قيدا للمنفي ، حتى يقال : إن سلب المقيد لا يستلزم المطلق ، وإلا أمكن العكس فيما إذا كان ضاربا الآن مع عدم اتصافه به قبل ، فيقال : إنه يصح أن يقال : إنه ليس الآن ضاربا بضرب الأمس ، وهو مقيد ، فنفيه يستلزم نفي المطلق ، فهو ليس ضاربا الآن بقول مطلق ، مع أن صدق الضارب عليه باعتبار الأمس حقيقة إجماعا ، لكونه مطلقا عليه باعتبار حال التلبس.

وقد يورد على ما قلنا من صدق السلب المذكور ، مع جعل الآن في المثال ظرفا للنسبة ـ أعني سلب المحمول ـ لا قيدا للمحمول بمنع الصدق ، وأنه أول الدعوى إذ القائل بعدم اشتراط بقاء المبدأ ، يقول بصدق الضارب عليه الآن مع تلبسه به في الماضي.

وفيه ما لا يخفى من الركاكة ، فان القائل بعدم اشتراط البقاء يلزمه ذلك ، حيث إن الموضوع له عنده هو القدر المشترك بين المتلبس بالمبدإ ، وبين من انقضى عنه

٢٦٥

المبدأ ، وهو من برز عنه المبدأ في قطعة من الزمان آخرها حال التلبس به ، ونحن لما علمنا من وجداننا ، ومن العرف ـ أيضا ـ جواز سلب الضارب عمن انقضى عنه الضرب بعد انقضائه عنه نخطئ هذا القائل لعلمنا حينئذ باشتباه الأمر عليه ، وإن لم نقدر على إلزامه بما وجدنا ، حيث إنه يدعي أني وجدت عدم جواز السلب المذكور.

وكيف كان ، فلا يليق أن يتفوه بهذا الإيراد ، فإنّا لم ندع الاتفاق على صدق هذا السلب ، حتى من هذا القائل ، حتى يقال ذلك.

وقد يجاب ـ أيضا ـ بعد تسليم صدق النفي على الوجه المذكور ، بأن قضية ذلك صدق السلب في الوقت الخاصّ ، وأقصى ما يلزم من ذلك صدق السلب على سبيل الإطلاق العام ، وهو غير مناف لصدق الإيجاب كذلك ، ضرورة عدم تناقض المطلقين المختلفين في الكيف ، وإنما يناقض المطلقة العامة الدائمة المطلقة المخالفة لها في الكيف.

ويدفعه أن المطلقين إنما لا يتناقضان في حكم العقل ، لا في حكم العرف ، ضرورة وجدان التناقض بين قولك زيد ضارب وزيد ليس بضارب ، وهو المحكّم في المقام. أقول : المطلقتان العامتان لا تناقض بينهما عقلا ، إذا لم تقيد كلتاهما بوقت خاص ، بأن يكون كل واحدة منهما مقيدة وموقتة بعين ما وقّتت به الأخرى ولم تكن الجهة فيهما أيضا واحدة.

وأمّا إذا وقتتا بوقت ، وكانت الجهة والحيثية فيهما واحدة مع اتحاد الموضوع والمحمول فيهما ، كما في قولك : زيد ضارب الآن وليس بضارب الآن ، ويكون وجه السلب وجهته هي كون زيد مصداقا للمعنى الحقيقي للضارب ، بأن يكون المراد أنه فرد من المعنى الحقيقي للضارب ، وليس بفرد منه ، فلا ريب في تناقضهما ـ حينئذ ـ في نظر العقل ، إذ ليس نقيض الشيء إلا رفعه ، ولا ريب أن كل واحدة من القضيتين في المثال على الوجه المذكور رافعة للأخرى عقلا.

وقول أهل الميزان : إن نقيض المطلقة العامة هي الدائمة المطلقة لا ينافي ما ذكرنا ، فان غرضهم بيان نقيضها بالقضية المتعارفة عندهم ، لانحصار النقيض فيها ، فانهم كثيرا ما أعرضوا عن ذكر بعض القضايا في مباحث العكوس والأقيسة ، لعدم كون ذلك البعض من القضايا المعروفة المنضبطة في تلك المباحث عندهم.

والحاصل انه لما كان المناقض للمطلقة العامة من القضايا المعروفة المنضبطة عندهم في مبحث التناقض هي الدائمة المطلقة لا غير ، فذكروا : إن نقيضها هذه ـ أي

٢٦٦

نقيضها ـ من بين تلك القضايا المعروفة.

فان قيل : إن حاصل ما ذكرت مناقضة المطلقة العامة لمثلها ، واعترفت بأن أهل الميزان بناؤهم على ذكر القضايا المتعارفة ، فلم يذكروا أن نقيض المطلقة العامة قد يكون مثلها ، مع أنها من القضايا المعروفة.

قلت : هذه مغالطة ظاهرة ، فان مرادنا : أنّ بناءهم في كل مبحث ذكر ما هو المتعارف المنضبط في هذا المبحث ، والمطلقة العامة من القضايا المعروفة في مبحث تعداد القضايا ، وأمّا في مبحث التناقض ، فهي ليست من النقائض المنضبطة لمثلها ، فان مناقضتها لمثلها في بعض الصور ، بخلاف الدائمة المطلقة لكونها مناقضة لها دائما ، فلذا تركوا هذه وذكروا تلك.

