تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

ومنها : الدوران بين التخصيص الابتدائي وبين المجاز ، في لفظين في خطاب واحد ، كما إذا ورد ( أكرم العلماء ) ، ثمّ قام الدليل القطعيّ من الخارج على عدم وجوب إكرام طائفة منهم ، فحينئذ يدور الأمر بين التجوّز في هيئة أكرم بحمله على الاستحباب مثلا ، وبين التخصيص في العلماء بإخراج الطائفة المذكورين منه ، وإبقاء الهيئة على ظاهرها.

والأقوى في هذه الصورة أيضا تقديم التخصيص للغلبة ، ولقاعدة التسبّب ، إذ الشك في التخصيص مسبّب عن الشك في المجاز في اللفظ الآخر ، فإذا جرى أصالة الحقيقة في السبب ، وهو اللفظ الآخر ، يتعيّن التخصيص ، فإنّ الأصل المذكور ـ حينئذ ـ مزيل لأصالة عدم التخصيص لكونه سببا ، فتأمل.

مضافا إلى ما عرفت من كون العموم مع سائر الظواهر كالأصل والدليل.

ومنها : الدّوران بين التخصيص الابتدائي والمجاز في لفظين في خطابين ، وهذا هو مسألة بناء العام على الخاصّ ، في العامّ والخاصّ المتنافيي الظاهر ، كما إذا ورد جواز إكرام العلماء ، ثمّ ورد لا تكرم النحويين ، فدار الأمر بين التخصيص في العلماء ، وبين المجاز في لا تكرم بحمله على الكراهة ، وهذه الصّورة أظهر صور تعارض التخصيص والمجاز ، في رجحان التخصيص على المجاز.

ويرجّح التخصيص على المجاز ـ مضافا إلى ما سبق في الصور السابقة من الغلبة عند العرف والعقلاء ، وقاعدة السبب ، مع تأمل في الثاني منهما هنا أيضا ـ أنّ الخاصّ حاكم على العام ، فإنّ العمل بعموم غلبة استعمال العام في الخاصّ ، وندرة استعماله في العموم معلّق على ورود المخصص. فإذا ورد المخصص ، فإن كان قطعيّا من جميع الجهات ، فهو وارد على العام ، وإن كان ظنّيا في الجملة ، إمّا من جهة الصدور ، وإمّا من جهة الدلالة ، كما فيما نحن فيه ، فهو حاكم على العامّ بمعنى أنّه رافع لحكمه ، وهو وجوب العمل به عن مورده.

وكيف كان ، فهذه الصورة حكمها الظاهر أنّه اتفاقي ـ أعني ترجيح التخصيص ـ.

فإذا عرفت الحال في الدوران بين التخصيص الابتدائي وبين المجاز ، فقس عليها الحال في الدوران بين التخصيص الثانوي ، وبين المجاز في جميع الصور المذكورة.

وقد يناقش في الاستدلال بالغلبة المذكورة هنا بأنّ غاية ما يقتضي رجحان

٢٠١

التخصيص على المجاز في العمومات التي لم تخصص بعد ، وأمّا فيما خصّصت ودار الأمر بين تخصيصها زائدا على ما علم وبين المجاز فلا.

ويمكن الذّب عنه بأنه إذا ثبت ترجيح التخصيص في العام الّذي لم يخصّص ، ففي غيره بالأولى لوهن العموم بعد تطرّق التخصيص إليه ، حتى أنّه قيل بخروجه بذلك عن الحجية في الباقي.

وفيه نظر : فإنّ مرجع ذلك إلى التمسّك بالأولوية ، لا بالغلبة وتسليم عدم جريانها هنا ، فالأولى التمسك في المقام بغيرها ، من قاعدة التسبيب فيما يجري فيها من الصّور ، ومن قاعدة الحكومة مع إمكان التمسك بالأولوية أيضا.

المسألة التاسعة : الدوران بين التخصيص والإضمار ، قيل المعروف تساوي احتماليهما ، والمحكي عن ظاهر كلام الأكثر بناء ترجيح التخصيص على الإضمار على مساواة الإضمار مع المجاز ، فعليه يقدّم على الإضمار ، لما عرفت من رجحانه على المجاز ، والراجح على شيء راجح على ما يساوي ذلك الشيء ، وإلاّ ، فمع ترجيح الإضمار على المجاز ـ كما عن المنية (١) ـ فهما متساويان لا رجحان لأحدهما على الآخر ، مثاله : قوله صلى الله عليه وآله ( لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل ) فإنّ الإجماع قائم على عدم وجوب العزم من الليل في صوم التطوع ، فحينئذ لا بدّ ، إمّا من تخصيص الصيام بالواجب وإمّا من إضمار الكمال ، حتى يصلح لشموله للتطوّع أيضا ، فإنّ التطوّع إذا لم يعزم به من الليل لا يكون كاملا.

وتظهر الثمرة في الصيام الواجب ، حيث أنّه على تخصيص الصيام به النفي على حقيقته ، فالصوم الواجب الّذي لم ينو من الليل ليس بصوم شرعا ، بمعنى أنّه ليس بصحيح ، وعلى إضمار الكمال ، فالحديث ساكت عن حكم الصّوم الّذي لم ينو من الليل ، من حيث الصحة والفساد ، إذ غاية ما يدلّ عليه الحديث حينئذ ، إنّما هو نفي الكمال ، وهو لا يدلّ على صحّته ، أو على فساده ، فإنّه أعم منهما ، يجوز اجتماعه مع كل

__________________

(١) منية اللبيب المخطوط ، في تعارض الأحوال : وسابعها : معارضة التخصيص للإضمار كقوله عليه السلام « لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل » فيقول الخصم : إنه يتناول بعمومه الفرض والنفل وخصّ النفل بجواز عقد نيته إلى الزوال ، فيبقى حجّة في الفرض ، فيقول الآخر : بل يجوز التأخير في الفرض أيضا إلى الزوال ، لأن في الخبر إضمارا ، وتقديره لا صيام كاملا أو فاضلا ، فالأوّل أولى بدليل إنّ التخصيص أولى من المجاز المساوي للإضمار. والأولى من المساوي لشيء يكون أولى من ذلك الشيء.

٢٠٢

واحد منهما ، فلا يجوز الاستدلال به حينئذ ، لا على صحّته ، ولا على فساده ، بخلاف الأوّل ، إذ عليه يكون دليلا على فساده.

هذا ، وفي التمسك به لما نحن فيه نظر ، لأنّ الشك في التخصيص مسبب عن الشك في الإضمار ، فبأصالة عدم الإضمار يتعين التخصيص ، فيخرج عن محل الكلام ، لما عرفت في أوّل عنوان تعارض الأحوال أنّ النزاع فيما لم يكن بين حالين من الأحوال المخالفة للأصل تسبيب.

ومن هنا يظهر ورود هذا الإشكال في بعض الصور المتقدمة التي عرفت قاعدة التسبيب فيها.

لكن الإنصاف منع التسبيب هنا ، بل الشك فيهما مسبب عن ثالث ، وهو مراد المتكلم مع أنّه يرد عليه عكس التسبب ، إذ كما يقال : إنّ الشك في التخصيص مسبب عن الشك في الإضمار ، كذلك يمكن أن يقال : بالعكس وليس الأصل أولى من العكس ، فتدبّر.

وكيف كان ، فالظاهر رجحان التخصيص على الإضمار من غير توقّف على رجحان المجاز عليه للغلبة ، ولحكومة أصالة عدم الإضمار على أصالة العموم.

