تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

إليه ، فإذا لم يكن هناك طريق إلى ثبوت الفساد ولا الصّحة وجب الوقف ، لا الحكم بالصحّة.

وأما تفصيلا ، فأولا : بالنقض بأنه لو لزم التفتيش المذكور لتشخيص الصحة ـ على القول بالصّحيح ـ للزم على القول بالأعم أيضا فيما لو نذر شيئا لمن يصلي صلاة واجبة أو مندوبة ، ضرورة عدم اتصاف الفاسدة بشيء منهما مع أنا لم نقف على من التزم التفتيش فيه ، ولا على من التزم التفصيل بينه وبين الصورة المتقدمة.

وثانيا : بالحل وقرّبه في الهداية.

أوّلا : بأن عدم التفتيش والبحث في المقامين إنما هو من مقتضيات أصالة صحة أفعال المسلمين المقررة في الشرع.

والقول بأن أقصى ما يقتضيه الأصل المذكور هو الحمل على الصحة عند العامل ، لا الحامل ، مدفوع بأنّ الّذي يظهر من ملاحظة الطريقة الجارية هو الحمل على الصحة الواقعية.

كيف ، ولو لا ذلك لم يقم للمسلمين سوق ، لاختلافهم في أحكام الذبائح ، والجلود ، وغيرها ، وكثير من العامّة لا يشترطون الإسلام في المذكي ويحللون ذبائح أهل الكتاب ، وجماعة منهم يقولون بطهر جلد الميت بالدباغ ، فلو لم نقل بأصالة فعل المسلم على الصحة الواقعية لم يجز لنا أن نأخذ منهم شيئا من اللحوم والجلود مع عدم علمنا بحقيقة الحال ، وهو خلاف الطريقة الجارية من لدن أعصار الأئمة عليهم السلام ، بل يجري ذلك بالنسبة إلى أهل الحق أيضا ، لاشتباه العوام في كثير من الأحكام ، فيزعمون صحة ما هو فاسد عند العلماء ، فإذا كان مفاد الأصل المذكور مجرد إفادة الصحة بزعم العامل ، صعب الأمر جدا ، ولم يمكن الحكم بصحة شيء من العقود والإيقاعات ، ولم يجز أخذ شيء من اللحوم والجلود ولو من أهل الحق إلا بعد التجسّس عما يعتقده ذلك الشخص ، وهو مما يقتضي الضرورة بفساده.

وثانيا : سلمنا أن مقتضي الأصل هو الصحة عند الفاعل ، لا الحامل ،

٣٤١

لكن نقول : إن هذه الصحة وإن فرض مخالفتها للصحة الواقعية ، إلا أنه بعد كونها تكليفا شرعيا وواقعيا ثانويا في حق معتقده من ملاحظة المقدمتين المشهورتين للمجتهد أو المقلد ، لا يبعد شمول الصحة الواقعية لها ، وإمضاء ترتب آثار الواقع الأوّلي عليه للغير.

نعم لو لم يكن تكليفا شرعيا ولا ثانويا في حقه ، صح الحكم بفساده شرعا ، كما في صلاة المخالفين وإن بذلوا جهدهم في تحصيل الحق ، وقلنا بإمكان عدم الوصول حينئذ إلى الحق ، إذ غاية الأمر حينئذ معذوريتهم في عدم الإتيان بما تعلّق بهم من التكاليف الواقعية ، وذلك لا يقضي بتعلق التكليف بالإتيان بما زعموه ، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر الأديان انتهى محصل جوابي صاحب الهداية ، وقد وافقه على الأول منهما صاحب الفصول ، والموائد ، قدس سرهما.

ولكن لا يخفى ما فيهما من بعد الأول وأبعدية الثاني.

أما وجه بعد الأول ، فلأن مفاد أصالة الصحة المقررة في الشرع لأفعال المسلمين :

إما إثبات حكم الصحة من الحلية والإباحة الظاهرية على أفعالهم المشتبهة من غير إثبات موضوع الصحة اللازم للحكم عقلا ، لكون الملازمة من آثار الحكم الواقعي ، لا الظاهري.

وإما إثبات حكم الصحة من الحلية والإباحة الظاهرية الملازمة لإثبات موضوع الصحة أيضا ، دون إثبات موضوع الفعل وعنوانه اللازم للصحة عقلا ، لكون الملازمة من آثار الصحة الواقعية لا الظاهرية.

وإما إثبات الصحة الواقعية الملازمة لموضوع الفعل أيضا ، وأصالة الصحة بالمعنى الأول لا تعارض أصالة الفساد في المعاملات والعبادات المشتبهة صحتها ، وبالمعنى الثاني وإن عارضه وكان حاكما عليه ، إلا أنه لا يثبت موضوع الصلاة التي هي مورد النذر حتى يبرأ الناذر بإعطاء المنذور لفاعلها ، فانحصر ابتناء الجواب المذكور على أصالة الصحة بالمعنى الثّالث ، وأنى له بتعيينه فيه ، فإن أقصى مفاد

٣٤٢

قوله عليه السلام ( ضع أمر أخيك على أحسنه ) (١) هو المعنى الثاني ، أعني إثبات الصحة الظاهرية الغير الملازمة لإثبات موضوع الصلاة الّتي هي مورد النذر ، لكون الملازمة من آثار الصحة الواقعية لا الظّاهرية ، فعاد الإشكال في إبراء الناذر بإعطاء المنذور لفاعل تلك الصلاة المشتبهة على القول بالصحيح.

نعم يندفع هذا الإشكال على القول بالأعم خاصة حيث أنّه يحرز الموضوع بالإطلاق ، والصحة بالأصل ، وأما القائل بالصحيح فليس له إطلاق يحرز به الموضوع حتى يجديه الأصل ، بل الألفاظ عنده مجملة.

واما وجه أبعدية الثاني : فلما سيأتي في محله من أن أقصى مفاد أدلة الاجتهاد إنما هو إمضاء الحكم المجتهد فيه بالنسبة إلى ذلك المجتهد ومن يقلّده ، فلا يتجاوز إلى الغير ولو قلنا بموضوعية ما في يد المجتهد من الطرق الظاهرية ، فإن موضوعية ما في يده أيضا لا تتجاوز إلى غيره.

