تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

وأمّا في باب الطهارة فله وجه.

فإذا عرفت الحال في المقامات الثلاثة ، فنسوق الكلام إلى رابعها فنقول :

إن الأقوال فيه أربعة :

الحمل على الحقيقة ، وهو لأبي حنيفة.

والحمل على المجاز مطلقا ، وهو لأبي يونس.

التوقف ، وهو للمشهور.

التفصيل بين أقسام المجاز المشهور ، وهو لبعض (١) من الأصوليين.

والأقوى هو قول المشهور ، والّذي يتمسك به لهم وجوه ثلاثة بين صحيح ومعيب :

الأوّل : أنّ الوضع مقتض لحمل اللّفظ على الحقيقة ، لا علة له ، فيشترط في عليته من إحراز عدم القرينة الصّارفة ، التي هي المانعة عنه ، إمّا بالقطع ، أو بأصالة عدمها ، وكلاهما مفقودان فيما نحن فيه :

أمّا العلم بعدم القرينة ، فلأنّ المفروض احتمال كون الشهرة قرينة.

وأمّا أصالة عدمها ، فلأنها لا تجري في المقام ، لأنّ الشك في قرينية الموجود الّذي هو الشهرة ، لا في نفس القرينة.

وبعبارة أخرى ، القرينة موجودة لا يجري فيها الأصل ، إنّما الشك في صفتها ـ أعني كونها معتمدة عند المتكلم في إرادة خلاف الظاهر ـ والأصل أيضا لا يجري في نفي تلك الصفة ، لأنّه أصل في صفة الحادث ، وهو من الأصول الغير المعتبرة عند العقلاء.

الثاني : تسليم سببية علقة الوضع لما ذكر ، لكنها قد ضعفت لكثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي.

الثالث : وهو الّذي ينبغي أن يعتمد عليه ، أنّ العلقة الوضعيّة الحاصلة بين اللفظ والمعنى الحقيقي ، وإن كانت علة لظهور اللفظ فيه ، وحمله عليه ، إلاّ أنّها قد ضعفت الآن ، بسبب غلبة استعمال اللفظ في المعنى المجازي ، فيسقط اللفظ عن ظهوره في إرادة المعنى الحقيقي ، فلا يحمل عليه.

وأمّا عدم حمله على المعنى المجازي ، فلأن الشهرة لا تكون قرينة معيّنة في المشتركات ـ كما ذكروا ـ فكيف تكون قرينة صارفة للّفظ عن إرادة المعنى الحقيقي؟

__________________

(١) وهو العلامة المحقق الشيخ محمد تقي قدس سره في هداية المسترشدين : ٤٠ ، ٤٦.

٨١

فإنّ الصّارفة أقوى من المعيّنة.

وفي الأوّلين من الوجوه نظر ، أمّا الأوّل : فلأن المانع ـ عن مقتضى الوضع ـ ليس خصوص هذا الموجود ـ أعني الشهرة ـ حتى يقال بعدم جريان الأصل فيه ، ولا في صفته ، بل المانع له ، إنّما هو مطلق القرينة ، ونوعها ، وهو مشكوك ، فيجري فيه الأصل ، أعني استصحاب عدمه الأزليّ.

هذا مضافا إلى أنّه مع تسليمه لا ينهض جوابا عن أبي يونس ، اللهم إلاّ أن يكون المراد به ما يؤول إلى الوجه الثالث (١).

أقول : الأولى العدول عن الوجه الثالث ـ أيضا ـ إلى وجه آخر ، وهو أنّه قد ثبت بعنوان الكلّية ، أنّه إذا اكتنف اللّفظ بشيء من حال ، أو مقال يصلح ذلك الشيء لكونه قرينة صارفة ، بمعنى أنّه لو اتكل المتكلم عليه لا يلام ، ولا يعدّ مقصرا في تفهيم المراد عند العرف ، فيصير ذلك اللّفظ مجملا ، ولا يبقى له بعد ذلك ظهور أصلا.

لا في المعنى الحقيقي ، لتوقفه على نفي احتمال القرينة بالأصل ، ولا ريب أنّ العقلاء ، وأهل العرف لا يعتنون بأصالة عدم القرينة حينئذ ، لعدم حصول الظن ـ ولو نوعا ـ بعدم القرينة في مثل المقام.

ولا في المعنى المجازي ، لعدم العلم باعتماد المتكلم على مثل هذه الأشياء ، وهي ليست بنفسها في قوة يوجب بسببها صرف اللفظ إلى المعنى المجازي ، فلا بد من التوقف.