لكن قد يستشكل في ترجيحه على الإضمار في الحديث المذكور ، نظرا إلى أنّه مع الإضمار إنّما ارتكب خلاف أصل واحد ، ومع التخصيص ، لا بدّ من التزام أمرين مخالفين للأصل لا محالة ، أحدهما نفس التخصيص : والثاني أحد الأمور الثلاثة ـ على سبيل منع الخلو ـ : نقل الصيام إلى الصحيح شرعا ، أو استعماله فيه مجازا ، أو إضمار الصحة ، وذلك لعدم حمله على معناه لغة ، وهو مطلق الإمساك ، إذ عليه لا يقبل التخصيص ، للزوم الكذب ، للقطع بعدم انتفاء مطلق الإمساك في الصيام الواجب الغير المنويّ من الليل ، فلا بدّ من إرجاع النفي إلى الصحة ، إمّا بإضمارها في الكلام ، وإمّا باستعمال الصيام في الصحيح مجازا ، وإمّا باستعماله فيه من جهة كونه حقيقة شرعيّة ، فيكون هذا إشكالا آخر على التمثيل بذلك الحديث ، وكيف كان ، فالقاعدة تقتضي رجحان الإضمار في الحديث.

ويمكن التفصّي عنه ، بأنّه لو لم يكن غلبة للتخصيص ، لكان الأمر كما ذكر ، إلاّ أنّها لمّا كانت موجودة ، فتكون مرجّحة للتخصيص ، ولا يعارضها أصالة أحد الأمور الثلاثة المتقدّمة ، لأنّها واردة عليها حيث إنّها أمارة ، وتلك من الأصول ، فتأمل.

٢٠٣

ثم إنّه ظهر من تقرير الإشكال ، أنّ التمثيل بالحديث على مذهب الصحيحي في أسماء العبادات سالم عن هذا الإشكال ، إذ بعد البناء على ثبوت الحقيقة الشرعية في الصيام مثلا ، فلا يجري أصالة عدم نقله ، لثبوته بالدليل فينحصر الدوران فيما بين التخصيص والإضمار.

المسألة العاشرة : الدوران بين المجاز والإضمار ، مثاله قوله تعالى : ( واسأل القرية ) لدوران الأمر فيه بين إرادة الأهل من القرية مجازا ، وبين إضمار الأهل ، لعدم قابليّة القرية من حيث هي للسؤال.

وقد يناقش بأنّ لفظ القرية قيل إنّه نقل إلى الأهل ، كما قيل إنّ لفظ جماعة نقل إلى بيوتهم ، كما يقال أحرق الجماعة أي بيوتهم ، فعلى هذا يخرج عن كونه مثالا لما نحن فيه ، بل يدور الأمر فيها أي القرية بين النقل والإضمار.

وفيه : منع احتمال نقل القرية ، بل هي باقية على معناها الأصلي.

نعم لا ثمرة في جعل مناط التمثيل لفظ القرية ، للقطع بعدم ثبوت الحكم لنفس القرية ، بل لسكّانها.

والأولى جعل مورد التمسك لفظ السؤال ، ويقال : إنّ الأمر دائر بين إضمار أهل ، وبقاء السؤال على حقيقته ، وبين التجوّز في السؤال ، بإرادة السؤال الصوري منه ، وعدم الإضمار ، فتظهر الثمرة بينهما حينئذ ، إذ على الإضمار يكون المكلّف به السؤال الحقيقي ، فلا بدّ من سؤال أهل القرية ، وعلى المجاز يكون السؤال الصوري ، ويحصل الامتثال بمجرّد السؤال الصوري ، ومعنى السؤال الصوري أن يجعل ما لا يصلح للسؤال منزلة من يصلح له ، فيسأل منه ما يسأل ممّن يصلح له ، وهذا شائع في العرف.

وكيف كان ، فلا يخفى أنّ كلاّ من المجاز والإضمار خلاف الأصل ، ولا رجحان لأحدهما على الآخر ، فيتساويان ، فيجب التوقف ، لكن في كون الإضمار مخالفا للأصل مطلقا تأمّل ، إذ لو قام دليل على المحذوف ، فلا حاجة إلى ذكره ، فلا يكون تركه مخالفا للظاهر ، بل قد يعدّ ذكره لغوا حينئذ بخلاف المجاز ، لخروجه عن مقتضى الظاهر على كل حال.

نعم لو قيل بثبوت الوضع النوعيّ في المركّبات ، وجعلت الهيئة الموضوعة هي ما كانت طارئة على الكلمات التي يراد بيان معانيها الإفرادية ، للتوصّل إلى المعنى المركب بعد ملاحظة وضع الهيئة ، من دون إسقاط شيء منها ، كان في الحذف خروج عن ظاهر

٢٠٤

الوضع ، إلاّ أنّه أجاز الواضع ذلك مع قيام القرينة ، فتأمّل.

هذه حال الدورانات العشرة المعروفة ، وقد عرفت أنّ النسخ والتقييد ـ أيضا ـ من الأحوال التي يحصل من ملاحظتها إحدى عشرة صورة أخرى ، خمس منها تحصل من ملاحظة النسخ مع ملاحظة كلّ من الأمور الخمسة المذكورة ، وخمس أخرى من ملاحظة التقييد معها ، والحادية عشرة من دوران الأمر بينهما.

الأولى : الدوران بين الاشتراك والنسخ ، وحكى تصريح المنية (١) بمرجوحية النسخ بالنسبة إلى الجميع ، ولعلّه لندرته بالنسبة إلى كلّ منها ، واستدل الفخر الرازي ، على ما حكي عنه على ترجيح الاشتراك ، بأن النسخ لا يثبت بخبر الواحد والقياس بخلاف التخصيص.

وردّه العلامة (قدس سره) واعترض عليه : بأنّ هذا دليل على رجحان التخصيص عليه ، لا رجحان الاشتراك (٢).

ويمكن توجيه كلامه بأنّه مسوق لدفع توهّم المساواة بين التخصيص والنسخ ، باعتبار كون النسخ ـ أيضا ـ تخصيصا ، ولو بحسب الأزمان ، لا أنّ مراده الاستدلال به على ترجيح الاشتراك ، بل كان الترجيح عنده مسلّما ، وإنّما ينبّه بهذا الكلام إلى دفع التوهم المذكور.

ويمكن أن يوجّه كونه دليلا على مدّعاه ، لكن بانضمام مقدمة أخرى ، وهي مساواة الاشتراك للتخصيص بأن يكون إحدى المقدمتين مصرّحة ، والأخرى مطويّة ، فعلى ملاحظة تلك المقدمة يتم المطلوب ، لأنّه إذا رجّح التخصيص على النسخ ، فيلزمه

__________________

(١) منية اللبيب مخطوط في تعارض الأحوال وإليك نصّه : واعلم أنّ المراد بالتخصيص في هذه المعارضات إنّما هو التخصيص في الأشخاص ، أمّا التخصيص في الأزمان ـ وهو النسخ ـ فهو مرجوح ، وكلّ من الاحتمالات الخمسة أولى منه عند معارضته إيّاه. واحتجّ فخر الدّين على أنّ الاشتراك أولى من النسخ ، بأنّ النسخ يحتاج فيه ما لا يحتاج في تخصيص العام بدليل جواز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس ، وعدم جواز النسخ بهما ، والعلّة في ذلك أنّ الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل ، وبعد التخصيص لا يصير كالباطل ، واعترضه المصنّف طاب ثراه بأن ذلك إنما يدلّ على كون التخصيص أولى من النسخ وليس فيه دلالة على كون الاشتراك أولى من النسخ الّذي هو المطلوب.

(٢) نهاية الوصول : ٣٦ مخطوط ، في مبحث تعارض الأحوال وإليك نصّه :

وفيه نظر ، فان هذا يقتضي ترجيح التخصيص على النسخ وأنّ التخصيص أولى من الاشتراك والنسخ ، وهذا لا يقتضي رجحان الاشتراك على النسخ ، ولا العكس ، بل الوجه توقف الاشتراك على الوضع ، وتوقف النسخ عليه وعلى رفعه الحكم.

