تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

وشرائطه.

الثاني : أن يجعل عبارة عن معنى آخر (١) غير المركب من الأجزاء الخارجية ، بحيث يكون الأجزاء الخارجيّة أجزاء لفرده لا لنفسه ، ويكون ذلك المعنى صادقا على كافة الأفراد ، فيجعل ذلك المعنى عبارة إما عن عنوان المقرب أو الخضوع ، أو غير ذلك ممّا مر في أول المسألة في تصوير القدر المشترك على القول المذكور بعد إبطال جعله عبارة عن تام الأجزاء والشرائط ، وكل واحد من تلك العناوين مفهوم مبين يرجع الشّك في اعتبار شيء في تحققه إلى الشّك فيما يتحقّق به ، لا في نفسه.

هذا وأنت خبير بما في هذا التوجيه من التكلف والتعسف.

أما على فرض جعل المأمور به عبارة عن الأمر المركب من الأجزاء الخارجية ، فلامتناع جعله عبارة عن عنوان المراد من اللفظ ، لاستحالة اعتبار هذا العنوان في الإرادة ، لتوقفه عليها ، فإن المعنى إنما يصير مرادا بعد الإرادة وينتزع اتصافه بكونه مرادا منها ، فيمتنع اعتباره بهذا العنوان في الأمر.

مضافا إلى أنّه على تقدير صحته يمكن فرض مثله للأعمي أيضا ، إذ على ذلك القول أيضا المأمور به هو المراد لا غير ، فينفى الفرق بين القولين.

وأما على فرض جعله عبارة عن عنوان المسمى ، فهو وإن [ كان ] ممكنا في مقام الإرادة ، ولا يمكن فرض مثله للأعمي ، لأن المسمى عنده أعم من المأمور به ، إلا أنه يلزم المجازية في اللفظ ، ولا يلتزم به الصّحيحي ، إذ لا ريب أن لفظ العبادة موضوع لذات المعنى لا بعنوان كونه مسمّي له ، لاستحالة اعتبار هذا العنوان في مقام التسمية ، لتوقفه عليها ، فإذا فرضنا أن المراد به المعنى بعنوان كونه مسمى له ، فقد استعمل في غير معناه ، فيكون مجازا.

هذا مضافا إلى ما يرد على التقديرين بعد تسليم صحة الأوّل وحقيقة الثّاني ، من منع الاتفاق على وجوب الاحتياط فيما شك فيما يتحقق به المأمور به مع تبين مفهومه مطلقا ، بل القدر المسلم إنما هو فيما إذا كان من المفاهيم المتأصّلة أي

__________________

(١) بسيطا كان ذلك المعنى أو مركّبا من الأجزاء العقليّة لمحرّره عفا الله عنه.

٣٨١

الغير المنتزعة من المأمور به.

وأما إذا كان منتزعا منه مع إجمال نفسه ، كما فيما نحن فيه فممنوع ، بل هذه الصّورة داخلة في إجمال مفهوم المأمور به ، لرجوع الشك إلى المفهوم حينئذ حقيقة ، فيمكن حينئذ الرجوع إلى البراءة ، بناء على القول بها في إجمال النص من جهة المفهوم في مبحث البراءة والاحتياط ، لا أنّه يلزم الاحتياط.

وأمّا على فرض جعله عبارة عن معنى غير مركب من الأجزاء الخارجية ، فلأنه لم يعين أن هذا المعنى أيّ معنى من المعاني المذكورة ، بل لا يمكن العلم به في العبادات ، لعدم دليل على تعيينه فيها على أن يكون هو المأمور به في الواقع ويكون الأجزاء الخارجية أجزاء لفرده المحصّل له خاصة.

فعلى هذا فالشك في جزئية شيء أو شرطيّته للعبادة ، وإن كان راجعا إلى ما يتحقّق به المأمور به ، إلاّ [ أنّ ] نفس المأمور به أيضا مجمل من جهتين :

الأولى : أنّه مردّد بين ما يكون محصله الأجزاء والشرائط المعلومة المعبّر عنها بالأقل ، بمعنى أنه يكفي

الأقل في تحققه من غير حاجة إلى الإتيان بالأمر الزائد المشكوك الاعتبار شرطا أو شطرا ، وبين ما يكون محصله الأكثر لا غير بحيث لا يكفي في تحققه الأقل.

الثانية : أنه مردد بين ما يكون يحصل شيء منه بإيجاد الأقل على تقدير أن يكون محصله بتمامه الأكثر ، وبين ما لا يكون كذلك ، بمعنى أنه على التقدير المذكور لو أتى بالأقل فقط لا يحصل شيء منه أصلا.

وذلك : لأنه لا ريب أنّ كل أقل إذا أتى به محصل ومصداق لعنوان مغاير للعنوان الّذي يحصله ويصدق هو عليه لو أتى به مع أمر زائد يعبر عنهما بالأكثر ، فيكون كل أقل وأكثر محصلا لعنوان مغاير لما يحصله الآخر ويصدق هو عليه ، ولا مرية أيضا أنه قد تكون النسبة بين العنوانين المذكورين هي التباين الكلي ، بمعنى أن كلا منهما معنى بسيط ، ينحصر صدقه في واحد من الأقل والأكثر ، بأن لا يكون الأقل محصلا لما يحصله الأكثر أصلا ، وكذلك الأكثر ، وقد تكون النسبة بينهما هي العموم المطلق ، بمعنى أنهما من قبيل المطلق والمقيد ،

٣٨٢

فيكون الأقل محصلا لذات المقيد ، والأمر الزائد محصلا لقيده ، فعلى تقدير أن يكون المأمور به هو المعنى الّذي يحصله الأكثر يكون الأقل محصلا لشيء منه في الجملة ، كالرقبة والرقبة المؤمنة ، حيث أن مطلق الرقبة ولو كانت كافرة محصلة للرقبة المقيدة في الجملة ، إلاّ أن قيده الزائد يحصل بأمر زائد وهو الإيمان.

وكيف كان فالمعنى المأمور به المفروض بملاحظة جهتي الإجمال فيه يتردّد بين احتمالين :

على أحدهما : يكون الشك فيه من قبيل الشك في المتباينين اللذين لا يجري فيهما الأصل ، وذلك بناء على احتمال أن يكون المعلوم الإجمالي أمرا بسيطا مطلقا (١) ، ولا يكفي في حصوله الأقل ولو في الجملة على تقدير كونه هو المعنى الّذي يحصله الأكثر.

وعلى ثانيهما : يكون الشّك فيه ، من قبيل الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين اللذين يمكن فيهما إجراء الأصل بالنسبة إلى الأكثر ، بمعنى أنه لم يثبت الاتفاق على وجوب الرجوع إلى الاحتياط فيهما ، ولو في الأجزاء العقلية ، كما فيما نحن فيه ، بناء على هذا الاحتمال ، فإن المطلق والمقيد من قبيل الأقل والأكثر بالنسبة إلى الأجزاء العقلية.