هذه قاعدة كلية ، ولا ريب أنّ المجاز المشهور من أفراد تلك القاعدة ، ومندرج فيها ، لأنّ الشهرة المكتنفة باللفظ تصلح لأن تكون قرينة صارفة.

هذا ، ثم إنّه قد يدعى كون الجنس المعرف المسبوق بذكر فرد من ذلك الجنس من أفراد تلك القاعدة ، كما في باب الاستصحاب في صحيحة زرارة في قوله عليه السلام ( لا تنقض اليقين أبدا بالشّك ) حيث أنّه مسبوق بقوله عليه السلام ( وإلاّ فانه على يقين من وضوئه ) وهكذا في نظائر تلك الصحيحة.

وفيه أنّه اعتبر في القاعدة المذكورة إحراز الصلاحية ، ولا يخفى أنّها ، أي الصلاحية فيما ذكره غير معلومة فتأمّل.

وأمّا قول المفصّل المذكور ، فتفصيله : أنّه ـ قدّس سرّه ـ قد قسّم المجاز المشهور إلى خمسة أقسام ، فقال : إنّ شهرة استعمال اللّفظ في المعنى المجازي على مراتب :

__________________

(١) احتمال سقوط النّظر في الوجه الثاني أكيد.

٨٢

الأولى : أن تكون بحيث لو لوحظت لا تمنع من ظهور اللفظ المجرد عن القرينة في إرادة المعنى الحقيقي.

الثانية : أن تكون بحيث لو لوحظت تمنع من ذلك ، وتجعل اللفظ ظاهرا في المعنى المجازي ظهورا مساويا لظهوره في الموضوع له ، لكن مع قطع النّظر عنها ، اللّفظ ظاهر في إرادة الحقيقة.

الثالثة : أن تكون بحيث لو لوحظت توجب ظهور اللفظ في المعني المجازي ، بأن ترجح إرادته من اللفظ على إرادة الموضوع له ، إلاّ أنّه مع قطع النّظر عن تلك الملاحظة ، ينصرف إلى ما وضع له.

الرابعة : أن تكون بالغة إلى حدّ أوجبت ذهول المعنى الحقيقي عن الذهن ، وهجر اللفظ عن الدلالة عليه ، وظهوره في المعنى المجازي مطلقا ، بحيث يحمل اللفظ عليه ـ عرفا ـ مجردا عن القرينة ، ويكون انفهام الحقيقة محتاجا إليها.

الخامسة : أن تكون بالغة إلى حدّ أوجبت ظهور اللفظ في المعنى المجازي أيضا ، مع عدم ذهول الحقيقة الأوّلية عن الذهن ، فيكون اللفظ مشتركا لفظيّا بينهما.

ثمّ قال : إنّ القسم الأوّل منها لا يصلح لكونه قرينة صارفة للّفظ عن معناه الحقيقي ، وإنّما يصلح لكونه قرينة معينة بعد قيام القرينة الصارفة عن عدم إرادة الحقيقة.

ثم قال : اللفظ في المراتب الثلاث الأول باق على معناه الأصلي ، ويكون مجازا شائعا في المعنى الثاني على اختلاف مراتب الشهرة فيها ، فيقدّم الحقيقة عليه في الصورة الأولى ، ويتوقف في الثانية ، ويترجح على الحقيقة في الثالثة. انتهى (١).

وفيما ذكره قدّس سره مواقع للنظر :

الأوّل : ما ذكر من كون الشهرة في القسم الأوّل قرينة للتعيين دون الصرف ، إذ في اعتبار الشهرة من حيث التعيين دون الصرف إشكالان :

أحدهما : أنّه إذا ثبت اعتبار قرينة ، ولو بأدنى مرتبة من مراتب الاعتبار ، فهي حاكمة على أصالة الحقيقة مطلقا ، وإنّ دليل اعتبارها أقوى مما دلّ على اعتبار

__________________

(١) انظر هداية المسترشدين : ٤٦.

٨٣

أصالة الحقيقة ، نظير حكومة الأدلة الشرعية على الأصول العملية ، فإنّ الدليل ، وإن كان من أضعف الظنون المعتبرة ، يحكم على الأصول العمليّة ، وإن كانت من أقوى الأصول المعتبرة الثابت اعتبارها بالإجماع ونحوه مثلا فإذا فرض اعتبار الشهرة ولو بأدنى مراتب الاعتبار ، فلا وجه للاقتصار في العمل عليها في مقام التعيين ، دون الصرف وإن فرض عدم ثبوت اعتبارها ، فلا وجه للعمل عليها في مقام التعيين أيضا.