٢٠٥

رجحان الاشتراك عليه أيضا بمقتضى وجه المساواة ، لكن قد عرفت منع المساواة بينهما ، وترجيح التخصيص على الاشتراك.

وكيف كان ، فمثال ما نحن فيه ما لو قال النبي صلّى الله عليه وآله : صلّوا في الوقت الفلاني ، ثمّ قال بعد ذلك ، طوّفوا في ذلك الوقت ، إذ احتمل كون الطواف مشتركا بين معناه المعروف ، وبين المعنى الآخر ، كالصلاة مثلا ، فلو بنى على الاشتراك لم يلزم نسخ ، لإمكان حمله على الصلاة المأمور بها في الخطاب الأول ، وإلا تعيّن النسخ مع وجود شرائطه ، كحضور وقت العمل ، لمنافاة الأمر به في الوقت الخاصّ ، لبقاء الأمر بالصلاة في ذلك الوقت ، فيجب نسخ وجوب الصلاة في ذلك الوقت.

ومثاله أيضا ما إذا قال المولى ( اجعل ثوبي جونا ) وعلمنا بوضع الجون للأحمر ، ثمّ قال بعد ذلك ، اجعله أسود ، فشكّ حينئذ في وضع الجون للأسود أيضا ، حتى يكون مشتركا بين المعنيين ، فيكون قوله الثاني قرينة معينة لإرادة ذلك من أوّل الأمر ، أو أنّه نسخ الحكم الأوّل بذلك من غير أن يكون هناك اشتراك بين المعنيين ، وليفرض هناك انتفاء العلاقة المصحّحة للتجوز ، لئلا يقوم احتمال المجاز أيضا.

والأولى تقرير المثال الأوّل ـ أيضا ـ هكذا ، بأن يقال : إنّه صلى الله عليه وآله قال أوّلا : صلّوا في الوقت الفلاني ، وعلمنا بوضع الصلاة للأركان المخصوصة ، ثمّ قال : طوّفوا في ذلك الوقت ، فشكّ ، في أنّ الصلاة مشتركة بين الأركان المخصوصة وبين الطواف ، وأريد منها الطواف من أوّل الأمر ، ويكون الأمر بالطواف قرينة معيّنة على إرادة الطواف منها ، أو أنّ وضعها مختصّ بالأركان المخصوصة ، فأريد منها تلك الأركان ، فيكون الأمر بالطواف نسخا له ، وليفرض ـ هنا ـ عدم العلاقة بين الصلاة والطواف ، أو فرض القطع بعدم استعمالها في الطواف مجازا ، بحيث دار الأمر فيها بين الاشتراك والنسخ.

ثمّ إنّه بقي ست صور أخرى من صور الدورانات الإحدى عشرة خمس منها بملاحظة دوران الأمر بين التقييد وغيره ، غير النسخ ، وواحدة بملاحظة دوران الأمر بينه وبين النسخ.

ومجمل الكلام في الخمس وتحقيقه ، أنّ التقييد أرجح من غيره ، من الأمور الخمسة المخالفة للأصل ، لأن التخصيص أرجح من بين الأمور الخمسة ، والتقييد أرجح من التخصيص ، أمّا رجحان التخصيص على غيره فقد مرّ.

٢٠٦

وأما رجحان التقييد على التخصيص ، فلأنّه إذا دار الأمر بينهما ، فهو إمّا أن يكون في خطابين أو في لفظين في خطاب ، وإمّا أن يكون في لفظ واحد ، مثاله في خطابين أن يقول ( أكرم العلماء ) ثمّ قال : ( إن ضربك رجل فلا تكرمه ) فدار الأمر بين تخصيص العام في الأوّل بغير الضارب بحمله على العلماء الغير الضاربين ، وبين تقييد الرّجل في الثاني بغير العالم.

ومثاله في لفظين في خطاب ، أن يقول ( أعط كل واحد من العلماء عبدا ) ، وعلمنا من الخارج أنّه لا يجوز إعطاء عبد حبشي زيدا العالم ، فدار الأمر بين تقييد العبد بغير الحبشي وإدخال زيد في العموم وبين إطلاقه وإخراج زيد من العموم.

ومثاله في لفظ واحد قوله تعالى ( أوفوا بالعقود ) فإنه بعد قيام الإجماع والنص على عدم وجوب الوفاء بالبيع قبل التفرق من مجلسه ، يدور الأمر بين تخصيص العام بغير البيع ، وبين تقييد الحكم بما بعد التفرّق من مجلس العقد بالنسبة إلى كل عقد ، هكذا مثّلوا لذلك.

ولكن الإنصاف ، أنّه ليس من مثال ما نحن فيه في شيء ، أمّا أوّلا فلأنه ليس الدوران فيه في لفظ ، بل في لفظين ، أحدهما : صيغة الأمر ، وهو ( أوفوا ) وثانيهما : اللفظ العام وهو ( العقود ).

اللهم إلا أن يقال : إنه لا معنى لتقييد الأمر ، بل تقييد كل حكم باعتبار تقييد متعلقه ، وهو تابع له ، فيرجع التقييد فيه إلى تقييد متعلقه ، وهو في المثال مادة العقد ، فيدور الأمر بين تقيد مادة العقد بغير البيع ، وإبقاء الهيئة المفيدة للعموم على عمومها ، وبين تخصيصها بغير البيع ، فافهم.

وأمّا ثانيا : فلأنّه ليس الدوران هنا بين التقييد والتخصيص ، فإنّ الّذي يقتضيه العام ، إنما هو شموله لكل فرد من أفراد العقد حتى البيع ، وثبوت الحكم لكل فرد في الجملة ، وأما إنّ الحكم ثابت لكل فرد في جميع الأحوال ، فليس من مفاد العام ، بل هو مقتضى إطلاق الأمر ، وهو أوفوا ، وقيام الدليل الخارجي على عدم ثبوته في فرد من أفراد العام ، كالبيع في بعض حالاته إنما يوجب تقييد الأمر بالنسبة إلى المادة المذكورة ، ولا دخل له بتخصيص العام ، لأنه لم يقتض ثبوت الحكم للبيع في خصوص المادة المذكورة حتى ينافيه الدليل الخارجي ، فأين الدوران بين التقييد والتخصيص

٢٠٧

هذا ، وكيف كان ، فلا شبهة في رجحان التقييد على التخصيص في الصورتين الأوليين ـ أعني صورة الدوران بينهما في خطابين أو في لفظين في خطاب ـ أما أولا ، فلغلبة التقييد على التخصيص ، وأما ثانيا ، فلأن إطلاق المطلق على المختار إنما هو مقتضى الحكمة ، وعدم العثور ببيان بعض الأفراد ، وعموم العام بمقتضى الوضع ، فإذا كان العموم منتهيا إلى الوضع ، فيكون بيانا لجميع الأفراد ، فحينئذ لا مورد ، ولا موضوع للإطلاق ، فالعموم وارد على الإطلاق ، فيجب التزام التقييد.

وهذا هو السر في تجويزهم التقييد حتى يبقى (١) فرد واحد ويؤيد ذلك كونه حقيقة في بعض الأفراد ، كما هو المختار ، وكونه موضوعا للطبيعة المهملة دون التخصيص ، ومنعوا عن تخصيص الأكثر ، فيجب ـ على المثال الأول ـ تقييد الرّجل بغير العالم ، وفي المثال الثاني تقييد العبد بغير الحبشي.

والحاصل : أنّ العام بالنسبة إلى المطلق من قبيل الدليل ، والأصل العملي ، كما أن إطلاق المطلق دليل في مقابل الأصول العملية ، نظرا إلى كون المقام مقام البيان ، فعدم التقييد دليل على عدمه.