مضافا إلى ما اطلعنا عليه من القول من جماعة بالرّجوع إلى البراءة الأصلية فيهما مطلقا ، ومنهم الشيخ الأستاذ دام ظلّه والسيد الأستاذ أدام الله ظلاله.

ولا شبهة أنه إذا تردد المعلوم الإجمالي بين احتمالين ، يجري الأصل فيه بالنسبة إلى الأمر الزائد المشكوك اعتباره على أحدهما ، يجوز إجراؤه بالنسبة إلى الأمر المشكوك ، فيجوز فيما نحن فيه لتردده بين الاحتمالين المذكورين إجراؤه ، بناء ، على جواز إجرائه في الأقل والأكثر الارتباطيين في الأجزاء العقلية ، ويكفينا في المقام إمكان (٢) هو كذلك ، بمعنى أنه ممكن ، لعدم ثبوت الاتفاق على لزوم

__________________

(١) أي سواء كان هو المعنى الّذي يحصل بالأقل أو الّذي يحصل بالأكثر. لمحرّره عفى الله عنه.

(٢) كانت بين لفظ إمكان ولفظ هو كلمة غير مفهومة تشبه كلمة ( صح ) وكيف كان المقصود واضح أي ويكفينا في المقام إمكان كونه كذلك.

٣٨٣

الاحتياط حينئذ كما هو مراد الموجّه.

مضافا إلى ثبوت القول به من جماعة من الأعلام ، مع ذهاب بعضهم إلى كون الألفاظ المذكورة أسامي للصّحيحة ، كشيخنا الأستاذ دام ظله.

وكيف كان فلا ملازمة بين القول بذلك وبين الرجوع إلى الاحتياط ، فإن جواز الرجوع إلى الأصل وعدمه في الصورة المذكورة ليس مبنيا على مسألة الصحيح والأعم ، بل متفرعا على مسألة جواز الرجوع إليه في الأقل والأكثر الارتباطيين في الأجزاء العقلية ، ورب صحيحي اختار جوازه ، فحينئذ بطل دعوى الملازمة بين الاحتياط وبين القول المذكور في الفرض المذكور.

وحاصل ما ذكرنا من منع الملازمة حينئذ رجع إلى منع الصغرى التي ادعاها الموجّه ، وهي تبين مفهوم المأمور به ، وأن مجرد الشك فيما يتحقق به لا يكفي في إثبات ما ذكره مع إجمال مفهومه أيضا.

والفرق بينهما أن الحجة قد تمت من قبل الشارع في الصورة الأولى بالنسبة إلى المأمور به المعلوم الإجمالي ، حيث أنه لا يجب عليه إلا بيان ما أمر به تفصيلا ، بحيث يحصل منه العلم به كذلك ، كما في الصّورة المذكورة ، أو بيانه إجمالا ، كما في المتباينين بأن يحصل منه العلم به كذلك ، واما بيان الفرد المحصل له فلا ، فيجب بحكم العقل الإتيان بجميع ما يحتمل مدخليته في حصوله ، ليحصل القطع بالامتثال.

هذا بخلاف الصورة الثانية ، لعدم تماميّتها بالنسبة إلى الأمر الزائد المشكوك اعتباره بأحد من وجهي البيان.

أما الأول : فواضح.

وأما الثاني : فلانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي ، وهو التكليف بالأقل ، وشك بدوي ، وهو التّكليف بالزائد المشكوك ، فإن الأقل مكلف به على جميع التقادير ، فيكون متيقنا في المطلوبية ويكون هو واجبا على التفصيل ، ولو من باب المقدمة ، كما في الفرض المذكور ، حيث إنّ المفروض أن المأمور به معنى يحصل بالأجزاء الخارجية وليست هي من أجزائه ، بل هي مقدمة لحصوله ، فيكون

٣٨٤

احتمال وجوب الزائد شكا بدويا ، كما في الأقل والأكثر الارتباطيين في الأجزاء الخارجية ، فحينئذ فالذي يحكم به العقل ، من لزوم الإتيان به هو الأقل ، للقطع باستحقاق العقاب على تركه كائنا ما كان ، لتماميّة الحجة بالنسبة إليه ، وأمّا الزائد عليه فيحكم بالبناء على عدمه ، لعدم الحجة عليه.

فإن قيل : فرق بين ما نحن فيه وبين الأقل والأكثر الارتباطيين في الأجزاء الخارجية ، فإنّه لمّا كان المأمور به ثمة عبارة عن المركب من الأجزاء الخارجية ، فيكون الأقل متيقنا في المطلوبية.

هذا بخلاف ما نحن فيه ، فإن الأقل ليس هو المعلوم الإجمالي مطلقا قطعا ، فإنه عبارة عن معنى يكون مقدمته ومحصّله ، هو أو الأكثر ، فهو متيقن في المقدمية للمطلوب ، لا في المطلوبيّة ، ولا عبرة بكونه قدرا متيقنا من هذه الجهة ، فيكون الحال فيما نحن فيه كالحال في المتباينين ، فيجب الاحتياط.

قلنا : إن مناط تمامية الحجة عند العقل وعدمها ليس هو الوجوب النفسيّ وعدمه ، بل إنّما هو مطلق المطلوبية (١) ، وهو ثابت للأقل فيما نحن فيه ، كما اعترف به هذا القائل.

مع أنه لو لم يكتف به لزومه وجوب الاحتياط في الأجزاء الخارجية أيضا ، ضرورة أن الأقل ثمة ليس متيقنا في الوجوب النفسيّ ، بل أمره مردد بينه وبين الغيري ، لاحتمال أن يكون الواقع هو المركب من الأكثر ، فيكون هو جزء من المأمور به ومقدمة له ، فيكون الحال ثمة أيضا من قبيل المتباينين ، ولا ريب أن الالتزام به رجوع عما اعترف به جواز الرجوع ثمة إلى الأصل بالنسبة إلى الزائد. وان كان ولا بد من المنع والإيراد فلا بد من منع الرجوع إليه ثمة أيضا ، وعدم كفاية المطلوبية المرددة بين النفسيّة والغيرية.

هذا ، ويمكن منع الملازمة المذكورة بأن المعنى المذكور في الفرض المسطور مع

__________________

(١) لم يتبيّن لي بعد كفاية القدر المتيقّن في مطلق المطلوبيّة في جواز الرّجوع إلى البراءة الأصليّة بالنسبة إلى الزّائد المشكوك في الأجزاء الخارجيّة مضافا إلى الأجزاء العقليّة ، بأن يكون ذلك فارقا عند العقل بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين وملحقا لهما بالاستقلاليّين وبين المتباينين. لمحرّره عفا الله عنه.