والتفرقة المذكورة بين خطأ اجتهاد أهل الحق وخطأ اجتهاد أهل الخلاف لا يرجع إلى محصل بعد فرض مساواتهما في القصور وعدم التقصير ، فمعذورية المخطئ في اجتهاده من غير تقصير إنما ثبتت في حق نفسه ومن يقلده ، ولا دليل على تجاوزها إلى الغير لا عقلا ولا شرعا ، إن لم يكن الدليل على خلافه ، ولا فرق في كون الخطأ من اجتهاد أهل الحق أو أهل الخلاف.

غاية الفرق أن يقال بترتب الأجر على اجتهاد أهل الحق مضافا إلى معذوريتهم في الخطأ دون ترتبه على اجتهاد أهل الخلاف بناء على اختصاص حديث ( ان لله في كل واقعة حكما فمن أصابه فله أجران ومن لم يصبه فله أجر ) بأهل الحق.

وحينئذ فالصواب في الجواب الحلي : أما في مسألة النذر ، فبمنع ملازمة القول بالصحيح لوجوب التفتيش ، بتقريب ان تعسر اطلاع أغلب الناس على مصداق الصلاة الصحيحة ولو عند الفاعل ، وجريان طريقتهم ، بل وطريقة الشارع على المسامحات ، وعدم التدقيقات الموجبة للعسر والحرج ، قرينة على أن مقصودهم

__________________

(١) وسائل الشيعة ٨ : ٦١٤ ح ٣ من باب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة.

٣٤٣

في موارد النذر واليمين مطلق ما يصدق معه الصلاة الصحيحة شرعا ولو في حق الغير ، فإن مجرد ذلك كاف في الرجحان الشرعي المتوقف عليه انعقاد النذر واليمين.

مضافا إلى أنّ مجرد عدم تفتيش الناذر والحالف عن أحوال المصلي في إعطائه المنذور والمحلوف عليه كاف في قرينيّته على ذلك بالنسبة إلى الحاكم ، وأمّا بالنسبة إلى نفسه فلا نأبى من الالتزام بالرجوع إلى قصده فيما بينه وبين ربه ، وبلزوم التفتيش عليه لو قصد الموضوع الخاصّ.

لا يقال : إن مطلق ما يصدق معه الصلاة الصحيحة شرعا معنى مجازي لا ينصرف إليه إطلاق مورد النذر.

لأنّا نقول أولا : قد عرفت في مقدمات المسألة ، أن الجامع الموضوع بإزائه ألفاظ العبادات عند الصحيحي ليس هو الصحيح الواقعي الأوّلي الثّابت في كل واقعة في حق العالم والجاهل ، بل هو أعم منه ومن الصّحيح عند مجتهد ، الفاسد عند آخر ، بل ومن الصحيح في الأمم السالفة ، الفاسد في هذه الأمة ، كما نصّ عليه من الصحيحيين صاحب الهداية والموائد.

وثانيا : سلمنا ، لكن القرينة المذكورة من المسامحات وعدم التدقيقات الموجبة للعسر والحرج كافية في الانصراف.

وأما في مسألة الاقتداء به ، فبمنع ملازمة القول بالصحيح لوجوب تفتيش المأموم عن صلاة الإمام في جواز الاقتداء به أيضا ، بتقريب أن غلبة مراعاة أئمة الجماعات الاحتياط والآداب في الصلوات التي يقصدون فيها الإمامة موجب لاعتقاد المأمومين تطبيق الإمام صلاته على حسب معتقدهم في العمل وإن كان مخالفا لهم في القول ، وهذا الاعتقاد الحاصل من الغلبة الثابتة في نوع الأئمة هو الباعث لعدم التفتيش عن حال صلواتهم لمن أراد الائتمام بهم ، ولو أبيت عن حصول هذا الاعتقاد في خصوص بعض المقامات (١) ...

على الركوع الزائد الفاسد بالنهي عنه ، وهذا الإطلاق حقيقي لا صوري ،

__________________

(١) سقطت من النسخة الأصليّة ورقة كاملة في هذا الموضع.

٣٤٤

لعدم بطلان الصلاة بمجرد إيجاد صورة الركوع لأجل الهوي إلى السجود ، أو أخذ شيء من الأرض.

والجواب عنه أولا : بخروج نحو الركوع والسجود عن أسماء العبادات ، بل هي أسماء لأجزاء العبادات ، ومن البين عدم تعلق أمر بالخصوص على أجزاء العبادات حتى يعتبر الصحة والفساد فيها من حيث هي.

وثانيا : سلمنا دخولها في أسماء العبادات ، لكنها خارجة عن المعاني المستحدثة بتصرف الشارع ، كالزّيارة والدّعاء وتلاوة القرآن ونحوها ، من ألفاظ العبادات الباقية في معانيها الأصلية ، واعتبر الشارع في صحتها شروطا خارجية ، كألفاظ المعاملات.

وثالثا : سلمنا كل ذلك لكن استعمال الركوع في الركوع الزائد الفاسد إنما هو تبع لمعتقد عامله وقصد أنه من مصاديق الركوع ، فيندرج في الحقيقة الادعائية.

ورابعا : سلمنا عدم التبعية في الاستعمال ، لكن ومع ذلك الاستعمال أعم من الحقيقة لاحتمال المجازية.

ومنها : أنها لو كانت موضوعة للصحيح للزم من قوله عليه السلام ( دعي الصلاة أيّام أقرائك ) ونحوها من جميع أقسام النهي عن العبادة واحد من المحاذير الثلاثة على سبيل منع الخلو :

إما دلالة النهي على الصحة من جهة المادة نظرا إلى امتناع تعلقه بغير المقدور وهو الصحيحة ، ولا يقول به أحد من الفريقين سوى أبي حنيفة وصاحبيه.

وإما تخريج النهي عن حقيقته في الإنشاء إلى الإخبار ، والإرشاد بمانعية الحيض ، وشرطية خلوه في الصّلاة ، فيكون معنى ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) لا صلاة أيام أقرائك ، وهو من المجازات البعيدة ، بل عديمة النظير.

