تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

التهذيب (١) ، ومنهم السيد البحر في شرح (٢) الوافية ، ومنهم المحقق الشريف (٣) ، ومنهم الشيخ محمد تقي (٤) قدّس سرهم ، هؤلاء هم الذين ببالي من المصرحين على ما حكي عنهم ، وليتهم أبدلوا الاستصحاب بالغلبة ، وإنّما تمنّينا ذلك ، لأن الكناية أبلغ من التصريح ، وإن لا تحب المكنّين فنصرح بأنّ الحق أنّ وجه اعتباره فيما نحن فيه ، إنما هي الغلبة لا غير ، وأنّ ما صاروا إليه مخدوش من وجوه :

الأول : أنّه لم يثبت بعد اعتبار الاستصحاب من باب العقل ، وإن استدلّ عليه غير واحد منهم بالعقل ، لكنه لم يعلم اتفاقهم على العمل به في الفقه من باب العقل.

الثاني : أنّه على تسليم اعتباره من باب العقل ، فلا ريب أنّه مبني على إفادة الظن شخصا ، كما يظهر اعتباره عن بعض ، كالبهائي قدس سره (٥) ، أو نوعا كما هو المشهور ، ولا يخفى أنّ كون الشيء مسبوقا بالعدم الأزلي لا يفيد الظن بالعدم بكلا قسميه ، ومع عدمه لا معنى لتعبد العقلاء بالبناء على العدم السابق من دون آمر لهم على ذلك ، كما هو المفروض.

والحاصل : إن بناء العقلاء على شيء لا بدّ أن يكون إمّا لأجل حصول الظن به ، إذ حينئذ يصير راجحا عندهم ، فيأخذون بالراجح ، وإمّا لأجل أنّ آمرا أمرهم بذلك لا يمكنهم مخالفته ، وكلاهما مفقودان فيما نحن فيه ، أمّا الأول : فكما عرفت ، وأما الثاني : فبالفرض ، إذ المفروض اعتبار الاستصحاب من باب العقل وحده ، والعقل لا يأمر بشيء إلاّ أن يكون راجحا.

الثالث : إنا سلمنا أنّ وجه الاعتبار ، إنما هو البناء على الحالة السابقة ، وأنّ ملاحظتها تفيد الظّن النوعيّ ، لكن إفادتها ذلك ليست بنفسها وحدها ، بل بملاحظة

__________________

(١) تهذيب الوصول في علم الأصول ، للعلامة الحلّي (ره) : ١٣

(٢) شرح الوافية للسيد بحر العلوم (ره) ـ المخطوط ـ.

(٣) ما عثرنا على كتابه إلى الآن وان كانت أقواله مذكورة في كتب الأصوليين.

(٤) هداية المسترشدين (٤٤) في العلامة التاسعة من علائم الحقيقة والمجاز.

(٥) زبدة الأصول للشيخ البهائي : في المطلب الرابع وفيه : المطلب الرابع في الاستصحاب ، وهو إثبات الحكم في الزمن الثاني تعويلا على ثبوته في الأول ، والأظهر أنه حجة وفاقا لأكثر أصحابنا خلافا للمرتضى رضي الله عنه والحنفيّة وأكثر المتكلمين ، لنا : ثبوت الحكم أوّلا وعدم تحقّق ما يزيله فيظنّ بقاؤه.

٤١

غلبة بقائها ، فحينئذ يرد عليه :

أولا : إن هذا يرجع بالاخرة إلى اعتبار الأصل المذكور من باب الغلبة بطريق الأكل من القفا ، والتزام واسطة مستدركة ، وهي البناء على الحالة السابقة ، فإنّ توسطه لغو ـ حينئذ ـ لعدم الحاجة إليه بوجه.

فالأولى الالتزام أوّلا بأنّ وجه الاعتبار هو الغلبة ، وعدم الالتجاء إلى تلك الواسطة.

وثانيا : ان هنا غلبتين :

إحداهما : نوعية وهي المرجع في اعتبار العدم السابق المعبّر عنه بالاستصحاب العدمي ، وهي غلبة بقاء ما كان مسبوقا بالعدم على العدم.

والأخرى : شخصية ، وهي غلبة اتحاد المعاني العرفية مع اللّغوية ، ولا ريب في أقوائية الثانية حتى أنها بحيث لم يوجد لها مورد مخالف إلاّ موارد معدودة بين ثلاثة وخمسة ، ولا ريب أنه مع وجود الظن الأقوى يتعين عند العقلاء الأخذ به ، ولا يجوّزون التخطّي عنه إلى الأضعف ، فلا يكون اعتبار أصالة عدم النقل راجعا إلى الغلبة النّوعية المذكورة ، فلا يكون من باب الاستصحاب ، والبناء على الحالة السابقة ، لأنّ مدرك اعتباره تلك الغلبة ، والعمل على مقتضى تلك الغلبة الشخصية ، ليس بناء على الحالة السابقة ، ولا ناظرا إليها بوجه ، فثبت أنّ مبنى اعتبار الأصل المذكور انما هو غلبة الاتحاد ، لا البناء على الحالة السابقة بوجه.

الرّابع : أنه لو كان اعتبار أصالة عدم النقل من باب الاستصحاب ، لكانت معارضة بأصالة تأخر الوضع ، إذ كما يقال الأصل بقاء الوضع الأوّلي ، وعدم نقل اللّفظ منه إلى غير المعنى الأوّلي ، كذلك يصح أن يقال الأصل تأخّر هذا الوضع المعلوم لهذا اللّفظ في الحال ، وعدمه بالنسبة إلى الأزمنة المشكوكة المتقدمة ، وهذا يقتضي سقوط الأصل المذكور عن الاعتبار ، مع أنك عرفت الاتّفاق من العلماء بل العقلاء على اعتباره.

وكيف كان فهذا الإشكال أقوى ما يرد على مشهور المحققين الزاعمين أنّ اعتباره من باب الاستصحاب.

هذا ، وقد أجيب عن هذا الإشكال بأنّ تعارض الأصلين المذكورين من باب تعارض المزيل والمزال ، إذ الشك في تأخر الوضع ناشئ عن الشك في النّقل ، فإذا

٤٢

جرى الأصل في السبب الّذي هو النقل ، فلا يبقى بعده مورد لأصالة التأخر ، فهذا الأصل السببي مزيل لذلك الأصل ، وذلك لا يعارضه ، وهذا نظير استصحاب الطّهارة في الماء المشكوك الطهارة المسبوق بها ، إذا استعمل في تطهير الشيء المتنجس ، فإنّه مزيل لاستصحاب نجاسة المتنجس بعد التطهير به ، فإن الشك في طهارة المتنجس حينئذ مسبّب عن الشّك في طهارة الماء الّذي غسله به ، فإذا أحرز الطهارة فيه بالأصل ، فلا يبقى لاستصحاب النجاسة مورد.

هذا ، وفيه منع كونهما من قبيل السبب والمسبب المعبر عنهما بالمزيل والمزال ، إذ هما فيما إذا كان السبب بذاته مقتضيا للمسبب ، لا ان يكون الشك فيه سببا للشك في المسبب كما في مثال استصحاب الطهارة ، فان ذات طهارة الماء تقتضي ارتفاع النجاسة في المثال المذكور ، هذا بخلاف ما نحن فيه فان عدم النقل بذاته لا يقتضي قدم هذا الوضع الإني لإمكان بقاء الوضع الأولي ، وحدوث وضع جديد للّفظ في معنى اخر فيكون مشتركا.

فان قلت ان احتمال الاشتراك منفي في المقام بالفرض ، إذ المفروض دوران الأمر بين النقل وهجر اللفظ عن المعنى الأولي وبين عدم النقل واتحاد الموضوع له المعلوم الآن مع الّذي علم إجمالا.

