تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

تأديتها بكل واحد منها ، كجواز تأديتها بوجه الحقيقة والمجاز.

فإذا عرفت هذه ، فلنرجع إلى ما نحن بصدده ، فنقول : إنّه إذا دار الأمر بين حمل الكلام على أحد تلك الوجوه ، وبين حمله على غيرها ، فإمّا أن يعلم المستعمل فيه اللّفظ ، من أنّه هو المعنى الحقيقي ، أو المعنى المجازيّ ، أولا.

فعلى الأوّل : فإمّا أن يكون المستعمل فيه اللفظ هو المعنى الحقيقي ، ويتردّد الأمر بين حمل اللّفظ على الفرد من ذلك المعنى ، الّذي لا يلزمه شيء من الوجوه المذكورة ، وبين حمله على الفرد الّذي يلزمه شيء منها ، كما إذا قال المولى لعبده ( كل السقمونيا ) فشك في أنّ غرضه هو الإرشاد ، أو أنّه الإطاعة والانقياد ، مع أنّ الأمر على التقديرين مستعمل في معناه الحقيقيّ الّذي هو الطّلب الحتميّ ، خلافا لبعض ، حيث ذهب إلى أنه مجاز في الإرشاد ، وكما إذا قال ( أكرم الفساق ) فشك في أنّ غرضه امتحان العبد أو أنه إكرام الفسّاق حقيقة ، وكما إذا قال : ( أكرم كل طويل النجاد ) فشكّ في أنّ غرضه إكرام كلّ شجاع ، وأنّه أراد لازم معنى هذا اللفظ كناية ، أو أنّ غرضه المدلول المطابقي ، وهو إكرام كلّ طويل السيف ، ولو كان جبانا ، وكما إذا قال الإمام عليه السلام ( إذا توضّأت فامسح تمام الرّأس ) فشك في أن غرضه التقيّة ، أو أنّه بيان الحكم الواقعي.

وإمّا أن يكون المستعمل فيه هو المعنى المجازي ، وتردّد الأمر بين حمل اللّفظ على المعنى المجازيّ الّذي لا يلزمه شيء من الوجوه المذكورة ، وبين حمله على المعنى المجازيّ الّذي يلزمه شيء منها.

الظّاهر ، بل المعلوم من العرف ، وأهل اللّسان في كلا هذين المقامين عدم المصير إلى شيء من الوجوه ، وعدم التّوقف ، بل المتعيّن عندهم ـ حينئذ ـ حمل اللّفظ على المعنى العاري منها.

والسّر في ذلك أنّ تلك الوجوه ، وإن لم تكن منافية لأصالة الحقيقة في الكلمة في المقام الأوّل ، ولا لأصالة الظهور فيها في المقام الثاني ، إلاّ أنّها منافية لأصالة الحقيقة بالمعنى الثّاني الجارية في كلّ كلام سواء كانت مفرداته مستعملة في معانيها الحقيقيّة أو المجازيّة ، فكما لا شكّ ، في اعتبار الظهور العرفي في المفردات ، فكذلك لا شك في اعتبار الظهور العرفي الثابت في الكلامات.

أمّا الصغرى ، فبالوجدان ، فإنّ الظهورات العرفية لا تختص بالمفردات ، بل هي ثابتة في الكلام ، ومنشؤها غلبة حالات المتكلم على طبقها.

٢٢١

وأمّا الكبرى فبالاتّفاق عليها حتى من بقيّة الأديان ، وكفى به دليلا.

لا يقال : إنّ المتيقّن من معقد الإجماع هي الظّهورات اللّفظية ، وأمّا مثل هذه الظّهورات فلم يعلم ثبوته لها.

لأنّا نقول : إنّ هذه بحيث توجب ظهور اللّفظ في الأغراض المطابقة لها ، فتدخل في الصّغرى المذكورة.

ويظهر ـ من شيخنا الأستاذ دام ظلّه ـ موافقته لنا من كلام له في مسألة التعادل والتراجيح (١) ، حيث إنّه وافقنا في جزئي من جزئيات مسألتنا هذه ، وهو فيما إذا دار الأمر بين حمل الكلام على التّقية ، وبين حمله على بيان الواقع ، فاختار ( دام ظله ) البناء على غير التقية ، وحمله على بيان الواقع.

ثم إنّا لم نتمسك بالأصول كما تمسّكنا بها في دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز ، لأنّها هنا متعارضة ، فإنّ غرض المتكلّم تعلّق بشيء بالفرض ، إلاّ أنّه مردّد بين كونه المدلول المطابقي ، أو الخارج منه ، وهما متباينان لا يجري في تعيينه شيء من الأصول ، وتمسّكنا بها هناك لأجل أنّ المجاز بالنسبة إلى الحقيقة يحتاج إلى غرض زائد غير إفادة المطلب.

وأمّا على الثّاني : أعني ما إذا لم يعلم المستعمل فيه ، فهاهنا صورتان :

إحداهما : أن يدور الأمر بين حمل اللّفظ على الحقيقة مع سلامتها عن كلّ واحد من الوجوه المذكورة ، وبين حمله على المعنى المجازي ، مع التزام شيء منها ، والحكم هنا أيضا واضح ، حيث إنّ أصالة الحقيقة معتبرة ، مع احتمال المجاز الشائع العاري عن تلك الوجوه ، فكيف بما إذا احتمل مع استلزامه لشيء منها ، وكيف كان فأصالة الحقيقة بالمعنيين جارية هنا ، فلا مجال للشبهة في الترجيح.

وثانيتهما : أن يدور الأمر بين حمل اللّفظ على حقيقته مع استلزامه لشيء من الوجوه المذكورة ، وبين حمله على أحد الوجوه المعروفة المتقدمة من المجاز ، والإضمار ، والتخصيص ، والتقييد ، وغيرها مع سلامتها عن تلك الوجوه ، وهذه الصّورة هي التي ينبغي ذكرها في طيّ مسائل الدّوران المعروفة ، حيث إنّ مرجع الدّوران والتّعارض ـ كما عرفت سابقا ـ إلى تعارض الأصول ، والدّوران بين الأحوال المخالفة لها ، وهذه

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢٦٧.

٢٢٢

الصورة كذلك ، حيث أنّ الدّوران فيها حقيقة بين تلك الوجوه المخالفة للأصل ـ بمعنى الظّهور العرفي ـ وبين الوجوه المعروفة للأصول ، والتعارض إنّما هو بين الأصل في الكلام ، وبين الأصل في الكلمة ، بخلاف الصّور الثلاث المتقدمة ، حيث إنّ أحد طرفي الدّوران فيها موافق للأصل.

وكيف كان فالتّرجيح في هذه الصّورة محلّ الإشكال ، والأولى فيها التوقف ، والحكم بالإجمال فإنّ الأخذ بأحد الأصلين المتعارضين ليس بأولى من الأخذ بالآخر ، لعدم المرجّح لواحد منهما ، من غلبة أو أصل من الأصول.

ثم إنّه وقع التّعارض بين أحد تلك الوجوه ، وبين الآخر منها ، فالحكم التّوقف ، لعدم المرجّح أصلا.

الأمر الثالث : انّ الأظهر أنّ التضمين حقيقة ـ كما سيأتي تحقيقه في مسألة الاشتراك إن شاء الله ـ في استعمال اللّفظ في أكثر من معنى ، لكنّه بالنسبة إلى غيره من الاستعمالات الحقيقية نادر جدّاً ، فلا يصار إليه عند الشّك ، ولا يتوقّف أيضا ، بل يجب حمل اللّفظ على غيره للغلبة الموجبة لظهوره في غيره عرفا ، وإنّما الإشكال فيما إذا دار الأمر بينه وبين غيره من الوجوه المخالفة للأصل ، من الوجوه المعروفة ، أو الوجوه الّتي ذكرناها ، ولم يتعرض أحد منهم لبيانه أيضا.