وأما في الصورة الأخيرة ـ أعني فيما إذا كان الدوران في لفظ فالظاهر رجحان التخصيص ـ إذ بعد قيام الدليل على خروج بعض الأفراد من تحت العام بالنسبة إلى بعض الأحيان ، لا بد من الحكم بخروجه مطلقا إذ المفروض عدم اعتبار الأزمنة قيدا للفرد بحيث يكون ذلك الفرد المخرج بالنسبة إلى هذا الجزء من الزمان فردا من العام ، وبالنسبة إلى الزمان الآخر فردا آخر ، بل الزمان مأخوذ بنحو الظرفية ، فالزمان ـ حينئذ ـ وإن طال ، فهو بطوله اعتبر أمرا واحدا ، ولم يلاحظ كونه مشخصا للفرد بوجه بل اعتبر من باب اللابدية ، حيث إن الفعل لا بد له من زمان.

وكيف كان ، فالزمان غير منظور إليه بوجه في الفردية ، فلازم ذلك خروج الفرد المخرج عن تحت العام مطلقا.

نعم لو ثبت اعتبار الزمان في الفردية يكون الفردية بالنسبة إلى كل زمان فردا مغايرا له بالنسبة إلى الزمان الآخر ، إما بأن يكون اللفظ عامّا بالوضع بالنسبة إلى الأزمان ، وأما بسبب القرينة ، فلا ريب أن خروج الفرد بالنسبة إلى بعض الأزمنة لا يستلزم خروجه بالنسبة إلى البعض الآخر ، فيحكم بدخوله في العام الأفرادي بالنسبة

__________________

(١) في الأصل ( حتّى بفرد واحد ) ولا محصّل له.

٢٠٨

إلى الأزمان الأخرى ، لكنه خارج عن عنوان المطلق ، بل هو أيضا عام كالعام الأفرادي ، وقيام الدليل الخارجي على رفع الحكم عن بعض الأزمنة تخصيص لا تقييد فيكون الأمر دائرا بين التخصيصين أفرادي وأزماني والثاني أولى.

ثم إن الدليل على كون المطلقات من قبيل الأول ـ أعني مما لم يعتره الزمان ، إلا بعنوان الظرفية ـ الإجماع على استصحاب عدم النسخ في المطلقات فلو كان الزمان بعنوان الفردية ، ويكون كل فرد منه فردا وموضوعا آخر لم يجر استصحاب عدم النسخ ، لكونه إسراء لحكم من موضوع إلى آخر.

ثم إنا قد أشرنا سابقا إلى الإشكال في كون ( أوفوا بالعقود ) من مثال الوجه الثالث.

ولكن يمكن دفعه بأنه لا شبهة في أنّه بعد قيام الإجماع والنص على عدم وجوب الوفاء بالبيع قبل التفرق ، يدور الأمر بين حمل القضية على السالبة بانتفاء الموضوع ، بإخراج البيع رأسا عن العقود ، أو حملها على السالبة بانتفاء المحمول ، بأن يحكم بنفي الحكم ، وهو وجوب الوفاء عن صورة الاجتماع أعني قبل التفرق ، بالنسبة إلى كل عقد ، والثاني ليس إلا التقييد.

فمن هنا ظهر ما ذكره بعض المحققين ، من أنّ الدوران ليس بين التقييد والتخصيص ، والمحكي عن السيّد الصّدر ـ الشارح للوافية (١) المنع ، ونسبه إلى الماتن على ما فهم منه ، حيث قال : إنّ تلك المزايا لا توجب رجحان أحد المعاني على الآخر في الاعتقاد ، والّذي يوجبه إنما هي غلبة الإرادة ، ولا ملازمة بينها وبين المزايا المذكورة ، ولو سلمت الملازمة المذكورة ، فهي بإطلاقها ممنوعة ، بل المسلم منها إنما هو بالنسبة إلى أقلّ قليل من العرب ، ولم يعلم كون الشارع منهم ، ولو سلم كونه منهم ، فلا دليل على اعتبار هذا الظن الحاصل من تلك الغلبة. انتهى كلامه (قدس سره).

وفيه : أنّه إن أريد بالمزايا التي ذكرها القوم من المزايا الآتية ، فعدم إيجابها لرجحان معنى في الاعتقاد ـ فيما يختلف المعنى باختلاف الأحوال ـ مسلم

__________________

(١) شرح وافية الأصول للسيّد صدر الدّين مخطوط ، ولا يخفى أن هذا المحكي ليس بنصّ كلامه ، بل هو نقل بالمعنى ، ونصّ العبارة آت عن قريب في متن كلام المقرّر : ٢٤١ عند قوله : وقال الشارح بعد شرح ما ذكر في المتن.

٢٠٩

حيث إن غرض المتكلم أوّلا وبالذات إفادة مطلبه ، فلا يرفع عنه بإتيان شيء يعدّ أحسن من شيء آخر عند المحاورة ، وأمّا فيما لم يختلف المعنى باختلافها فممنوع ، إذ لا ريب أنّه لا يختل مراده على الوجهين ، فيدور الأمر بين إيراد مراده بأحسن الوجهين وأرجحهما ، أو بمرجوحهما ، ولا ريب أنّ الأرجحية حينئذ بنفسها مقتضية للعدم من ذاتها ، إذا كان عاقلا غير عابث.

وإن أريد ما اخترناه من المزايا الآتية من الغلبة ، والأصول ، فعدم إيجابها لما ذكر ممنوع ، كما اعترف به ، بل هي موجبة لرجحان ذاتها إلى الاعتقاد مطلقا.

وأمّا منعه الكبرى فالجواب عنه ما سيجيء من الأدلة الدالة عليها.

وكيف كان ، فلنا على الكبرى المذكورة وجوه أربعة ، منها ما ذكره القمي قدس سره في القوانين (١) :

أحدها : الإجماع العملي من العلماء.

الثاني : دليل الانسداد.

الثالث : الاستقراء في حال الشارع ، وتتبعه حيث إنه علم ـ بالاستقراء من حاله ـ اعتبار الغلبة ، ويؤيده الخبر المروي في الجلد المطروح ، حيث ذكر فيه : إنه إذا كان الغالب فيها المسلمون فهو طاهر.

وفي كل منها نظر :

أمّا الإجماع ، فلعدم تحققه لنا.

وأمّا دليل الانسداد ، فلأنه ـ بناء عليه ـ يلزم باتّباع الظن الفعلي ، ولا يؤخذ بالظنون النوعية ، فهو إن كان حاصلا في أحد الطرفين يؤخذ به ، ويطرح الآخر ، وإلاّ فيطرح الطّرفان.

وأمّا الاستقراء ، فقطعيته ممنوعة ، وغايته حصول الظن منه ، فيكون طرحا.

المرحلة الثالثة في اعتبار المرجحات ، المزايا المشار إليها في المرحلة الثانية ، فنقول :

ظاهر المشهور اعتبارها ، حيث إنهم عقدوا مسألة تعارض الأحوال لتشخيص المزايا ، وسكتوا عن البحث في كبراها ، ولم يعقدوا لها بابا ، كما عقدوا لصغراها ، فذلك

__________________

(١) راجع القوانين : ٣٥ من قوله ولم نقف على من منع اعتبار مثل هذا الظن ... إلى قوله فلاحظ وتأمّل.

٢١٠

يكشف عن أن الكبرى مسلمة عندهم ، وإنما النزاع في تشخيص صغريات المزايا ، والمرجحات المذكورة.

والمحكي عن السيد الصدر ، الشارح للوافية ، وعن الماتن أيضا ، المنع من صحة التعويل على تلك المرجحات.

قال الماتن (١). الأولى التوقف في صور التعارض ، إلاّ مع أمارة خارجية ، أو داخلية توجب صرف اللفظ إلى أمر معين معللا بأن ما ذكروه في ترجيح البعض على البعض ، من كثرة المؤن وقلتها ، وكثرة الوقوع وقلته ، ونحو ذلك لا يحصل منه الظن ، بأن المعنى الفلاني هو المراد من اللفظ في هذا الوضع.