قلنا : نعم لكن نقول : إن هذا سبب فرض الفارض ، وهو لا يوجب كون عدم النقل بذاته مقتضيا لقدم الوضع الإني.

نعم لما صار المقام بالفرض من قبيل المتلازمين ، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الاخر ، لكن الملازمة اتفاقية لا ذاتية.

هذا ، ونقول : التحقيق في دفع الإشكال ان يقال : إن أصالة تأخر الحادث أيضا وان كانت جارية في المقام ، لكنها معارضة بمثلها ، فيبقى أصالة عدم النقل سليمة ، فيثبت به القدم والاتحاد.

وتوضيح ذلك : أنّ المفروض أنّا نعلم إجمالا أنّ اللفظ لم يزل موضوعا لمعنى حتى في الأزمنة التي نشك في ثبوت الوضع الآني له فيها ، فإذا قيل الأصل عدم هذا الوضع في تلك الأزمنة ، وتأخره عنها إلى هذا الزمان ، فيثبت ذلك كونه موضوعا لمعنى آخر غير هذا المعنى في الأزمنة المذكورة ، وهو أيضا مشكوك ، فيجري فيه أيضا أنّ الأصل عدم وضع اللفظ له في تلك الأزمنة فيتعارض الأصلان ويبقى أصالة عدم النقل سليمة.

٤٣

هذا كلّه في وجه اعتبار أصل العدم في المورد الأول الّذي يعبّر فيه عنه بأصالة عدم النقل.

وأمّا وجهه في المورد الثّاني ، والثّالث ، المعبّر عنه في أوّلهما بأصالة تأخر الحادث ، وفي ثانيهما بأصالة عدم الاشتراك فالظّاهر أنه الاستصحاب.

أما المورد الثاني : فلأنه لا وجه يتصور له فيه سواه.

وأمّا الثالث فلأنّ الظاهر ذلك وإن أمكن دعوى أنه الغلبة لكن الشأن في إثباتها.

هذا ، ثم إنّ بعض مهرة الفن وهو الشيخ محمد تقي (١) قدس سره احتج على اعتبار الأصل في الموارد الثلاثة ، بأنه مفيد للظّن وهو حجة في اللّغات.

ويتوجه عليه الإشكال صغرى وكبرى :

أما الأول فلأنه لا يفيد الظن في بعض المقامات أصلا سيّما إذا كانت الشهرة على خلافه فإن خلافه مظنون حينئذ.

وأمّا الثاني فلأن اعتبار الظن مطلقا في اللغات يكاد أن يكون مخالفا للإجماع فكيف يمكن فيه دعوى الموجبة الكلّية.

هذا مضافا إلى أنه لم يذهب أحد من العلماء إلى اعتبار الظن الفعلي في اعتبار الأصل المذكور في واحد من الموارد الثلاثة.

ومن هنا يظهر أنه قدس سره من منكري حجية الأصل المذكور. فافهم.

ومن الطرق العقلية إلى معرفة الوضع : الاستعمال المستمر ، ويقع الكلام فيه في موضعين :

الأوّل : في بيان الأقوال ، والثاني : في تحرير محلّ النزاع.

أمّا الأقوال : فالمعروف منها ثلاثة :

الأول : أنّه دليل على الحقيقة مطلقا وهو للسيد (٢) قدس سره.

الثاني : عدمه مطلقا ، بل الأصل فيه المجاز وهو المنسوب إلى ابن جني (٣).

الثالث : التفصيل بكونه دليلا عليها مع اتحاد المستعمل فيه ، وبعدمه مع تعدّده ،

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٤.

(٢) الذريعة ١ : ١٣.

(٣) الخصائص لابن جنّي ج ٢ : ٤٤٧ باب في ان المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة.

٤٤

ونسبه المحقق القمي قدس سره إلى المشهور (١) ، ويظهر من استدلال السيّد قدس سره ذلك أيضا ، كما سنذكره.

لكن الّذي نسب إليهم آقا جمال قدس سره ، في حاشية العضدي [ هو ](٢) عدم كونه دليلا على الحقيقة (٣) مطلقا ، بمعنى أنه أعم ، لا ما ذهب إليه ابن جني من كونه دليلا على المجاز ، فتصير النسبتان متنافيتين.

وكيف كان فالظاهر وجود القولين المذكورين ، وإن لم يعلم أنّ أيهما مشهور ، فتصير الأقوال أربعة ، فإنّ الّذي يظهر من الشيخ (٤) قدس سره أنه قائل بما نسبه آقا جمال قدس سره إلى المشهور كما ستعرف.

وأمّا النزاع فقيل أنه بين السيّد قدس سره ، وبين غير ابن جني فيما إذا تعدد المستعمل فيه ، وأمّا مع اتحاده فالكل متفقون على كون الاستعمال دليلا على الحقيقة ، ويظهر ذلك من احتمال السيد قدس سره على ما صار إليه في صورة تعدد المستعمل فيه حيث قال : وما استعمال اللّفظ في معنيين إلاّ كاستعماله في معنى واحد ، فإنّ الظاهر منه أنّ المخالفين له متسالمون لكونه دليلا في صورة الاتحاد.

هذا ، لكن الظاهر أن النزاع عام لصورة الاتحاد أيضا ، بل هو صريح كلام الشيخ قدس سره في العدة (٥) في مبحث الأمر ، حيث أنه ذكر ـ في طيّ استدلاله على نفي اشتراك الأمر بين الوجوب والندب : أنّ الاستعمال كما لا يكون دليلا على إثبات الحقيقة فيما إذا تعدد المستعمل فيه ، كذلك لا يكون دليلا عليه فيما إذا اتّحد ، فان مرجع اعتباره حينئذ إلى عدم جواز استعمال اللفظ في المعنى المجازي المناسب للموضوع له قبل استعماله في الموضوع له.

نعم لو انحصر طريق تعليم الأوضاع في الاستعمال ، فيكون دليلا عليه حينئذ لا محالة وليس كذلك. انتهى موضع الحاجة من كلامه بطريق النقل بالمعنى.

__________________

(١) القوانين : ٢٩ ولكنّ المنسوب فيه إلى المشهور التوقف حيث قال : المشهور الأخير ( أي التوقّف ) وهو المختار.

(٢) زيادة يقتضيها السياق.

(٣) حاشية آقا جمال الخوانساري على شرح العضدي لاحظنا نسختين منها قد سقط أوّلهما وما عثرنا على مخطوطة كاملة إلى الآن.

(٤) عدّة الأصول : ٦٤ : ٦٦ ، ٦٩.

(٥) عدة الأصول ٦٩.

٤٥

أقول : ويمكن منع ظهور كلام السيد قدس سره أيضا فيما ذكرنا لاحتمال أنه انما أثبت صورة الاتحاد بدليل ، ثم قاس صورة التعدد عليها لجامع زعمه بينهما.

وكيف كان فنحن نسوق الكلام إلى كلتا الصورتين ونحقّق ما هو المختار في البين.

فنقول : إنّ صورة الاتحاد تتصور على صور ثلاث :

الأولى : أن يعلم باستعمال اللفظ في معنى ، مع العلم بعدم استعمال لهذا اللّفظ قبل هذا الاستعمال في غيره.

الثانية : أن يعلم استعماله في معنى مع الشك في أصل الاستعمال قبله كذلك.

الثالثة : أن يعلم باستعماله في معنى الآن مع العلم باستعمال له قبله ، لكنه يشك في اتحاد المستعمل فيه في الموضعين وتغايره ، وهذا كما في لفظة ليلة القدر ، فإنّا نعلم أنّها استعملت في ليلة النصف من شعبان ، ونعلم أيضا أنّها استعملت في معنى قبل استعمالها هذا ، لكنّا نشك في أنّ المستعمل فيه في الاستعمال القبلي ، هو هذا المستعمل فيه الّذي هو ليلة النصف من شعبان أو غيره.