وكيف كان ، فالأولى حينئذ ـ أيضا ـ التّوقّف والإجمال ، لأنّ الإضمار ، وإن كان حقيقة من حيث الكلمة إلاّ أنّه خلاف الظّاهر عرفا ، فيتعارض الأصلان من دون مرجّح لأحدهما فيجب التّوقف.

الأمر الرّابع : أنّه قد يشكل الأمر فيما إذا دار الأمر بين حمل اللّفظ على أحد الوجوه المخالفة للأصل من الوجوه المعروفة وغيرها ، أو حمله على السّهو أو الغلط أو النسيان من المتكلّم.

أصل ينقسم الحقيقة باعتبار الواضع إلى لغويّة وعرفيّة بكلا قسميها العام والخاصّ ، كالشّرعية ، والنّحوية ، وغيرهما من الحقائق المختصة بواحدة من الطوائف الخاصة.

والأولى : هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له لغة.

والثّانية : هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له عرفا ، أعني عند كافّة العرب.

والثّالثة : هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح خاصّ.

٢٢٣

وقولنا : لغة وعرفا ، وفي اصطلاح خاص ، كلّها أحوال عما وضعت له ـ الكلمة وقيود له ، لا عن الكلمة مطلقا ، أو باعتبار استعمالاتها بحيث ترجع القيود إلى الاستعمال ، لأنّ وصف الكلمة بكونها حقيقة لغويّة ، أو عرفية ، باعتبار استعمالها في معناها ، لغة ، أو عرفا ، من أيّ مستعمل كان ، فإذا استعمل اللّغوي الكلمة الموضوعة عرفا في ذلك المعنى العرفي ، فهذه حقيقة عرفيّة لا لغوية ، وكذا لو استعمل العرف الكلمة الموضوعة لغة فيه ، فإنّها حقيقة لغوية ، لا عرفية.

ثم إنّ المراد بالوضع هنا ما يعمّ التعيني أي الاختصاص والعلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى ، سواء كانت مسبّبة عن وضع وتخصيص ، أو من الاستعمالات الآتية إليه ، لا معناه الأخصّ الظّاهر منه عند الإطلاق ، وهو تخصيص اللّفظ بالمعنى ، المعبّر عنه بالتعييني ، لعدم صلاحيته لجعله مقسما بين هذه الأقسام الثّلاثة ، فإنّ أكثر الحقائق العرفية لا سيّما العامّة ، إنّما هي بسبب غلبة الاستعمالات المجازية الآئلة إلى حصول العلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى ، الّتي يستغنى بها عن القرينة ، وقل المرتجل منها غاية القلة.

وكيف كان ، فالأقسام الثّلاثة متباينة لا يصدق أحدها على الآخر بوجه.

وما ترى من قولهم في مسألة تعارض العرف واللّغة : إنّه إذا اتّحد العرف واللغة ، فالحكم كذا ، وإذا اختلف فكذا ، لا يعنون به صدق أحدهما على الآخر ، بحيث يصدق في لفظ أنّه حقيقة لغة وعرفا ، بل المراد أنّه إذا ثبت للّفظ معنى لغة ، ولم يحدث في العرف له معنى جديد ، فالحكم حمل اللّفظ على المعنى اللّغوي المعلوم له ، وهذا هو معنى الاتّحاد مسامحة.

ولقد أحسن وأجاد من عرّفها ـ أي الأقسام الثّلاثة ـ بأنّها إمّا مستعملة في معناها لغة ، فهي حقيقة لغوية ، أولا ، وعلى الثّاني ، فهي إمّا مستعملة في معناها في العرف العام ، فهي العرفية العامّة ، أولا ، بأن تكون مستعملة في معناها في اصطلاح خاص ، فهي عرفية خاصة ، فانّه (قدس سره) قد عرّفها بعبارة أوجز مما ذكرنا ، مع اشتمالها على إشارة إلى التقسيم الدّائر بين النفي والإثبات ، وهو من أحسن التقسيمات ، وأصرح دلالة على ما ذكرنا ، من أنّ النسبة بين الأقسام الثلاثة إنّما هي التّباين الكلّي.

وكيف كان فهو (قدس سره) أفاد التعريف ، والتقسيم بعبارة واحدة أوجز مما

٢٢٤

ذكرها غيره.

ثم إنّه قد يستشكل في التقسيم بعدم كونه حاصرا لجميع أقسام الحقيقة ، فإنّ منها الأعلام الشخصية ، ولا توصف بكونها حقائق لغوية ، أو عرفية عامة أو خاصة ، مع أنها حقائق قطعا.

لكنه مدفوع بأنّا نلتزم بخروجها ، ولا ضير فيه ، بل ولا بدّ منه.

وتوضيح الدّفع : إنّ اللغة لها إطلاقات ، فإنها في الأصل اللهجة ، يقال ( لغا ، يلغو ) إذا لهج بالكلام.

وفي الاصطلاح تطلق تارة على ما يقابل العرف ، فيقال : هذا معناه كذا لغة ، يعنون بها أنّه كذلك في لسان أهل اللّغة ، وتارة على مطلق اللّسان واللهجة ، فيقال هذا معناه كذا ، في لغة طائفة فلانيّة ، أي في لسانهم ، والمقسم في المقام ، إنّما هو اللّغة بإطلاقها الثالث ، ولا ريب أنّ الأعلام الشخصية خارجة عنه ، فإنّها لا تعدّ لسانا ، ولا تنسب إلى طائفة دون أخرى.

فلذا لو ذكر العجميّ الأعلام الموضوعة عند العرب ، لا يقال : إنّه تكلّم بالعربيّ ، فلذا يعبّر عن المعاني الجزئية الموضوعة لها تلك الأعلام بتلك الأعلام نفسها ، بخلاف المعاني الكلّية الموضوعة لها أسماء الأجناس ، حيث انّ التعبير عنها يختلف باختلاف ألسنة المتكلّمين ، ولو تكلم عجميّ وعبّر عن المعاني الكلّية بأسماء الأجناس الموضوعة لها في لغة العرب ، يقال : إنّه تكلّم بالعربيّ.

وكيف كان ، فعدم تغيير الأعلام ، وعدم تبدّلها بتبدّل المتكلمين دليل على خروجها من المقسم.

ثم إنّ المجاز له تقسيمات ثلاثة :

الأول : باعتبار النّسبة ، كما في الحقيقة فينقسم من تلك الجهة إلى لغويّ ، وعرفيّ عام أو خاصّ.

فالأوّل هي الكلمة المستعملة في خلاف ما وضعت له لغة لعلاقة بينه وبين ما وضعت له.

والثاني : هي الكلمة المستعملة في خلاف ما وضعت له عند العرف العامّ لعلاقة بينهما.

والثالث : هي الكلمة المستعملة في خلاف ما وضعت له في اصطلاح خاصّ

٢٢٥

لعلاقة بينهما.

فمن هنا ظهر أنّ النّظر في النسبة إنّما هو إلى المعنى المجوز عنه ، وأنّه المناط فيها ، دون العلاقة ، أو وضع اللّفظ في المعنى المجازيّ ، بمعنى ترخيص استعماله فيه.