وثانيهما : أنّه ما الفرق بين ما نحن فيه وبين المشترك؟ والقول باعتبارها في مقام التعيين هنا دون ثمة؟ فإنّ جمعا من الأعلام صرّحوا بعدم اعتبارها للتعيين ثمة.

هذا ويمكن دفعهما :

أمّا الأول منهما ، فأوّلا : بمنع كون الشهرة في المقام موجبة لظهور اللّفظ في المعنى المجازي ، مع قطع النّظر عن قرينة أخرى فلا تعاند لها بنفسها لإرادة المعنى الحقيقي ، فلا تصلح لكونها قرينة صارفة.

وأمّا إذا قامت قرينة أخرى على عدم إرادة المعنى الحقيقي ويتردّد الأمر بين كون المراد هو المجاز المشهور من بين سائر المجازات أو غيره ، فهي ـ حينئذ ـ توجب ظهور اللفظ في إرادة المجاز المشهور.

وثانيا : على تسليم إفادتها الظهور ، مع قطع النّظر عن قرينة أخرى نقول : إنّ ذلك ظهور ضعيف ، ولا عبرة بمثله في مقام صرف اللفظ عن حقيقته عند أهل اللّسان فإنّ بناءهم في ذلك على الظهورات القوية القاهرة على الظهور الوضعي إمّا بالنصوصية والظهور ، وإمّا بالأظهرية والظهور.

ولا ريب أنّها مقهورة بالنسبة إلى الوضع في القسم الأوّل ، إذ المفروض فيه أنّ اللّفظ مع ملاحظتها ـ أيضا ـ يظهر في إرادة الحقيقة ، فيكون الظهور الوضعي أقوى وأظهر ، وهي بالنسبة إليه في القسم الثّاني مساوية له ، فيكونان من قبيل ظاهرين متعارضين ، ولا ريب في عدم صلاحية كون أحد الظاهرين حاكما على الآخر وقرينة عليه.

هذا بخلاف ما إذا قامت قرينة أخرى صارفة للّفظ عن معناه الحقيقي ، إذ ليس ـ حينئذ ـ ظهور وضعيّ يغلب عليها ، أو يعارضها ، فتكون هي وحدها سليمة عن المعارض ، قاهرة على احتمال إرادة غير المجاز المشهور من اللّفظ فتوجب حمل اللّفظ عليه ـ حينئذ ـ لذلك.

وأمّا الإشكال الثاني فدفعه أوّلا : بنفي الفرق بين ما نحن فيه وبين المشترك ، والتزام كون الشهرة قرينة معينة في كلا المقامين ، فتأمل.

٨٤

وثانيا : بأنّ قرينة التعيين ـ عند المشهور ـ ليست مجرد غلبة الاستعمال ، بل مركبة منها ومن تأكّد العلاقة بين الحقيقي والمجازي ، وحينئذ فالشرط الثاني منهما مفقود في المشترك.

هذا ، لكن هذا الجواب إنّما يناسب مذاق المشهور ، وأمّا على مذاقنا فلا ، لأنّ المختار عندنا كون سبب التعيين مجرد غلبة الاستعمال ، وحينئذ فالتحقيق في الجواب ما حققنا في الجواب عن الإشكال الأوّل ، من أنّ الظهور المستند إلى الشهرة ليس بحيث يترجح بنفسه على الظهور الوضعي ، ليكون حاكما عليه ، وموجبا لحمل اللّفظ على موردها ، بل لا بد من قرينة أخرى صارفة للّفظ عن المعنى الآخر من معنيي المشترك ، ومع وجود تلك القرينة لا حاجة في التعيين ثمة إلى الشهرة ، لأنّ أصالة الحقيقة ، السالمة عن المعارض في موردها توجب حمل اللفظ عليه ، فلا تكون الشهرة معيّنة في المشترك ، لا قبل قيام قرينة أخرى ، ولا بعده.

هذا بخلاف ما نحن فيه ، فإنّه بعد قيام القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي لا يكون شيء غير الشهرة يقتضي حمل اللّفظ على موردها ، فالحمل والتعيين مستندان إليها حينئذ. فافهم ذلك فإنه لطيف.

الثاني : من مواقع النّظر ، ما اختاره من كون اللّفظ ظاهرا في المعنى المجازي ، مع بقاء وضعه في المعنى الأصلي ، إذ مع بقائه كيف يمكن ظهوره في المجاز ، وإنّما يكون ذلك إذا حصل علقة بين اللّفظ وبين المعنى الثاني بواسطة غلبة الاستعمالات ، ومع حصولها ، فيظهر من اللّفظ المعنى الثاني ، سواء لو حظت الغلبة أو لم تلاحظ.