إذا عرفت هذه فنقول : إن القاعدة الأوّلية في الصورة الأولى تقتضي ما ذهب إليه الشيخ قدس سره ، لعين الدليل الّذي ذكره. اللهم إلاّ أن يثبت اعتبار الاستعمال حينئذ بدليل وارد على تلك القاعدة وأنّى لمدعيه بإثباته.

ولو قيل : نعم يمكن ما ذكر من سبق استعمال اللفظ في المعنى المجازي عليه بالنسبة إلى المعنى الموضوع له بحسب العقل. لكنه نادر ، إذ الغالب سبق إرادة الموضوع له من اللفظ فيتوجه عليه المنع صغرى وكبرى.

أمّا الأولى : فلأنّا لم نطّلع على حال الواضعين ، ولم نرهم ، ولم يصل إلينا أنهم سبقوا في استعمال اللفظ بالموضوع له.

وأمّا الثانية : فلأنه لا دليل على اعتبار تلك الغلبة إلاّ بناء العقلاء ، وقد عرفت أنه على اعتبارها في موارد أصالة عدم النقل ، ولا يجوز منه التعدي إلى غير مورده ، لأنه أمر لبي لم يعلم وجهه حتى يتعدى إلى غير المورد ، فيؤسس منه قاعدة كلية سارية في جميع الموارد.

وأمّا الصورة الثانية : فالكلام فيها ما مرّ في الأولى ، لما عرفت من أنّ مآل النزاع

٤٦

فيها إلى كون الاستعمال الابتدائي دليلا على الوضع وعدمه ، وهذا بعينه جار في الثانية ، غاية الأمر أنّ إحراز ابتدائية الاستعمال في الأولى بالقطع ، وفي الثانية بأصالة عدم غير هذا الاستعمال المعلوم الآن في الأزمنة السابقة. فالكلام فيها الكلام ثمة والجواب الجواب.

وأمّا الثالثة : فحكمها أيضا كالأولى فإن الاستعمال الابتدائي يحرز فيها أيضا بالأصل فيجري فيها ما يجري ثمة فإنّا ـ وإن علمنا فيها باستعمال اللفظ قبل هذا الاستعمال ـ لكن نقول : إنّ الأصل عدم معنى آخر لهذا اللفظ غير هذا المعنى ، استعمل فيه اللفظ في هذا الاستعمال ، فإذا ثبت اتحاد المستعمل فيه فيها بالأصل ، فيثبت به ابتدائية الاستعمال أيضا ، فانّ المراد بالاستعمال الابتدائي عدم سبق استعمال اللفظ في معنى على استعماله في هذا المعنى.

وحاصل الكلام في الصور الثلاث : أن مرجع النزاع في كلّها إلى أن الاستعمال الابتدائي دليل على وضع اللفظ لما استعمل فيه ابتداء أولا ، إلاّ أنّ ابتدائية الاستعمال في بعضها تثبت بالقطع وفي بعضها بالأصل.

ومرجع أدلة المثبتين إلى وجوه : منها ، بناء العقلاء ، ومنها ، إجماع العلماء ، ومنها ، عدم جواز المجاز بلا حقيقة عقلا ، أو لأنّ الغلبة على خلافها وهي تفيد الظن بالوضع.

والجواب عنها : عدم ثبوت بناء العقلاء ، ولا إجماع العلماء ، بل المعلوم خلافهم ، لما عرفت من تصريح الشيخ (١) قدس سره بالمنع ، وعدم قيام الدليل عقلا على امتناع المجاز بلا حقيقة.

نعم الممتنع هو المجاز بلا حقيقة الأبدي بأن لم يستعمل اللفظ في الموضوع له أبدا ، لا قبل استعماله في المعنى المجازي ، ولا بعده ، لعدم الفائدة للوضع حينئذ فيكون لغوا.

أقول : في امتناع ذلك نظر ، لإمكان أن يضع الواضع لفظا لمعنى ، ولم يستعمله في الموضوع له ، لكن كان غرضه من الوضع استعماله فيه ، ثم استعمل أهل اللسان اللفظ أبدا في المعنى المجازي ، لعدم احتياجهم إلى تفهيم الموضوع له. نعم ذلك نادر جدا بحيث يحصل القطع بعدمه غالبا ، ومع احتماله فالظّاهر أنّ بناء العرف على عدمه لبعده.

وأمّا غلبة استعمال اللفظ في الموضوع له قبل استعماله في غيره فهي ممنوعة ، وعلى مدّعيها الإثبات ، وعلى فرض تسليم الصغرى ، فنطالب بدليل الكبرى.

__________________

(١) عدة الأصول : ١٥ ، ١٦ ، ٦٤ ، ٦٦ ، ٦٩.

٤٧

هذا ، ثم إنه مثّل المحقق القمي (١) رحمه الله للصورة الثالثة بلفظ ليلة القدر ، كما أشرنا إليه آنفا.

لكنّ الظاهر أن التمثيل في غير محلّه ، إذ الكلام فيما إذا كان اللفظ موضوعا لمعنى لغة ، إذا كان المراد إثبات وضعه لما استعمل فيه لغة أو شرعا ، إذا كان المراد إثبات وضعه له شرعا ، ولا ريب أنّ ليلة القدر ليس لها وضع لا لغة ، ولا شرعا ، ودعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيما دونها خرط القتاد ، بل هذه باقية على وضعها الإفرادي اللغوي ، ولما أضاف سبحانه وتعالى الليلة ليراد به العهد فعلم أنّ المراد ليلة خاصة معهودة بينه وبين حججه عليهم السلام ، لكنها مرددة بين ليال ، هذا.

تنبيه : اعلم أنّ منع كون الاستعمال الابتدائي دليلا على الوضع ، فيما إذا لم يحصل منه القطع ، وأما إذا حصل منه ذلك ، كما هو الغالب فيه وفي سائر الطرق إلى الوضع فلا يمكن منع حجية القطع. ووجه إفادته القطع غالبا أنّ الغالب أن تفهيم الأوضاع إنما هو بالتّرديد والقرائن أعني باستعمال اللفظ في الموضوع له ، وتفهيم المخاطب بالقرائن ، وأمّا تفهيمه بالتنصيص فهو قليل جدّاً فتلك الغلبة بحيث توجب القطع بالوضع غالبا ، ولو فرض عدم إفادتها له في بعض الموارد فنلتزم بعدم الحجية كما مر.

ويرشد إلى ما ذكرنا استدراك الشيخ قدس سره بقوله : نعم لو انحصر طريق تفهيم الأوضاع في الاستعمال فيكون دليلا عليه.

ثم إنّ الثمرة بين القول بكون الاستعمال الابتدائي دليلا على الوضع إذا لم يفد العلم ، وبين القول بعدمه ـ كما هو المختار ـ تظهر بالنسبة إلى الاستعمالات المتأخرة عن هذا الاستعمال ، فعلى القول الأول : فهي مع تجردها عن القرينة محمولة على ما استعمل فيه اللفظ في هذا الاستعمال ، وعلى الثاني : يتوقف ، ويرجع إلى الأصول العملية حسبما يقتضيه المقام.

هذا كلّه إذا اتحد المستعمل فيه.

وأمّا إذا تعدد ، فيقع الكلام في جهتين :

الأولى : في بيان حال المعنيين المستعمل فيهما اللفظ بالنسبة إلى غيرهما ، من أنّ اللفظ حقيقة في المعنيين في الجملة؟ أو أن الموضوع له أمر ثالث لم يستعمل فيه اللفظ

__________________

(١) القوانين : ٣٠.