أمّا العلاقة ، فلأنها من الأمور الواقعيّة الّتي ليست مسببة من فعل أحد حتى تنسب إلى أحد دون آخر ، بل ثابتة بين المعنيين ، بحيث يستوي فيها العرب والعجم ، عند استعمال اللّفظ الموضوع لأحدهما في الآخر ، فإنّ كلّ واحد منهما إنّما يلاحظ حينئذ تلك العلاقة ، فلا يجوز انتساب المجاز إلى أحدهما دون الآخر ، وكذلك أهل اللّغة والعرف ، فإنّ كل واحد منهما لا بدّ له من ملاحظة تلك العلاقة حينئذ ، فلا يجوز الانتساب إلى أحدهما دون الآخر.

وأمّا التّرخيص فلأنّ الظّاهر ، بل المعلوم كما عليه المحقّقون أنّ الصادر من الواضع ، إنّما هو فعل واحد ، وهو تخصيص اللّفظ بالمعنى الموضوع له لا فعلان ، أحدهما ذلك ، والآخر أن يقول رخّصت استعماله في خلاف هذا المعنى لعلاقة ، وأنّ استعمال الألفاظ في خلاف معانيها الحقيقيّة إنّما [ هو ] بمقتضى جبلّة النّاس ، في كلّ لغة ولسان ، ومركوز في أذهانهم ، فلا يجوز الانتساب من هذه الجهة أيضا فتعيّن ما ذكرنا.

وحاصله : إنّ النّظر في النّسبة إنّما هو إلى نسبة المعنى المجوز عنه.

التقسيم الثّاني : باعتبار المحلّ ، فينقسم بهذا الاعتبار إلى مفرد ، ومركب ، وإلى المفرد والمركب معا ، فإنّ التّجوز إن كان في الكلمة باستعمالها في خلاف ما وضعت له ، فيسمّى المجاز مفردا ، حيث إنّ المجازيّة في جزء الكلام ومفرده ، وإن كان في التّركيب أي الإسناد ، بإسناد مفاد الكلمة إلى غير من هو له ، فيسمّى المجاز مركّبا ، حيث إنّه في التّركيب دون المفردات ، وإن كان في كليهما ، فيسمّى مجازا في كليهما ، حيث إنّه في كليهما.

مثال الأوّل : قولنا ( رأيت أسدا يرمي ) حيث إنّ المجازيّة في الكلمة دون النسبة.

ومثال الثّاني : قولهم ( أنبت الربيع البقل ) وقوله تعالى ( وأخرجت الأرض أثقالها ) (١) حيث أنّ المنبت حقيقة ليس الرّبيع ، والمخرج ليست الأرض ، وكذا قوله ( وأنشبت المنيّة أظفارها ).

__________________

(١) سورة الزلزلة : آية ، ٢

٢٢٦

وأمّا الثّالث : فمثّل له دام عمره بقوله ( أحياني اكتحالي بطلعتك ) حيث إنّ نسبة الإحياء إلى الاكتحال بالطّلعة أي الرؤية نسبة إلى غير ما هو له ، وإنّه مجاز في الكلمة أيضا ، حيث إنّه الإحياء بمعنى السّرور يعني سرّني رؤيتي وجهك.

أقول : لا يخفى أنّه لا يجمع المجازية من جهتين في كلمة واحدة في المثال المذكور ، لأنّه إذا كان الإحياء بمعنى السّرور فنسبته إلى الرّؤية حقيقة قطعا ، فهو مجاز في المفرد فقط ، وإن كان مستعملا في معناه الحقيقيّ ، فهو مجاز في النسبة فقط ، فأين هذا من كونه مجازا من جهتين ، وكيف كان ، فالتمثيل ليس بمهمّ.

التقسيم الثالث ، أعني سبب المجازية : فينقسم بهذا الاعتبار إلى المجاز بالحذف ، وإلى المجاز بالزّيادة ، وإلى المجاز بالنقل ، فإنّ سبب المجازيّة ، إمّا الحذف ، كما في الإضمار ، مثاله قوله تعالى ( اسأل القرية ) (١) حيث إنّ مجازيته من إسناد الشيء إلى غير من هو له ، بسبب حذف الأهل ، وأمّا الزّيادة كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) (٢) حيث إنّه مجاز بسبب زيادة الكاف حيث انّها غير محتاج إليها ، إذ ليس الغرض التّشبيه بمثل مثله ، بل الغرض نفي المثل.

وأما المجاز بالنقل ، فهو كلّ كلمة مستعملة في خلاف ما وضعت له ، ووجه تسميته بذلك أنّ استعمال الكلمة في خلاف ما وضعت له نوع نقل لها عن محلّها إلى غيره ، فكان المعنى الأصلي هو محلّ للكلمة الموضوعة له ، فاستعمالها في غيره نقل لها عن محلّها إلى غيره.

ثم إنّه قد يستشكل في هذا التقسيم بعدم كونه حاصرا ، حيث إنّ استعمال اللّفظ في معنييه الحقيقي والمجازيّ معا ، وكذا استعمال المشترك في أزيد من معنى ، وكذا التضمين كلّها مجازات على المشهور ، مع أنّ مجازيّتها ليست بأحد الأسباب المذكورة.

لكنه مدفوع بأنّها داخلة في القسم الأخير لوجهين :

أحدهما أنّ اللّفظ في الأمثلة المذكورة ، وإن لم ينقل عن ذات المعنى الأصليّ إلى غيره ، بل مستعمل فيه ، ولو مع استعماله في غيره أيضا ، إلاّ أنّه منقول عن الموضوع له بوصف كونه موضوعا له ، حيث إنّه لم يكن ذات المعنى الأصلي لا بشرط ، بل هي مع

__________________

(١) سورة يوسف : آية ، ٨٢

(٢) سورة الشورى : آية ، ١١

٢٢٧

انضمام قيد الوحدة فاستعمال اللّفظ فيه ـ وفي غيره معا ـ ينافي الوحدة ، فيلزم الخروج ، ونقله عن محلّه ، فتأمل.

وثانيهما : انّ المجاز تارة يطلق ويراد منه الكلمة المستعملة في خلاف ما وضعت له ، كما أنّ الحقيقة قد تطلق ويراد منها مقابل ذلك.

وتارة يطلق ويراد منه اللّفظ المستعمل على خلاف المتعارف كإطلاق الحقيقة على ما يقابله ـ كما مرّ بيانه سابقا ـ والمقسم في كل من التقسيمات الثلاثة إنّما هو المجاز بإطلاقه الثاني ، وإلاّ لما صحّ تقسيمه إلى المفرد والمركب ، حيث إنّ المركب ليس من أقسام المجاز بالمعنى الأول ، بل قسيم له ، وكذا ما صحّ إلى المجاز بالزيادة ، أو النقيصة ، لأنهما خارجان عن المجاز بالمعنى الأول ، فحينئذ يدخل الأمثلة المذكورة في المقسم ، هكذا قال ( دام عمره ).

أقول : لا يخفى ما فيه لأنّ المستشكل سلم دخولها في المقسم ، واستشكاله في عدم دخولها في أحد الأقسام الثلاثة ، وهذا البيان لا يقتضي دخولها في أحدها فيبقى الإشكال على حاله ، وإنّي أشرت إلى ما فيه لكنه ( دام عمره ) طفر عن جوابه ، ودخل في مطلب آخر.

وكيف كان ، فالإشكال في محلّه ، والوجه الأوّل أيضا غير سديد لأنّ الوحدة ليست جزء من الموضوع له.

فإنّ قيل : إنّ الأمثلة المذكورة لمّا كانت خارجة عن النّحو المتعارف ، فهي منقولة بهذا الاعتبار عمّا ينبغي أن تكون عليه إلى غيره ، فتدخل في القسم الثالث.