وإما تخريج المنهي ، وهو الصلاة عن حقيقته المفروضة ، وهي الصحيحة إلى المجاز الرّاجح المساوي احتماله لاحتمال الحقيقة ، فإن بيان نصف الفقه من الطهارة إلى الدّيات إنّما هي بلفظ المناهي ، فيلزم مجازية متعلق النهي في

٣٤٥

جمع تلك المناهي ، ولعله أبعد من سابقه ، فيتعين كونها اسما للأعم حذرا من لزوم شيء من المحاذير المذكورة.

ويمكن للصحيحي الجواب أولا : بمنع استلزام الصحيحة لشيء من المحاذير المذكورة.

أمّا المحذور الأول ، وهو دلالة النهي على الصحة في العبادات فلابتناء لزومه على امتناع تعلق النهي بالأعم من الصحيح والفاسد وهو ممنوع :

نقضا : بوقوع تعلقه بالأعم في جميع ألفاظ المعاملات بوفاق من الخصم ، فلو لا جوازه لما وقع أصلا ورأسا ، لعدم جواز تخصيص المانع العقلي من جوازه ، وهو امتناع تعلق النهي بالممتنع وغير المقدور.

وحلا : بأن الممتنع هو تعلق النهي بغير الصحيح وغير المقدور قبل النهي ، لا غير المقدور بعد النهي وبواسطة عروض النهي ، وإلا لامتنع عروض الفساد على شيء من المناهي بتطرق النواهي حتى في مثل نكاح المحارم ، وارتكاب الجرائم ، ومن ذلك يعلم أن الصحة الاستصحابية والمقدورية القبلية كافية في صحة النهي قطعا وجزما.

وأما المحذور الثاني ، وهو لزوم تجريد النواهي عن الإنشاء إلى الإخبار عن نفي الماهية أو الصّحة أو الكمال ، فلابتنائه على القول بعدم اجتماع الإرشاد مع الطلب ، ولا مانع من اجتماعهما عندنا في الإلزامات الإرشادية ، بل لو سلمنا كونهما مانعتي الجمع ، كما عن الفصول ، فلا نسلم بطلان ما زعمه المستدل من المحذور اللازم ، وهو تجريد النواهي عن الطلب ، لمنع كونه من المجازات البعيدة العديمة النظير ، لكفاية الإرشاديات له نظيرا على زعم من زعم عدم اجتماعها مع الطلب.

وأما المحذور الثالث ، فكذلك ممنوع اللزوم أولا ، وممنوع البطلان ثانيا ، فإن تعلق النواهي بغير الصحيح من أول الفقه إلى آخره ليس بأكثر من استعمالها في التنزيه والكراهة ونحوهما من المعاني المجازية كما لا يخفى.

٣٤٦

ومنها أنها لو كانت أسامي للصحيحة للزم أن يكون لكل صلاة ماهيات متكثرة بحسب اختلاف أحوال المكلفين ، كالحاضر ، والمسافر ، والحافظ ، والناسي ، والشاك ، والصحيح ، والمريض ، والمضطر ، والآمن ، والخائف إلى غير ذلك مع اشتمال كل واحد من هذه الأقسام على أقسام عديدة ، أما الملازمة فظاهرة ، وأما بطلان اللازم فلاستلزامه ـ على القول بثبوت الحقيقة الشرعية ـ تعدد وضع الصلاة مثلا إلى مالا يحصى ، وعلى القول بالعدم استعمال لفظ الصلاة مثلا في أكثر من معنى مجازي في إطلاق واحد.

والجواب عنه أنه إن أريد لزوم ماهيات متعددة على وجه الاستقلال ، فالملازمة ممنوعة بما عرفت في مقدمات المسألة من إمكان فرض جامع مشترك بين أفراد الصلاة الصحيحة ، المختلفة بحسب اختلاف أحوال المكلّفين وهو المصلحة المحصلة للتقرب ، الملزومة للطلب ، المختلف باختلاف أحوال المكلفين ، المساوية له ، فيكون الزيادات والنقيصات على القول بالصحيح أيضا من طوارئ الماهية وعوارضها ، ولا اختلاف في الماهية بحسب اختلافها.

وإن أريد لزوم ماهيات متعددة على وجه البدلية عما هو المعتبر في حق المختار المستجمع لجميع الشرائط ، والفاقد لجميع الموانع ، فبطلان اللازم ممنوع ، لعدم استلزام تعدد ماهية العبادة على وجه البدلية لتعدد الوضع ، أو استعمال اللفظ في أكثر من معنى مجازي ، وذلك لإمكان اندراج الأبدال في مصداق المبدل منه كاندراج الحقائق الادعائية والزعمية في مصاديق الحقائق.

ومنها : أنّها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لزم دخول وصف الصحة في مفاهيمها ، وهو باطل لاستلزامه الدور ، وتكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلقة بها ، لتوقف الطلب حينئذ على الصحة ، والصحة على الطلب.

والجواب عنه بمنع الملازمة بما تقدم في المقدمات من أن المراد [ من ](١) الصحة المأخوذة في مسمى الألفاظ ليست هي الصحة المصطلحة عند المتكلمين

__________________

(١) زيادة يقتضيها السياق.

٣٤٧

والفقهاء من موافقة الأمر أو إسقاط القضاء حتى يستلزم ما ذكر ، بل هي الصحة اللغوية المقابلة للمعيوب ، أعني تام الأجزاء والشروط حسبما عرفت.

ومنها : أنها لو كانت موضوعة للصحيح للزم أن يدل النّهي على صحتها ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله إلى غير ذلك من الوجوه التي استقصى تفصيلها وتفصيل ما فيها كتاب الهداية.

حجة القول بالتفصيل بين الأجزاء والشروط أما في اعتبار الأجزاء فبظهور عدم تحقق الكل مع انتفاء الجزء ، فإذا تحققت الجزئية لم يعقل صدق الكل حقيقة بدونه ، وأما في عدم اعتبار الشروط فبظهور خروج الشروط عن ماهية المشروط ، كيف ، ولو لا ذلك لما تحقق فرق بين الجزء والشرط ، وامتناع وجود المشروط بدون الشرط لا يقتضي أخذه في مفهوم لفظ المشروط.