٤٨

بعد؟ وبعبارة أخرى في إثبات الوضع لأحدهما في الجملة قبال مجازية كليهما لثالث.

الثانية : في بيان حال خصوص كلّ من المعنيين بعد إثبات الوضع لأحدهما في الجملة.

فنقول : إنّ الحال في الجهة الأولى نظير الحال في صورة اتحاد المستعمل فيه ، من عدم كون الاستعمال دليلا على الوضع لأنّ مرجع اعتباره حينئذ أيضا إلى عدم جواز المجاز بلا حقيقة ، وقد عرفت ما فيه.

اللهم إلاّ ان يحصل القطع منه بالوضع لأحد المعنيين في الجملة فحينئذ ننقل الكلام فيه إلى الجهة الثانية.

وأمّا الجهة الثانية : فيتصور محل الكلام فيها على صور : فإنّ المعنيين اللذين استعمل فيهما اللفظ : إمّا أن يكونا من قبيل المتباينين ، وإمّا أن يكونا من قبيل العام والخاصّ ، وعلى الأول : إمّا ان يكون بينهما جامع ، أولا ، وعلى الثاني : إمّا أن يكون بينهما علاقة ظاهرة مجوزة للاستعمال مجازا أولا ، فيصير الصّور أربعا.

أمّا الأولى : وهي ما إذا كانا من قبيل المتباينين ، وكان بينهما جامع فالأقوال فيها ثلاثة : الاشتراك اللفظي وهو للسيد (١) قدس سره واتباعه ، والمعنوي وهو لأكثر المشهور المخالفين للسيد ، والحقيقة والمجاز وهو لقليل منهم.

فنقول : إنه لا يخفى ما في أدلة كل واحد من الأقوال الثلاثة من الفساد ، أمّا قول السيد قدس سره فلأن الدليل الّذي ذكره إنما هو قياس صورة تعدّد المستعمل فيه على صورة اتحاده ، وقد عرفت ما في المقيس عليه ، سيما مع انه مع الفارق ، لما بيّنا من أنّ الاستعمال في صورة اتحاد المستعمل فيه يفيد العلم بالوضع غالبا ، لكن فيما نحن فيه لا يحصل منه العلم بوضع اللفظ لكلا المعنيين.

نعم يحصل منه القطع بوضعه لأحدهما في الجملة غالبا ، لكنه لا يثمر ، إذ الكلام بعد فرض ثبوت الوضع لأحدهما كذلك.

وأمّا القول الثاني ، فأقوى ما ذكروا له وجهان : الأوّل الغلبة ، الثاني الأصول ، لأنّ كلا من الاشتراك اللفظي والمجاز مخالف للأصل ، أمّا الاشتراك اللفظي ، فلأصالة عدم الوضع ، وأمّا المجاز ، فلأنه أكثر مئونة من الاشتراك المعنوي ، فيكون الحوادث اللازمة

__________________

(١) الذريعة : ج ١ : ١٧.

٤٩

له أكثر بعد منع الأصل ، لأنّ المجاز لا بد فيه من العلاقة ، ومن ملاحظتها ، ومن القرينتين ، ومن ملاحظتهما. هذا بخلاف الاشتراك المعنوي ، إذ لا بد فيه من قرينة معيّنة فحسب ، ولا يحتاج بعد إلى علاقة ولا إلى ملاحظتها ، ولا إلى قرينة صارفة ، ولا إلى ملاحظتها ، وهذا الوجه الأخير مذكور في شرح العميدي (١) على ما حكى عنه.

هذا ، والجواب عن الأول من الوجهين : أنّه لا معنى للغلبة المذكورة ، كما صرّح به شيخنا المرتضى قدس سره ، إذ ما من حقيقة ومجاز إلاّ وبينهما جامع ، فحينئذ يمكن تعكيس الغلبة ودعواها في جانب المجاز ، فإنّ المجاز أكثر من الاشتراك المعنوي.

فإن قيل : إنّ المراد بالجامع هو القريب ، لا كل ما يفرض بين المعنيين ولو كان بعيدا.

قلنا : ما من حقيقة ومجاز إلاّ وبينهما جامع قريب ، لأن الجامع القريب ليس الا الجنس القريب ، وهو تمام الحقيقة المشتركة بين الفردين ، وما من معنيين بينهما جامع إلاّ أنّه يفرض بينهما جامع قريب ، لأنّ تمام مجمع اشتراكهما هو الجامع القريب.

ولو قيل : المراد بالجامع هو الّذي يكون من الذاتيات ، لا الأعم ، ولا ريب أنّ أغلب المجازات ليس الجامع بينها وبين الحقائق إلا الأمور العارضة كالصفات.

قلنا : إنه لا ريب أنّ جميع المشتقات من الاشتراك المعنوي ، مع أنّ الجامع الّذي وضعت له إنما هو من الأعراض ، وكذا المصادر ، ولا ريب أنّ المصادر مع ما يشتق منها أغلب من بين أسماء الأجناس ، فليس الغالب في الاشتراك المعنوي أن يكون بين المعنيين جامع من الأمور الذاتيّة بل الغلبة على خلافه.

وكيف كان فلا معنى لدعوى الغلبة المذكورة بوجه.

والجواب عن الوجه الثاني : أنه إن كان المراد بيان حال المعنى ، وجعله محطّا للنظر ، مع قطع النّظر عن الاستعمال الفعلي ، كما هو ظاهر كلام السيد عميد الدين قدس سره ، بأن يقال : إن ذلك المعنى لو كان اللفظ فيه مشتركا لفظا ، أو مجازا ، فيكون الحوادث اللازمة له على تقدير الاستعمال أكثر منا يلزمه من الحوادث اللازمة له مع كونه مشتركا معنى على تقديره (٢) ففيه :

__________________

(١) انظر الهامش الآتي.

(٢) منية اللبيب ، مخطوط : في الفصل الثامن في تعارض الأحوال : في مقام عدّ وجوه الاعتراض على أولويّة المجاز ، وإليك نصّه : الثاني : انّ المجاز يتوقف على الوضع الأوّل ، والنقل ، والعلاقة ، والمشترك لا يتوقف إلا على الأوّل منها وهو الوضع فكان أولى.

٥٠

أنه .. لا يخفى أنّ القضية حينئذ تقديرية ، والأصول لا تجري في القضايا التقديرية ، لا في لوازمها ، إذ لا يعقل نفي اللازم مع فرض ملزومه الّذي هو العلة لاستحالة الانفكاك بينهما ، ولا في ملزوماتها ، لأنها فرض وجودها ، ولا معنى لنفي الوجود الفرضي ، ولم يدع وجودها فعلا حتى ينفى بالأصل.

وإن كان المراد بيان حال المعنى ، مع فرض الاستعمال الفعلي للّفظ ، بأن يكون الغرض تعيين الاستعمال بالأصل ، ثم تعيين المعنى تبعا لتعيين الاستعمال ، فله وجه ، لأنه ينقل حينئذ إلى قاعدة أخرى ، وهي أنّه إذا سقط الأصل في الملزوم فهو جار في لازمه ، فإذا فرض فيما نحن فيه أن اللّفظ استعمل في المعنيين ، لكن لم يعلم أنه على سبيل الاشتراك اللّفظي ، أو الحقيقة والمجاز ، أو على سبيل الاشتراك المعنوي ، وأنّ الحوادث المخالفة للأصل على الاحتمال الأخير أقلّ منها على الأولين ، فلا ريب أنّه لا يجري في خصوص الاستعمال ، لأنه في كل واحد من الاحتمالات معارض بمثله في الآخر ، إذ كما يقال الأصل عدم الاستعمال على نحو الاشتراك اللّفظي ، أو المجاز ، فكذلك يقال : الأصل عدم الاشتراك المعنوي فإذا سقط الأصل في الملزوم الّذي هو الاستعمال ، فيجري في لوازمه فيتعين بالأصل الاستعمال الّذي هو أقل حادثا من غيره ، فيصح تبعا حال المعنى من اشتراك اللفظ فيه معنى ، لأنه الّذي لو استعمل اللفظ ـ على تقديره ـ يكون أقل حادثا. هذا توجيه الوجه المذكور بناء على الاحتمال الثاني.