فإذا ثبت ذلك ، فقد ظهر فساد الجواب المذكور ، فإنّا قد وجدنا صحة نفي قولك : ( زيد ليس بضارب الآن ) ، مع جعل الآن ظرفا للنسبة إذا أردت النفي ، من جهة كونه من مصاديق ما وضع له هذا اللفظ ، فيمتنع حينئذ عقلا صدق قولك : ( زيد ضارب الآن ) على الوجه المذكور.

هذا ، ثم إنه قد يذكر بعض الوجوه الأخرى للقول المختار ، أعرضنا عنه حذرا من إطالة الكلام ، مع عدم الحاجة إليه في المقام ، لكفاية ما مر في إثبات المرام من الوجهين.

وبأولهما ظهر ـ أيضا ـ كون المشتق حقيقة فيمن يتلبس بالمبدإ ، بعد حال النطق أو التلبس به قبله ، إذا كان إطلاقه عليه باعتبار حال التلبس.

مضافا إلى قيام الإجماع ـ ظاهرا ـ على كونه حقيقة في حال التلبس ، الشامل لهما ، وإلى عدم صحة سلبه عنه في مثل : ( زيد كان ضاربا أمس ) ، أو إنه ضارب غدا إذا أريد به إطلاقه عليه بالنسبة إلى حال التلبس ، بأن يكون هو الغد والأمس.

وربما يقال حينئذ : إن اللازم عدم صحة سلب المطلق ، لا المقيد ، والّذي هنا هو الثاني ، وهو لا يدل على المدعى ، ألا ترى أنه لا يصح السلب عن المعنى المجازي ، مع اقتران اللفظ بالقرينة ، كما في ( أسد يرمي ) حيث أنه لا يصح سلبه عن الرّجل الشجاع.

٢٦٧

وهو مدفوع : بنحو ما مر في الجواب عن الإيراد على التمسك بصحة السلب عمن انقضى عنه المبدأ.

وتوضيحه : إنّ ما ذكر مسلم إذا كان الغد والأمس في المثال قيدا للمسلوب ، كما في المنقوض به ، وهو قوله : ( أسد يرمي ) ، وأما إذا كانا قيدين للسلب كما هو المراد ، فلا يتم المطلوب لإطلاق المسلوب.

فبهذا كله ظهر ضعف توهم المشتق حقيقة في حال النطق ، بتوهم أن معقد الإجماع على كونه حقيقة في الحال ذلك ، كظهور ضعف توهم كونه حقيقة في المستقبل بالنسبة إلى حال التلبس ، كما مر وكيف كان ، فمدار حقيقة الإطلاق ومجازيته على ما حققنا على ملاحظة حال التلبس وعدمها ، سواء وافق حال النطق أو خالفه ، فربما يكون الإطلاق مجازيا بالنسبة إلى حال النطق ، كما إذا أطلق باعتباره مع انقضاء المبدأ ، أو قبل حصوله ، كما يختلف الحال أيضا في الماضي والمستقبل بالنسبة إليه.

وإن شئت توضيح ذلك فنقول : إطلاق المشتق باعتبار حال النطق يتصور على وجوه :

أحدها : أن يطلق ويراد به المتلبس به في حال النطق على وجه يكون الزمان مأخوذا في مفهوم اللفظ ، على وجه الشطرية أو الشرطية ، وهذا لا شبهة في مجازيته ، فانه وإن أطلق باعتبار حال التلبس ـ إذ المفروض اتحاده مع حال النطق ـ إلا أنك عرفت خروج الزمان عن مفهوم المشتق ، فاعتباره في مفهوم اللفظ موجب لمجازيته.

ثانيها : أن يطلق ويراد به المتلبس به في حال النطق ، مع اتحاده مع حال التلبس ، من غير أن يؤخذ الزمان قيدا في مفهوم اللفظ بأحد الوجهين المذكورين.

والفرق بين حال التلبس ـ بقول مطلق ـ وهذا الإطلاق واضح ، إذ المعتبر في الأول مجرد التلبس ، وفي الثاني التلبس المخصوص الحاصل في حال النطق ، ولا ملازمة بين هذا وأخذ الزمان في مفهوم اللفظ ، فان المدلول هو التلبس الحاصل في حال النطق ، مع قطع النّظر عن حصوله فيه ، نظير اسم الجنس المنكر ، حيث إنه

٢٦٨

موضوع للماهيّة الحاضرة في الذهن ، مع قطع النّظر عن حضورها فيه ، بخلاف علم الجنس ، فانه موضوع لها بلحاظ حضورها فيه.

وكيف كان ، فهذا الإطلاق لا شبهة في كونه حقيقة لكونه إطلاقا في حال التلبس.

ثالثها : أن يراد به المتلبس بالمبدإ في حال النطق ، على وجه يراد بالمشتق مجرد المتلبس بالمبدإ ، وأريد خصوص الحال من الخارج على حسب إطلاق الكلي على الفرد ، ولا شبهة في كون ذلك أيضا حقيقة ، لكنه حقيقة خارج عن إطلاق المشتق في حال النطق.