٣٨٥

تسليم تعينه وفرض تبينه يحتمل أن يكون حصوله متوقفا على قصد الوجه في أجزاء ما يتحقق به وتمييز واجباته عن غيرها ، لثبوت القول به من جماعة ، وتحصيل هذا الشرط في المقام متعذّر ، إذ المفروض الشّك في الأجزاء والشرائط الواجبة واشتباهها بغيرها ، ولا ريب أنه لو كان مقيدا بهذا الشرط في الواقع ، لارتفع التكليف عنه بتعذر هذا القيد ، إذ المفروض تقيد مطلوبيته به ، فمع تعذره لا يعقل التكليف بتحصيله ، فإذا ارتفع التكليف عنه فهو مستلزم لارتفاعه عن ذات الفعل أيضا ، فهذا الاحتمال يوجب الشك في التكليف بالعبادة فعلا ، ولا يبقى معه علم إجمالي بالتكليف ، لاحتمال ارتفاعه رأسا ، ومقتضى الأصل حينئذ الرجوع إلى البراءة الأصليّة رأسا حتّى بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط المعلومة وإن قلنا بوضع الألفاظ المذكورة للصحيحة ، حيث أن وجوبها مقدمة يستلزم الشك في وجوب المعنى المذكور نفسا (١) الشك في وجوبها مقدمة أيضا إلاّ أن الإجماع والضرورة قد قاما على عدم جواز طرح التكاليف رأسا في مقام هذا الشك ، والقدر المتيقن منهما إنما هو وجوب الإتيان بالأقل فبطل دعوى الملازمة المدعاة ، بل ثبت عكسها.

ومثال ما نحن فيه ما إذا اضطر إنسان إلى ارتكاب أحد أطراف الشبهة المحصورة اضطرارا مجوّزا لارتكابه المحرّم ، كالعطش المشرف للإهلاك لو لم يشرب فإنّه يجوز له تناول كل ما شاء من تلك الأطراف.

أما في صورة اضطراره إلى ارتكاب أحدها بالخصوص ، كما إذا كان عنده إناءان مع علمه بنجاسة أحدهما إجمالا ، ويكون أحدهما مملوّا من الماء ، والآخر من مائع آخر طاهر بالأصل ، جائز الأكل كذلك ، لكنه لا يرفع العطش مع كون الشخص عطشان عطشا أشرف إلى الإهلاك فواضح ، حيث إنّه يجوز له تناول كل منهما ، أما تناول الماء فلأنه على فرض نجاسته فهو حلال له الآن شربه يقينا ، وأمّا المائع الآخر فلاحتمال أن يكون النجس هو الماء المقطوع بعدم حرمته على فرض نجاسته ، فيكون هو فعلا شاكا في وجوب الاجتناب عليه بالنّسبة إلى المائع الآخر ، لعدم العلم الإجمالي له حينئذ به.

__________________

(١) الظاهر سقوط واو العطف من قلم المقرّر فصحيح العبارة هكذا : والشّك في وجوبها ...

٣٨٦

وأما في صورة اضطراره إلى ارتكاب أحدها على البدل ، بمعنى أنه يكفي في قضاء ضرورته كل من الأطراف ، كإناءين مملوءين عنده من الماء مع عطشه المشرف معه على الهلاك مثلا ، فلأنه لما لم يعلم بتمييز الحرام عن غيره ، والمفروض اضطراره إلى ارتكاب أحد الأطراف فيجوز له تناول أيها شاء منها ابتداء وقضاء وطره (١) به ، ولا يعقل بقاء التكليف لما ارتكبه لو كان هو الحرام ، وأما الأطراف الأخرى ، فيكون الشك فيها بدويا ، لاحتمال أن يكون المحرّم هو الّذي تناوله أوّلا ، فهو الآن شاك في أن عليه شيئا أو لا؟

وإن شئت قلت : إنّه جاز له تناول الجميع على البدل في ابتداء الأمر ، فبعد ارتكابه أحدها يشك في تنجيز شيء عليه أولا ، فيرجع إلى البراءة.

هذا ، ولكنّ الإنصاف عدم استقامة هذا الجواب :

أما أولا : فلمنع وجوب قصد الوجه ، واشتراط العبادة به ، والقطع بعدمه ، سيما في صورة عدم التمكن منه.

وأما ثانيا : فبعد تسليم احتمال وجوبه مطلقا فالرجوع إلى البراءة إنما يتم إذا قلنا أن تعذر أحد قيود المأمور به يقتضي ارتفاع التكليف عنه رأسا ، وأنه لو ثبت التكليف بعده بالأجزاء الباقية فهو تكليف وحكم جديد لموضوع آخر ، فيقتصر في خلاف الأصل على المتيقن منه.

لكنه خلاف التحقيق ، بل الحق أن تعذر أحد القيود كتعسره بسقوط ذلك القيد وحده ، لا مطلقا ، بل يبقى التكليف بالأجزاء الباقية الميسورة على حاله ، نظير بقائه في سائر أفعال الوضوء عند تعسر مباشرة الماسح للممسوح على حاله.

وعلى هذا فلا ريب أن القيد المتعذر فيما نحن فيه هو قصد الوجه ، فهو الساقط على تقدير اعتباره ، وأما غيره فيجب تحصيله ولو بالاحتياط ، فيجب الإتيان بالأكثر لاحتمال كونه هو تمام الباقي.

__________________

(١) قال في المنجد : الوطر الحاجة ، وقال بعض اللغويين أيضا : يقال قضى منه وطره وأوطاره.

٣٨٧

ويمكن أن يقال : إنّ ذلك مسلم في المركبات الخارجية ، حيث أن المقيد والقيد عندهم فيها كأنّهما فعلان وواجبان مستقلان ، فلذا يبنون على وجوب ذات المقيد عند تعذر قيده أو تعسّره.

وأما في المركبات العقلية ، كما فيما نحن فيه بناء على تقييد المعنى المذكور بالقيد المذكور فلا ، فإنهما يعدان أمرا واحدا عندهم فإذا تعذر أو تعسر أحدهما فارتفع التكليف عنه لذلك ، فيبنون على عدم التكليف رأسا ، بحيث لو ثبت التكليف عندهم بالباقي ، وهو ذات المقيد فيرونه تكليفا حادثا لموضوع آخر غير الأقل ، لارتفاع الأقل بارتفاع قيده ، لكونه معه واحدا ، فعلى هذا فمع تسليم الاحتمال المذكور اتجه الجواب بذلك في الفرض المذكور فيه.