وفيه أنه مع تسليم الصغرى ، أعني كون الاستعمال على تقدير الاشتراك أقل مئونة وحادثا منه على تقدير غيره ، الكبرى مسلمة أعني جريان الأصول في اللوازم ، والحوادث الزائدة على تقدير غيره ، لكن الصغرى ممنوعة من وجهين :

الأول : ما ذكره صاحب المعالم (١) قدّس سرّه ، من أن المجاز على تقدير الاشتراك المعنوي أكثر منه على تقدير كون اللّفظ حقيقة في أحد المعنيين ومجازا في الآخر ، فإنه على التقدير الثاني منحصر في الواحد ، وعلى الأوّل متعدد ، لأن كل واحد من المعنيين المستعمل فيهما اللّفظ يصير معنى مجازيا للّفظ حينئذ ، فيتعدد المجاز المخالف للأصل فيصير أكثر.

__________________

(١) قال صاحب المعالم : ٤٥ ، فالتجوّز اللازم بتقدير الحقيقة والمجاز أقل منه بتقدير المشترك لأنّه في الأوّل مختصّ بأحد المعنيين وفي الثاني حاصل فيهما.

٥١

لكن فيه ـ مضافا إلى ما أورد عليه المحشون كالسلطان (١) وملا ميرزا (٢) جان قدس سرهما ـ أن مبنى منع الصغرى المذكورة على إثبات تساوي الحوادث ، من لوازم الاستعمال الفعلي الخارجي ، لا من لوازم المعنى مع قطع النّظر عنه ، مع أنك قد عرفت أنه لو لوحظت هي مع نفس المعنى مجردا عن ملاحظة الاستعمال الفعلي ، لا مجرى للأصل لا فيها ، ولا في ملزوماتها الفرضية ، ولا ريب أنه لا يلزم من تعدد المعنى المجازي أكثرية استعمال اللفظ مجازا بالنسبة إلى اتحاده ، كما زعمه قدس سرّه ، بل يمكن أكثرية استعمال اللفظ الّذي له معنى مجازي واحد في ذلك المعنى المجازي ، بالنسبة إلى استعمال اللفظ الّذي له معان مجازية فيها مجازا ، فلا وجه لمنع الصغرى المذكورة ، بمجرد ملاحظة تعدد المعنى المجازي ، على تقدير الاشتراك المعنوي ، ودعوى أكثرية الحوادث المخالفة للأصل.

وان شئت قلت : إنّ المجاز كالحقيقة من صفات اللّفظ فإنه هي الكلمة المستعملة في خلاف ما وضعت له ، فاللفظ لا يتصف بكونه مجازا إلاّ بعد استعماله في خلاف ما وضع له ، فإنّ الاستعمال مأخوذ في مفهومه ، فيدور الأمر فيه ـ وجودا وعدما وكثرة وقلة ـ مدار ملاحظة الاستعمالات الخارجية للّفظ في خلاف ما وضع له ، لا على ملاحظة نفس المعاني المخالفة للموضوع له ، ولا ريب أنه لا يلزم من تعدد المعنى المخالف للموضوع له تكثّر استعمال اللّفظ فيه ، ليكون المجاز على تقديره أكثر منه على تقدير اتحاده ، بل يمكن كون الاستعمال في المعنى المجازي المتحد أكثر من استعمال اللّفظ الّذي له معان مجازية فيها مجازا.

وكيف كان ، فالمدار في الكثرة والقلة على ملاحظة الاستعمالات الخارجية المجازية ، لا المعاني المجازية ، فلا يلزم من تعددها ـ على تقدير الاشتراك المعنوي فيما نحن فيه ـ أكثرية المجاز ، لتوقفها على أكثرية الاستعمال ، وقد عرفت منع الملازمة بالنسبة إليها فلا وجه لقوله قدس سره : إن المجاز على تقدير الاشتراك المعنوي أكثر.

الوجه الثاني من وجهي المنع الّذي ينبغي أن يعتمد عليه : أنّ المؤن والحوادث

__________________

(١) حاشية السلطان في كتاب شرح معالم الدين : ٢٧٥ ، المعالم : ٤٥

(٢) في حاشيته على المعالم المخطوط : عند قوله فالمجاز لازم في غير صورة الاشتراك إلخ قال في الحاشية هذا الحكم أعني كون استعمال اللّفظ الموضوع للمعنى الكلّي في خصوص الجزئي مجازا واضح عند من لا يقول إلخ راجع المعالم : ٤٥.

٥٢

اللازمة للاستعمال ـ على تقدير الاشتراك المعنوي ـ ليست بأقل منها على تقدير الحقيقة والمجاز ، بل مساوية لها ، لأنّه كما لا بدّ في المجاز من تنزيل ذهن السامع عن إرادة الحقيقة بمرتبتين ، بان ينبّه أوّلا أنّ الحقيقة ليست بمرادة ، وثانيا على أنّ المراد أيّ المعاني المخالفة لها ، فلا بد فيه من قرينتين : إحداهما للتنبيه على المرتبة الأولى ، وثانيتهما : للتنبيه على المرتبة الثانية ، وقد يكتفي فيه للتنبيه على الأمرين بقرينة واحدة ، فكذلك لا بد في الاشتراك المعنوي من تنزيله بمرتبتين أيضا لأن اللّفظ موضوع للماهية المعراة عن ملاحظة خصوصية من الأفراد ، فهو ظاهر فيها ، فإذا أريد منه الفرد الخاصّ ، فلا بد من التنبيه على أن المراد ليس هي بما هي ، بل حصّة [ مّا ] وحصة [ ما ] فرد منها ، ثم التنبيه على تعيين تلك الحصة المرادة من اللّفظ ، فلا بد للتّنبيه على المرتبة الأولى من قرينة ، نظير القرينة الصارفة في المجاز ، وللتنبيه على الثانية من قرينة معينة نظير القرينة المعينة في المجاز ، وقد يكتفى فيه أيضا بقرينة واحدة كما في المجاز.

فالحاصل أنّه لا مزية للمجاز على الاشتراك المعنوي من وجه ، إذ كل منهما يحتاج إلى قرينتين غالبا ، وقد يكتفي في كل منهما بقرينة واحدة ، فليس الاشتراك المعنوي أقل حادثا من المجاز.

ثم إنّ هاهنا تفصيلين في أصالة الاشتراك المعنوي وعدمها :

أحدهما : لبعض أكابر سادات علمائنا رضوان الله عليهم ، ولعلّه إمّا السيد البغدادي ، أو السيد محمد صاحب المفاتيح قدس سرهما ، وهو أن اللّفظ إن علم استعماله في القدر المشترك ، فالأصل هو الاشتراك المعنوي ، وإلاّ فالأصل كونه حقيقة في أحد المعنيين ، ومجازا في الآخر ، حذرا من المجاز بلا حقيقة.

وفيه : أنّه مع تسليم الكبرى ، لا يجدي التفصيل المذكور في شيء من الموارد المشكوكة ، لعدم إمكان التمييز في صغرياتها ، إذ كلما كان المراد واحدا من الخصوصيّتين ، فيحتمل فيه استعمال اللّفظ في القدر المشترك ، وإرادة الخصوصية من القرينة الخارجية بأن يكون من باب دالين ومدلولين ومطلوب واحد ، ويحتمل فيه استعماله في نفس الخصوصية وإرادتها من حاقّ اللفظ.