وقال الشارح (٢) ـ بعد شرح ما ذكره الماتن :

إنّ حاصل الوجهين ، يعني الوجهين المذكورين لترجيح الإضمار على الاشتراك وبالعكس : إنّ المتكلم يختار الأفيد ، والأقلّ مفسدة ، والأحسن ، إلاّ عند الضّرورة ، فيكون في كلامه أكثر وأغلب ، وعند الاحتمال يحمل على الأغلب ، وعلى هذا فقس.

ونحن نقول : إن من ملاحظة هذه الوجوه يحصل لنا اعتقاد أن اللائق ـ والحريّ ، وما ينبغي أن يكون هو غلبة ما فيه الرّجحان ، وأمّا وقوع هذه الغلبة ، فلا يحصل لنا الظّن به ، لأنا كثيرا ما نرى أمورا نعلم فيها مرجّحات على نحو خاصّ ، ثم نرى الواقع على خلافه.

ألا ترى أن كلّ عاقل يحصل له اعتقاد أن اللائق تقديم أبناء الدّين على أبناء الدنيا ، لمرجّحات كثيرة مع أنّ الواقع على خلافه ، ومثل هذا كثير ، فنمنع الوقوع هنا أيضا ، فلو أعرضت عن هذا ، وتمسّكت بترجيح الغالب بحسب الواقع فنقول :

القدر المسلّم هو غلبة المجاز على غيره من الخمسة ، أمّا غلبة غيره على غيره فلا.

ثمّ غلبة المجاز إنما تكون في أكثر كلام أقلّ العرب (٣) ، فعلى المجتهد المعوّل

__________________

(١) الوافية ضمن الشرح للسيد صدر الدين مخطوط.

(٢) شرح الوافية للسّيد صدر الدين مخطوط.

(٣) قال السيد صدر الدين في هامش كتابه ( وهو شرح الوافية ) في مقام بيان قوله ( أقل العرب ) ما هذا نصّه :

قولنا ( إنّ غلبة المجاز إنما تكون في أكثر كلام أقل العرب إلخ ) المراد من أقل العرب الخطباء ، وأهل الإنشاء من أرباب الرسائل والشعراء ، وهم الّذين أساس تكلمهم على إفادة المزايا التي تكفل ببيانها البيانيّون ، ولو لا الضرورة لأتوا بكلام يفيد أصل المعنى بغير مزية إلخ.

٢١١

على مثل هذا الظّن ، أن يثبت أنّ الشّارع من هذا الأقلّ ، إذ ليس أكثر العرب أكثر كلامهم إلاّ المعاني الحقيقية من اللغوية وغيرها ، فليس المتجوّز الأعم الأغلب من أفراد المتكلم ، حتى يحمل من لا يعلم حاله عليه ، ومن أين لنا إثبات هذا.

ثم ذكر أن الشارع ليس من هذا الأقل ـ لأن غرضه الأصلي تفهيم المعاني ، لا فوائد المجاز ، واستوضحه.

ثم قال : فظهر من مجموع هذا الكلام بطوله ، أنّ العلّة الّتي من أجلها يقدّم الحقيقة على غيرها ، ويظنّ أنّها المراد ، هي جعل المتكلّم الأصل والقاعدة في كلامه إرادتها ، وأنه لا يعدل عنها إلاّ لضرورة وداع ليسا موجودين هنا ، ولهذا أشار المصنّف (قدس سره) إلى منع إفادة هذا المرجّحات الظنّ بالمراد ، وبعد التسليم إلى منع اعتباره إذ الإجماع الّذي هو الدّليل ـ في الحقيقة ـ لم يثبت في غيرها. انتهى موضع الحاجة على ما حكي عنه.

وحاصل ما عن الماتن والشارح ( قدس سرهما ) : أولا منع الصغرى ثم منع كبراها.

نقول : فيما ذكره الشّارح أنظار ، لا بأس بالإشارة إليها :

الأوّل تمثيله بتقديم أبناء الدنيا لما نحن فيه ، إذ لا ريب أنّ ذلك لدواع نفسانية وأغراض دنيويّة ، بحيث لولاها ، لما ارتكبوا ذلك أبدا ، فحينئذ نقول :

إنّ تقديم المتكلّم ذا المزيّة على غيره في مقام التّكلم ، إمّا فيما لا يختلف المعنى المقصود تفهيمه بسبب التقديم ، أو فيما يختلف.

أمّا على الأوّل : كما في مثال ( اسأل القرية ) فالذي ذكره (قدس سره) ممنوع ، بل يجب تقديم الرّاجح ، لأنّ المتكلم العاقل الفصيح لا يعدل عن طريق الأفصح إلى غيره إلاّ لضرورة ، فإذا فرضنا أنّ مراده لا يختل بإيراد المراد بأفصح الطريقين ، فلا يعقل منه اختيار المرجوح ، ولا يعقل هنا دواع نفسانية ، توجب اختياره ، كما فيما ذكره من المثال.

وأمّا على الثاني ، فهو مسلّم فإنّ الغرض الأصلي من إيراد الكلام تفهيم المعنى المراد ، فلا يجوز اختيار الرّاجح ، إذا كان اختياره مفوتا لغرض التفهيم ، لكن هذا وارد على القوم ، حيث اعتمدوا على الوجوه الآتية لعدم صلوحها ، لكنها مرجّحة لذيها على غيره ، كما ذكرنا في المرحلة السابقة.

٢١٢

لكنّا في هذا المقام نعتمد على الغلبة إن كانت ـ أعني غلبة الإرادة ـ ولا نستعمل ما ذكروه من الوجوه الآتية في استكشاف المراد ، وأمّا اعتبار تلك الغلبة فسيجيء الكلام فيه.

الثاني : قوله القدر المسلّم هو غلبة المجاز على غيره من الخمسة ، إذ لا يخفى أنّ التخصيص والتقييد أغلب من غيرهما ، حتّى المجاز ، وإن أراد بالمجاز ما يشملهما لم يبق لقوله من الخمسة معنى ، كما لا يخفى.

الثالث : قوله ( وأمّا غلبة غيره على غيره فلا ). إذ لا يخفى أنّ غلبة بعضها على بعضها الآخر ممّا لا ينكره ذو نصفة ، كالتقييد بالنسبة إلى غيره ، بل التخصيص بالنّسبة إلى غير التقييد.

الرّابع : قوله ( وأغلبية المجاز إنّما تكون في أكثر كلام أقل العرب ، فإنّ أغلبيّة المجاز على الإضمار ، أو النقل لا يختصّ بكلام متكلّم ، وأيّ عربي ظهر أنّ الإضمار مثلا في كلامه بقدر المجاز ، وعلى هذا فقس.

الخامس : قوله ( إذ ليس أكثر العرب أكثر كلامهم إلاّ المعاني الحقيقيّة ، من اللّغوية وغيرها ... إلخ ) إذ لا يخفى ما فيه من الخلط والاشتباه ، إذ الكلام ليس في أغلبيّة المجاز من الحقيقة ، ولم يقل أحد بترجيحه عليها ، كما سبق ، بل الكلام في أغلبية المجاز ـ مثلا ـ بالنسبة إلى سائر الوجوه المخالفة للأصل ، ولا يقدح في هذه الغلبة ، كون الحقائق أغلب.

السّادس : ( قوله ومن أين إثبات هذا ) فإنّه إن أراد إثبات أنّ الشارع من الأقل الّذي يغلب مجازات كلامه على حقائقه ، فقد عرفت خروجه عن محلّ الكلام ، وإن أراد إثبات كونه من الأقل الّذي يغلب مجازات كلامه على سائر الوجوه المخالف للأصل ، فقد ظهر أنّ أغلبية المجاز من الإضمار لا يختص بعربيّ دون عربيّ.