الأمر الثاني (١) : امتثال النذر والبرء منه على القول بأن الألفاظ أسام للأعم إذا نذر أن يعطي لمن صلى أو زكى أو حج مثلا درهما ، ثم رأى أحدا يفعل صورة أحد هذه الأفعال وشك في صحة الفعل الصادر منه ، فأعطاه الدرهم المنذور ، وعدم حصول الامتثال حينئذ بذلك على القول الآخر ، لعدم إحراز متعلق نذره أصلا حينئذ ، إذ الشك في الصحة على هذا القول راجع إلى المسمى فيشك حينئذ في كون الصادر منه صلاة ، هذا بخلاف القول بالأعم ، فإن كونه صلاة محرز بالحس وموضوع نذره هو الصّلاة ، فتبرأ ذمته بإعطائه الدّرهم إياه ، وأما الشك في الصحة فهو يرجع إلى أمر خارج عن المسمى.

وفيه : أن النذر إنما يدور مدار قصد الناذر ، إذ لا ريب أنه قد يكون النذر متعلقا بالصحيح مع كون الناذر أعميا ، وقد يكون متعلقا بالأعم مع كونه صحيحا ، ومجرد وجود المسمّى للفظ عند النّاذر لا يكفي في امتثال نذره ، بل لا بدّ لكلّ ناذر من امتثال نذره على طبق مقصوده.

فنقول : حينئذ إنّ قصد الناذر إن تعلق بالصّحيح فلا بد من إحرازه ، ولو كان أعميا ، فإنه لولاه يشك في كونه موضوعا لنذره ، ولا يحصل الامتثال للنذر إلاّ بتحصيل ما يعلم أنّه موضوعه ، ومجرد كونه مسمّى اللفظ من غير تعلق القصد

__________________

(١) أي الأمر الثاني من ثمرات المسألة حيث قال سابقا وقد يجعل من ثمرات المسألة أمران : الأوّل ...

٣٨٨

به غير كاف ، فلا فرق حينئذ بين الصّحيحي وبين الأعمي.

وإن قصد الأعم بمعنى الأمر الشامل لهذا الفعل الصادر من هذا الشخص وان لم يسمّ صلاة حقيقة عند القائلين بالصّحيح ، فيكفي إعطاؤه حينئذ ولو كان الناذر صحيحيا ، إذ ليس عليه إلا امتثال النذر حسب ما قصد ، والمفروض تعلق قصده بهذا الفعل لا بالمسمى.

وإن أطلق فإن قلنا بانصرافه إلى الصحيح بناء على وضع اللفظ للأعم ، فينفى الفرق حينئذ أيضا ويكون الحال كما في الصورة الأولى ، وإلاّ فنسلم أنه يحمل نذره على الأعم لو كان أعميا ، أو على الصّحيح لو كان صحيحيا ، ويحصل الامتثال على الأول ، ولا يحصل على الثاني.

لكن ذلك ليس حقيقة من ثمرات مسألتنا هنا ، بل هو ثمرة مسألة أصالة الحقيقة ، أي الأصل في الاستعمال الحقيقة.

وربما يقال علي تقدير تعلّق النذر بالصحيح بتوجه القصد إليه بالخصوص أو بناء على انصراف المطلق إليه ، إنّه على القول بوضع الألفاظ للأعم فقد أحرز الناذر موضوع نذره في الجملة بالحس ، ويكون شكه راجعا إلى قصد وصف زائد ، وهو الصحة ، فيمكن له إحرازه بأصالة الصحة ، فيحصل الامتثال حينئذ بإعطائه الدرهم للشخص المذكور.

هذا بخلاف القول الآخر ، إذ عليه يكون الشك في الصحة راجعا إلى الشك في المسمى ، ومعه لا يعلم بكونه صلاة وكونه متعلقا لنذره في الجملة ، فإنّ الصلاة على مذهبه ليس إلا الصحيح ، فبدون إحراز وصف الصّحة لا تحرز الصلاة ولو في الجملة ، ولا ريب أنه لا يجوز إحرازه حينئذ بالأصل المذكور ، فإن إحرازه عبارة أخرى عن إحراز الصلاة التي هي من الموضوعات ، وليس شأن الأصول العملية إثباتها.

وفيه : أن الأصول العملية كما اعترف به ليس شأنها إثبات الموضوعات ، لكن المراد بالموضوعات التي لا يثبت بها غير الأحكام ، الأعم من الذوات والأوصاف لا خصوص الذوات ، كما يتوهم ، ولا إثبات غير الأحكام

٣٨٩

الشرعية المجعولة من الشارع للشيء على تقدير كونه هو الواقع ، ولذا لو نذر أن يتصدّق كلّ يوم من أيّام حياة ولده بدرهم ، فشك يوما في حياته ، فلا يجوز التمسّك باستصحاب الحياة على المختار على وجوب التصدق عنه بالدرهم في ذلك اليوم ، فإن موضوع نذره هو يوم الحياة ، ولا ريب أن الاستصحاب لا يجعل هذا اليوم يوم حياته له ولا يثبته ، وليس وجوب إعطاء الدرهم أيضا من الأحكام الشرعية المجعولة لحياة ولده ، بل هو من الأحكام الثانوية التي أمضاها الشارع ، فحينئذ نقول : إن أصالة الصحة لا يجوز التمسك بها على إثبات وصف الصحة ، ولا على وجوب إعطاء الدرهم ، فإنه ليس من الأحكام الشرعية المجعولة من الشارع في الصلاة الصحيحة مثلا.

نعم نفي الفساد بمقتضى الأصل المذكور ولازمه العقلي الصحة ، لكنه لا يثبت به أيضا فإنه بالنسبة إليه مثبت.

فإذا تمهدت هذه المقدمات ، فلنشرع في المقام بعون الله الملك العلام فنقول : المنسوب إليهم في المسألة أقوال :

ثالثها : التفصيل بين الشرائط وبين الأجزاء بمعنى كون ألفاظ العبادات أسامي للصحيحة بالنسبة إلى الثانية وللأعم بالنسبة إلى الأولى ، وأشهرها بل المجمع عليه ظاهرا بين القدماء (١) هو وضعها للصحيحة مطلقا.

واحتج لكل واحد من الأقوال بالتبادر ، وبعدم صحة السلب عن الفاسدة مطلقا للقول بوضعها للأعم مطلقا ، وبه بالنسبة إلى الفاقدة للشرائط للقول بالتفصيل ، وبصحة السلب عن الفاسدة مطلقا للقول بوضعها للصحيحة مطلقا ، وبها عن فاقدة الاجزاء للقول بالتفصيل.

ولا يخفى ما في دعوى كلّ من الفرق الثّلاث للتبادر على طبق مدعاها من التّهافت والتنافي ، وكذا في دعواهم عدم صحة السّلب ، أو صحّته عن الفاسدة

__________________

(١) كما ادّعاه بعض حيث قال : إنّ القولين الآخرين قد حدثا من المتأخرين. لمحرّره عفا الله عنه.