وكيف كان ، فلا يخفى أنّه فرق واضح بين المجازات المباينة لحقائقها ، وبين التي هي من أفراد الحقيقة ، كما فيما نحن فيه ، فإنّ سبيل إرادة المجاز منحصر في الأولى في استعمال اللفظ في نفس المعنى المجازي ، وأمّا الثانية فلا ، لإمكان استعماله في نفس

٥٣

المعنى الحقيقي ، وإرادة الخصوصية التي هي المعنى المجازي من الخارج ، كما يمكن استعماله في المعنى المجازي أوّلا وبالذات ، فإذا أطلق لفظ وأريد منه فرد من كلي ، فيمكن أن يكون المعنى الحقيقي هو الكلي القدر المشترك ، وأنّ اللفظ استعمل فيه في هذا الاستعمال أيضا ، ويمكن بأنّ يكون المعنى الحقيقي خصوص ذلك الفرد ، وأنّ اللفظ استعمل فيه بخصوصه ، ولمّا لم يحرز فيها المستعمل فيه ، فلا يعلم أنّها من صغرى الشق الأول من التفصيل ، ليحكم بالاشتراك المعنوي ، أو أنّها من صغرى الشقّ الثاني ليحكم بالمجاز ، فلا بدّ حينئذ من التوقف.

والحاصل : أنّه إذا لم يعلم باستعمال اللفظ ـ فيما نحن فيه ـ في القدر المشترك لا يعلم باستعماله في شيء من الخصوصيّتين أيضا ، إذ غاية الأمر القطع بإرادتهما من اللّفظ ، لكنها أعم من استعماله فيهما بخصوصهما ، كما عرفت ، فلا يتميز الشق الثاني من التفصيل في موضع ، فتنتفي الثمرة.

نعم الشق الأوّل جيد ، نقول به لأنّه إذا علم باستعماله في القدر المشترك ، فيكون حاله حال اللفظ المتحد المعنى بحكم الأصل ، لأنّ المعلوم حينئذ هو استعماله فيه ، وأمّا استعماله في شيء من الفردين فهو مشكوك إذ غاية الأمر إرادتهما منه ، وقد عرفت أنّها أعم ، فيحكم بعدمه بحكم الأصل ، فنقول : حينئذ الأصل هو الاشتراك المعنوي ، لأنّه لولاه لدار الأمر بين كون اللفظ مجازا في القدر المشترك باعتبار وضعه إمّا لإحدى الخصوصيّتين أو لمعنى ثالث ، وبين الاشتراك اللفظي بوضعه له أو لإحدى الخصوصيّتين ، أو لمعنى ثالث ، وكلاهما خلاف الأصل.

أمّا الأوّل فينفيه أوّلا : لزوم المجاز بلا حقيقة الأبدي ، فعدم استعمال اللّفظ في غيره بحكم الأصل ، لا قبل استعماله ولا بعده ، مع أنّ احتمال كونه مجازا لمعنى ثالث خلاف الفرض ، إذ المفروض دوران الأمر بين الاشتراك المعنوي وبين الحقيقة والمجاز فيما بين الخصوصيّتين.

وثانيا : عدم جواز كون القدر المشترك مجازا لإحدى الخصوصيّتين ، إذ لا يجوز استعمال اللّفظ الموضوع لمعنى في الأعم منه مجازا ، ولم يعهد إلى الآن مثل هذا الاستعمال.

وما ادّعي ـ من كون استعمال لفظ ( المشفر ) الموضوع لشفة البعير في مطلق الشفة الضخمة ، من هذا الباب ـ مردود

٥٤

بأنه من باب الكناية لا المجاز ، وأنه مستعمل في معناه الحقيقي الّذي هو شفة البعير ، وكونه مجازا لثالث منفي بالفرض.

وأمّا الثاني : فمع أنه خلاف الفرض ينفيه أصالة عدمه ، لأن الحوادث اللازمة له المخالفة للأصل فيه أكثر منها على تقدير الاشتراك المعنوي.

الثاني : من التفصيلين ما اختاره شيخنا المرتضى دام ظله من أنّ اللّفظ إن كان من المنقولات العرفية من معنى لغوي عام إلى معنى عرفي خاص ، بسبب غلبة استعمال العرف لها في الخاصّ ، وتردد الخاصّ المنقول إليه بين الخاصّ بالإضافة إلى المعنى المنقول منه ، بأن يكون عامّا في نفسه تحته جزئيات ، وبين الأخص منه الّذي هو أحد جزئياته أي جزئيات ذلك الخاصّ ، مع استعمال العرف اللفظ في كل من الخاصّ والأخص ، بأن أرادوا كلا منهما من هذا اللّفظ ، فالأصل وضعه عرفا للمعنى الخاصّ ، وكونه هو المنقول إليه ، لأنّ القدر المتيقن من استعمال اللّفظ حينئذ إنما هو استعماله في الخاصّ وملاحظته في استعماله من حيث هو ، وأمّا ملاحظة الأخص من حيث هو في استعماله غير معلوم ، إذ غاية الأمر ثبوت إرادته من اللّفظ لكنها أعم من ملاحظته في استعمال اللّفظ فيه بالخصوص ، وملاحظته فيه كذلك ، لاحتمال أن يكون الموضوع له عند العرف الّذي هو المنقول إليه الخاصّ ، فاستعملوا اللفظ في الأخص من باب إطلاق الكلي على الفرد ، وإرادة الخصوصية من الخارج من باب دالين ومدلولين ومطلوب واحد ، وهذا الاحتمال منفي في استعماله في الخاصّ ، بل ينحصر استعمال اللّفظ فيه في ملاحظته بالخصوص ، فإذا كان المتيقّن استعماله في الخاصّ وملاحظته في الاستعمال وصارت ملاحظة الأخص مشكوكة فتنتفي ملاحظة الأخص بالأصل ، فيصير اللفظ بمعونة ذلك الأصل من قبيل متّحد المعنى ، فيثبت أنّ الخاصّ هو المنقول إليه والموضوع له عرفا.

والحاصل : أن المفروض ثبوت النقل للّفظ عند العرف ، بسبب الاستعمال ، وقد ثبت انحصار الاستعمال في الخاصّ بالأصل ، فيلزم منهما أنّ الاستعمال المحصّل للنّقل إنما هو استعمال اللّفظ في الخاصّ ، فيثبت أنّه المنقول إليه.

هذا كله فيما إذا كان المعنيان من قبيل المتباينين ، وبينهما جامع.

وأمّا إذا كان من قبيل المتباينين ، وليس بينهما جامع قريب ، ولا علاقة ظاهرة فيتعيّن الاشتراك لفظا ، فإنّ اللفظ بالنسبة إلى كل منهما من قبيل متحد المعنى ، فلو لم

٥٥

يكن حقيقة في كلّ منهما لزم المجاز بلا حقيقة الدّائمي ، لأنّ المفروض عدم العلاقة المجوزة للاستعمال المجازي بين المعنيين ، فلا يجوز كون أحدهما مجازا للآخر ، واستعماله في ثالث غير معلوم ، فينفى بالأصل ، فلا بدّ من كونه حقيقة في كل منهما حذرا من المجاز بلا حقيقة الأبدي ، لما قد عرفت سابقا ، من أنّ المجاز بلا حقيقة الّذي نجوزه إنّما هو بالنّظر إلى بدو الاستعمال ، لا غير.

وأمّا إذا كانا من قبيل المتباينين وبينهما علاقة ، فهي إمّا مجوزة لاستعمال اللفظ في أحدهما خاصة مجازا ، كما في الماء والميزاب حيث إنّ بينهما علاقة المجاورة ، لكنها مجوزة لاستعمال الميزاب في الماء مجازا دون العكس ، وإمّا مجوزة لاستعمال اللفظ مجازا باعتبار فرض كونه موضوعا لواحد منهما في واحد منهما ، بمعنى أنّه يصحّ بسببها الاستعمال في هذا المعنى مجازا على فرض وضعه للمعنى الآخر ، وبالعكس.