والجواب أما عن عدم إمكان تحقق الكل مع انتفاء الجزء ، فبما مر في تصوير القول بالأعم ، من إمكان منع كون الأجزاء الغير المقومة أجزاء لمطلق الصلاة ، بل القدر الثابت كونها أجزاء للصلاة الصحيحة أوّلا.

ومن إمكان منع كونها أجزاء للصلاة مطلقا ، بل القدر الثابت كونها اجزاء ما دامت موجودة ، وإذا انعدمت لا ينعدم الاسم بانعدامها ، نظير ما وقع في كثير من الأوضاع العرفية كلفظ البيت ونحوه ، حسبما تقدم تفصيله ثانيا.

وأما عن خروج الشروط عن ماهية المشروط فبما تقدم من أن دخول التقيد بالشروط في مسمى اللفظ كاف في إثبات مذهب الصحيحي بالمعنى الأخص وإن خرجت نفس الشروط عنه ، وفي هذا المقدار من الفرق بين الأجزاء والشروط كفاية واضحة كما لا يخفى.

حجة التفصيل بين لفظ الحج وسائر ألفاظ العبادات ، المستفاد من كلام الشّهيد على تقدير إفادته له ، هو وجوب المضي في فاسد الحج دون فاسد سائر العبادات.

وأنت خبير بأن وجوب المضي في فاسد الحج لا يقتضي كونه موضوعا

٣٤٨

بإزاء الأعم ، فإنه مع انتقاضه بفاسد الصوم حيث يجب المضي فيه مدفوع بعدم دليل على الملازمة.

تذنيب : قال الشهيد ( في القواعد ) (١) الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود ، لا تطلق على الفاسد إلا الحج ، لوجوب المضي فيه ، فلو حلف على ترك الصلاة ، والصوم اكتفى بمسمّى الصحة ، وهو الدخول فيها ، فلو أفسدها بعد ذلك لم يزل الحنث ، ويحتمل عدمه لأنّها لا تسمى صلاة شرعا ، ولا صوما مع الفساد ، وأما لو تحرم في الصلاة ، أو دخل في الصوم مع مانع من الدخول لم يحنث قطعا انتهى.

أقول : هذا الكلام منه موهم لأمور :

الأول : ما وقع فيه الفصول (٢) وغيره ، من نسبة التفصيل في المسألة بين الحج وسائر ألفاظ العبادات إلى الشهيد ، والموهم لذلك من كلامه هو ظاهر نفي الإطلاق ، وتفريع مسألة الحنث عليه.

ويدفع هذا الوهم أنّ تعليل الإطلاق بوجوب المضي قرينة لفظية على كون مراده الإطلاق على وجه المطلوبية ، لا التسمية وأن أقربية شأن الشهيد سيما في القواعد إلى الاستقراء في المطلوبات الشرعية من الاستقراء في المسميات قرينة حالية على أن مراده ما ذكر ، ومع قيام هذه القرينة الحالية والمقالية ، لا وجه بل لا مسرح لإبقاء كلامه على ظاهره ، من بيان حال التسمية ، ثم توجه الإيراد عليه بعدم مساعدته التعليل ، كما ارتكبه الفصول وغيره.

الثاني : ما وقع فيه القوانين (٣) ، من نسبة القول بثبوت الحقيقة الشرعية في المعاملات إلى الشهيد رحمه الله ومن اختياره له ، والموهم لذلك من كلامه هو المركب مما يوهم الأمر الأول ، ومن أقربية عطف سائر العقود على الصلاة من عطفه على الماهيات الجعلية.

__________________

(١) القواعد والفوائد ١ : ١٥٨.

(٢) الفصول : ٥٢.

(٣) قوانين الأصول : ٥٢.

٣٤٩

ويدفع هذا الوهم أولا : بقيام القرينة الحالية والمقالية المذكورة على دفع الجزء الأول مما يوهمه.

وثانيا : بقيام الدليل الخارجي على دفع الجزء الآخر مما يوهمه ، بتقريب أن أقربية عطف سائر العقود على الصلاة من عطفه على الماهيات أقربية اعتبارية ، لا ربط لها بدلالة الألفاظ التوقيفية.

مضافا إلى ما ادعاه الفصول (١) ، وأستاذنا العلامة من عدم الظفر بحكاية القول بثبوت الحقيقة الشرعية في المعاملات عن أحد ، مع أن مجرد أصالة عدم النقل كافية في عدم ثبوته.

وأما ما ثبت لها في الشرع من شرائط مستحدثة ، فإما خارجة عن معانيها شرعا ولغة ، كما عليه المشهور ، أو محققة لمعانيها اللغوية من الآثار ، أو العقد المستتبع للآثار ، كما عليه الفصول (٢) ، وعلى أي من التقديرين فليست منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان شرعية.

أما على الأول : فلخروج التقيد بها عن معانيها شرعا ولغة ، أما لغة فظاهر ، وأما شرعا فلدخوله في وصفها الخارجي ، وهو الصحة ، لا في ذاتها الشرعية ، فإرادة الشارع المعاني المشروطة من ألفاظ المعاملات من قبيل الدالين والمدلولين لا دال ومدلول.

وأما على الثّاني : فلدخول التقيد بها في معانيها اللغوية على الوجه الآتي بيانه.

الثالث : التفرقة بين ما إذا كان المركب من الأجزاء في حيز النفي وبين ما إذا كان في حيز الإثبات ، والموهم لذلك صريح إفتائه بلزوم الحنث بمجرد الدخول على وجه الصحة في العبادة ، المحلوف على تركها وإن أفسدها في البين ، وعدم لزوم الإبراء بمجرد الدخول على وجه الصحة في العبادة المحلوف على إتيانها.

ويؤيد التفرقة المذكورة أمران :

__________________

(١) الفصول : ٥٣.

(٢) الفصول : ٥٢.

٣٥٠

أحدهما : افتراق الفعل في سياق النفي من الفعل في سياق الإثبات في الدلالة على العموم عرفا وعدمه.

ثانيهما : افتراق مقدمات الفعلية للحرام من المقدمات الفعلية للواجب في قيام الأدلة الأربعة على الحرمة في الأول ، دون الوجوب في الثاني كما سيأتي تفصيله في محله.