قلنا : فعلى هذا يصير الأقسام الثلاثة كلّها مجازات بالنقل ، ولا يختص الاسم بالأخير ، لأنّ القسمين الأوّلين أيضا مجازان بهذا المعنى.

وكيف كان ، فهذا هو معنى المقسم بين الثلاثة ، فلا يجوز انقسامه إلى نفسه وإلى غيره.

فإن قيل : إنّ التقسيم مبنيّ على أنّ استعمال اللّفظ في المعنى المجازي والحقيقي ليس بمجاز ، بل مجاز وحقيقة معا ، فالمثال الأوّل باعتبار استعماله في خلاف ما وضع له مجاز بالنّقل ، فداخل في القسم الأخير ، وعلى أنّ استعمال اللّفظ المشترك في أكثر من معنى حقيقة ، فيخرج المثال الثاني عن المقسم ، فلا إشكال ، وعلى أنّ التضمين حقيقة ، فيخرج عن المقسم.

٢٢٨

قلنا : الّذي قسم المجاز إلى تلك الأقسام هو السيد العميدي (١) (قدس سره) وهو معترف بمجازية المثالين الأولين.

نعم لا يرد الإشكال بالنسبة إلى الأخير ، حيث إنه لم يعلم منه اختيار كون التضمين مجازا ، فلعلّه حقيقة عنده ، كما هو الظّاهر عندي أيضا وفاقا لبعض المحققين.

أصل : لا كلام ، ولا شبهة في ثبوت الحقيقة اللغوية ، وإنما النزاع في موضعين :

الأوّل : ثبوت الحقيقة العرفية العامّة ، فقد منعها بعض الأخباريين محتجّا باستحالة اتفاق كافة العرف العام على وضع لفظ لمعنى عادة ، وليس بجيد ، لأنه إن كان مراده السّلب الكلي ، ففساده أوضح من أنّ يذكر ، إذ لا يجري ما ذكره في الحقائق العرفية التي صارت كذلك بواسطة غلبة الاستعمالات المجازية ، لأنها لا تحتاج إلى اجتماع العرف جميعا ، بل ، ولا إلى اتفاق طائفة منهم ، بل يتوقف على استعمالاتهم المجازية الآئلة إلى حصول العلقة بين اللّفظ ، وبين المعنى الجديد.

هذا مضافا إلى وقوع بعض الأمثلة منها ، كلفظ الدّابة والقارورة وغيرهما.

وإن كان مراده السّلب الجزئي ـ أعني نفي الحقيقة العرفية من جهة الوضع التعيّني.

ففيه : أنه لا يجب في ثبوت الحقيقة العرفية بالوضع التعييني اجتماع كافة العرب ، بل يكفي فيه أنّ يعيّن رئيسهم لفظا بإزاء معنى من المعاني ويتبعه الباقون في الاستعمال.

وكيف كان ، فدعوى الاستحالة محتجا بما ذكر لا وجه لها ، لعدم الحاجة إلى ما

__________________

(١) منية اللبيب مخطوط في ذيل قول العلامة في التهذيب البحث الخامس في أقسام المجاز وإليك نصّه : واعلم أنّ المجاز ينقسم تارة باعتبار ما يقع فيه التجوّز ، وتارة باعتبار ما به يقع التجوّز من المتكلّم ، أمّا الأوّل ، فنقول : التجوّز إمّا أن يقع في مفردات الألفاظ ، وإمّا أن يقع في تركيبها ، وإمّا أنّ يقع فيهما معا ، والأوّل كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع ، والحمار على البليد ، والثاني مثل ( طلعت الشمس ، وأخرجت الأرض أثقالها ) وقول الشاعر .... والتجوّز إنّما هو في التركيب ، وهو اسناد الطلوع إلى الشمس ، والإخراج إلى الأرض .... وأمّا الثالث ، فكقوله أحياني اكتحالي بطلعتك ، فان كل واحد من هذه الألفاظ لم يرد منه حقيقة ... إلاّ أنّ المجاز في هذه المفردات وضعيّ ، وفي التركيب عقليّ لما عرفت ، وأمّا الثاني ، وهو التقسيم العارض للمجاز باعتبار ما به يقع التجوّز من المتكلّم ، فهو إمّا للزّيادة ، وهو أن يضيف إلى الكلمة ما لولاه لكانت جارية على حقيقتها كقوله تعالى « ليس كمثله شيء ... » وإمّا النقصان وهو أن يحذف عن الكلمة ما لو كان مضافا إليها لكانت جارية على حقيقتها ، كقوله تعالى « واسأل القرية » فانّه لو قيل واسأل أهل القرية لجرت الكلمة على حقيقتها ، وأمّا على هذا النقصان فيجب حمل لفظ القرية على المجاز.

٢٢٩

ذكر ، فإن كان ولا بد من المنع ، فليمنع من الوقوع لا الإمكان.

ثم إنّه قد وقع النّزاع بينهم في مسائل خاصة في كونها حقائق عرفية.

منها : نسبة الأحكام إلى الذوات ، كقوله تعالى « حرمت عليكم أمهاتكم » فقد ادّعي كونها حقائق في نسبتها إلى أظهر أوصاف تلك الذوات ، كالوطء في المثال المذكور ، وكالأكل في قوله تعالى « حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ».

وتظهر الثمرة بين القولين عند تجردها عن قرينة المراد ، فعلى القول بكونها حقائق عرفية فيما ذكر ، فمحمولة عليه ، فلا إجمال في أمثال تلك الخطابات ، وعلى القول الآخر ـ أعني عدم ثبوت كونها حقائق عرفية ـ فيأتي فيها ما يأتي في المجاز المشهور ، لأنها منه ، حيث إنّ استعمالها في نسبتها إلى أظهر الأوصاف ، وهو الفعل المناسب للذات شائع ، بحيث صارت من المجازات المشهورة ، فهي حينئذ مجملة على المشهور ، ومحمولة على هذا المعنى المجازي الشائع على قول أبي يونس ، وأما على قول أبي حنيفة ، فلا ريب أنّه لا بد من الحكم بالإجمال في خصوص تلك الأمثلة ، حيث إن حملها على حقيقتها ، وهو نسبتها إلى نفس الذوات متعذر لعدم صلاحيتها بنفسها لتلك الأحكام.

وكيف كان ، فثمرة القولين ظاهرة على قول المشهور ، وعلى قول أبي حنيفة ، وأما على قول أبي يونس ، فلا ، حيث أنه موافق في النتيجة مع القول بكون تلك الأمثلة حقائق عرفية فيما ذكر.

ثم الأظهر عدم ثبوت كونها حقائق عرفية فيما ذكر ، والظاهر حينئذ أيضا عدم دخولها في مسألة المجاز المشهور ، حيث ما عرفت في محله أنّ النزاع فيها فيما إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على حقيقته ، وبين حمله على معناه المجازي المشهور ، ولا ريب أن الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك ، لأن عدم إرادة المعنى الحقيقي هنا معلوم ، وهو حملها على نفس الذوات ، وإنما الدوران بين نفس المجازات ، فالأمر دائر فيها بين حملها على أظهر الأوصاف ، وبين حملها على جميع الأوصاف ، والأفعال المتعلقة بالذوات ، كما في حديث الرفع.

فعلى عدم كونها حقائق عرفية ، فالحق أنّ الكلام فيها هو الكلام في حديث الرفع ، وأنّها من هذا الباب ، وضابط هذا الباب قيام القرينة على عدم إرادة الحقيقة ، وحصول الدوران بين المجازات.