٣٩٠

مطلقا ، أو عن الفاقدة للشّرائط ، ولا يكاد يمكن الجمع (١) بين تلك الدّعاوي إلاّ بتكذيب إحداهما أو بتخطئتها حيث إنّه لا يمكن حصول التبادر على طرفي النقيض ، وكذا تحقق صحة السلب وعدمها بالنّسبة إلى مورد واحد حقيقة ، لكن التكذيب غير ممكن ضرورة أنّ كلّ واحدة من الفرق لم يتعمدوا الكذب ، وإنما ادعوا ما ادّعوا حسب معتقدهم ، فحينئذ انحصر طريق الجمع في تخطئة إحدى الدعاوي في منشأ اعتقاد المدعي.

فنقول : إنّ ما يمكن به تخطئة القائلين بالأعم في دعواهم تبادر الأعمّ ، وعدم صحة السلب عن الفاسدة هو أنهم لما رأوا إطلاق تلك الألفاظ كثيرا على الفاسدة مع كونه واقعا مبنيا على التجوز أو التأويل ، فاعتقدوا من ذلك أنّ هذا الإطلاق حقيقيّ وأنّها موضوعة للأعم ، فلما ارتكز في أذهانهم ذلك ، فادعوا التبادر ، وعدم صحة السلب عن الفاسدة لذلك ، ضرورة أن من قطع بأن البليد حمار مثلا وارتكز في ذهنه ذلك ، فمتى أطلق لفظ الحمار يتبادر عنده الأعم من الحيوان الناهق ، وهو الحيوان القليل الإدراك ، وكذا إذا راجع نفسه يراها ممتنعة عن نفي الحمار عن البليد.

وأما ما يمكن به تخطئة القائلين بالصحيح مطلقا على فرض إصابة القائلين بالأعم ، وكون تبادر الأعم ناشئا من جوهر اللّفظ فهو أن يقال : إنهم لما رأوا سلب تلك الأسامي عن الفاسدة في لسان الشارع ، وكذا عند المتشرعة ، مع أنه كان مبنيا إما على التجوز في أدوات النفي بحملها على نفي الصحة أو الكمال ، أو على التأويل ، بتنزيل الفاسدة منزلة المعدومة ، فاعتقدوا غفلة عن حقيقة الحال أن هذا السّلب على وجه الحقيقة والواقع ، فقطعوا بوضعها للصحيحة ، فلما ارتكز في أذهانهم ذلك ، فادعوا التّبادر ، أو صحة السلب عن الفاسدة لذلك ، أو اعتقدوا ما ذكر ، نظرا إلى وجوه أخرى كدليل الحكمة الآتي وغيره ، فلمّا قطعوا بوضعها للصحيحة من

__________________

(١) إذ لا ريب أنّ التبادر وعدم صحّة السلب اللذين هما علامتان للوضع هما اللذان يستندان إلى ذات اللفظ ، وكذا صحة السلب الّتي هي علامة المجاز ، ولا ريب أنّه لا يمكن تبادر معنى من جوهر اللّفظ وعدم تبادره وصحّة سلبه عنه بالنسبة إلى جوهر اللفظ لرجوعه إلى اجتماع النقيضين. لمحرّره عفا الله عنه.

٣٩١

تلك الوجوه فادعوا التّبادر ، وصحة السلب عن الفاسدة.

واما ما يمكن به تخطئة القائلين بالتفصيل فهو أنهم نظرا إلى دليلهم الآتي ـ في آخر أدلة الأقوال ـ قطعوا بوضعها للصحيحة بالنسبة إلى الأجزاء ، وللأعم بالنسبة إلى الشرائط ، فلما ارتكز في أذهانهم ذلك ، فادعوا التبادر ، وصحة السلب وعدمها لذلك.

وكيف كان فلا فائدة مهمة في التعرض لذلك بل المهم تحقيق أن أيهم مصيبون في دعواهم ، وأن الحق من الأقوال ما ذا؟

فنقول : الّذي يشهد به المنصف المتأمل بعد تخلية الذهن عن شوائب الأوهام وغواشي الشبهات وإخراجه إلى النور من الظلمات ، هو أنه لا يتبادر من تلك الألفاظ مجردة عن القرينة إلا ما أمر الله تعالى به ، أعني ما يكون موضوعا لأمر الله تعالى وطلبه ، بحيث لا نقصان فيه ، ولا حالة منتظرة فيه إلى أمر آخر في توجه الأمر إليه من شرط أو جزء ، وأنه يصح سلبها حقيقة عن فاقدة بعض الأجزاء ، أو الشرائط المعتبرة في الفعل قبل تعلق الأمر به ، وبعبارة أخرى : الشّرائط الراجعة إلى قيود موضوع الأمر ، لا المعتبرة في تحققه الخارجي (١).

نجد ذلك من أنفسنا ، ومن الرجوع إلى عرف المتشرعة أيضا ، فإنا نراهم أن المتبادر عندهم ما ذكرنا ، وأن أنفسهم لا تمتنع عن نفي تلك الأسامي عن فاقدة بعض الأجزاء ، أو شرط من الشرائط المذكورة.

فحينئذ إن عنى القائلون بالصحيح تبادر ما ذكرنا ، وأن مرادهم بالصحيح ذلك ، كما احتملناه في أوّل المسألة ، بل استظهرناه فنعم الوفاق ، وإن عنوا تبادر عنوان الموافق للأمر ، كما هو أبعد الاحتمالين ، فمع ما عرفت من امتناع جعل ذلك موضوعا له لتلك الألفاظ ، يكذبه العيان والوجدان (٢).

فمن هنا ظهر ضعف القولين الآخرين.

__________________

(١) فيخرج بذلك مثل نيّة القربة حيث أنّها من الشرائط لكنّها ليست ممّا اعتبرت في موضوع الأمر ، لامتناع اعتبارها كما عرفت ، فتكون هي من شرائط تحقّق المأمور به فعلا في الخارج لا من شرائط تحقّق مفهومه. لمحرّره عفا الله عنه.

(٢) أمّا العيان فمن العرف ، وأمّا الوجدان فمن أنفسنا.

٣٩٢

لا يقال : إن الّذي اخترته التزام بوضعها للأعم ، إذ لا ريب أن المعنى الّذي يكون موضوعا لأمر الشارع وان لم يتصوّر فيه الفساد من جهة فقد بعض الأجزاء أو الشّرائط المأخوذة فيه قبل الأمر ، وإلاّ لخرج عن كونه موضوعا للأمر ، إلاّ أنّه يمكن تحققه في الخارج فاسدا إما من جهة عدم الأمر ، أو من جهة عدم نية القربة ، فيكون أعم من الصحيح.

لأنا نقول : إن القائلين بالأعم لا يقتصرون بذلك ، بل يقولون بوضعها للأعمّ من الفاسدة بفقد بعض الأجزاء أو الشّرائط المعتبرة في موضوع الأمر أيضا ، فلا يكون هذا التزاما بوضعها للأعمّ بالمعنى المعروف الّذي أنكرنا عليه ، فحينئذ فهو :

إما قول بالصحيح بالمعنى المتنازع فيه على أن يكون مرادهم بالصّحيح ذلك.