وأما ما أورد في القوانين (١) من أن البناء على عموم سياق النفي يقتضي لزوم الحنث بمجرد الدخول في الفعل المحلوف على تركه ولو على وجه الفساد والمنع من الدخول ، ومن المعلوم بل المصرح به في كلام الشهيد هو عدم حنثه في تلك الصورة قطعا ، فمدفوع بأن القدر المعلوم خروجه عن مورد النذر بقرينة عدم انعقاد النذر بغير الراجح هو هذه الصورة ، فيبقى غيرها تحت إطلاق النفي كما لا يخفى.

الرابع : من موهمات كلام الشهيد ، ما وقع فيه صاحب القوانين (٢) أيضا ، من إجراء نزاع الصحيح والأعم في ألفاظ المعاملات أيضا ، وعدم اختصاصه بألفاظ العبادات ، ومن اختياره له.

والموهم لهذا الأمر من كلامه هو الموهم للأمر الأوّل ، والدافع له هو الدافع له.

مضافا إلى أنّه يكفي في دفعه ، أنه لم يعهد القول بإجمال ألفاظ المعاملات عن أحد من العلماء ، مع اتفاقهم على أن ثمرة نزاع الصحيح والأعم هو الإجمال والإطلاق ، فعدم صدور القول بإجمال ألفاظ المعاملات عن أحد أقوى شاهد على عدم إجراء نزاع الصحيح والأعم في ألفاظ المعاملات ، وعلى دفع كل ما يوهم جريانه فيها من كلام الشهيد ، والمحقق (٣) ، وغيرهما حيث قالوا : بانصراف البيع وسائر العقود إلى الصحيح ، دون الفاسد ، ومن كلام الشهيد في المسالك (٤) حيث قال : عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح ، مجاز في الفاسد ،

__________________

(١) قوانين الأصول : ٥٢.

(٢) قوانين الأصول : ٥٢.

(٣) شرائع الإسلام ٣ : ١٧٧.

(٤) مسالك الأفهام ١ : ١٥٩.

٣٥١

لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز فيها ، للتبادر في الصحيح ، وصحة السلب عن الفاسد ، ومن ثم حمل الإقرار به عليه حتى لو ادعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا ، ومن كلام الفقهاء في مقام التحديد حيث قالوا : البيع مثلا لغة كذا ، وشرعا كذا ، إلى غير ذلك من الكلمات الموهمة إجراء نزاع الصحيح والأعم في المعاملات.

أما وجه الإيهام فلما فيها من إيهام استناد تبادر ألفاظ المعاملات في الصحيح ، وانحصار مسمياتها فيه إلى تصرف الشارع ، المنوط به عنوان مسألة الصحيح والأعم.

وأما وجه دفعه فأما على ما عليه المشهور ـ من أن الشروط المستحدثة من الشارع شروط لصحتها وإمضائها ـ فباستناد تبادرها وانحصار مسمياتها في الصحيح إلى أن الظاهر والغالب من حال المسلم وأهل الشرع في العقود والإيقاعات ، إرادة الصحيح ، لا الفاسد ، أو إلى تصرف المتشرعة بنقلهم إياها إلى الصحيح ، أو تغليبهم استعمالها في الصحيح.

وأما على ما عليه الفصول (١) ـ من أن الشروط المستحدثة من الشارع شروط لتحقق معانيها اللغوية ـ فباستناد تبادرها وانحصار مسمياتها في الصحيح إلى الوضع اللغوي لا إلى تصرف الشارع ، لأنّ بيان الشارع الشروط حينئذ إنما هو لأجل الكشف عن المعاني الأصلية ، إرشادا للعرف إليها ودفعا لخطئهم في مصاديقها ، كما في تحديده الحيض بأن أقلّه ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيّام ، وغير ذلك من الألفاظ اللغوية التي بينها الشارع على وجه التنبيه والتعليم لمعانيها الأصلية لها بخواصها الشرعية ، فهما واحد بالذات ، مختلفان بالاعتبار ، فمن حيث أنها متصورة بالوجه اللغوي لغوية ، وبالوجه الشرعي شرعية ، ولا استبعاد في خفاء بعض المعاني اللغوية وقواعدها على العرف ، بل قد اتفق رجوعهم في معرفة بعض الألفاظ اللغوية وقواعدها إلى المعصوم عليه السلام ، في حكايات لم يحضرني الآن مظان تفصيلها من كتب التواريخ واللغة ، كما لا يخفى على المتدرب فيها.

__________________

(١) الفصول : ٥٢.

٣٥٢

بقي الكلام في الفرق والثمرة بين الصحيح والأعم :

فنقول : إن بينهما فرقا موضوعيا وفرق حكميا.

أما الفرق الموضوعي ففي استلزام القول بالصحيح لإجمال اللفظ ، واقتضاء القول بالأعم لبيانه وإطلاقه ، ما لم يطرأ عليه الإجمال العرضي ، كالتقييد بالمجمل ، أو ورود الإطلاق مورد حكم آخر ، أو نحو ذلك مما يسقط اعتبار إطلاق اللفظ ويلحقه بالمجمل في الحكم.

وأما الفرق الحكمي بينهما ، فيظهر في المشكوك جزئيته وشرطيته ، حيث أن كل من قولي الصحيح والأعم يستلزم وجوب الإتيان به على وجه ، وعدم وجوب الإتيان به على وجه آخر.

وتفصيل ذلك أن يقال : أما القول بالصحيح فيستلزم وجوب الإتيان به من باب الاحتياط ، بناء على رجوع مسألة الشك في الشرطية والجزئية إلى مسألة الشك في المصداق والمكلف به ، وعدم وجوب الإتيان به لأصالة البراءة ، بناء على رجوعه إلى مسألة الشك في التكليف ، كما هو المشهور المنصور.

وأما ما صدر عن صاحب الهداية (١) وغيره ، من ترتب الاحتياط على القول بالصحيح مطلقا فمبني اما على مختاره ، أو مختار من أخذ ذلك منه على وجه الاقتباس ، من رجوع الشك في الشرطية والجزئية إلى الشك في المصداق لا المفهوم.