أمّا الصورة الأولى : وهي ما إذا كانت العلاقة مصححة للمجاز من جانب واحد فالأقوال فيها ثلاثة : الاشتراك ، وهو للسيد قدس سره واتباعه ، الحقيقة والمجاز وهو للمشهور ، التوقف وهو للآخرين ، ومع ملاحظة قول ابن جني تصير أربعة ، لكنه لمّا كان جاريا في جميع صور مسألة الاستعمال ، فنفرد البحث فيه بالخصوص في آخر المسألة ونذكره تفصيلا بما يرد عليه من الإشكال ، إن شاء الله.

فإذا عرفت الأقوال : فاعلم أنّ تحقيق الحال فيها ، من وجوه ثلاثة :

الأوّل : بالنظر إلى الاستعمال ، كما هو المقصود الأصلي ، ومحل إن قيل أو يقال بين السيد والمشهور.

الثاني : بالنظر إلى الأصول بعد فرض عدم كون الاستعمال دليلا.

الثالث : بالنظر إلى قاعدة الأخذ بالمتيقن بعد فرض عدم جريان الأصول ، أو سقوطها بالتّعارض. فلنقدم الكلام بالنسبة إلى الوجهين الأخيرين لقلته فيهما بالنسبة إلى الأوّل.

فنقول : إن الّذي يمكن أن يقال للمشهور بالنّظر إلى الأصول : إن القرينة في الصورة المفروضة لا بدّ منها مطلقا ، إذ على تقدير الاشتراك لا بدّ من قرينة معيّنة ، وعلى تقدير المجاز لا بد من صارفة لا محالة ، فنفس القرينة متيقنة الوجود بحكم الفرض ، لا يجدي فيها الأصل ، ولا ريب أنّ تلك القرينة المتيقنة الوجود يلزمها أمران حادثان مطلقا : أحدهما : ملاحظتها ، والآخر الاعتماد عليها ، فلا يجوز التمسك على أحد التقديرين

٥٦

بالأصل ، لمعارضته بمثله على التقدير الآخر ، فنفيهما مطلقا مخالف للعلم الإجمالي ، أو على أحد التقديرين خاصة ترجيح بلا مرجّح.

وبالجملة فأصالتا عدم الملاحظة ، وعدم الاعتماد على كلّ واحد من التقديرين معارضتان بمثلهما على التقدير الآخر ، فيتساقطان عن الجانبين كليهما ، فحينئذ يرجع إلى أصالة عدم الوضع بالنسبة إلى موارد الشك لسلامتها عن المعارض.

فحاصل الاستدلال يرجع إلى دعوى أكثرية الحوادث اللازمة للاشتراك بالنسبة إلى اللازمة للمجاز فيتعارض الأصول مع الجارية في الأول للجارية في الثاني في مقدارها أي في مقدار الجارية في الثاني ، فيبقى الزائد عن هذا المقدار ، وهو أصالة عدم الوضع سليما عن المعارض ، فيثبت به المجاز. هذا ما فهمه عقلي القاصر ، واختلج بالنظر الفاتر ، وإنما قدمته على ما أفاده الأستاذ ـ دام عمره ـ من التوجيه حذرا من فوت التأخير المؤدي إلى الذهول. والله المستعان والله المأمول.

واما هو دام ظله فوجّهه أيضا بما يرجع إلى سلامة الأصل في نفي الوضع ، لكون الاشتراك أكثر حادثا ، لكنه فرض الحادثين اللازمين على كل واحد من التقديرين غير ما ذكرنا ، قال : إنّه يلزم على كل من التقديرين حدوث أمرين.

أمّا على تقدير المجاز ، فإنّه لا بد فيه من ملاحظة المستعمل العلاقة بين المعنيين ، ومن اعتماده عليها في تفهيم المخاطب ، وأمّا على تقدير الاشتراك ، فلا بدّ من ملاحظة الوضع ومن اعتماده عليه في تفهيم المخاطب ، فالأصل فيهما بالنسبة إلى كل واحد من التقديرين معارض بمثله في الآخر منهما ، فيبقى الأصل في نفي الحادث الزائد على تقدير الاشتراك على الحوادث اللازمة على تقدير المجاز ، وهو الوضع بالنسبة إلى مورد الشك سليما عن المعارض ، فيثبت به المجاز.

ثم قال : هذا غاية ما يوجّه عليه مذهب المشهور.

أقول : الإنصاف أنّه مع ملاحظة ما قدّمنا من التوجيه ، فهذا الّذي ذكره دام ظله بما يرد عليه من الإشكالات والإيرادات الآتية التي أوردها هو عليه ليس غاية التوجيه لمذهبهم ، لسلامة ما قدمنا عن كثير منها هذا ، مع أنّه يرد عليه مضافا إلى ما سيأتي أنّ فرض جريان الأصل بالنسبة إلى ملاحظة الوضع والاعتماد عليه ، وإلى ملاحظة العلاقة والاعتماد عليها مما لا وجه له ، للقطع بعدم تعدّد ملاحظة المستعمل عند استعماله الوضع أو العلاقة وبعدم اعتماده على شيء منهما.

٥٧

أمّا عدم ملاحظته الوضع وعدم اعتماده عليه بالنسبة إلى الألفاظ المتحدة المعاني في غاية الوضوح ، لأنّ كل متكلم بلسان إذا كان من أهله ، فهو يتكلم على مقتضى جبلته بحيث لا يلتفت إلى الوضع ولا يعتمد عليه بوجه.

وبعبارة أخرى : أنّه إذا كان في مقام تفهيم المخاطب المعنى الموضوع له اللفظ ، فهو يعتمد على مجرد اللفظ ، لرسوخ الوضع في أذهانهم وارتكازه فيها بحيث صار اللفظ بسببه دالاّ على المعنى بجوهره بزعم المتكلم والمخاطب ، فيطلق اللفظ من غير التفات إلى الوضع ، ولا من اعتماده عليه. وأمّا بالنسبة إلى الألفاظ المشتركة ، فكذلك أيضا لحضور جميع المعاني من اللفظ المشترك عند ذهن السامع المخاطب حين إطلاق اللفظ بحيث إنه بجوهره دال عليها بالدّلالة التصورية بزعم المتكلم ، والمخاطب ، لكن لمّا كان المراد حينئذ مجملا ، فالمتكلم يلاحظ شيئا صالحا لكونه معيّنا ومبيّنا له فينصبه ، ويعتمد عليه في تفهيم المخاطب المراد ، وليس هذا اعتمادا على الوضع ، بل على القرينة.

هذا ، وسيأتي الاعتراف منه ـ دام ظله ـ في الإيرادات الآتية بما ذكرنا من عدم ملاحظة الوضع وعدم الاعتماد عليه.

وأمّا عدم ملاحظة العلاقة ، وعدم الاعتماد عليها ، فوجه المنع في أوّلهما أنّ ملاحظة العلاقة ليست ملاحظة مستقلة غير ملاحظة المعنى المجازي ، بل الملاحظة الواحدة تتعلق بالمعنى المجازي المشتمل على تلك العلاقة ، بحيث تنحلاّن عند العقل إلى أمرين ، مثلا إذا استعمل أحد لفظ الأسد في الرّجل الشجاع ، فلا ريب أنّه يلاحظ مرة واحدة هذا المفهوم ، لا أنّه يلاحظ أوّلا الرّجل ثم الشجاعة.