وكيف كان ، فبهذا التشقيق والتفصيل ظهر أن حال النطق لم يقع موردا للوفاق ، حسب ما عرفت أن مدار الحقيقة في بعض هذه الأقسام ـ وهو الثاني والثالث ـ كون الإطلاق واقعا في حال التلبس ، وظهر ضعف ما ذكره بعض المحققين (١) في تعليقاته على المعالم ، أن إطلاق المشتق باعتبار حال النطق حقيقة في الجملة فإنّه إمّا نفس الموضوع له أو مندرج فيه.

وأما إطلاق المشتق ـ باعتبار الماضي ـ بالنسبة إلى حال النطق ، فهو أيضا يتصور على وجوه :

أحدها : أن يطلق ويراد به المتلبس بالمبدإ في الماضي المنقضي في الحال ، على أن يكون الزمان مأخوذا في مفهوم اللفظ بأحد الوجهين المتقدمين ، ولا إشكال في مجازيته ، لما مرّ من خروج الزمان عن مفهوم المشتق ، فاعتباره فيه مستلزم لمجازيته ، ولكن في محكي شرح الوافية ، وقوع الخلاف فيه ، ولا ينبغي أن يصغى إليه.

ثانيها : أن يطلق ويراد به المتلبس بالمبدإ في الماضي ، مع انقضائه عنه في الحال ، بعلاقة ما كان ، ولا ريب في كونه مجازا على جميع الأقوال ، إلاّ على القول بكون المشتق حقيقة في خصوص الماضي لا غير لو ثبت ، كما يظهر احتماله من كلمات بعض ، وينبغي أن يقطع بعدمه.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٧١ مبحث المشتقّ.

٢٦٩

ويمكن اعتبار الإطلاق على وجه لا يكون مجازا في اللغة ، بادعاء بقاء المبدأ ، واندراج ما انقضى عنه المبدأ في المتلبس به في الحال ، فيكون التجوز عقليا.

ثالثها : أن يطلق ويراد به المتلبس به في الماضي ، بملاحظة تلبسه به فيه ، من غير أن يؤخذ الزمان قيدا في مفهومه ، نظير الوجه الثاني من وجوه الحال ، ولا ريب في كونه حقيقة ، حيث إنه باعتبار حال التلبس.

رابعها : أن يطلق ويراد به المتلبس بالمبدإ مع تقيد المبدأ بالماضي ، كقولك : ( زيد ضارب في الأمس ) ، بجعل ( في الأمس ) قيدا للضرب المأخوذ في الضارب ، ولا خلاف في كونه حقيقة (١) إذ التصرف وقع في المادّة لا الهيئة ، لكن هذا يخرج عن صورة إطلاق المشتق على الماضي ، بل هو إطلاق له باعتبار الحال ، إذ يصير ضارب في الأمس بمنزلة محمول مفرد ، فيكون مفاد القضية اتصاف الموضوع بهذا المحمول المقيد الآن ، لخلوها عن الرابطة الزمانية ، لأنّ الأمس ـ حينئذ ـ قيد للمحمول لا ظرف للنسبة.

وأما إطلاقه بالنسبة إلى الاستقبال بالنسبة إلى حال النطق ، فيتصور أيضا على وجوه أربعة ، كما في الماضي ، مع تبديل علاقة ما كان هناك بعلاقة الأول هنا ، ولا كلام ظاهرا في مجازية غير الأخير من الوجوه ، وإطلاق نقل الإجماع في المستقبل يعمّ الجميع ، وأما الأخير ، فلا ينبغي الشك في كونه حقيقة.

وهنا قسم آخر من الإطلاق يختص به ، وهو إطلاقه على المتلبس في المستقبل بعلاقة المشارفة ، ولا ريب في مجازيته أيضا.

__________________

(١) قولنا لا خلاف في كونه حقيقة حق على تقدير صحة الاتّصاف ، بمعنى أنّه لو صحّ اتصاف ( زيد ) الآن بالضّرب ، الّذي صدر عنه في الأمس مثلا ، فإطلاق الضارب عليه الآن حقيقة اتفاقا ، لكونه مطلقا عليه بالنسبة إلى حال تلبّسه بالمبدإ ، غاية الأمر أنه مقيّد ، وهو لا يوجب الفرق ، إلاّ أنّ الإشكال بعد في صحة هذا الاتصاف ، حيث ان معناه بالفارسية ( زيد اكنون زننده الست بزدن ديروز ) ، ولا أرى صحّة ذلك لما فيه من الركاكة ، كما لا يخفى.

وان كان ولا بدّ فليطلق ضارب على ( زيد ) باعتبار تلبّسه أمس ، فيجعل الضارب بالأمس معرّفا الآن لزيد ، كما سيأتي تصوير هذا النحو من الإطلاق ، لكنه حينئذ يخرج عن صورة إطلاق المشتق مع بعد المبدأ ، وكيف كان فمعنى المثال على هذا بالفارسيّة ( زيد زننده ديروز است ) ولا ركاكة فيه. لمحرّره عفا الله عنه.

٢٧٠

والفرق بينه وبين الإطلاق على المتلبس في المستقبل باعتبار اتصافه فيه واضح.

ثم إنّا ، وإن مثّلنا في الوجهين المتقدمين ـ أعني التّبادر وصحّة السلب ـ بأمثلة هي من أسماء الفاعلين ، لكنّها إنّما هي من باب مجرد التمثيل ، وإلاّ فهما جاريان في جميع ما هو المتنازع فيه في المقام ، كاسمي الآلة والمكان ، والصفات المشبهة ، وصيغ المبالغة لتبادر المتلبّس بالمبدإ فيها أيضا جدا ، وصحة سلبها عمّا انقضى عنه المبدأ ، كصحته عما لم يتلبّس به بعد ، إلاّ أنّ الاتصاف فيها مختلف.