والحاصل : أنّه لا يمكن ظهور المعنى الثاني من اللفظ إلاّ إذا حصلت علقة بسبب غلبة الاستعمالات ، ومع حصولها فلا يتوقف الظهور على ملاحظة سبب العلقة ، بل يحصل من مجرد اللّفظ ، سواء لاحظ السبب ، أو قطع النّظر عنه.

ثم على تسليم إمكان ذلك ، نطالب بالفرق بينه وبين المنقول ، من جهة العمل والثمرة بينهما.

وما قيل في الفرق بينهما : من أنّ استعمال اللّفظ في المعنى الأصلي ـ في هذا القسم ـ لا يتوقف على نصب القرينة ، بخلاف استعماله ـ فيه ـ في المنقول ، فإنّه لا بد منها هناك ، ومن أنّ القرينة على تقدير نصبها في إرادة المعنى الأصلي ـ في هذا القسم ـ إنّما تكون رافعة للمانع عن ظهور المعنى الأصلي ، لبقاء المقتضي له ، وهو الوضع ، بخلاف المنقول فإنّها فيه موجدة للمقتضي ، ومحرزة له ، ومن أنّ استعمال اللفظ ـ في هذا

٨٥

القسم ـ في المعنى الثاني ، إنّما هو بملاحظة المعنى الأصلي ، والعلاقة بينه وبين المعنى الثاني ، بخلاف استعماله ـ فيه ـ في المنقول.

مردود : بأنّ ذلك إنما هو بيان الفرق المعنوي ، وبحسب الواقع ، ولا يترتب عليه ثمرة عملية ، كما هو المدعى.

هذا مضافا إلى ما في الفرق الأوّل ، فإنّه بعد فرض ظهور اللفظ مجردا عن القرينة ـ في المعنى الثاني ـ كيف يصح استعمال اللفظ في المعنى الأوّل بدونها.

الثالث : من مواقع النّظر ، ما اختاره من القسم الخامس ، إذ لا ريب أنّه لا يمكن وصول اللّفظ إلى حدّ الحقيقة بالنسبة إلى المعنى الثاني ، بسبب غلبة الاستعمال ، مع بقاء وضعه للمعنى الأصلي ، لأنّ غلبة الاستعمال إنّما توجب حصول العلقة الوضعيّة بين اللفظ وبين المعنى الثاني ، لأجل تضعيفها العلقة الوضعيّة الأوّلية الحاصلة بينه وبين المعنى الأصلي ، لا إلى حد ترتفع تلك العلقة بالمرّة ـ فمع بقائها ـ لا يمكن حصول العلقة الثانية.

ثم إنّ ذلك ـ على تسليمه ـ لا تظهر الثمرة العملية بينه وبين القسم الثاني ، كما لا يخفى.

والحاصل أنّ سبب الاشتراك منحصر في الوضع التعيني دون التعييني.

وكيف كان ، فالحق ما ذهب إليه المشهور من حصر المجاز المشهور في الثلاثة ، وهي القسم الأوّل ، والثاني ، والرابع الّذي هو المنقول.

ثم إنّه تظهر الثمرة بين الأقسام الثلاثة بالنسبة إلى غير المشافه في الخطابات الغيبية ، لأنّ المشافه لا يكون اللّفظ مجملا عنده في شيء من الأقسام ، فإنّه يجب على المتكلم نصب القرينة على تعيين المراد ، إذا كان اللفظ بنفسه لا يفيده.

إيقاظ : ـ

قد عرفت أنّهم أوردوا على كون التبادر علامة للوضع بالمجاز المشهور ، ولا يخفى أنّ ذلك يشكل على مذهب المشهور في المجاز المشهور ، من التوقف ، فإنّهم إن كانوا متسالمين على تبادر المعنى المجازي وسبقه من اللفظ إلى الذهن ، فلا وجه للتوقف ، بل لا بد من حمله على المجاز ، كما فعله أبو يونس ، وإن كانوا مانعين من حصول ذلك التبادر ، فلا وجه للنّقض ، إذ لا تبادر ـ حينئذ ـ بالنسبة إلى المعنى المجازي ، حتى يرد النقض به.

ويمكن دفعه بوجهين :

٨٦

الأوّل : إنّ نظرهم في النقض إنّما هو إلى التبادر الابتدائي ، وهو حاصل في المجاز المشهور ، ونظرهم في التوقف إلى معارضة جهة الوضع. ولا يخفى أنّ هذا المقدار من التبادر ـ في المجاز المشهور ـ يكفي في النقض ، لعدم تقيد التبادر ـ الّذي هو علامة الوضع ـ بعدم معارضته لمثله.