وكيف كان ، فالتعدد في متعلق الملاحظة على تسليم أنّ المنحل إلى أمرين عند العقل متعدد ، لا في نفسها ، فإذا علم أنّ الملاحظة واحدة ، وعلم أيضا تعلّقها بالمعنى المشكوك الحال ، فلا مجرى للأصل فيها بوجه لتيقن وجودها. فتأمل.

وأمّا وجه المنع في ثانيهما ، فهو أوضح من أن يذكر ، إذ لا ريب أنّ المتجوز اعتماده على القرينة لا غير ، إذ مجرد وجود العلاقة لا يكفي في انتقال المخاطب إلى مراد المتكلم ، ولا ملاحظتها ، بل لا بد من ملاحظة قرينة تصلح لتعيين المعنى المجازي ، فيعتمد عليها في تفهيم المخاطب.

وكيف كان ، فلا بد فيما نحن فيه من قرينة ، إمّا معينة أو صارفة لا محالة ، والملحوظ المعتمد عليه في تفهيم المخاطب هذا لا غير.

٥٨

هذا ، ثم إنّه دام ظله قد أورد على ما وجّه عليه مذهب المشهور بوجهين : فقال الأول : إنه لا يجب ملاحظة الوضع ، ولا الاعتماد عليه من المتكلم ، إذا كان من أهل اللسان لما ذكرنا سابقا من ارتكاز الوضع في أذهانهم ، تقدير الاشتراك لا يلزم إلاّ حادث واحد ، وهو الوضع ، فحينئذ يقع التعارض بين أصالة عدمه وبين أصالتي عدم ملاحظة العلاقة ، وعدم الاعتماد عليها ، فلا يثبت المجاز ، فلا بد من التّوقف. وإنّما لاحظنا التعارض بين أصالة عدم الوضع ، وبين كلتا أصالتي عدم ملاحظة العلاقة ، وعدم الاعتماد عليها ، لأنّ ملاحظتها والاعتماد عليها من قبيل اللازم والملزوم ، إذ الثانية ملزومة للأولى ، فالأصل في كلتيهما بمنزلة أصل واحد ، فلا يجوز أن يقال : إنّه على تقدير المجاز يلزم حادثان ، ملاحظة العلاقة والاعتماد عليها ، فأصالة عدم أحدهما تعارض أصالة عدم الوضع ، فيبقى الأصل في الآخر سليما عن المعارض فيثبت به الاشتراك.

فان قيل : الشك في ملاحظة العلاقة والاعتماد عليها مسبّب عن الشك في وضع اللفظ لمورد الشك ، فيكون أصالة عدم الوضع مزيلا ، وحاكما على أصالتي عدم ملاحظة العلاقة ، وعدم الاعتماد عليها ، فيثبت المجاز.

قلنا : إنّ هذا توجيه لمذهب المشهور بما لا يرضون به ، لتجويزهم استعمال اللفظ المشترك في أحد معنييه مجازا بملاحظة العلاقة بينه وبين المعنى الآخر ، ولا منافاة عندهم بين الوضع وبين ملاحظة العلاقة والاعتماد عليها في الاستعمال ، فإذن لا سببية للوضع بالنسبة إلى ملاحظة العلاقة بوجه ، لا نفيا ولا إثباتا.

نعم بناء على ما اخترنا سابقا ، من عدم جواز استعمال اللفظ المشترك في أحد معنييه مجازا ، فالشك في ملاحظة العلاقة ، والاعتماد عليها مسبّب عن الشك في الوضع بالنسبة إلى مورد الشك ، إذ على فرض ثبوته لا يجوز ملاحظتها ، ولا الاعتماد عليها ، إلاّ أن السببية اتفاقية ناشئة عن العلم الإجمالي بعدم خلوّ الواقعة عن أحد الأمرين ، إمّا الوضع ، وإمّا ملاحظة العلاقة والاعتماد عليها ، لا ذاتية ، وقد مرّ أنه لا يحكم الأصل في مثله على الأصل فيما يسبب عنه.

الوجه الثاني : أنّ كل متكلم إذا كان غرضه إفادة مطلبه من دون غرض زائد فهو يتكلم بمقتضى الوضع بمعنى أنّه يؤدى مطلبه بلفظ دال عليه بالوضع ، ولا يصير إلى تأديته بطريق المجاز ، إلاّ فيما إذا كان له غرض زائد على مطلبه من الأغراض البديعيّة ، فإذا كان غرضه بيان أنّ الرّجل الشجاع قد رمى ، فلا يعدل عن تلك العبارة الدّالة على مطلبه بالوضع

٥٩

إلى قوله : رأيت أسدا يرمي ، وإنما يصير إليها إذا كان له غرض زائد على إفادة المطلب المذكور من الأغراض البديعية ، فمرجع الشك فيما نحن فيه إلى أن المتكلّم كان في مقام بيان المطلب فحسب ، أو كان له غرض زائد فيترتب على الاحتمال الأوّل ، كون الاستعمال على سبيل الحقيقة ، وكون اللفظ موضوعا لمورد الاستعمال ، وعلى الثاني ، كونه مجازا في وضعه لغير مورد الاستعمال فيكون طرفا الشك الوضع ، والغرض الزائد ، ولا ريب أنه لا يجري الأصل في شيء منهما ، لمعارضته في كل منهما بمثله في الآخر ، ولا سببية لأحدهما أيضا ، ليكون حاكما على الآخر كما مر ، فيسقط الأصل فيهما ، فحينئذ ينتقل إلى قاعدة أخرى وهي جريان الأصل في اللازم مع سقوطه في الملزوم ، وقد مرّ أنه لا لازم للوضع من ملاحظة أو اعتماد عليه كما مر ، وأمّا الغرض الزائد فيلزمه أمران حادثان : ملاحظة العلاقة ، والاعتماد عليها ، إذ ليس المعاني المجازية كالحقيقيّة في عدم الاحتياج فيها إلى الأمرين المذكورين إذ الاستعمال المجازي على خلاف جبلّتهم والمركوز في أذهانهم ، والخروج عن مقتضاها لا يكون إلاّ بملاحظة العلاقة والاعتماد عليها ، فيجري الأصل فيهما لسلامته عن المعارض ، فيثبت الاشتراك.

هذا ، لكنّ الإنصاف عدم جواز الاعتماد على مثل تلك الأصول ـ في مطلب من المطالب ، لأنها من الأصول البعيدة التي لا يعتني بها العقلاء.

هذا مضافا إلى أنّه لم يقل أحد بأصالة الاشتراك ، حتى السيّد رحمه الله إلاّ أنه قائل به من جهة زعمه الاستدلال (١) دليلا واردا ، لا من جهة أن الأصل ذلك ، كما مرت الإشارة إليه سابقا ، وحينئذ فالوجه في المسألة بالنظر إلى الأصول التوقف.

وأمّا قاعدة الأخذ بالمتيقن المعبّر عنها بالأصل التوقيفي فهي لا تقتضي مجازية اللفظ بالنسبة إلى مورد الشك ، فلا بدّ من التوقف عليها أيضا.

هذا كلّه فيما إذا كانت العلاقة بين المعنيين مصحّحة للمجاز من جانب واحد.

وأمّا إذا كانت مصححة له من الجانبين ، فالكلام فيه أيضا ما مر.

والمختار فيه أيضا التوقف ، بل هذا أولى به من سابقه ، لعدم العلم بوضع اللفظ لأحد المعنيين بالخصوص ، فعلى تقدير أصالة المجاز ـ أيضا ـ لا بدّ من التّوقف للجهل بالحقيقة.

ثم إن جميع ما ذكرنا إلى هنا من الكلام ـ في الصّور المذكورة ـ إنما هو فيما إذا لم يعلم

__________________

(١) كذا في الأصل ، والصحيح ( الاستعمال ) أي كون الاستعمال دليلا واردا على الحقيقة.

٦٠