أو قول بالأعمّ بنحو آخر غير المعروف إن كان مرادهم به ما استضعفناه من الاحتمال ، أو كان مرادهم به هو موضوع أمر الشارع ، لكن مع تقييده بكونه ملزوما فعليّا للصحة بالمعنى المعروف ، أعني الموافقة لأمر الشارع الموجبة لإسقاط القضاء والإعادة ، لكنه أيضا راجع إلى الاحتمال المذكور ، وقد عرفت ما فيه.

أو قول بالتفصيل بنحو آخر غير المعروف.

وكيف كان ، فهذا ما ساعد عليه الدليل ، فلا ينبغي التوحش من الانفراد.

نعم لما كان أي الدليل المذكور ، وهو التبادر وصحة السلب من الأمور الوجدانية التي لا يمكن إقامة البراهين عليها ، فلا يمكن إلزام الخصم به ، لكنه دليل إقناعي ينبغي الركون إليه في عمل نفس الشخص ، حيث أنه طريق قطعي إلى الوضع.

وتوهم أن تلك الألفاظ على تقدير وضعها للأعم تكون معانيها أمور مجملة ، فكيف يمكن دعوى تبادرها ، إذ لا معنى لتبادر معنى مجمل لا ندري أنه ما ذا؟ وكذا توهم أن غاية ما يثبت به على تقدير التسليم إنما هو وضعها للصحيحة

٣٩٣

عند المتشرعة ، والمطلوب ثبوت وضعها لها عند الشارع مدفوعان.

أمّا الأول : فبأن الإجمال إنما هو بالنظر إلى ذات المعاني وكنهها ، وهذا ينافي تبادرها بتفاصيلها وكنهها أعني بتمام أجزائها وشرائطها تفصيلا ، لكن لما كان لا يلزم من الجهل بمعنى بكنهه الجهل به بجميع وجوهه وعناوينه ، بل يمكن معرفته بوجه من وجوهه وإن لم يكن ذلك الوجه معتبرا في وضع اللفظ بإزائه ، كما هو الحال في كثير من المعاني العرفية حيث أنّا لا نعلمها بتفاصيلها ، لكن نعرفها بوجه من وجوهها ، بحيث تمتاز به عما عداها ، كالسّماء والأرض والجنّ والملك والجنة وجهنم وغير ذلك ، فيمكن دعوى انفهام تلك المعاني من تلك الألفاظ ، وتبادرها منها بأحد من وجوهها ، بحيث تمتاز به عما عداها ، ولو بعنوان كونها مأمورا بها عند الشارع ، وان لم يكن ذلك الوجه معتبرا في وضعها ، وهذا المقدار كاف في إثبات ما نحن بصدده ، فإن الغرض معرفة معاني تلك الألفاظ على وجه تمتاز على عداها ، وهو حاصل بذلك.

وأما الثاني : فبأنّه لا ينبغي الارتياب في أن صيرورة تلك الألفاظ حقائق في تلك المعاني في الآن إنما هي من جهة غلبة الاستعمال إما من الشارع ، أو منه ومن الحاضرين في زمنه التابعين له معا ، أو من المتشرعة الذين هم بعد زمانه ويكون النقل حادثا في زمان المتشرعة.

فإن كان الأول ، كما هو غير بعيد فلا إشكال.

وإن كان الثاني ، فحينئذ وإن أمكن دعوى حدوث استعمال بعض تلك الألفاظ ، كحدوث نقل جميعها في زمن المتشرعة إلاّ أن تقدم استعمال أكثرها وثبوته في زمن الشارع ممّا لا يمكن إنكاره ، ولا مرية أنّ استعمالات هذا الأكثر الحاصلة من المتشرعة الموجبة للنقل ليست مغايرة لاستعمال الشارع من حيث الصحيح والأعم.

بل من المعلوم تبعية العرف للشارع في الاستعمال ولو مجازيا ، فيثبت استعمال الشارع للألفاظ التي علم استعماله إياها في المعاني المخترعة في الصحيحة وهو المطلوب ، إذ ليس الغرض إلا إثبات أن استعمال الشارع لتلك الألفاظ هل

٣٩٤

هو في الصحيحة أو في الأعم ، ومعلوم أن هذا فرع إحراز استعماله لها ، وأن العبرة فيما إذا ثبت منه استعمال لها في غير المعاني اللغوية ، ودار الأمر بين أن يكون المستعمل فيه هو الصحيح أو الأعم.

مع أن من المقطوع استعماله لجميع ألفاظ العبادات في غير معانيها اللغوية ، وهي المعاني المخترعة.

هذا ، ثم إن هذه هي الوجوه المشتركة بين الفرق الثلاث.

وقد احتج لكل أيضا بوجوه خاصة :

فمما للقول بوضع الألفاظ للصّحيحة مطلقا ، تنصيص الشارع بكونها أسامي للصحيحة ، أعني ملزوم الصحة بالمعنى المعروف ، وذلك من وجهين :

أحدهما : تصريحه بنفي تلك الأسامي عن فاقدة بعض الأجزاء والشرائط ، كقوله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، ولا صلاة إلا بطهور ، ولا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل ، وأمثال ذلك.

وثانيهما : تصريحه بكون تلك الألفاظ أسامي لمعان ملزومة للصحة بطريق الإثبات والحمل ، كقوله : الصلاة قربان كل تقي ، أو أنها معراج المؤمن ، وأن الصوم جنة من النار ، فيدل بمقتضى عكس النقيض ، وهو أن ما ليس بقربان أو جنة أو معراج ، ليس بصلاة أو صوم ، على أنها أسامي للصّحيحة ، إذ لا يمكن كون الفاسدة صاحبة لتلك الخواصّ.

هذا ، وفيه : أولا أن هذه أخبار آحاد لا تنهض حجة لإثبات الأوضاع ، وإنما هي حجة في إثبات الأحكام فحسب ، فتأمل (١).

وثانيا : أن التنصيص عبارة عن القضية الّتي يكون الموضوع فيها اللفظ نفسه ، أي اللفظ أو مصداقه باعتبار لفظه ، لا معناه ، والمحمول الوضع أو ما في معناه ، كقولك : لفظ الأرض موضوع لكذا أو معناه كذا ، أو أن الأرض موضوع لكذا ، أو ليس عبارة عن كذا ، أو معناه كذا ، أو ليس الأمر الفلاني معناه مريدا

__________________

(١) وجهه أنّه لا يبعد حجيّتها في إثبات الأوضاع فحينئذ لا وجه للرّد بذلك لمحرّره عفا الله عنه.