الثاني : أنّ نظرهم في النقض إلى حال الغفلة عن الوضع ، وفي التوقف إلى حال الالتفات إليه ، فان هذا المقدار ـ أيضا ـ يكفي في النقض ، لعدم تقيد التبادر بحصوله للملتفت إليه. فافهم.

التنبيه الثاني : إنّ التبادر ، كما يعمل في تشخيص المعنى المطابقي ، كذلك يعمل في حدوده ولوازمه ، بمعنى أنّه يرجع إليه في تشخيص أنّ ذلك المعنى المطابقي إلى حدّ ومرتبة يلزمه هذا اللازم ، أو إلى دون ذلك الحد ، فلا يلزمه ، وذلك كما في مسألة الأمر ، ومسألة مفهوم الشرط والغاية ، فان المشهور والمختار ـ خلافا لصاحب المعالم قدس سره ـ أنّ الأمر موضوع لمعنى بسيط ، وهو الإلزام.

لكنهم اختلفوا في أنّ ذلك الإلزام إلى حد يلزم المنع من الترك ، الّذي هو معنى الوجوب أولا ، فلا يكون للوجوب.

فادّعى القائلون بالوجوب تبادر المنع من الترك من الأمر ، فأثبتوا به كون الأمر موضوعا لهذا الحدّ من الإلزام.

وكذا نراهم ـ بعد اتفاقهم على إفادة الجملة الشرطية تعليق الوجود على الوجود ـ اختلفوا في أنّ هذا المعنى المطابقي إلى أيّ حد ، فهل هو على حدّ العليّة ، فيلزم. منه الانتفاء عند الانتفاء أيضا ، أو ليس على هذا الحدّ ، بل يكون لمجرد ربط الوجود على الوجود ـ فلا يلزمه الانتفاء عند الانتفاء؟

ثم إنّه قد يستشكل في ذلك ، بأنّ وجوب المقدمة ـ على القول به ـ لازم لوجوب ذيها ، الّذي هو المعنى المطابقي للأمر ، وكذلك النهي عن الضد ـ على القول به ـ مع أنّ أحدا من المثبتين لم يتمسك بالتبادر ـ في واحد من المقامين ـ على إثبات هذين اللازمين لمعنى الأمر ، فيكشف ذلك عن عدم اعتبار التّبادر في إثبات اللوازم والحدود.

وقد يجاب عن ذلك تارة بأنّ اعتبار التّبادر ـ في إثبات اللازم ـ إنّما هو إذا كان اللازم من اللوازم البيّنة للمعنى المطابقي ، والوجوب أو النهي عن الضد ليس من تلك اللوازم وأخرى بأنّ التبادر المعتبر إنّما هو فيما إذا كان اللازم من لوازمه الوضعيّة لا

٨٧

العقلية ، كما في المقامين المذكورين.

وفي كل منهما نظر : أمّا الأوّل فلأنّ المعتبر ـ في اعتبار التبادر ـ إنّما هو حصوله من جوهر اللّفظ ، ولم يعتبر فيه أحد أزيد من ذلك ، فحينئذ لا فرق بين اللوازم البيّنة وغيرها ، لتبادر كل منهما من اللفظ.

نعم الذّهن أسرع انتقالا بالنسبة إلى الأولى ، لكن الاعتبار ليس منوطا بسرعة الانتقال ، بل منوطا بمجرد نفس الانتقال.

وأمّا الثاني : فلأنّه إن كان المراد باللوازم الوضعيّة ظاهرها ، وهو أنّ يجعل الواضع الملازمة بين الموضوع له ، وبين تلك اللّوازم ، فلا ريب أنّه لا يعقل ذلك ، فإنّ الملازمة بين شيئين من الأمور الواقعيّة الناشئة عن اقتضاء ذاتيهما لا من الأمور القابلة للجعل.

وما ترى من تقسيم بعضهم الملازمة إلى العقلي والشرعي ، فإنّما هو من باب المسامحة ، فإنّ المراد بالملازمة الشرعية إنّما هو طلب الشارع هذا اللازم عند ذلك الملزوم ، لا جعل الملازمة وإيجادها بينهما.

والحاصل : أنّ الملازمة لا تقبل الجعل مطلقا لا شرعا ، ولا بالنسبة إلى غيره ، بل هي عقلية مطلقا ناشئة عن اقتضاء الملزوم للازم بذاته ، والعقل إذا أدرك ذلك الاقتضاء يحكم بالملازمة.

وإن كان المراد أنّ الواضع جعلها منضمة إلى ملزوماتها عند الوضع ، فهذا يرجع إلى كونها مداليل تضمّنية ، لا التزامية ، فإنّ المعنى المطابقي ـ هو المركّب منهما ـ حينئذ.