ولنا على تزييف مبناهم المذكور ، أن المعيار المائز بين الشك في المصداق والمفهوم ، كون الشك في المصداق ناشئا عن عروض الأمور الخارجية ، كالظلمة ونحوها وفي المفهوم ناشئا عن الجهل بالمراد من اللفظ ، ومن البين أن الشك في الشرطية والجزئية على القول بالصحيح ناشئ عن الجهل بالمراد ، لا عن الأمور الخارجية ، كالظلمة ونحوها حتى يكون من قبيل الشك في المصداق.

وأما القول بالأعم ، فلا يستلزم وجوب الإتيان بالمشكوك جزئيته أو

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١١٣ و ١١٤.

٣٥٣

شرطيته بأصالة الإطلاق ، بناء على إحراز الأجزاء المقومة التي يتوقف عليها صدق الاسم بالدليل الاجتهادي ، وبأصالة البراءة بناء على إحرازها بالبراءة ، ويستلزم وجوب الإتيان بالمشكوك جزئيته أو شرطيته من باب الاحتياط ، بناء على إحراز تلك الأجزاء التي يتوقف عليها صدق الاسم بالاحتياط.

وذلك لأن الأجزاء المقومة التي يتوقف عليها صدق الاسم ، إن أحرزت بالدليل الاجتهادي حصل للفظ إطلاق وارد على البراءة عند الشك في سائر الأجزاء والشروط الغير المقومة ، وإن أحرزت بالدليل الفقاهتي ، كان المعول عليه عند الشّك في سائر الأجزاء الغير المقوّمة هو ذلك الدليل الفقاهتي ، إن كان هو البراءة فالبراءة ، أو الاحتياط فالاحتياط ، فإنّ صدق اللفظ وإطلاقه من الآثار الخارجية والواقعية التي ليس من شأن الدليل الفقاهتي إثباتها ولو كان الدليل الفقاهتي هو الاحتياط ، ضرورة أن أثر الاحتياط ، وهو الإتيان بجميع ما يحتمل اعتباره في الصدق ، لا يجعل المحتمل جزئيته أو شرطيته جزء أو شرطا للماهية ، كما توهمته في سابق الزمان تبعا لغيري.

هذا ، وقد رتب على الإطلاق المبتني على القول بالأعمّ والإجمال المستلزم للقول بالصحيح أحكام أخرى.

منها : ترتب لزوم وقف المساجد على صلاة من لم يعلم فساد صلاته فيها بإذن الواقف ، القائمة مقام القبض المتوقف عليه لزوم الأوقاف ، بناء على القول بالأعم ، وعدم ترتب لزومه عليه ما لم يتفتش عن صحة صلاته ، بناء على القول بالصحيح.

فإن قلت : إنّ للقائل بالصحيح أن يحرز الصحة بقاعدة حمل أفعال المسلمين على الصحة ، فلا احتياج له بالتزام التفتيش حتى يفترق بينه وبين القائل بالأعم.

قلت : قد تقدم أن قاعدة الحمل على الصّحة لا يستلزم تحقق موضوع الصلاتية إذا كان مستندها الأخبار الشرعية ، دون العقل والغلبة الظنية الغير الثابتة الحجّية إلا أن يدعى بأن لزوم وقف المساجد غير مبتن على تحقق موضوع

٣٥٤

الصلاة فيها بإذن الواقف ، بل يكفي في لزومه مجرد أن يتحقق فيها بإذن الواقف صلاة مشروعة ولو في حق بعض دون بعض ، كما ادعاه الأستاذ دام ظلّه إلا أنه لم يأت له ببينة وبرهان.

ومنها : ترتب جواز الاقتداء بكلّ من لم يعلم فساد صلاته ، وجواز إعطائه الحق المنذور للمصلين على القول بالأعم ، وعدم جوازهما إلا بعد التفتيش عن صحة صلاته في الواقع على القول بالصحيح ، وقد مر تفصيل منع ترتب هذين الحكمين على القولين المذكورين ، فلا نطيل بالإعادة.

ومنها : ترتب الفرق والثمرة الحكمية بين قولي الصحيح والأعم في بعض صور الواجب المشكوك نفسيته وغيريته.

وتفصيل ذلك : أن المشكوك إما معلوم الوجوب ومشكوك النفسيّة والغيرية كوجوب غسل الميت ، أو معلوم الوجوب نفسا ومشكوك الغيرية باعتبار آخر ، كوجوب الإسلام ، أو بالعكس كوجوب الوضوء وغسل الجنابة.

أما المشكوك في القسم الأول : فيحمل على النفسيّ ، بناء على القول بالأعم لأصالة الإطلاق وعدم التقييد.

لا يقال : إن الأصل المثبت غير حجة.

لأنا نقول : عدم حجية الأصل المثبت إنما هو في الأصول العملية التي مستندها الأخبار التعبدية ، وأصالة الإطلاق وعدم التقييد من الأصول اللفظية التي مستندها الظن والغلبة.

وأما بناء على القول بالصحيح ، فإن قلنا بلزوم الاحتياط في مسألة الشك في الشرطية والجزئية ، بني على الغيرية ، بمقتضى الاحتياط وأصالة البراءة عن النفسيّة.

وإن قلنا بالبراءة في تلك المسألة ، كما هو المختار ، فقد يقال بالاحتياط ها هنا ، نظرا إلى استلزام العمل ـ بمقتضى البراءة عن الغيرية وبمقتضى البراءة عن النفسيّة ـ لمخالفة العلم الإجمالي ، فلا بد من الرجوع إلى قاعدة الاحتياط بعد تساقط الأصلين المتعارضين ، وعدم المرجح بينهما.

٣٥٥

ولكنه مدفوع : بأن العقل لا يحكم بحرمة مخالفة العلم الإجمالي إلا إذا استلزم مخالفة خطاب تفصيلي ، كما في الشبهات الموضوعية على ما هو المختار ، ومخالفة العلم الإجمالي الحاصل من إعمال الأصلين فيما نحن فيه لا يستلزم مخالفة خطاب تفصيلي ، إذ المراد من الخطاب التفصيليّ تعلق الأمر ، أو النّهي بعنوان خاص ، كاجتنب عن النجس والحرام في الشبهات الموضوعية ، وليس فيما نحن فيه تعلق خطاب بعنوان النفسيّة أو الغيرية بالخصوص ، وإنما هو بالانتزاع.