فإنّه في الأوّل بعنوان الظرفية كالمنام ، والمأمن ، والملجأ ، والمسكن ، والمسجد ، فإنّ معانيها المتبادرة منها ما يعبر عنه بالفارسية : خوابگاه ، وآسوده گاه ، وپناهگاه ، نشيمنگاه ، ومسجدگاه.

وفي الثاني بعنوان الآليّة ، كالميزان والمقراض والمنشار ، وغير ذلك من الأمثلة الموازنة لها ، أو المخالفة لها في الزنة ، لمجيء اسم الآلة على غير وزن مفعال كمثقب على زنة مفعل ، فإنّ معانيها المتبادرة منها هي ما تقع بها هذه الأفعال.

فإن قيل : إنّ هذا التّعبير يوهم أخذ الذّات في مفاهيمها ، وسيجيء بطلانه.

قلنا : ليس لنا عبارة أخرى مؤدية للمقصود على ما هو عليه ، لا في لغة العرب ولا الفرس ، إذ التّعبير عنها بـ ( ترازو وأرّه ) ليس عن المقصود بوجهه ، فإن ( أرّه وترازو ) في الفارسية من الأسماء الجامدة ، لا الأوصاف ، لكن بحسب اللّب يظهر للمتأمّل أنها بسيطة جدّاً.

وإن شئت عبرت عنها بالفارسية ( آلت كشش ، وآلت پراكنده ، وآلت جدائي ) فإنّها أيضا أوصاف ، وعنوانات بسيطة ، يعبّر عن الذوات بها ، لاتّحادها معها في الوجود.

وفي الثالثة بلحاظ قيام المبدأ بالذّات ، كما في أسماء الفاعلين ، فان معانيها المتبادرة منها هكذا ، كما في الحسن والشجاع والقبيح ، فان المتبادر منها هو ما يعبر عنه بالفارسية بـ ( خوب وبد ودلير ) فإنّها أوصاف وعناوين للذات منتزعة عن

٢٧١

قيام المبدأ بالذات على نحو الثبوت ، كما أن مفاهيم أسماء الفاعلين وجوه منتزعة من قيام المبدأ بالذات على وجه الصّدور ، مقابل أسماء المفعولين فإنّها وجوه منتزعة عن قيام الذات على وجه الوقوع.

وأما الرّابعة : فالمعتبر فيها إنّما هو كثرة الاتّصاف بالمبادئ على نحو قيامها بالذّات صدورا أو ثبوتا ، فإنّها تبنى من الأفعال اللازمة والمتعدية كلتيهما ، وإنّما لم نكتف فيها بمجرّد التلبّس ، بل جعلنا المدار على كثرته ، لأنّ معنى ( القتال والضّراب ) ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( زياد كشنده وزياد زننده ) لا الاتّصاف بنفس المبادئ حال النسبة ، فإنّه ربما يتحقق التلبس بها حينئذ ، مع كون الإطلاق مجازيا ، وهذا فيما سلب صفة كثرة الاتّصاف عمّا أطلقت عليه حينئذ ، وانقضت عنه ، أو لم يتحقق فيه هذه الصفة بعد.

وكيف كان ، فالمدار في حقيقة إطلاقها ومجازيته ، إنّما هو على تحقق الصفة المذكورة حال النسبة ، وإن كان يلزمها الاتصاف بالمبدإ حينئذ أيضا ، فإنّ المعنى الإضافي لا يتحقق بدون تحقق ما أضيف إليه.

ثم إنّ المعتبر في أسماء التفضيل إنما هو أكثرية الاتّصاف بالمبدإ بالنسبة إلى اتصاف الغير به حال النسبة ، ولازم ذلك أيضا كصيغ المبالغة ، الاتصاف بنفس المبدإ أيضا بتقريب ما مرّ.

وتوضيحه : أنّ أفضلية شيء من شيء ـ في وصف ـ يلزمها تحقق ذلك الوصف في المفضّل والمفضل عليه حال النسبة ، وإلاّ لم يبق موضوع للأفضلية ، وعدم كفاية مجرد تحقق المبدأ في الحال المذكور في صدقها حقيقة وأما المعتبر في أسماء الآلة ، فهو اتصاف الذات بالمبدإ بعنوان كونها آلة لإيجاده بالنسبة إلى حال النسبة.

وخلاصة الكلام في المرام : أن مدار حقيقة إطلاق المشتق إذا كان من أسماء الفاعلين ، والمفعولين ، والصفات المشبهة ، على تلبس ما أطلق عليه بنفس المبدأ حال النسبة ، سواء حصلت له كثرة الاتصاف به أولا ، وإذا كان من صيغ المبالغة ، فالمدار على اتصاف الذات بكثرة الاتصاف بالمبدإ بالنسبة إلى الحال

٢٧٢

المذكور وإن خلّي عن المبدأ.

وإذا كان من اسم المكان ، كما إذا كان من اسم الزمان ، فالمدار على الاشتغال بالمبدإ حال النسبة ، فلا يكفي حصوله قبله مع انقضائه أو بعده.