ولا يخفى أن الحكم حينئذ الحمل على أقربها ، لو كان أحدها أقرب ، فحينئذ

٢٣٠

لا بد من حمل تلك الأمثلة على أقرب المجازات ، إلا أن يدور الأمر فيها من جهة أخرى ، وهي أنه أقرب المجازات ـ اعتبارا ـ هو حملها على جميع الأوصاف والأفعال ، وأقربها استعمالا هو الفعل المناسب ، فيدور الأمر بينهما.

لكن الحق هو حملها على الفعل المناسب الظاهر من بين الأفعال فإن الّذي يوجب ظهور اللفظ بعد قيام القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي هو غلبه الاستعمال ، لا الاعتبار ، فعلى هذا القول في حديث الرفع يكون المراد رفع المؤاخذة ، لا جميع الآثار ، كالقضاء ، والإعادة ، والضمان مثلا ، فعلى ما حققنا لا ثمرة بين القولين ، إذ على عدم ثبوت الحقيقة العرفية في الأمثلة المذكورة هي محمولة على نسبتها إلى الفعل المناسب الظاهر.

ومنها : خصوص لفظ الأمّ ، حيث أنّه لغة موضوع لمطلق ما يلد ، إلاّ أن استعماله في العرف سائغ في الإنسان ، فقد يدعى كونه من الحقائق العرفية في خصوص من يلد من الإنسان.

وتظهر الثمرة في الحديث الّذي جاء في كراهة تفريق الأولاد عن الأمهات ، فعلى ما يدعى ، فهو محمول على بيان كراهة التفريق بين الأولاد والأمهات من خصوص الإنسان ، فيستدل به لذلك ، وعلى الاحتمال الآخر ، فلا يختص الاستدلال به في إثبات الحكم في خصوص الإنسان ، بل يكون بإطلاقه دليلا عليه مطلقا.

هذا ، وأقول : الأقوى حينئذ انصرافه إلى الأمهات من الإنسان ، لأنها الشائع في استعمال الأم ، فيكون دليلا للحكم في خصوص الإنسان إلا على الاحتمالين.

ومنها : ألفاظ المقادير والكميات ، فإنها موضوعة لغة للمقادير المعينة الغير القابلة للزيادة والنقصان ، ولو بيسير ، لكن العرف يتسامحون في إطلاقها على المقادير الناقصة أو الزائدة ، بالنسبة إلى ما وضعت لها لغة من المقادير المعينة ، إذا لم يبلغ الزيادة والنقصان إلى حد لا يجوز التسامح.

وبعبارة أخرى إذا لم تكونا فاحشتين ، فهل استعمالها في المسامحات العرفية حقيقة أو مجاز ، وعلى الأول ، فهل ذلك بوضع جديد لها في العرف ، فيما ذكر تعيينا بأن تكون مرتجلة أو تعينا بغلبة الاستعمال ، أو بوضع قديم لها في اللغة ، بأن تكون مشتركة لفظا بين المقادير المعينة ، وبين ما ينقص منها أو يزيد بيسير ، ومعنى بأن تكون موضوعة للقدر المشترك بين الزائد والناقص احتمالات.

٢٣١

والتحقيق في المقام أن المقادير المنفصلة ، وهي أسماء العدد لم يثبت فيها هذا التسامح ، بل المعلوم جريان استعمال العرف لها على طبق ما وضعت لها من مراتب العدد.

وأما المتصلة ، وهي الألفاظ الموضوعة لمقادير لم يلحظ فيها التعدد ، بل الملحوظ فيها أجزاء مجتمعة بهيئة الاجتماع ، كلفظ ( المن ، والقفيز ) ونحوهما من الألفاظ الموضوعة لمقدار خاص من المكيلات والموزونات ، وكلفظ ( الفرسخ والميل والشبر والقدم ) ونحوها من الألفاظ الموضوعة لمقدار خاص من المساحات ، فالذي نراه من عمل العلماء فيما إذا وقعت تلك الألفاظ في حيّز الحكم الشرعي ، وصارت موضوعة له أنهم يعملون فيها الدقة الحكمية ، بحيث لا يجوزون التسامح ولو بيسير ، غايته كما في مسألة القصر ، حيث إنه منوط في الأدلة الشرعية بثمانية فراسخ ، ونراهم أنه لو نقص منها شبر ، لا يحكمون بتعين التقصير.

وكيف كان فالمعلوم من حالهم أنهم يلاحظون بالدقائق الحكمية فيها.

والّذي يظهر من الإطلاقات العرفية التسامح بما لا يعتد به ، ألا ترى أنه لو قال أحد : مشيت فرسخا ، وكان المقدار الممشي عليه أقل من فرسخ بمائة قدم ، لا يكذبه العرف حينئذ ، بل يصدقونه مع أن العلماء لا يغتفر عندهم شبر في الزيادة والنقصان فيما إذا وقع الفرسخ في حيّز الحكم الشرعي.

وبالجملة فعمل العلماء مناف للإطلاقات العرفية ، وكون تلك الألفاظ حقائق عرفية في تلك المسامحات ، كان يقتضي أن يكون عمل العلماء على طبقها ، حيث إنّه إذا وقع التعارض بين حمل اللفظ في الخطابات الشرعية على معناه اللغوي ، وبين حمله على معناه العرفي ، فالأصل حمله على الثاني ، كما سنتلوا عليك في مبحث تعارض العرف واللغة.

ويمكن التوفيق بينهما بوجوه :

أحدها : التزام كون تلك الألفاظ منقولة من معانيها اللغوية إلى القدر المشترك بين الزائد والناقص الّذي يقبل هذا التسامح ، لكن مصير العلماء إلى معانيها اللغوية ، إنما هو بسبب قيام قرينة عامة عندهم على إرادة المعاني اللغوية في الخطابات الشرعية من إجماع ونحوه.

وثانيها : التزام كونها مشتركة لفظا لغة بين المعاني المذكورة وبين الزائد

٢٣٢

والناقص ، وإنما حمل العلماء لها على الأول في الخطابات الشرعية لأجل قرينة عامة.

وثالثها : التزام كونها مشتركة لفظا عرفا ، بحيث يبقى وضعها على المعاني المذكورة ، لكن لا كسائر المشتركات ، بل بنحو ما نختاره في ألفاظ العبادات ، من كونها بحيث يكون بعض معانيها أظهر من غيره عند الإطلاق ، ومصير العلماء إلى حملها على المعاني المذكورة ، لكونها أظهر من القدر المشترك.

ورابعها : التزام كونها مجازات في الزائد والناقص ، فيكون مصير العلماء إلى ما ذكر بحسب القاعدة ، وهي حمل اللفظ على حقيقته عند الإطلاق والتجرد عن قرينة المجاز.

وخامسها : منع استعمالها في العرف في هذه التسامحات ، بل هي مستعملة عندهم أيضا في المعاني المذكورة ، لكن إطلاقهم لها فيما إذا زادت أو نقصت بيسير ، إنما هو لأجل التصرف في أمر عقلي ، وادعاء كون هذا الزائد أو الناقص بيسير هو المعنى الحقيقي ، فإطلاقهم لها عليه إنما هو بعد هذا التصرف.

وكيف كان ، فطائفة من الاستعمالات الحقيقية بحيث لا يكون مورد الاستعمال فيها هو المعنى الحقيقي حقيقة ، مع أنها استعمالات حقيقية بمعنى أنّ المراد منها مورد الاستعمال بعنوان كونه هو المعنى الحقيقي ، وهذا الاستعمال حقيقة قطعا ، والاستعمال من باب الحقيقة الادعائية من هذه الطائفة نظير استعمال اللفظ في معنى بعنوان كونه حقيقة مع اعتقاد كونه هو فتبين أنه غيره.