السّابع : قوله ( إذ الإجماع الّذي هو دليل الحقيقة لم يثبت في المجاز ) لأنّا قد أسلفنا الكلام في وجه التعويل على أصالة الحقيقة أنّه ليس دليلا تعبّديّا من الشارع من الإجماع ، وغيره ، بل هو من الأصول العدمية التي ثبت اعتبارها ببناء العقلاء وقد ظهر ممّا ذكرنا ـ في مسائل الدّوران ـ أنّ جملة من الترجيحات مستندة إلى تلك الأصول أيضا ، فلا يبقى مجال لمطالبته بالدّليل ، إلاّ ما عدا تلك الجملة ، ممّا لا ينهض فيه أصل سالم عن مزاحمة المعارض ، وقد ظهر أنّ ما عدا تلك الجملة

٢١٣

ـ أيضا ـ بين ما يستند إلى بناء العقلاء والغلبة ، وبين ما يستند إلى خصوص الغلبة ، مثلا إذا ورد عام وخاص متنافيا الظاهر ، كقوله ( أكرم العلماء ) ( ولا تكرم زيدا ) فهذا مما استقر فيه بناء العرف والعقلاء إلى ترجيح التخصيص على ارتكاب التجوّز في المخصص ، فالتّرجيح في مثله أيضا مستند إلى الدليل ، وهو بناء العرف والعقلاء.

بل يمكن الاستدلال فيه بالأصل أيضا ، لأنّ الشك في التخصيص فيه مسبّب عن الشك في التّجوز ، فأصالة الحقيقة في المخصص محكّمة على أصالة عدم التخصيص ، فكلّ ما هو من هذا القبيل من المرجّحات المذكورة يشارك مع أصالة الحقيقة في الدّليل ، سواء كان هو الإجماع ، أو غيره ، فلم يبق إلاّ الموارد الّتي لا مدرك للتّرجيح فيها سوى الظن الحاصل من الغلبة الّذي منع (قدس سره) من اعتباره ، مثل ترجيح النّقل على التخصيص ، وترجيح التخصيص على غيره في غير مسألة العام والخاصّ المتنافيي الظاهر ، وغيرهما من التّرجيحات المستندة إلى صرف الغلبة ، فلا بدّ من إقامة الدّليل على اعتبار الغلبة في مقام ترجيح بعض الأحوال على بعض.

فالتّحقيق في جواب السّيد الشارح للوافية ، وعن الماتن ، لو كان مذهبه كما فهمه الشارح ـ أعني منع اعتبار المرجّحات ، وعدم صحة التعويل عليها ـ أنّ مرجع المرجّحات المذكورة إلى أحد الأمور الثلاثة على سبيل منع الخلو : الأصل السليم عن المعارض ، وبناء العقلاء ، والغلبة.

لا شبهة في وجوب التعويل عليها إذا كانت راجعة إلى أحد الأوّلين ـ أعني الأصل السّليم عن المعارض ، وبناء العقلاء ـ فإنّ العمل بالأصول اللّفظية ، والوضعيّة متفق عليه من الكلّ ، لا ينكره أحد ، حتّى السيد المذكور ، والغرض من الدّليل السّليم في المقام ، مع أنّ تعارض الأحوال يرجع إلى تعارض الأصول ، إنّما هو الأصل السببيّ ، المزيل لصاحبه المعارض له ، كما في المثال المتقدم ، حيث عرفت أنّ أصالة الحقيقة في المخصّص مزيلة لأصالة العموم في العام ، فيجب اختيار التخصيص.

وأمّا المرجّحات الراجعة إلى الغلبة المجرّدة ، فالدّليل على صحّة التعويل عليها أنّها توجب ظهور اللّفظ في المعنى المطابق للغالب ، فيكون الظّن الحاصل منها من الظّنون اللّفظية ، التي قامت الضرورة على اعتبارها ، كما مر.

وإن أبى وامتنع السيّد المذكور من ذلك ، فنقول : قد قام الإجماع على العمل

٢١٤

بالغلبة في مقام التعيين ، كما يستفاد من المحقّق القمي (١) (قدس سره) وإن كان ظاهر كلامه عدم ظهور الخلاف ، لكن التأمل يشهد بأنّ مراده الإجماع.

وإن أبي السيّد ذلك ـ أيضا ـ نقول : قد قام الإجماع على العمل بأقوى الدّليلين ، ولا يخفى أنّه إذا تعارض الأصول في الدّورانات فالغلبة موجبة لقوّة ذيها على غيره.

وإن أبى عن ذلك ـ أيضا ـ نقول : إنّه لا ريب أنّ تعارض الأحوال مرجعه إلى تعارض الأصول ، ولا يخفى أنّه إذا كان أحد الأصلين سببيّا يجب الأخذ بمؤداه ، لكونه مزيلا لصاحبه ، وفي الحقيقة هذه الصورة خارجة عن صور التعارض.

وإن لم يكن أحدهما سببيّا ، وتحقّق التعارض بينهما ، فلا بدّ من التّمشّي بقاعدة التعارض ، فنقول : إنّ الأصل عند تكافؤ أصلين من هذه الأصول إمّا التخيير ، كما في صورة تكافؤ الأدلّة ، وإما التّوقّف.

فعلى الأوّل : لا شبهة في وجوب الأخذ بذي المزيّة لأنّه الأصل حينئذ فإنّ التخيير إن كان شرعيّا فلا يشمل أدلّته لصورة وجود المرجح ، وإن كان عقليا لا يحكم العقل به ـ حينئذ ـ فيتعين الأخذ بالرّاجح.

وكيف كان ، فوجوب الأخذ بالمرجّح حينئذ موافق للأصل ـ أعني القاعدة العقلية ـ لا يحتاج ثبوته إلى دليل ، وقولهم : إنّ المرجّح كالدّليل إنّما هو بالنّظر إلى الصّورة الثانية.

وأمّا على الثاني : فثبوت التّرجيح والتعويل عليه ، وإن كان محتاجا إلى الدّليل ـ كما في تعارض الأدلّة ـ إلاّ أنّ الأخذ بالأصل المطابق للغلبة حينئذ واجب ، لكن لا من حيث حجّية الغلبة ووجوب الأخذ بها ، بل لأنّ اعتبار الأصول العدميّة الجارية في باب الألفاظ ـ كما مرّ بيانه سابقا في مبحث العلائم ـ إنّما هو بملاحظة الغلبة ، حيث إنّها أصول عقلائية ، ولا يعقل تعبّدهم بمجرّد الشك ، بل عملهم في أمورهم إلى الغلبة ، فمناط عملهم بالأصول المذكورة إنّما هو وجود الغلبة في مجاريها ، فتعارض تلك الأصول يرجع إلى تعارض الغلبتين ، فإذا فرضنا وجود الغلبة الشخصيّة في مجرى أحدهما ـ أي أحد الأصلين المتعارضين ـ فالغلبة النّوعية الموجودة في مجرى الآخر مزاحمة بتلك الغلبة الشخصية ، فإذا زوحمت هذه بتلك ، فتسقط عن الاعتبار قطعا ، فيبقى

__________________

(١) القوانين : ٣٥ عند قوله : ولم نقف على من منع اعتبار هذا الظنّ من الفقهاء.

٢١٥

الأصل المطابق لتلك الغلبة الشّخصية سليما عن المعارض ، فيكون واجب العمل ، لوجود مناط الاعتبار فيه ، وهو الغلبة الغير المزاحمة بأقوى منها ، فحينئذ نحن نعكس الأمر ونقول : إن المتيقن حينئذ اعتبار الأصل المطابق لتلك الغلبة الشخصية لوجود مناط الاعتبار فيه ، فنطالب السيّد المذكور بدليل اعتبار الأصل الآخر حتى يصحّ معارضته لهذا الأصل.