وإذا كان من أسماء الآلة فالمدار على ما عرفت (١).

حجة القول بعدم اشتراط بقاء المبدأ مطلقا وجوه :

الأوّل : ثبوت الاستعمال في كل من المضي والاستقبال ، والأصل صحّته ، لبطلان احتمال الاشتراك اللفظي ، إمّا لأنه خلاف الأصل ، أو للاتفاق على عدمه في المقام ، ودوران الأمر بين المعنوي والحقيقة والمجاز هو وضعها ـ أي المشتقات ـ للقدر المشترك بينهما.

وفيه : أنّ الأصل المتصور لهذا القول في المقام ، ليس إلاّ أصالة عدم ملاحظة الواضع للخصوصية ، وهي معارضة بأصالة عدم ملاحظته العموم ، وأصالة عدم سراية الوضع إلى غير المتلبس.

والإنصاف : أنّ الأصل غير مساعد لشيء من القولين ، فلا يتوهم ـ أيضا ـ أنّ مقتضاه ثبوت الوضع لخصوص المتلبّس ، بتوهم أنّ أحد الأصلين المذكورين يعارض ما تمسك به للقول الآخر ويبقي الآخر سليما ، فينهض على إثبات القول المختار ، فإنّ عدم سراية الوضع لغير المتلبس لازم لعدم ملاحظة العموم ، ومن المعلوم أن اللازم والملزوم لا يكون كلاهما مجريين للأصل ، بل هو جار في الملزوم فقط ، والمفروض تساقطه في المقام ، لمعارضته بأصالة عدم ملاحظة الخصوصية.

وتخيّل أنه بعد منع مانع من جريان الأصل في الملزوم ، فهو يجري في اللاّزم ، فيتم المطلوب لسلامته عن المعارض ، مدفوع : بأن ذلك في الأصول المبنية على التعبد ، وأمّا في التي يكون اعتبارها مبنيا على الظن كما في المقام فلا ، إذ لا يعقل الشك في الملزوم مع الظن باللازم ، مع أنه تابعه ، فتأمل.

والتحقيق : أن التعويل على هذه الأصول على فرض سلامتها في غاية

__________________

(١) قد اعتبر بعض في أسماء الآلة شأنيّة ما أطلقت عليه للآليّة مع إعداده لذلك ، من دون اعتبار فعليّتها له ، وسيجيء ما فيه في طيّ التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة ، فانتظر ، لمحرّره عفا الله عنه.

٢٧٣

الضّعف والسقوط.

أمّا أوّلا : فلمنع كونها مفيدة للظن الّذي هو مناط اعتبارها ، ولو نوعا.

وأمّا ثانيا : فلمنع قيام دليل على اعتبارها على تسليم إفادتها للظّن ، فإنّ الدّليل عليه ليس إلا بناء العقلاء في ما بينهم ، ولا ريب أنّ القدر المتيقن منه إنما هو في أصالة عدم النّقل ، ولا يبعد كون أصالة عدم الاشتراك أيضا كذلك ، أما غيرهما فلا ، بل المظنون تركهم العمل عليها.

هذا إذا أريد بالأصل استصحاب العدم.

وإن كان المراد القاعدة المستفادة من الأمارات ، كما يقال ، أو قيل : إنّ مقتضاها كون الوضع للأعم ، وهي غلبة الوضع للأعم فيما إذا ثبت الاستعمال في كل من معنيين بينهما جامع قريب ، أو بعيد ، مع ثبوت الاستعمال في نفس الجامع ، أو بدونه أيضا ، على اختلاف الآراء ، كما اشتهرت في ألسنة متأخري المتأخرين.

ففيه : أولا : منع أصل الغلبة.

وثانيا : منع نهوض دليل على اعتبارها في المقام.

ثم إنه قد حكي عن بعض الأفاضل التمسك بالقاعدة المذكورة على إثبات الوضع للمتلبس ، قال : في مقام الاستدلال على ما صار إليه بوجوه :

الأول : إنّ الأصل فيما إذا أطلق اللفظ على أمرين أو أمور ، وكان بينهما جامع قريب قد استعمل فيه وضع اللفظ بإزاء القدر الجامع دفعا للمجاز والاشتراك ( إلى أن قال ) : ومن الواضح ، إطلاق المشتق باعتبار الماضي ، والحال ، والاستقبال ، فيجب وضعه للمفهوم العرضي البسيط ، انتهى.

مراده بالمفهوم البسيط هو مفهوم المتلبس.

وأنت خبير باشتباه الأمر عليه ، لأنّ مقتضى دليله ثبوت الوضع للأعم من المتلبس في الحال ، الشامل له بالنسبة إلى الماضي والاستقبال.

اللهم إلا أن يقال : باشتباه الحاكي ، بأن كلام المستدل في مقام الاستدلال على نفي أخذ شيء من الأزمنة في مفهوم المشتق ، وأن مراده بقوله :

٢٧٤

( وهو المفهوم البسيط ) ، هو البسيط من هذه الحيثية ، فيتم كونه قدرا مشتركا بين الثلاثة ، لكن مع ملاحظة المضي والحال والاستقبال ، بالنسبة إلى حال النطق ، بقرينة قوله : ( وهو المتلبس ) ، إذ لا ريب أنّ مصداق المتلبس منحصر في الحال بالنسبة إلى التلبس والصدق ، فيكون حاصل مراده : أنه بعد الفراغ عن إثبات كون المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدإ باعتبار حال التلبس ماضيا كان أو حالا أو مستقبلا ، بالنسبة إلى حال النطق استدل على خروج وعدم أخذ شيء من الأزمنة عن مفهومه ، ولا يبعد ذلك.