هذا ، والتحقيق في الجواب : أنّ إعمال التبادر كأعمال سائر علائم الوضع انما [ يكون ] إذا كان الاشتباه في المعنى المطابقي ، إمّا من حيث ذاته ، وإمّا من حيث حدوده وكيفياته ، كما في مسألة الأمر ، ومسألة مفهوم الشرط ، وأمّا إذا كان الاشتباه في نفس الملازمة ، بعد إحراز المعنى المطابقي بذاته وحدوده ، فلا يجوز إعمال التّبادر ، بل لا بد من الرجوع إلى البراهين العقلية ، ولا ريب أنّ مسألة وجوب المقدمة ، والنهي عن الضد من المقام الثاني ، فإنّهم ـ بعد الفراغ عن إثبات مدلول الأمر بذاته وحدوده ، من أنّه هو الإلزام الخاصّ الملزوم للمنع من الترك ـ تعرّضوا للبحث عن ثبوت الملازمة بين هذا المعنى وبين وجوب المقدمة ، أو النّهى عن الضد ، فلذا لو تمسّك أحد في هاتين المسألتين بالتبادر يعدّ سفها ومستهجنا.

٨٨

هذا ، فقد ثبت أنّ التبادر ـ في مقام الشّك في المدلول المطابقي أو الالتزامي ـ علامة للوضع مطابقة أو التزاما ، فإنّ المعنى المتبادر ، إن تبادر من اللفظ ابتداء ، فيكون ذلك التّبادر علامة لثبوت الوضع له مطابقة ، وكونه تمام الموضوع له ، وإن تبادر متفرّعا على تبادر المعنى الآخر ، ومتأخرا عنه ، فيكون التبادر ـ حينئذ ـ علامة لكون هذا المعنى مدلولا التزاميا ، ولثبوت الوضع له التزاما ، بمعنى أنّه يكشف عن أنّ المعنى المطابقي هو الّذي وضع الواضع اللّفظ بإزائه إلى حدّ يلزمه ذلك اللازم ، فيكشف عن الوضع.

فمن هنا ظهر ضعف ما يظهر من بعض (١) الأعلام من إنكار كون التبادر علامة بالنسبة إلى اللازم معلّلا بأنّ علامة الحقيقة هو تبادر المعنى من اللّفظ ، وفهمه منه بلا واسطة.

وتوضيح الضعف : أنّ التبادر كاشف عن تحقق وضع من الواضع ، إمّا للمعنى المتبادر ، كما إذا كان التبادر ابتدائيا ، أو لمعنى يستلزمه ، كما إذا كان مترتبا ، وليس كاشفيّته منحصرة في إحراز الوضع للمعنى المتبادر ، حتى ينحصر التبادر الّذي هو علامة للوضع في التبادر الابتدائي ، نظرا إلى أنّه لا يمكن إثبات الوضع للمعنى المتبادر بالتّبادر المترتب ، لأنّ هذا المعنى من لوازم الموضوع له ، كما هو المفروض ، ولا ريب أنّ اللفظ مجاز في خصوص اللازم ، كما ذكره هذا المنكر أيضا.

هذا ، ولعلّ منشأ غفلة هذا القائل ـ عن الحال ـ ملاحظة عبارات بعض منهم في كاشفية التبادر ، وهي أنّ التبادر علامة للحقيقة ، كما ذكرها قدس سره أيضا ، فإنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له ، فيكون ظاهر العبارة أنّ التبادر علامة لكون اللفظ مستعملا في المعنى المتبادر ، على وجه الحقيقة ، وهذا إنّما يتصور في المعنى المطابقي ، وأمّا الالتزامي فلا ريب أنّ اللفظ مجاز فيه قطعا ، فكيف يجوز إثبات كون استعمال اللّفظ فيه على وجه الحقيقة؟! فينحصر التّبادر الّذي هو العلامة في التبادر الابتدائي ، الّذي يختص حصوله بالمعنى المطابقي.

لكنّ التأمّل التّام يفضي إلى أنّ هذا التعبير من باب المسامحة ، وأنّ الغرض كون التبادر علامة للوضع على النحو الّذي وصفناه.

__________________

(١) وهو المحقق المدقق صاحب هداية المسترشدين : ٤٥ عند قوله : وقد عرفت انّ علامة الحقيقة هو تبادر المعنى من اللفظ وفهمه منه بلا واسطة فلا نقض.