٣٩٥

بالأرض لفظه ، ولا ريب أن الموضوع في تلك الأخبار إنما هو معاني تلك الألفاظ ، لا هي بتأويلها إلى اللفظ ، مضافا إلى أن المحمول فيها أيضا ليس الوضع ، أو ما يفيد معناه فيخرج عن باب التنصيص ، فبطل الاستدلال.

هذا مضافا إلى ما يرد على الاستدلال بالطائفة الثانية منها ، من أنه لا مرية أنّها في مقام إثبات هذه الخواصّ لتلك الماهيات المخترعة في الجملة ، وليست في مقام العموم أو الإطلاق ، ليستدل بعمومها أو إطلاقها على إثبات تلك الخواصّ لجميع الأفراد ، ثم إثبات كون جميع مصاديقها صحيحة لذلك بقاعدة عكس النقيض ، بل لا يمكن حملها على العموم والإطلاق ، ضرورة أنّ كون العبادة مقرّبة أو معراجا إنّما هو من لوازم القبول ، ولا ريب أنّ القبول ليس مساويا للصّحة ، بل أخص منها ، فإنّها عبارة عن كون العمل موافقا لأمر الشارع ، بحيث يسقط معه القضاء والإعادة ، وهذا قد يبلغ إلى درجة القبول وقد لا يبلغ ، بل أكثر ما يوجد منه أنّه مما لا يبلغ حد القبول ، كما هو الحال في عباداتنا وفقنا الله لطاعته المقرّبة إليه بعد بجاه محمّد صلّى الله عليه وآله عليهم السلام.

وكيف كان ، فيلزم على المتمسّك بتلك الأخبار إخراج أكثر افراد الصّحيح عن حقائق تلك الألفاظ ، وهو كما ترى.

وبالجملة : فتلك الأخبار نظير قول الطبيب : إنّ السقمونيا مسهل ، فإنه لا يمكن حمله على الإطلاق ، لعدم ثبوت تلك الخاصية في جميع مصاديق السقمونيا ، بل في بعضها ، وهو المشتمل على كافّة شرائط التأثير الفعلي.

ثم إنّه بعد ما لم تكن الأخبار المذكورة من باب التنصيص ، فهل يمكن التمسك بالطائفة الأولى؟ من جهة كونها من باب صحة السّلب المتحققة من عارف اللسان ، بل صاحبه ، حيث أن الشارع صاحب لسان المتشرعة وتحقق صحة السلب عنده علامة قطعية لخروج الفاسدة عن حقائق تلك الألفاظ.

فيه إشكال أيضا ، فإنّ صحة السلب وعدمها اللّذين هما علامتان للوضع وعدمه ، ليسا من مقولة اللفظ ، بل الأول عبارة عن امتناع نفس العارف باللسان من السلب ، والثاني عبارة عن تجويزه إياه وقولنا : البليد ليس يصح أن لا يكون

٣٩٦

إنسانا أو يصحّ ، كاشف عن هذا الأمر الوجداني ، والعلامة هي هذا ، فكلما علمنا به من أنفسنا أو من أهل العرف على سبيل القطع ، فلا إشكال ، وأما إذا رأينا وقوع السلب من العارف باللسان ، كما فيما نحن فيه ، حيث إنّ تلك الطائفة من باب وقوع السّلب مع احتمال أن يكون مبنيّا على التّجوز أو التأويل ، فلا يمكن التمسّك به في إثبات الوضع وعدمه ، فإنّ العلامة إنّما هي صحّة السلب حقيقة وواقعا عند نفس العارف باللسان ، والوقوع أعمّ منها ، وهو لا يدلّ على الأخص.

والالتجاء إلى أصالة الحقيقة في المقام لا وجه له ، فإنّ الركون إليها إنما هو في صورة الجهل بالمراد مع تميز الموضوع له عن غيره ، وأمّا في صورة معلوميّة المراد مع الجهل بصفته من أنّه الموضوع أو غيره ، فلم يقم دليل على اعتبارها حينئذ.

وكيف كان فوقوع السلب أعم من صحته حقيقة وواقعا التي هي علامة المجاز فلا يدلّ عليها.

نعم لو كان السلب وعدمه بلفظ يصحّ أو لا يصحّ ، فيكون هذا إخبارا من العارف باللسان بصحة السلب حقيقة وعدمها كذلك ، نظرا إلى ظهور لفظ الصحة في الصحة على وجه الحقيقة والواقع ، لا التجوز والتأويل ، فيتمسك بأصالة الحقيقة على إرادة الحقيقة ، وهو صحة السلب على وجه الحقيقة ، أو عدمها كذلك ، فيحرز بهذا الأصل كون ذلك إخبارا عن صحة السلب أو عن عدمها ، لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في المراد.

لكنّ الإخبار بهذا النحو أيضا ما لم يفد القطع بأن نفس ذلك المخبر العارف باللسان يمتنع من السلب أو يجوّزه ، يشكل الركون إليه حيث [ إنّ ] العلامة إنّما هي امتناع نفس العارف باللسان عن السلب ، أو تجويزه ذلك ، لا الإخبار عن ذلك ، فإنه طريق إلى ثبوت العلامة لا نفسها ، ولا بد من إحراز تلك العلامة ، إما بالقطع ، وإما بما قام مقامه شرعا ، فإذا فرض انتفاء الأول فإحرازها بمجرد إخبار المخبر العارف متوقف على حجية أخبار الآحاد في الأمور الغير الحسية أيضا ، وثبوت ذلك في غاية الخفاء ان لم نقل بظهور عدمه.

ثم إنه لا يخفى أن الاستدلال بالطائفة الأولى من الأخبار ـ على تقدير

٣٩٧

تماميته ـ إنما ينفع في رد القائلين بالأعم ، حيث إنهم ذاهبون إلى وضع تلك الألفاظ للأعم من فاقدة الطهور أو الفاتحة ، وهي تردّهم ، لكنّها لا تثبت وضعها للصحيحة مطلقا ، أعني بالنسبة إلى جميع الأجزاء والشرائط ، كما هو المدّعى ، ضرورة توقف تحقق الصحة على أمور أخر غير الطهارة والفاتحة.

هذا ، ومنها : دليل الحكمة.

وبيانه : أن حكمة الوضع إنما هي سهولة البيان عن الغرض والمقصود الأصلي ، ورفع كلفة الإتيان بالقرينة في كل استعمال ، فيكون الموضوع له هو المعنى الّذي يكون متعلقا للغرض أصالة ، وهو في المقام المعاني الصحيحة لا غير ، ضرورة أن غرض الشارع أصالة إنما يتعلق بها ، ولو اتفق إرادته الأعم أو الفاسدة ، فهو من باب البيان للصحيح ، فقوله : دعي الصلاة أيام أقرائك مثلا لبيان الفرد الصحيح الّذي هو متعلق غرضه الأصلي.