فظهر من ذلك أن ليس في الشبهات الحكمية خطاب تفصيلي أبدا ، فيجوز فيها مخالفة العلم الإجمالي بإجراء البراءة عن غيرية المشكوك الموجبة لعدم وجوب إتيانه في أول الوقت ، وبإجراء البراءة عن نفسيته الموجبة لعدم وجوب إتيانه في آخر أوقات الإمكان المظنون فيه الموت.

وأما المشكوك في القسم الثاني : أعني معلوم الوجوب نفسا ومشكوك الغيرية باعتبار زائد وعدمه ، فيحمل على عدم الغيرية ، بناء على القول بالأعم لأصالة الإطلاق وعدم التقييد.

وأما بناء على القول بالصحيح ، فيبنى فيه على الغيرية أيضا ، بناء على القول بالاحتياط في مسألة الشك في الشرطية ، وعلى العدم بناء على القول بالبراءة فيها ، كما هو المختار.

وأما المشكوك في القسم الثالث : أعني معلوم الوجوب غيرا ومشكوك النفسيّة وعدمه ، فيبنى فيه على العدم سواء فيه القول بالصحيح والأعم ، لمجرى البراءة عند الشك في التكليف إلا عند بعض الأخبارية البانين على الاحتياط في صورة الدوران بين الوجوب وعدمه.

ومنها : ترتب الفرق والثمرة الحكمية بين قولي الصحيح والأعم في بعض صور المشكوك كونه شرطا علميا ، أو واقعيّا ، حيث إن الشرطية إن ثبتت بالدليل اللبي اقتصر فيه على الشرطية حال العلم ، بناء على القول بالأعم ، لأصالة الإطلاق وعدم التقييد بأزيد من حال العلم.

وأما على القول بالصحيح ، فإن قلنا بلزوم الاحتياط في مسألة الشك في

٣٥٦

الشرطية بنى على الشرط الواقعي ، للاحتياط.

وإن قلنا بالبراءة فيه ، كما هو المختار ، بنى على الشرط العلمي ، لكن لأصالة البراءة ، لا لأصالة الإطلاق ، إذ لا إطلاق للصحيحي.

وإن ثبتت الشرطية بالدليل اللفظي بنى فيه على الشرط الواقعي مطلقا.

أما على القول بالأعم ، فلحكومة إطلاق الشرط الشامل لحال العلم والجهل على إطلاق المشروط المبتني على القول بالأعم.

وأما على القول بالصحيح فللأولوية وسلامة إطلاق الشرط عن شائبة إطلاق المشروط.

وعلى هذا القياس والتفصيل يظهر الفرق والثمرة الحكمية بين قولي الصحيح والأعم ، في المشكوك كونه شرطا أو جزء في حال الاختيار فقط ، أو في حال الاختيار والاضطرار معا.

وتظهر الثمرة بين الحالين في سقوط أصل التكليف بالمشروط عند عدم التمكن من الشرط وعدمه.

ثم إن الحكم في الجزء المشكوك ركنيته وعدم ركنيته قيل كالحكم في المشكوك كونه شرطا اختياريا ، أو شرطا مطلقا في ترتّب الفرق ، والثمرة الحكمية بين قولي الصحيح والأعم إذا ثبتت الجزئية بالدليل اللبي ، وعدم ترتبه عليها إذا ثبتت بالدليل اللفظي على حسب ما فصل.

ولكن التحقيق عدم ترتبه عليها مطلقا ، أي سواء ثبتت الجزئية بالدليل اللفظي أو اللبي ، وذلك لأن الركنية التي اصطلحها الفقهاء ، فيما يبطل العبادة بنقصه عمدا وسهوا هي عين معنى الجزئية الحقيقية ، وأما الجزئية الّتي اصطلحها في مقابل الركنية بما يبطل العبادة بنقصه عمدا لا سهوا ، فهو تقييد في معنى الجزئية لا يحمل عليه إطلاقها إلا بالنص الخارج ، كقوله عليه السلام ( لا تعاد الصلاة إلا من خمسة الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ).

والحاصل أن السهو ليس كالاضطرار في إمكان إسقاط حكم الجزئية به ، فإن السهو والنسيان لا يمكنه إسقاط الجزء عن الجزئية ، والحكم بالإجزاء في المأتي به

٣٥٧

ناقصا بعد الالتفات لنقصانه الا بنص خارج ، بخلاف الاضطرار ، فإنه يسقط الجزء عن الجزئية ، ويحكم بإجزاء ما أتى به ناقصا ، وعدم وجوب إعادته بعد رفع الاضطرار.

وبالجملة فالعلم والجهل لا يغيران الأحكام الواقعية ، بخلاف القدرة والاضطرار ، فإن الأحكام الواقعية تتغير بهما ، كما تتغير بتغير موضوعاتها من السفر والحضر ونحوهما ، وعلى ذلك فحكم الجزء المشكوك ركنيته وعدم ركنيته ، هو الحمل على الركنية الموجبة لبطلان العبادة بنقصه عمدا وسهوا ، سواء ثبتت الجزئية بدليل لبي أو لفظي مطلقا ، أما على القول بالأعم فلحكومة معنى الجزئية على إطلاق العبادة ، وأما على القول بالصحيح فبالأولوية وسلامة معنى الجزئية عن إطلاق العبادة.

ومنها : ما حكي عن بعض المتأخّرين من ترتيبه حكمين آخرين على مسألة الصحيح والأعم ، مدعيا أنه لم يسبقني إليهما أحد.

أحدهما : ترتيب عدم شرطية تقديم فعل المأمور به في صحة ضده الخاصّ من العبادات على القول بالأعم ، ورجوعه إلى مسألة لزوم الاحتياط أو البراءة ـ في مسألة الشك في الشرطية والجزئية ـ على القول بالصّحيح بناء على القول بالتوقف ـ في مسألة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاصّ ـ وأما بناء على عدم التوقف ـ في تلك المسألة ـ فلا يترتب شيء على القولين.