لكن يرد عليه ، منع الدليل المذكور صغرى ، وكبرى ، كما مر.

ثم إنه قد يقال ، أو قيل : بأن مقتضى القاعدة المذكورة ـ أعني الغلبة ـ وضع المشتق لخصوص حال النطق ، لغلبة الحقيقة والمجاز على الاشتراك المعنوي عند الدوران.

وفيه : أيضا ما مر صغرى ، وكبرى.

هذا ما عرفت من حال الأصول الاجتهادية المبنية على الظن ، وأما الأصول التعبدية ، فلا موافقة لها كلية في مقام العمل لأحد من القولين ، وإن أمكن دعوى غلبة موافقتها للمذهب المختار.

الثاني : تبادر الأعم.

الثالث : عدم صحة سلب المشتق عمن انقضى عنه المبدأ ، وقد سبق ما يغني عن الجواب عنهما.

الرابع : أنه لو كانت في الحال خاصة ، لكان إطلاق المؤمن على النائم والغافل مجازا ، ومن المعلوم خلافه بالإجماع ، وضرورة العرف.

وفيه : أنّ الإيمان هو التصديق بالجنان ، وهو لا يزول بالنّوم ونحوه ، لبقائه في الخزانة قطعا ، غاية الأمر عدم الالتفات إليه ، وهذا واضح.

وقد أجيب عنه ببعض الوجوه أيضا لا طائل في ذكره.

الخامس : أنه لو لم يكن موضوعا للأعم ، لما صحّ الاستدلال بآيتي السرقة والزّنا على وجوب الحدّ على الزاني والسارق وإن انقضى عنهما المبدأ ، والملازمة

٢٧٥

ظاهرة ، وبطلان التالي أظهر.

وفيه : أنّ غاية ما ذكره ، إنما هو لزوم إرادة الأعم بل خصوص إرادة من انقضى عنه المبدأ ، وهو لا يقتضي ثبوت الوضع للأعم ، وسيجيء (١) ما يتضح به الجواب عن الدليل مستقصى فانتظر.

حجة مشترطي البقاء فيما إذا كان المبدأ مما يمكن بقاؤه دون غيره : أنّه لو اعتبر البقاء مطلقا ، لما كان للمتكلم والمخبر والماشي والمتحرك ونحوها ، حقيقة ، التّالي باطل بالضرورة ، فكذا المقدم.

بيان الملازمة : أنّ مبادئها مركبة من أجزاء يمتنع اجتماعها في الوجود.

وفيه : أنّ البقاء يختلف باختلاف المواد ، فإنه في المبادئ الملكة ، البقاء عبارة عن بقاء نفس المبدأ بالدّقة العقلية ، وفي غيرها يصدق حقيقة عند العرف على مجرّد التشاغل بالمبدإ مع عدم الفراغ منه.

وكيف كان ، فالتّلبس المعتبر في الأسماء المشتقّة هو المعتبر في الأفعال ، فالتّلبس في كلّ اسم مشتق على نحو ما اعتبر في الفعل المتحد معه في المادة ، فكما أنّ ( يضرب زيد ) لا يصدق حقيقة إلاّ فيما إذا كان مشتغلا ومتلبسا بالضّرب حقيقة ، لا تسامحا ، فكذلك ( زيد ضارب ) وكما أنّ يتكلّم أو يمشي يصدقان حقيقة على من لم يفرغ ، ولم يعرض عن التّكلم والمشي ، فكذلك متكلم وماشي.

حجة القول : بأنّه حقيقة في الماضي إذا كان الاتّصاف أكثريا ، ويعتبر البقاء في غيره :

أنهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من غير قرينة ، كما في لفظ الكاتب ، والخيّاط ، والقارئ والمتعلم ، وغيرها.

وفيه : أنّ الملحوظ في الأمثلة المذكورة وأمثالها إنما هو التلبس بملكات مبادئها ، لا نفس المبادئ ، حتى يدفع بما ذكر ، ولا ريب أنها لا تصدق على من انقضى عنه تلك الملكات جدّاً.

__________________

(١) يجيء ، ذلك في أوائل التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة. لمحرّره عفا الله عنه.

٢٧٦

وكيف كان ، فالتّصرف في تلك الأمثلة وقع في المادة لا الهيئة ، ومحلّ البحث هو الثانية.

هذا ، مع أنّ دليله يقتضي نقيض مدّعاه ، إذ لا ريب أنه على تقدير الوضع للقدر المشترك لا بد من نصب قرينة مفهمة لإرادة خصوص من انقضى عنه المبدأ ، كما فرض التجرد عن القرينة في تلك الحال ، فعدم نصب القرينة ـ حينئذ على ما قرّره ـ يقتضي الوضع لخصوص الماضي ، وهو كما ترى.