٨٩

ووجه هذه المسامحة : أنّ تبادر اللازم تابع لتبادر الملزوم ، الّذي هو المعنى المطابقي ، فإذا حصل لا ينفك منه تبادر اللازم ، فهو يرجع بالأخرة إلى اتّحاده مع تبادر الملزوم في الوجود ، فإذا تبادر الملزوم بذاته وحده ، فهو يكشف عن أمرين :

أحدهما : أنّ المعنى المطابقي هذا المعنى بهذا الحد.

وثانيهما : أنّ هذا المعنى الآخر لازم لذلك المعنى المطابقي ، فهو يغني عن إعمال تبادر اللازم وحده.

والحاصل : أنّ تبادر المعنى المطابقي بحدوده ، لما كان مغنيا عن تبادر اللازم في إحراز الحدّ ، فلذا عبّر بعضهم بأنّ التبادر علامة للحقيقة. فافهم.

التنبيه الثالث : قد يمنع عن كون التبادر علامة للوضع ـ في بعض الموارد ـ بكونه إطلاقيّا ، أو باحتمال كونه إطلاقيّا ، فلا بدّ حينئذ من ذكر أمرين :

أحدهما : في بيان معنى التّبادر الإطلاقي.

وثانيهما : في التّبادر الوضعي عند اشتباه الحال فلنقدّم الكلام في الأمر الأوّل.

فنقول : إنّ للتّبادر الإطلاقي إطلاقات أربعة :

الأوّل : تبادر المعنى بسبب كثرة استعمال اللفظ فيه مجازا ، أو حقيقة عند تجرده عن القرينة من غير جهة الشهرة ، فالأوّل كما في المجاز المشهور ، على قول أبي يونس ، وعلى ما يظهر من الشيخ (١) محمد تقي ، كما عرفت سابقا ، وكما في استعمال اللّفظ الموضوع للكلّي في فرد منه ، كما في المطلقات بالنسبة إلى الأفراد الشائعة ـ على أحد الوجوه ـ في انصرافها إليها ، على القول بالانصراف ، وإلاّ فقد عرفت المنع سابقا من انصرافها إليها ، وأنّ حملها عليها إنّما هو من باب الأخذ بالمتيقن ، لا من باب ظهور اللفظ فيها ، لأنّ الاستعمال المجازي المحفوف بالقرينة المتّصلة لا يمكن أن يكون سببا لذلك ، سيّما مع الاعتراف ببقاء العلقة الوضعيّة بين اللّفظ وبين المعنى الأصلي الكلّي ، بل نمنع من جواز استعمال المطلق في الفرد مجازا ، لما قد عرفت من منع استعمال المشترك في أحد معانيه كذلك ، من أنّ الاستعمال المجازي مبنيّ على ملاحظة إفادة النّكات البديعية ، التي منها حركة ذهن السّامع ، وانتقاله من المعنى الأصلي إلى الفرعي ، ولا يخفى أنّها لا تحصل هنا ، لأنّ المطلق إذا وقع في حيّز الحكم ، فلا يكون المراد به نفس الطّبيعة

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٦.

٩٠

بما هي قطعا ، بل لا بد أنّ يراد تلك الطّبيعة بملاحظة وجودها الخارجي ـ الراجع إلى وجود الأفراد ـ فيئول الأمر بالأخرة إلى إرادة الفرد ، وهي لما كانت قابلة لإرادتها في ضمن جميع الأفراد ، أو في ضمن بعضها الخاصّ ، فيكون المراد مجملا ، فيسقط اللفظ عن الظّهور ، ويصير مجملا ، كالمشترك ، فلا بدّ من قرينة معيّنة ، فاللفظ عند الإطلاق لا ظهور له في الطّبيعة ـ من حيث هي ـ حتّى يسرع ذهن السامع إليها ، ثم ينتقل بواسطة القرينة إلى الفرد.

أقول : فيه منع كون وقوعه في حيّز الطلب موجبا لإجماله ، مع الاعتراف بوضعه للطّبيعة ـ بما هي ـ لإمكان طلبها من حيث هي ، لكونها مقدورة بتوسّط الأفراد ، فعلى هذا التقدير فالأفراد لا حاجة إلى ملاحظتها في الطّلب ، بل هي من مقدّمات امتثال المكلف ، فإذا كان هذا الاحتمال قابلا للإرادة ، فاحتمال ملاحظة الخصوصية ـ في الطبيعة ـ لا يوجب سقوط اللّفظ عن ظاهره ، فيكون ظاهرا في الطّبيعة ، فيحصل الانتقال عند قيام القرينة على خصوص الفرد.