ويؤيد ذلك ويعضده التتبع والاستقراء في حال أرباب الصنائع والحرف المخترعة ، حيث إنهم يضعون الألفاظ لما يكون متعلقا لغرضهم أصالة في مقام البيان ، ولا ريب أن هذا الدليل على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني في غاية المتانة والحسن ، حيث إن غرض الشارع لم يتعلق أصالة إلاّ ببيان ما هو وظيفة لعباده في مقام العبادة والإطاعة ، وهو لا يكون إلاّ صحيحا ، والحكمة قاضية على تقدير الوضع التعييني بلزوم الوضع لما هو المقصود بيانه أصالة.

وأمّا بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، أو ثبوتها لا بالتعيين فلا ممشى له حينئذ.

ومنها : أنا نجد من أنفسنا اتحاد وجه استعمال تلك الألفاظ في الفاسدة مع وجه استعمال ألفاظ المقادير في ما نقص عنها ، فكما نجده مبنيا على المسامحة والتنزيل ، فكذلك نجد ذلك في المقام ، فهذا يكشف عن أن الموضوع إنما هو الصحيح ، وهذا أيضا من الوجوه الإقناعيّة ، لا الإلزامية.

لكن تماميّته مبنيّة على أن يكون معاني تلك الألفاظ من الأجزاء الخارجية ، وإلا فليس الفرد الفاسد بعضا من مفهوم اللفظ حتى يكون وجه

٣٩٨

الاستعمال هو التنزيل والادعاء ، فلا بد حينئذ أن يكون وجهه على تقدير وضعها للصحيحة غير ذلك من الوجوه المصححة لاستعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي.

ومنها : أنها لو كانت موضوعة للأعم لما كانت توقيفية ، بل كان المرجع فيها إلى العرف ، إذ هو المناط فيها على القول المذكور ، التّالي باطل ، ضرورة كونها أمورا توقيفيّة متلقّاة من صاحب الشّريعة ، لا يصح الرجوع فيها إلى عرف أو عادة ، فالمقدّم مثله.

وفيه أوّلا : النقض بأن القائلين بوضعها للصحيحة يرجعون فيها أيضا إلى العرف ، ولذا استدلّوا عليه بالتبادر ، وصحة السلب كما مر.

وثانيا : منع الملازمة المذكورة فان توقيفيتها من الشارع إنما تمنع عن المعاملة معها معاملة الألفاظ اللغوية بالرجوع فيها أيضا إلى العرف العام ، وأما الرجوع إلى العرف الخاصّ ، وهو عرف المتشرعة الكاشف عن مراد صاحب الشريعة فلا ، فإنه رجوع إلى الشارع حقيقة ، كما لا ينافي الرجوع في الألفاظ اللغوية والعرفية إلى أهل العرف واللّغة ، توقيفيّتها.

والتحقيق أن هنا توقيفا في معرفة المعنى في الجملة على وجه يمتاز عما عداه ، وتوقيفا في معرفته بتفصيله من حيث الأجزاء والشرائط ، فإن أراد المستدل الأول ، فلا ريب أنّ الرّجوع إلى عرف المتشرّعة لا ينافيه ، كما لا ينافيه على القول بوضعها للأعمّ أيضا ، وإن كان الثاني ، فلا ريب في منع الملازمة أيضا ، إذ لا يلزم من وضعها للأعمّ جواز الرجوع إلى العرف ، فإنّهم لا يتمكّنون من معرفة تفاصيل الأجزاء والشرائط ، بل لا بدّ من رجوع المقلد فيها إلى المجتهد ، وهو إلى الأدلة.

وكيف كان فتفصيل المعنى بشرائطه وأجزائه ، سواء كان هو الصّحيح أو الأعم ، متوقف على بيان الشارع ، وليس للأعمي الرجوع إلى العرف في ذلك ، بل لا يمكنه.

هذه جل ما ذكروه للقول بالصحيح ، وعرفت أن المعتمد إنما هو التبادر ، وصحة السلب عن الفاسدة.

أقول : ويمكن ان يحتجّ له أيضا بأنه لا ريب أنه كلما كثرت الحاجة إلى

٣٩٩

معنى كثر استعمال اللفظ فيه ، ولا ريب أن الصحيحة أشد حاجة وأكثرها في التعبير عنها من الفاسدة أو الأعم ، فيثبت بذلك أن الأغلب استعمالا في لسان الشارع هي الصحيحة ، فعلى ثبوت الحقيقة الشرعية لما كان المعلوم ثبوتها بغلبة الاستعمال ، فتكون هي الموضوع لها لتلك الألفاظ ، وعلى تقدير عدمه ، فالمجاز الشائع هي لا غير ، فثبت المطلوب على التقديرين.

ثم إنّك قد عرفت دعوى القائلين بوضعها للأعمّ عدم صحة سلبها عن الفاسدة ، وعرفت جوابه إجمالا أيضا من أنّها اشتباه ناش عن اعتقاد وضعها للأعمّ بملاحظة إطلاقها على الأعمّ ، وعرفت أيضا دعواهم التبادر أيضا ، والجواب عنه بما ذكر.

ولا بأس بالتعرض لذلك أيضا على التفصيل ، والجواب عنه كذلك.

فنقول : إنّهم ادّعوا أنّه يتبادر من قول القائل : فلان يصليّ أو صلّى الأعم ، وهو صورة الصلاة الأعم من الصحيحة.

ويكشف عن ذلك أنّه لو كان المتبادر منه الصحيحة لجاز تكذيب المخبر بعد انكشاف فساد عمل من أخبر بأنه صلى أو يصلّي ، فإنه في قوة الإخبار بأنه يكبّر ويقرأ ويسجد إلى آخر الأجزاء والشّرائط على التفصيل ، التّالي باطل ، ضرورة عدم تكذيبه من أحد ، فالمقدم مثله.

وفيه : أوّلا أن التبادر الّذي هو علامة الوضع هو المستند إلى جوهر اللفظ ، والّذي هنا إنّما هو مستند إلى القرينة ، وهي أنّ الشّخص لما لم يكن له سبيل إلى تشخيص صحّة عمل الغير حيث إنّها متوقفة على أمور لا تعلم إلاّ من قبل الفاعل ، كنية القربة وإباحة اللباس والمكان مثلا ، وأنّ الّذي يمكنه إحرازه انما هي الصّورة فهو يريد في مقام الإخبار مجرّد الصّورة لا غير ، فالتبادر مستند إلى تلك القرينة ، نظير تبادر الصورة من قول القائل : إنّ الكافر يصلّي أو صلى ، فإنّ امتناع تحقق الصحيح من الكافر قرينة على أنّه أراد الإخبار عن وقوع صورة الصلاة منه.

ويشهد لذلك أنه لو أخبر أن فلانا يصلي الصلاة الواجبة أو المندوبة ، لا يتبادر منه إلا الصورة ، مع أن هذا التركيب ظاهر في الصحيحة باعتراف القائلين

٤٠٠