والحاصل أنّا لا نقول بحجية تلك الغلبة الشخصية ، حتى يطالبنا أحد بالدليل ، بل نقول بحجية الأصل المطابق لها ، لوجود مناط اعتبارها ، فعلى السيّد إثبات اعتبار الأصل الآخر أو إثبات حجية الغلبة النّوعية في مجراه ، وأنّى له بإثبات شيء منهما.

هذا ، ثم احتجّ المحقق القمّي (١) (قدس سره) على وجوب الأخذ بالغلبة المذكورة بالإجماع على ما يستفاد منه ، وبدليل الانسداد ، ويظهر ذلك من قوله : خصوصا عند من يجعل الأصل العمل بالظّن ، وبالاستقراء الكاشف عن اعتبار الغلبة عند الشّارع مطلقا.

أقول : الإجماع العملي من العلماء السّابقين لا يبعد دعواه.

وأمّا الاستدلال بدليل الانسداد ، فلا وجه له ، إذ عليه يدور العمل مدار الظن الفعلي فإن وجد في أحد الطرفين ، فهو المتعيّن ، وإلاّ ، فالحكم التساقط ، ولا معنى لملاحظة التّعارض حينئذ ، إلاّ على مذهب بعض ، حيث أجرى الدّليل المذكور بالنسبة إلى الظّن النّوعي أيضا ، وتمسّك به على حجيّة الظنّ النّوعي ، وأمّا اعتبار الغلبة خصوصا عند الشّارع ، وخصوصا اعتباره عنده مطلقا ، لا دليل عليه. والاستقراء الّذي ادّعاه (قدس سره) لم نظفر عليه.

أقول : الإنصاف عدم جواز التعويل على الغلبة بمجرّدها ما لم يجعل اللّفظ من الظّواهر العرفيّة ـ ولو نوعا ـ في المعنى المطابق لها ، أمّا عدم جواز التعويل في غير الصورة المذكورة ، فلعدم الدّليل عليه ، لعدم ثبوت ما ذكر من الإجماعين بإطلاقهما ، بحيث يدخل فيهما محلّ النزاع ، وأمّا اعتبارها في الصورة المفروضة ، لا لكونها غلبة ، بل لأجل أنّ الظنّ الحاصل بسببها من اللّفظ ظنّ لفظيّ ، وقع الإجماع على العمل به.

تذنيب : ينبغي التنبيه على أمور غير مذكورة في كلمات القوم :

الأوّل : إنّ ما ذكرنا من المرجّحات المذكورة في المرحلة السّابقة إنّما هي

__________________

(١) القوانين : ٣٥.

٢١٦

مرجّحات بحسب النّوع ، فالأحوال الرّاجحة بسببها على غيرها إنّما يؤخذ بمقتضاها ما لم يكن مرجّح شخصيّ للحالة المرجوحة في خصوص المورد ، وأمّا إذا كان لها مرجّح شخصيّ يرجّحها على الحالة الرّاجحة بحسب النّوع ، كما إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز ـ مع كون ذلك المجاز مجازا مشهورا ـ كما في قوله ( يجوز إكرام العلماء ، ولا تكرم زيدا العالم ) وفرضنا كون النّهي مجازا مشهورا في الكراهة ، فدار الأمر بين التجوّز في النّهي ، أو تخصيص العام بإخراج زيد منه ، وغير ذلك من المرجّحات الشخصيّة ، كما إذا دار الأمر بين تخصيص الأكثر ـ على القول بجوازه ـ وبين التجوز ، كما إذا قال ( يجوز إكرام العلماء ، ولا تكرم الفساق منهم ) وفرضنا كون الفسّاق أكثر أفراد العام فإنّ التخصيص ، وإن كان بحسب النّوع راجحا على المجاز ، إلاّ أنّ هذا القسم منه مرجوح بالنسبة إليه ، وكما إذا دار الأمر بين التخصيص ـ بإخراج فرد هو أليق لثبوت الحكم له ـ وبين التّجوز ، كما إذا قال ( أكرم العلماء ) فقام الدليل على عدم وجوب إكرام زيد العالم الّذي هو أعلم وأتقى من غيره من العلماء ، فدار الأمر بين التّجوز في الأمر بحمله على الاستحباب ، فلا تخصيص ، أو تخصيص العام بإخراج زيد منه ، وإبقاء الأمر على ظاهره ، وغير ذلك من الخصوصيّات اللاحقة لخصوص المورد ، الموهنة للمرجّحات النّوعية.

فالأقوى حينئذ التّفصيل ، بأنّه إن كان ذلك المرجّح الشخصي بحيث يوجب ظهور اللّفظ في مقتضى الحالة المرجوحة ، بحيث يعدّ اللّفظ بسببه من الظّواهر العرفيّة في ذلك المعنى ، فلا شبهة في وجوب الأخذ به ، لدخوله في مطلق الظّهور اللّفظي الّذي قام الأدلة القطعيّة على اعتباره ، كما في تعارض المجاز المشهور مع التخصيص ـ على غير مذهب أبي حنيفة ـ إذ حينئذ لا بدّ من الأخذ بالعموم وارتكاب التجوّز.

أمّا على مذهب أبي يونس ، فواضح ، حيث إنّه مع قطع النّظر عن الدّوران يحمله على المعنى المجازيّ ، فكيف بصورة التّعارض.

وأمّا على مذهب المشهور ـ القائلين بالتّوقّف فيه عند عدم الدّوران ـ فلأنّ أصالة الحقيقة في اللّفظ الّذي صار مجازا مشهورا ـ بسبب مزاحمة الشّهرة ـ قد زالت عن القوّة ، فلا يمكن معارضتها لأصالة الحقيقة في العام ، فأصالة العموم سليمة عن المعارض ، فحينئذ يجب الأخذ بها ، ولازم كونها معتبرة كونها بيانا للّفظ الّذي صار مجملا بسبب مزاحمة الشّهرة لأصالة الحقيقة فيه حيث أنّ الأصول اللّفظية أمارات ، فهي

٢١٧

على فرض اعتبارها تكشف عن مداليلها المطابقية والتضمنيّة والالتزامية ، ويجب الأخذ بتلك المداليل بأسرها ، ولا ريب أنّ حمل اللّفظ المذكور على المعنى المجازيّ من المداليل الالتزامية لأصالة العموم عند التّعارض ، فيكون العام بيانا لذلك اللّفظ.

وكيف كان ، فهذا داخل فيما ذكر شيخنا دام ظله في آخر مسألة حجيّة الظّواهر ، وحاصل ما ذكره ( دام ظلّه ) أنّه إذا ورد خطاب وله ظهور ، ثم ورد خطاب آخر منفصل عن الخطاب المذكور ، ويكون ذلك الخطاب مجملا يحتمل كونه قرينة لصرف هذا الخطاب عن هذا الظّهور ، لا التوقف في ذلك الظّهور ، بل ربما ينعكس الأمر ، ويكون هذا الظّهور بيانا لذلك الخطاب المجمل.

وكيف كان ، فالضّابط ـ لهذا القسم من المرجّح الشخصي ـ هو أن يكون بحيث يوجب إجمال اللّفظ ، ويوهن أصالة الحقيقة فيه ، بحيث يصير احتمال إرادة الحقيقة به مع احتمال المعنى المخالف للأصل سواء ، فحينئذ يبقى الأصل الآخر في جانب الآخر سليما عن المعارض ، فيكون اللّفظ الآخر ظاهرا في معناه الحقيقي ، فيجب ارتكاب خلاف الظّاهر في اللّفظ الّذي صار أصالة الحقيقة فيه مزاحمة بالموهن ، وحمله على المعنى المخالف للظّاهر بكون اللّفظ الآخر حينئذ بيانا له لما مرّ.