إذا عرفت هذه ، فاعلم أن الأظهر هو الوجه الأخير.

أمّا بطلان الأول : فلأصالة عدم النقل مضافا إلى الدليل على عدمه ، وهو عدم صحة سلب تلك الألفاظ عما وضعت له لغة.

وأما بطلان الباقي : فلأصالة عدمها ، فإنّها بأسرها مخالفة للأصل لا يصار إليه إلا لدليل ، ولم يقم دليل على واحد منها.

هذا مضافا إلى الدليل على عدمها ، وهو صحة الاستثناء مطردا من تلك الألفاظ ، فإنّها علامة لكون المستثنى منه موضوعا لعام أفرادي أو أجزائي ، ولما لم يكن المقادير من العام الأفرادي ، فهي دليل على كون تلك الألفاظ حقيقة في معنى مركب ذي أجزاء يشمل ما يستثنى منه ، فإذا قيل عندي رطل إلا مثقالا ، فهي دليل على كون الرطل موضوعا لما يتضمن هذا المثقال أيضا ، فيتعين بصحة الاستثناء عرفا كون تلك

٢٣٣

الألفاظ باقية على معانيها اللغوية ومستعملة فيها عرفا أيضا.

وبهذه يندفع الوجه الأول أيضا.

نعم لا يجوز التمسك بصحة الاستثناء على نفى الوجه الثاني على القول بكون المشترك عاما لجميع معانيه ، كما هو مذهب بعض ، ولعله الحاجبي أو العضدي ، ولا على نفي الوجه الأول ، على قول سيبويه ، حيث إنّه يجوّز الاستثناء من المشتركات المعنوية التي هي العمومات البدلية.

لكن هذان القولان على خلاف التحقيق ، مع أنه يرد على الوجه الأول : أنّه لا يعقل القدر الجامع بين الزائد والناقص ، فلا يعقل كون تلك الألفاظ حقيقة عرفا في القدر المشترك.

القول في الحقيقة الشرعية : وتحقيقه يتوقف على رسم مقدمة ، ومقامات : أما المقدمة ففي تعريفها :

فاعلم أنّ لها حدودا عديدة ، وتعاريف شتى من العامة والخاصة ، فلنقتصر من كل منهما بواحد حذرا من الإطناب الممل ، والإيجاز المخل : فأجود ما من العامة ـ ما ذكره الفاضل الباغنوي (١) : ( من أنّها هو اللّفظ المستعمل في وضع أوّل شرعيّ ).

وفيه من العيب ما لا يخفى من وجوه :

الأول : أنّ وظيفة التحديد إذا كان المحدود نوعا بيان الجنس إجمالا منضمّا إلى فصل يميّزه عما عداه من الأنواع ، بأن يكون تحديد النّوع بعد الفراغ عن معرفة الجنس في الخارج ، فيشار بذكر الجنس إجمالا إلى أن جزء هذا النوع هو الجنس المعلوم مفصّلا في الخارج ، كما في تعريف الإنسان حيث تقول : إنه حيوان ناطق ، وهكذا في غيره ، وهو كما ترى قد خالف تلك الوظيفة ، حيث عبّر عن الجنس الّذي هو مطلق الحقيقة بتعريفه تفصيلا ، فتأمل.

الثاني : انه لا بد أن يكون المعرّف أجلى دلالة من لفظ المعرف بالفتح ، لتحصيل الغرض من التعريف ، ولا ريب أنّ المفهوم من الحد المذكور عرفا مساو للّفظ المحدود ، وهو الحقيقة الشرعية ، من حيث وضوح الدلالة ، وخفائها ، فإنّ قوله : هو اللفظ

__________________

(١) وهو صاحب الحاشية على شرح المختصر للعضدي المعروف بـ ( ملاّ ميرزا جان ) وإليك لفظه : والحقيقة الشرعية على ما مرّ إليه الإشارة هي اللّفظ المستعمل في وضع أوّل هو الوضع الشرعيّ ، والمراد بالوضع الشرعي أن الواضع هو الشارع لا المتشرّعة من الفقهاء والمتكلّمين والأصوليّين ، ويرادفه الاسم الشرعيّ.

٢٣٤

المستعمل في وضع أوّل مساو للفظ الحقيقة ، وقوله : شرعي مساو للفظ الشرعية ، من حيث وضوح الدّلالة وخفائها ، نعم الفرق بين الأولين بالإيجاز والإطناب ، فحينئذ يرد عليه أنّ العدول عن الأوّل إلى الثاني مع تساوي دلالتهما من أقبح المعايب ، فتأمل.

الثالث : انه لا بد أن يكون الفصل بحيث يميّز المحدود عما عداه ، وقوله : ( شرعي ) أعم منه ، حيث إنّ المراد به ما كان مسببا من فعل الشارع ، والمفهوم من قوله المذكور عرفا ، أعم منه لصحة إطلاقه على الحقيقة المتشرعية ، فانه يصح إطلاق الشّرعي على ما كان مسببا منهم ، ومن فعلهم ، من حيث كونهم متشرعين.

الرابع : انّ الوضع ظاهر في التعييني ، فيختص الحدّ بالمنقولات الشرعية التعينية ، مع أنّ المحدود أعم منها ، وهو من أفضح الفساد في التعاريف.

اللهم إلاّ أن يدّعى نقله إلى الأعم ، وهو نفس العلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى ، سواء كانت مسببة من فعل الواضع ، أو من غلبة الاستعمالات ولا يبعد.

الخامس : انّ قوله ( أوّل ) الظّاهر منه عدم كون الوضع مسبوقا بوضع آخر ، كما مرّ في مبحث الحقيقة والمجاز في كلام العضدي (١) ، حيث إنّه عرّف الحقيقة بأنه اللّفظ المستعمل في وضع أول ، ولا مرية أنّ حمله عليه هنا موجب لخروج المحدود بجميع أفراده من الحدّ ، حيث إنّه لا حقيقة شرعية إلاّ أنّه مسبوق بوضع لغويّ ، وإن حمل على عدم ملاحظة سبق وضع عليه ، فمع أنّه خلاف الظّاهر بلا قرينة تدلّ عليه موجب لخروج المنقولات الشرعيّة تعيينا أو تعينا من الحدّ ، مع أنّ كلّ أفراد المحدود الموجودة في الخارج أو جلّها منها.

اللهم إلا أن يراد به الأوّل بحسب الرتبة ، وهو الوضع الحقيقي المقابل لوضع المجازات ، فيندفع الإشكال المذكور ، فانه يقال لوضع المجازات ، إنه وضع ثانوي فبمقابلته لوضع الحقائق يصير ذلك ـ أوليّا ـ أي متقدما عليه من حيث الرتبة ـ ولعله هو المراد ، وكأنه أظهر بقرينة المقام ، وإن كان لفظ الأول متساوي الدلالة السّببيّة إلى التقدمات الأربعة الزماني ، والمكاني ، والشرقي ، والرتبي المعبر عنه بالذاتي.

السادس : انّ كلمة ( في ) إمّا مختصة بالظّرفية أو مشتركة بينها وبين السببيّة ،

__________________

(١) شرح المختصر للعضدي مخطوط في تعريف الحقيقة وإليك لفظه : وفي الاصطلاح اللفظ المستعمل في وضع أوّل أي بحسب وضع أوّل ، كما يقال : هذا يستعمل في وضع الشرع أو وضع اللغة لكذا.