ثانيهما : ترتب جواز اجتماع الأمر والنهي على القول بالأعم ، وترتب النزاع في الجواز والعدم على القول بالصّحيح ، بتقريب أن النزاع في تلك المسألة لما كان مرجعه إلى النزاع في الصغرى ، أعني النزاع في تعلق الطلب بالطبائع أو الأفراد ، كان مقتضى الإطلاق المبتني على القول بالأعم هو تعلق الطلب بالطبائع ، ومقتضى الإجمال المستلزم للقول بالصحيح ، هو إمكان تعلقه بالأفراد وعدمه. انتهى.

ولكن نقول : أما ترتيب الحكم الأول على قول الصحيح والأعم ، فهو من جزئيات ما ذكرناه ، تبعا لمن سبق ـ من ترتيب كلي الشك في الشرطية والجزئية عليهما ، فليس مما لم يسبقه فيه أحد إلا في خصوص التمثيل بذلك المثال الجزئي.

٣٥٨

وأما الحكم بترتيب جواز اجتماع الأمر والنهي على الإطلاق المبتني على القول بالأعم فممنوع ، وذلك لعدم الخلاف ظاهرا في وجود المقتضي لجواز الاجتماع من الإطلاق على القول بالأعم ، ومن الأصل على القول بالصحيح ، وإنما الخلاف في وجود المانع العقلي من امتناع تعلق الطلب بالطبيعة وعدمه ، حسبما يأتي تفصيله ، وإذا ثبت المانع العقلي فلا يترتب على وجود المقتضي أثر ، سواء كان المقتضي هو الإطلاق أو غيره.

هذا كله في الثمرات الحكمية المبتنية على الفرق الموضوعي ، وهو الإجمال والإطلاق المترتبان على قولي الصحيح والأعم ، من حيث الأجزاء والشروط ، ومنها يعلم حال ما يترتب على قولي الصحيح والأعم من حيث الشروط ، لا الأجزاء من ترتب الإجمال والإطلاق بالنسبة إلى الشروط لا الأجزاء المبتني عليهما جميع الثمرات الحكمية بالنسبة إلى الشروط ، لا الأجزاء.

هذا كله ممّا لا إشكال فيه ، إنما الإشكال في التعبير المائز بين مصداق الشرط عن مصداق الجزء من كلام الشارع ، وإن علم من الخارج تحديد الشرط بما كان خارجا عن ماهية المشروط ، والجزء بما كان داخلا فيه ، إلا أنه لم يحصل من التعبيرات الواردة في ألفاظ الكتاب والسنة ما يفيد امتياز الشرطية عن الجزئية إلا من الخارج ، حيث إنه كثيرا ما يعبر عن الشرطية والجزئية بتعبير واحد ، كما في قوله عليه السلام ( لا صلاة إلا بطهور ) (١) و ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) (٢) بل قد يعبّر عن الجزء بما يقتضي الشرط ، وعن الشرط بما يقتضي الجزء ، إذ كما يمكن أن يقال : يجب الطمأنينة في القيام بعد الركوع ، يمكن أن يقال : يجب المقدار الزائد عن تحقق طبيعة القيام بعد الركوع ، فانحصر سبيل الامتياز بينهما في الخارج عن التعبير والثمرات المتوقفة على الامتياز ، من جريان قاعدة الفراغ عند الشك ، وغير ذلك مما لا يخفى.

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ ، الباب ٤ من أبواب الوضوء ، الحديث ١.

(٢) صحيح مسلم ١ ، كتاب الصلاة (١١) باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وأنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلّمها قرأ ما تيسّر له من غيرها ، الحديث ٣٤ ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ).

٣٥٩

ثم اعلم ان كلّ ما ذكرنا من الفروق الحكمية التكليفية أو الوضعيّة ، بين قولي الصحيح والأعم إنّما هي مبنية على تقدير بقاء الفرق الموضوعي بينهما بالإجمال والبيان ، وأما بالنظر إلى زوال ذلك الفرق الموضوعي بينهما بواسطة عروض الموانع الخارجية على بيانها وإطلاقها ، فلا شبهة في انتفاء الفروق الحكمية المذكورة طرا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الموانع التي ادعى طروها على اعتبار الإطلاق المبتني على القول بالأعم إذا أحرز صدق الاسم بالدليل الاجتهادي لا الفقاهتي كثيرة ، إلا أن المرضي منها هو ما ارتضاه الأستاذ تبعا لأساتيذه الأعلام ، من ورود إطلاق ألفاظ العبادات الواردة في الكتاب والسنة مورد حكم آخر ، من بيان تشريع أصل العبادة ، كقوله : ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) (١) ( وأمر بالعرف ) (٢) و ( فلم تجدوا ماء فتيمّموا ) (٣) ، ( ولله على الناس حج البيت ) (٤) نظير قول الطبيب للمريض : اشرب الدواء غدا ، أو من بيان أصل ما يقتضيه الفعل من الخواصّ ، والترك من المضار ، كقوله صلّى الله عليه وآله ( الصلاة عمود الدين ) (٥) ، ( وأن صلاة فريضة خير من عشرين أو ألف حجة ) (٦) ( ومن تركها فهو كذا وكذا ) (٧) نظير توصيف الطبيب خواص الدواء إما قبل بيانه له حتى يكون إشارة إلى ما يفصله له حين العمل ، وإما بعد البيان حتى يكون إشارة إلى المعهود المبين له في غير هذا الخطاب.

فالأوامر الواردة بالعبادة في الكتاب والسنة ، ليست في مقام بيان الإطلاق وكيفية المأمور به ، بل في مقام بيان حكم آخر من أحد الوجهين المذكورين

__________________

(١) البقرة ٢ : ٤٣.

(٢) الأعراف ٧ : ١٩٩.

(٣) المائدة ٥ : ٦.

(٤) آل عمران ٣ : ٩٧.

(٥) غوالي اللئالي ١ : ٣٢٢ الحديث ٥٥.

(٦) وسائل الشيعة ٣ : ٢٧ الحديث ٨ ، ٩.

(٧) وسائل الشيعة ٣ : ٢٧ باب (١١) من أبواب أعداد الفرائض الأحاديث.

٣٦٠