حجة القول باعتبار البقاء في المشتقات المأخوذة على سبيل اللزوم دون غيرها ، التبادر الحاصل بملاحظة استقراء موارد الاستعمالات الجارية بين العرف ، فإنّ المتبادر من مثل : الحسن والقبيح والأبيض والأسود ، وأمثالها ، كالنّائم والمستيقظ ، هو المتلبس بتلك المبادئ في حال النسبة ، فيكون إطلاقها على غيره مجازا ، بخلاف مثل القائل والضارب والمضروب ، والمهدي إليه ، والممرور به ، وأمثال ذلك ، فإنّ المتبادر منها الأعم الشامل للماضي أيضا ، فهذان التّبادران يكشفان عن أنّ هذه الهيئات لها وضعان نوعيان بالنسبة إلى تلك الطائفتين من المواد ، وان كانت الصيغة واحدة ، والموضوع في أحدهما هو الأول ، وفي الثاني هو الثاني.

وجوابه : قد علم مما حققنا سابقا ، من تبادر المتلبس بالمبدإ حال النسبة مطلقا ، مع قطع النّظر عن الخصوصيات الخارجية ، وصحّة سلب المشتق عمن انقضى عنه المبدأ كذلك.

ولعلّ منشأ اشتباه الأمر على المستدل أنّه كثيرا يطلقون المشتقات على الذوات في الحال ، بمعنى أن ظرف النسبة حال النطق مع مضي المبدأ عنه حينئذ ، كما في موارد النداء بتلك العناوين ، كأن تدعو زيدا بقولك : يا ضارب عمرو ، ويا مضروب بشر ، ويا قاتل بكر ، ومنه قولك في مقام السؤال من أحد المعصومين عليهم السلام ، كنداء عليّ عليه السلام بقولك : يا قالع الباب ، يا هازم الأحزاب ، ويا بائتا على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومنه قولك في مقام نداء الحسين عليه السلام تندّبا : يا قتيلا بكربلاء ، ويا مسلوب العمامة والرداء ،

٢٧٧

وهكذا ، وسيجيء دفع هذا التوهم ، وبيان أنّ المستعمل فيه اللفظ في كافة تلك الأمثلة إنما هو الذات باعتبار حال التلبس.

وأمّا القول السادس : أعني إيكال كلّ لفظ من الألفاظ إلى فهم العرف.

والمتبادر منه عندهم ، فلم ينقل عنه فيما رأيت حجة ، ولازمه التزام شخصية أوضاع المشتقات ، بأن يكون كلّ هيئة من هيئاتها مع كل مادة لها وضع مستقل ، وإلاّ لم يعقل إيكال كلّ لفظ ، ولعلّه [ لا ] قائل بهذا ، وقد عرفت ظهور الاتفاق ، بل الاتفاق على عدمه.

تنبيهات

الأوّل : قد حقّقنا وضع المشتق للمتلبّس بالمبدإ ، وأنّ إطلاقه إنّما يكون حقيقة إذا كان باعتبار حال التّلبّس ، فيكون إطلاقه على من انقضى عنه المبدأ ، كإطلاقه على من لم يتلبّس به بعد مجازا.

لكن ربّما يستشكل بإطلاقه على من انقضى عنه المبدأ كثيرا ـ غاية الكثرة ـ بحيث يبعد كون تلك الإطلاقات بأسرها مجازيّة ، كما في موارد النّداء ، أي موارد وقوع المشتق منادى ، وفي موارد وقوعه معرّفا للذّات ، كقولك : هذا قاتل عمرو ، أو هو ضارب بكر ، وأنت معطي المال ، وأمثال ذلك ، وفي موارد الاستفهام ، كقولك : أأنت ضارب زيد؟ أو معطي عمرو درهما؟ ونحوهما ، إذ لا يخفى أنّ حال النّسبة في تلك الأمثلة إنّما هو حال النّطق ، مع أنّ حال التّلبس قبل ذلك ، لانقضاء المبدأ عن الذّوات المطلق عليها المشتق في تلك الموارد جدّاً.

لكنّه مدفوع : بأنّ المشتق في تلك الموارد غالبا لم يطلق إلاّ على المتلبّس بالمبدإ ، لا المنقضي عنه المبدأ.

أمّا في موارد النّداء ، فلا يخفى أنّ المقصود بالنّداء هو الشخص المتلبس بالمبدإ ، لا المجرّد عنه ، وأنّ اللّفظ قد أطلق عليه باعتبار حال التّلبس ، إلاّ أنّه لمّا علم من الخارج اتّحاد هذا الشّخص المجرّد الآن عن المبدأ للمتلبّس به من قبل ، الّذي هو المقصود بالنّداء ، فيصير هذا منشأ لتوهّم إطلاقه على هذا الشّخص الموجود الآن ، فيقال : إنه أطلق على من انقضى عنه المبدأ ، مثلا قولنا : ( يا قالع الباب ، ويا

٢٧٨

هازم الأحزاب ) ، مريدين به أمير المؤمنين عليه السلام ، بمنزلة قولك : ( أدعوك أيّها الّذي هو قالع الباب في ذلك الزمان ، وهازم الأحزاب كذلك ) ، بجعل الزّمان المذكور ظرفا للنسبة ، فيكون من قبيل ( ضارب أمس ) ، فإنّ الأوصاف الواقعة مناداة تنحلّ إلى مفاد موصول صلته هذا الوصف ، ويكون ذلك الوصف محمولا على العائد لا الموصول.