٢٣٥

على التقديرين لا بدّ أن يراد بها السّببية ، فحينئذ يرد على الأوّل أنّه أراد المجاز في التّعريف بلا قرينة ، وعلى الثاني أنّه أراد المشترك بدونها ، وكلاهما باطل ، فتأمل.

هذا مع أنّه يلزم مجاز آخر على التقديرين ، وهو إضمار مفعول ثان للاستعمال ، وهو المستعمل فيه ، فيكون التقدير هو اللّفظ المستعمل في معنى في وضع ... إلى آخره.

ثم إنّ مرجع الوجه الثاني إلى آخر الوجوه المذكورة إلى عدم صراحة التعريف في الدّلالة على المراد ، مع اهتمامهم بها في الحدود ، كاهتمامهم بها في العقود.

وقد يورد على طرد الحد بدخول الأعلام الشخصية التي وضعها الشارع.

ويدفعه ظهور اعتبار الحيثية في الحد ، ولا مرية أن وضع الشّارع للأعلام الشخصية ليس من حيث كونه شارعا ، فتأمل (١).

ثم إنّه يرد على أخذ الأوّلية في التعريف بالمعنى الّذي ذكرنا ـ أعني التقدم الرتبي ـ أنّ مقتضاه حمل وضع المجازات الشرعية وضعا ثانويا شرعيا بمقتضى المقابلة ، ليس بجيّد ، فانّ وضع المجازات إنّما هو عبارة عن ترخيص استعمالها ، وهو بيد العرف ، وليس من قبل الواضع في أيّ لغة واصطلاح. ومدار النسبة في المجازات على حقائقها ، فكل مجاز يكون حقيقة المجوز عنها لغوية ، يكون ذلك المجاز لغويا ، أو شرعية ، فيكون شرعيا ، لا على واضعها ، ومرخص استعمالها ، وما يقال من أنّ وضع المجازات وضع ثانوي ، يريدون به الثانوي بقول مطلق ، لا الثانوي اللغوي أو يعمّمون اللّغوي ، بحيث يشمل أهل العرف أيضا هذا ما عن العامة.

وأما الخاصّة ـ حفّهم الله تعالى برضوانه ـ فأسلم ما [ ورد ] منهم المذكور في محكي النهاية (٢) من أنها ( هو اللّفظ المستعمل شرعا فيما وضع له في ذلك الاصطلاح وضعا ).

ولا يخفى ما فيه أيضا ، فإنّ الظاهر منه أن قوله ( شرعا ) قيد للاستعمال ، فيرد عليه حينئذ أنه إن كان المراد خصوص الشارع على ما هو الظاهر منه فيختل التعريف طردا وعكسا.

__________________

(١) في هامش المخطوط :

( ويظهر وجهه مما يأتي في تعريف المجاز )

(٢) نهاية الوصول إلى علم الأصول مخطوط ، ٢٨ ، وإليك نصّه : البحث الثالث : في الحقيقة الشرعية ، وهي اللفظة المستعملة شرعا فيما وضعت له في ذلك الاصطلاح وضعا أولا سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة أو معلومين لكنّهم لم يضعوا اللفظ بإزاء ذلك المعنى أو كان أحدهما معلوما والآخر مجهولا ، قد وقع الاتفاق على إمكانها وإنما النزاع في وقوعها إلخ.

٢٣٦

أما الأول ، فلدخول الحقائق اللغوية أو العرفية المستعملة في لسان الشارع فيه ، إلا أن قيد ذلك الاصطلاح يخرجها ، فإنّ استعماله إياها حينئذ ليس على اصطلاحه ، بل تبع فيه العرف أو اللغة.

فأما الثاني ، فلخروج الحقائق الشرعية بأسرها ، إذا استعملها غيره.

وإن كان المراد به الأعم الشامل للمتشرعة أيضا ، فكذلك لانتقاضه عكسا بالحقائق الشرعية التي استعملها غير المتشرعة من فرق الكفار.

وكيف كان ، إن يجعل المدار في نسبة الحقيقة حال المستعمل لم ندر له فائدة ، مضافا إلى ما يلزمه من الفساد كما عرفت.

وكيف ما كان ، فالأجود أن تعرّف بأنها ( اللفظ المستعمل في معنى كلي تعين له من قبل الشارع في زمانه ).

وتقييد المعنى بكونه كليّا لإخراج الأعلام الشخصية التي وضعها الشارع ، كأسمائهم عليهم السلام فإنّ اعتبار الحيثية لا يوجب خروجها مطلقا ، وإن كان مخرجا لبعضها ، كالحسن والحسين عليهما السلام وأمثاله ، لكنه لا يخرج مثل لفظ أمير المؤمنين ، فإنّه موضوع له عليه السلام من حيث الشرعية فان النبي صلى الله عليه وآله أمر الناس بأن يدعوه بهذا الاسم مريدا به أن منصب علي هذا ، فكان غرضه صلى الله عليه وآله من ذلك تسميته عليه السلام بهذا الاسم تعظيما له وتنبيها على أنه عليه السلام أميرهم يجب اتباعه فجهة الشرعية لو لم تكن أقوى في هذا الاسم من الحقائق الشرعية الموضوعة للأجناس لم تكن أقل.

والمراد من قولنا من قبل الشارع أعم من أن يكون مسببا من فعله نفسه تعيينا أو تعينا ، فيدخل في الحد ما كان تعينه بسبب غلبة استعمالات تابعي الشارع تبعا له ، فحاصل المراد : أنّه ما كان تعينه من نفس الشارع أو من أحد تابعيه أو جميعهم تبعا لاستعمال الشارع للفظ مجازا ، بحيث حصلت العلقة باستعمالاتهم كذلك في زمان الشارع.

ومن هنا ظهر أن المدار في النسبة في الحقائق على حيث التعيين وجهته ، لا [ على ] ما عرفت من العلامة (قدس سره) نفسه.

وقولنا في زمانه فصل مخرج للحقائق المتشرعية حيث إنها من قبل الشارع بالمعنى الأعم ، إلا أنها ليست في زمانه.

٢٣٧

ثم إن الحقيقة الشرعية ، لما كانت منسوبة إلى الشارع ، كما هو قضية حدها ، فينبغي الإشارة إلى معناه :

فنقول : إن الشارع مشتق من الشرع ، وهو في الأصل الطريق الحسي الّذي يمرّ عليه ، وفي الاصطلاح : هو الدين وطريق عبادته سبحانه تعالى فهو منقول من الطريق الحسي إلى المعنوي ، فإنّ الدّين لما كان معناه طريق العبادة والإطاعة ، فهو طريق معنى.

وأما الشارع ، فالمحكي عن صريح بعضهم هو النبي صلى الله عليه وآله ، بل حكي نسبة بعض الأفاضل إياه إلى ظاهر كلام القوم. والمحكي عن بعض أنه حقيقة عرفية فيه صلى الله عليه وآله ، والظاهر أنّ مراده أنّ لفظ الشارع حيث إنه على زنة الفاعل بحسب وضعه الهيئي ظاهر في الله تعالى ، كما فهمه الشيخ محمد تقي (قدس سره) فيكون معناه جاعل الشرع أي الدين ، وهو الله سبحانه ، لا غير ، بناء على بطلان التفويض كلية ، أو في الجملة أيضا ، بناء على عدم كفاية اتصافه صلى الله عليه وآله بالمبدإ في الجملة في صدق الاسم عليه ، مع القول بالتفويض في الجملة.

ويؤيد كونه هو الله قوله تعالى ( لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) (١) وقوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا ) (٢) الآية وورود الشارع في أسمائه تعالى.