والظّاهر أنّ هذا القسم ـ من الشّخصي ـ إنّما مورده في دوران الأمر بين الأحوال في لفظين في خطابين ، وأمّا في لفظ واحد ، أو في لفظين في خطاب واحد ، فالظّاهر عدم تحقّقه فتدبر.

وأما إذا لم يكن المرجّح الشخصيّ بهذه المثابة ، فيكون هذا على قسمين :

أحدهما : ما يوجب أقربيّة مفاد الحالة المرجوحة بالنسبة إلى الواقع ، ولا يوجب ظهور اللّفظ فيه ، ولا الظّن بكون الحالة المرجوحة ملحوظة في نظر المتكلّم ، كما إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز ، وقامت شهرة الفتوى من العلماء على طبق المجاز ، بمعنى أنّ المشهور أفتوا بما يوافق المجاز.

وثانيهما : ما لا يوجب أقربية المضمون إلى الواقع ، لكنّه موجب للظّن بأنّ المتكلّم أراد المجاز ـ مثلا ـ لا التخصيص ، وليس بحيث يعدّ اللّفظ معه من الظّواهر العرفيّة في المعنى المجازي.

أما القسم الأوّل منهما ، فلا ريب في عدم الاعتداد به وعدم كونه من الظّنون المخصوصة من الظّنون اللّفظية ، بل هو ظنّ خارجيّ ، متعلّق بالحكم الشرعي يدور

٢١٨

حجيّته مدار حجيّة الظّن بالأحكام الشّرعية ، بل هو في الحقيقة ليس مرجّحا للحالة المرجوحة أيضا ، إذ المفروض عدم إفادة الظّن بها.

وأمّا القسم الثاني : ففيه وجهان ، بل وجوه :

الأوّل : تقديم الحالة المرجوحة ، والبناء على ما يقتضيه إلحاقا لما نحن فيه بصورة التّعارض بين وجوه التّرجيح في الاخبار ، حيث إنّ العمل هناك على المرجّح الشخصيّ عند التعارض بينه وبين المرجّح النّوعي ، ولقيام الإجماع على العمل بأقوى الدليلين.

الثاني : التّوقّف ، وهذا مبني على القول باعتبار الظواهر اللفظية في صورة الظن بالخلاف.

الثالث : عدم الاعتداد به ، وفرضه كأن لم يكن ، والأخذ بالحالة الرّاجحة ، نظرا إلى أنّ العمل بالظّواهر اللفظيّة ، سواء كانت من جهة الوضع ، أو من جهة المرجّحات النّوعية ، انما هو باعتبار كونها ظنّا نوعيّا بالمعنى الأعمّ ، بحيث يؤخذ بها عرفا ما لم يقترن اللّفظ بما يصلح أن يكون صارفا عن هذا الظّهور.

ولا يخفى أنّ مثل هذا المرجّح الشخصي ، لا يصلح لكونه قرينة صارفة للّفظ حتّى يوجب إجماله ، لأنّ اللّفظ أيضا بسبب المرجّح النّوعي من الظّواهر العرفية في المعنى المطابق له ، ولم يقم دليل على اعتبار الظّن الحاصل منه ، بملاحظة المتكلّم الحالة المرجوحة حتى يقدّم على المرجّح النّوعي.

أولى الوجوه أخيرها لضعف الوجهين الأولين.

أمّا الأوّل منهما ، فلأنّ قياس ما نحن فيه بالأخبار قياس محض ، وأمّا الإجماع المذكور ، فلأنّ معقده إنّما هو الأقوائية من حيث الدليليّة ، والمفروض أن المرجح الشخصي لا يوجب ظهور اللّفظ في المعنى المطابق له حتّى يصير اللّفظ بسببه أقوى دلالة على المعنى المذكور من دلالته ، أو دلالة اللّفظ الآخر على المعنى الآخر على المعنى المطابق للترجيح النّوعي ، فيكون داخلا في معقد الإجماع ، أمّا الثاني فلفساد مبناه.

الأمر الثاني : أنّه قد يقع التّعارض والدّوران بين حالات لم يتعرّض القوم لبيانها ، ولعلّه لوضوح حكمها بملاحظة ما ذكروا في الأحوال السبعة المعروفة المتقدّمة من وجه التّرجيح ، والتوقّف ، وهي أي الحالات المشار إليها الكناية ، والتعريض ، والسخرية ، والاستهزاء والتلويح وغيرها من الوجوه البديعية ، التي ليست من المداليل المطابقية للّفظ ، والظّاهر أنّ التّقية والإرشاد ، والامتحان ، وغيرها ، من جهات صدور

٢١٩

الكلام الخارجة عن المدلول المطابق له من هذا القبيل.

وكيف كان ، فهذه الوجوه ليست مباينة للحقيقة والمجاز ، بل النّسبة بينها وبين كل منهما ، هي العموم من وجه ، فإنّها قد تؤدي بإيراد الكلام على وجه الحقيقة ، وقد تؤدّي بإيراده على وجه المجاز ، فمحلّ افتراق الحقيقة عنها ، ما إذا استعمل اللّفظ في معناه الحقيقي ، وتعلّق غرض المتكلم بتفهيم المعنى الحقيقي نفسه.

ومحلّ افتراق تلك الوجوه عن الحقيقة ، ما إذا تؤدي تلك إلى المجاز مع استعمال اللّفظ في معناه المجازيّ ، ومحلّ اجتماعهما ، ما إذا تؤدي إلى الحقيقة مع استعماله في معناه الحقيقي ، كما إذا قال : ( أكرم جبان الكلب أو كثير الرّماد ) مريدا به الكناية ، بمعنى أنّ غرضه إكرام السّخي ، وكذا لو قال : ( أكرم طويل النجاد ) متعلّقا غرضه بالشّجاع ، فإنّ الظّاهر وفاقا للسّكاكي ، وجمع من المحقّقين أنّ الكناية ليست مجازا في الكلمة ، بمعنى أنها من حيث هي لا توجب المجازيّة في الكلمة كغيرها من الوجوه المذكورة ، بل المجازيّة منها لا بدّ لها من سبب آخر ، فلذا تجامع مع كلّ منهما كسائر أخواتها.

نعم هي كأخواتها مجاز بمعنى آخر فإنّ الحقيقة لها إطلاقان :

أحدهما : انّه يراد بها الكلمة المستعملة فيما وضعت له.

وثانيهما : انّه يراد بها الكلام المسوق لبيان صرف المدلول المطابقي له ، ويعبّر عنه أيضا ببيان الواقع.

والمجاز أيضا له إطلاقان مقابلان لإطلاقي الحقيقة والكناية ، وسائر أخواتها ، مجازات بالمعنى الثاني ، المقابل للحقيقة بإطلاقها الثاني.

فإذا عرفت افتراق الوجوه المذكورة عن الحقيقة ، واجتماعها معها ، فقس عليه معرفة افتراقها عن المجاز واجتماعها معه.

وكيف كان ، فافتراق تلك الوجوه عن كلّ واحد من الحقيقة والمجاز ، واجتماعها مع واحد منهما ، إنّما هو باعتبار تعلق غرض المتكلم بتفهيم المدلول المطابقي للّفظ حقيقة أو مجازا ، وبشيء خارج عن مدلوله المطابقي ، فعلى هذا ، فالمقسم بينها ، وبين الحقيقة والمجاز إنّما هو غرض المتكلم لا المستعمل فيه ، فإنه مقسم فيما بين الحقيقة والمجاز ، لا بينهما وبين الوجوه المذكورة ، لكونها تابعة لغرض المتكلم ، لا المستعمل فيه.

ثم إنّ النسبة بينهما وبين سائر الوجوه المعروفة المذكورة سابقا ، المخالفة للأصل ، غير المجاز ، كالتخصيص ، والتقييد ، والإضمار ، وغيرها هي أيضا عموم من وجه ، لجواز

٢٢٠