نعم ، لمّا كان المعتبر حضور المنادى ، إذ النّداء من مقولة الخطاب مع الحاضر ، فلا بدّ في تلك الموارد من التّصرف بوجه آخر ، ليصحّ وقوع ذلك الشّخص المتلبس بالمبدإ من قبل. المتّحد للموجود الآن منادى ، بأن يفرض حاضرا ، بمعنى تنزيل وقت التّلبّس بمنزلة حال النّطق ، فيلزمه حضور المتلبّس حينئذ حكما ، أو أن يفرض المنادي ( بالكسر ) نفسه حاضرا في ذلك الزّمان.

ومن هنا يكون إطلاقه في موارد النداء مع عدم تلبّس الذّات بالمبدإ بعد حقيقة أيضا ، فيما إذا كان تلبّسها به بعد مقطوعا به ، كقولنا : ( يا قائما بالقسط ، ويا حاكما بين العباد ، ويا شديد العقاب ) ، وأمثال ذلك مريدين بها الله تعالى ، مع أنّه تعالى ، الآن ليس متلبّسا بتلك المبادي ، مع أنّ إطلاقه على من لم يتلبس به بعد مجاز اتّفاقا.

فان الوجه في ذلك أيضا ، أن نفرضه سبحانه تعالى باعتبار اتّصافه بتلك الأوصاف في يوم القيامة مغايرا له سبحانه تعالى باعتبار عدم اتّصافه بها بعد ، فندعوه تعالى بالاعتبار الأوّل ، فيكون المقصود بالنّداء والمراد باللّفظ ، هو القائم بالقسط في ذلك الزمان ، لا الآن ، فيكون إطلاقه باعتبار حال التلبّس ، ولأجل ذلك يطلق الأسماء الجوامد في موارد النّداء وغيرها ، مع أنّ الشخص لا يصدق عليه الآن هذا الاسم حقيقة ، كقولك : ( هذه زوجة زيد ، أو زوجة عمرو ) بعد طلاقها مع أنّ الأسماء الجوامد لا خلاف فيها ظاهرا في اعتبار حصول الوصف العنواني لما يطلق عليه بالنسبة إلى حال النسبة.

وأمّا في موارد وقوعه معرّفا : فالأمر فيها أوضح ، فإنّه باعتبار قيامه بالذّات الحاضرة بالنسبة إلى الماضي جعل معرّفا لها الآن ، باعتبار اتّحاد هذه الذّات الآن

٢٧٩

لها في الماضي ، فقولك : ( هذا ضارب زيد ) بمنزلة ( هذا هو ضارب زيد أمس ) بجعل أمس ظرفا للنّسبة ، فأنت فرضت هذه الذّات المشار إليها ذاتين متغايرتين بالاعتبار ، إحداهما محمولة على الأخرى فإنّ المحمول هي الذّات المتلبّسة بالمبدإ أمس ، والموضوع هي الحاضرة ، حملت الأولى على الثانية لاتّحادها معها ، فصارت معرّفة لها لذلك فيكون معنى المثال المذكور بالفارسية ( اين آنست كه زننده زيد بود ).

وأمّا في موارد الاستفهام : فالأمر أجلى من سابقه ، فإنّ السّائل بعد ما فرض شخصا متلبّسا بالمبدإ في الزّمان الماضي ، يسأل عن اتّحاد هذه الذّات الحاضرة مع تلك ، فقولك : ( أأنت ضارب زيد ) معناه بالفارسية ( آيا تو آنكسى كه زننده زيد بود پيش؟ ).

وكيف كان ، فالمشتقّ في موارد التّعريف والاستفهام ، مع انقضاء المبدأ حال الإطلاق لم يطلق إلاّ على المتلبّس ، إلاّ أنّه جعل المتلبّس معرّفا للمجرّد عن المبدأ في الأولى ، ومسئولا عن اتّحاده معه في الثانية ، فلذا قد يقع معرّفا له ، أو مسئولا عن الاتّحاد معه ، فيما إذا لم يتلبس به بعد ، إذا كان تلبّس هذه الذّات بعد مقطوعا به في الأوّل ، وتلبّس ذات ما مردّدة بين هذه الذّات وغيرها في الثّاني ، مع أنّ إطلاقه على من لم يتلبّس بعد مجاز اتفاقا ، كما عرفت وسمعت مرارا.

وأمّا في موارد النّداء : فالغالب إطلاقه على المتلبّس على الوجه الّذي قرّرناه ، ولا ضير في إطلاقه في بعض الموارد على غير المتلبّس ، بعلاقة ما كان ، فيما إذا كان قد انقضى عنه المبدأ ، أو بعلاقة الأول أو المشارفة ، فيما إذا لم يتلبّس بعد ، لقلّة مورده ، فلا يلزم منه الاستبعاد المذكور.

مع أنّه يمكن أيضا تصوير إطلاقه على غير المتلبّس على وجه الحقيقة بنحو آخر ، بحيث لا يلزم منه المجازيّة في اللّغة ، وهو أن يدّعى كون المنقضي عنه المبدأ ، أو الّذي لم يتلبّس به بعد متلبسا به الآن ، فيطلق عليه المشتق بعد هذا التّصرف ، فيكون التجوّز حينئذ عقليّا ، وهذا هو معنى المجازية في التلبّس فقط.

وبالجملة : نحن لا ندّعي كون الإطلاق على الوجوه المذكورة موافقا

٢٨٠