لكن هذا لا ينفي جواز استعماله في النبي صلى الله عليه وآله أيضا ، بل تدل على بطلان التفويض كلية ، وعلى بطلان انحصار إطلاقه عليه صلى الله عليه وآله.

وقد يتخيل أن معنى الشارع هو مبين الشرع ، بمقتضى الوضع الهيئي استنادا إلى أن شرع في الأصل بمعنى سنّ ، وهو بمعنى بيّن ، كما في القاموس ، وزنة الفاعل يقتضي تلبّس الذات واتصافها بالمبدإ ، فإذا صار المبدأ معناه التّبيين ، فيكون معنى الشارع بمقتضى الهيئة حينئذ هو المبيّن ، وهو النبيّ صلّى الله عليه وآله.

وفيه أوّلا : منع كون شرع بمعنى بيّن ، ومجيء سنّ بمعناه لا تستلزمه.

وثانيا : انّ مادّة الشرع منقولة من المعنى اللغوي إلى الدين كما أشرنا إليه ، فالذي ذكره على تسليمه ، إنما هو مقتضى وضعه اللغوي لا الاصطلاحي.

وثالثا : انه لا مرية أنه على فرض تسليمه لا يختص بالنبي صلى الله عليه وآله ، بل على الأئمة عليهم السلام أيضا ، فإنهم أيضا مبيّنون للشرع ، وهو باطل إجماعا ، فالملزوم

__________________

(١) سورة المائدة : آية ، ٤٨.

(٢) سورة الشورى : آية ، ١٣.

٢٣٨

كذلك ، بل يجري في العلماء أيضا ، وهو من أفضح الأغلاط ، اللهم إلاّ أن يراد به المبين للشرع من أوّل الأمر بعد عدم ظهوره رأسا.

وكيف كان ، فالحق ما أشرنا إليه من كون الشرع منقولا ، ثم الحق صدق الشارع من حيث وضعه الهيئي على الله تعالى ، وعلى نبيه صلى الله عليه وآله كليهما حقيقة.

وذلك لأن زنة الفاعل موضوعة للدّلالة على الذات المتلبسة بالمبدإ ، ولا ريب أن التلبس به يختلف باختلاف موارد المشتقات ، ففي بعضها بعنوان الإيجاد والجعل ، وفي آخر بعنوان الملكة ، وفي ثالث بعدم الإعراض ، وفي رابع بعنوان الاستصحاب ، وغير ذلك ، وما نحن فيه من الرابع ، فالشارع هو صاحب الشرع أي الدين وهو أعم ، فافهم.

ثم إنه يلزم [ من ] اختصاص الشارع به سبحانه تعالى ، أحد المحذورين في حد الحقيقة الشرعية ، إمّا ارتكاب المجاز بحمله على الأعم ، أو التزام خروج الحقائق الشرعية النبويّة من المحدود ، وكلاهما باطل.

أمّا الأول فواضح ، وأمّا الثاني فللإجماع على دخولها فيه ، بل الحق ان الحقيقة الشرعية بأسرها من غيره سبحانه تعالى ، فإنّ غاية ما وصل منه تعالى هي استعمالات تلك الألفاظ ، ولا ريب أنه لا يتحقق الحقيقة بالاستعمال مرة ، أمّا تعينا ، فواضح ، لتوقفه على غلبة الاستعمالات بلا قرينة متصلة ، وأمّا تعيينا [ فلأنّ ] ما اقترنت به تلك الاستعمالات إنما هي قرينة المراد ، وأمّا القرينة على وضعه تعالى تلك الألفاظ لتلك المعاني ، فمما نقطع بعدمها.

وأمّا على اختصاصه به صلى الله عليه وآله ، وإن لم يلزم محذور ، حيث إن الاستعمالات القرآنية ليست حقائق شرعية ، بل هي مجازات لغوية ، وإنها ثبتت في لسان النبي صلى الله عليه وآله ، ومن بعده من الأئمة عليهم السلام على قول ، إلاّ أنّ أصل الاختصاص ممنوع جدا ، فالأجود ما اخترناه من التعميم ، وعليه أيضا لا يرد شيء من المحذورين.

هذا إذا قلنا بأن الشرع عبارة عن الأحكام الواقعية المجعولة من الله سبحانه تعالى ، بمعنى أنّ صيرورتها شرعا لا يتوقف على تبليغها إلى العباد ، وإلاّ فإن بنينا على مدخلية ذلك في اتصافها بكونها شرعا ، كما هو الظاهر ، حيث إنّه منقول عن الطريق

٢٣٩

الحسي إلى المعنوي ، الّذي هو الدّين ، وهو لا يكون طريقا إلاّ بعد وصوله إلى العباد ، فنحن مستريحون عن المناقشات طردا ، لصحّة إطلاق الشارع على الله تعالى وعلى النبيّ صلى الله عليه وآله حقيقة ، وذلك لأن معنى الشرع حينئذ هو الحكم المجعول البالغ إلى العباد ، فله جزء ان الجعل ، والبلوغ ، والأول من فعل الله سبحانه ، والثاني من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله ، فيصح نسبة هذا المركب إلى كلّ واحد من موجدي جزئيه.

لا يقال : إنّ الأفعال مستندة إلى الجزء الأخير من العلة كما في الإحراق. فإنّه لا يقال الجامع الحطب أنّه محرق بل يطلق على ملقي النار خاصة وهكذا فيما نحن فيه فلا بد ان يطلق الشارع على النبيّ خاصة.

لأنّا نقول : هذا في الأفعال التوليدية ، وأما في المركبات فالحق ما ذكرنا ، كما في بناء الدار ، إذا بناها بنّاءان ، فانه يطلق على كل واحد منهما أنه بناها وما نحن فيه منها.

ثم إن المحكي عن المعتزلة تقسيم الموضوعات الشرعية على وجوه أربعة : لأنها إما أن يعرف أهل اللغة لفظها ومعناها ، أولا يعرفون شيئا منهما ، أو يعرفون اللفظ دون المعنى ، أو بالعكس ، وخصّصوا الثلاثة الأخيرة باسم الدينية ، فيكون أخص مطلقا من الشرعية بالمعنى المعروف ، وهو الأعم الشامل الجميع الأقسام الأربعة.

وربما قيل باختصاص الشرعية بالقسم الأول من الأربعة خاصة ، فتكون مباينة للدينية ، لكن الاختصاص ممنوع ، بل هو إطلاق آخر للشرعية.

هذا لكن في التقسيم المذكور ما لا يخفى :

أولا : إذ لا وجود لقسمين من الأقسام الأربعة ضرورة أنه ليس في الألفاظ الشرعية لفظ مخترع لا يعرفه أهل اللغة ، كما اعترف به الجماعة ، فلا يوجد من أقسام الدينية قسمان.

ثانيا : إذ من المعلوم أن جل المعاني الشرعية أو كلها أمور مستحدثة من الشارع ، لا يعرفها أهل اللغة ، فحينئذ لا يكاد يتحقق مصداق للحقيقة الشرعية ، غير ما فرض حقيقة دينية ، فيتحد مصداقا الحقيقتين في الخارج وحينئذ فلا وجه لجعل النزاع في الحقيقة الدينية مغايرا للنزاع في الشرعية ، كما وقع في المختصر ، على ما حكي عنه وغيره ، حيث أسند القول بثبوت الدينية إلى المعتزلة بعد اختياره القول بثبوت الشرعية.

وقد يوجّه ذلك ، بأن كثيرا من تلك المعاني أمور معروفة قبل هذه الشريعة ،

٢٤٠