نعم يمكن توجيه المنع : بأنّ فائدة الاستعمال المجازي إنما هي حصول الحركة والانتقال ، وهي حاصلة من الاستعمال على غير هذا الوجه أيضا ، بأن يستعمل اللّفظ في الطبيعة وأريد الخصوصية من الخارج من باب دالين ومدلولين ، ومطلوب واحد ، فإنّ القرينة على تعيين المراد لازمة على التقديرين عند إرادة الخصوصية ، فلا حاجة إلى الاستعمال المجازي.

فإن قيل : إنّ للاستعمال المجازي فائدة أخرى ، وهي ملاحظة العلاقة والمناسبة بين المعنيين ، فتكون مائزة بين استعمال العالم وبين استعمال العامي المبتذل ، كما ذكرها السيد بحر العلوم (١) في وجه جواز استعمال المشترك في أحد معانيه مجازا.

قلت : إنّ ملاحظة العلاقة ليست من الفوائد ، بل هي كلفة زائدة لا بد من ارتكابها في الاستعمال المجازي ، ليصحّ الاستعمال هذا ، مع أنّ المقصود بالمجاز هي الفوائد التي ينتقل إليها السامع عند الاستعمال ، ولا ريب أنّه لا يطلع على ما ذكر إلاّ بعد

__________________

(١) شرح الوافية للسيّد بحر العلوم : « المخطوط » في مبحث الوضع في أوّل كتابه ، وإليك لفظه : ثم لا يخفى أنّه ربما يستعمل اللّفظ المشترك في اصطلاح به التّخاطب في أحد معانيه ، لأجل العلاقة بينه وبين معنى آخر منها لا لكونه موضوعا له لقصد البلاغة والتجنّب عن استعمال الكلام العامي المبتذل ، ولا ريب في مجازيّة هذا الاستعمال مع صدق حدّ الحقيقة عليه ، لكونه مستعملا فيما وضع له في اصطلاح به التخاطب فينتقض به الحدّان طردا وعكسا.

٩١

فهمه المراد من القرينة ، وبعد تنبيهه على الثاني ، لوحظت العلاقة أم لا ، ريب أنّ ذلك مما يضحك الثكلى.

هذا ، وأمّا الثّاني ـ أي تبادر المعنى بسبب كثرة استعمال اللّفظ فيه حقيقة عند تجرده عن قرينة المراد ـ فهو كما في المشترك الّذي كثر استعماله في أحد معانيه ، على القول بكون الشهرة قرينة معينة فيه ، وصالحة لها ، لكنك قد عرفت المنع سابقا عنه.

الثاني من إطلاقاته : إطلاقه على تبادر فرد من الموضوع له ، لغلبة وجوده ، كما هي أحد الوجوه في انصراف المطلقات إلى أفرادها الشائعة ، على القول به.

الثالث : إطلاقه على تبادر فرد من الموضوع له ، لكماله بالنسبة إلى سائر الأفراد ، كما هو أحد الوجوه في المطلقات التي لها فرد شائع الوجود ، على القول بالانصراف.

الرابع : إطلاقه على تبادر فرد من اللفظ الموضوع للكلّي ، لإطلاق اللفظ ، بمعنى عدم ذكر قيد معه ، وذلك فيما إذا كان بعض أفراد هذا الكلّي متميزا عن غيره من الأفراد بعدم ملاحظة قيود غيره بأنّ تكون القيود المميّزة لغيره قيودا وجودية محتاجة إلى الملاحظة في التمييز ، بخلاف ذلك البعض ، لكفاية عدم ملاحظة قيود غيرها في تمييزه ، فيكون الفصل المميّز له من الأمور العدمية الغير المحتاجة إلى الملاحظة هذه.

أقول : ولعلّ له إطلاقات أخرى غير ما ذكر.

والتحقيق عندي : رجوع الإطلاقات جميعا إلى عنوان واحد من الإطلاق ، وهو تبادر المعنى من غير جوهر اللفظ ، فحينئذ له أفراد ، والأقسام المذكورة منها.

الأمر الثاني : في تشخيص التّبادر الوضعي.

وتحقيق الكلام فيه : إنّه إذا دار الأمر بينه وبين التبادر الإطلاقي بأحد المعاني الثلاثة المتقدمة ، فالمرجع في تمييزه إلى أصالة عدم القرينة الأزلي الصّارفة للّفظ عن معناه الحقيقي ، بمعنى استصحاب عدمها الأزلي ، للشك في تبدّله إلى الوجود ، لأنه لم يعلم استناد المتكلم إلى شيء من غلبة الاستعمال ، أو الوجود ، أو الكمال ـ بالفرض ـ فلم يعلم كونها قرينة صارفة للّفظ عن ظهوره بحسب الوضع ، وإنّما لم نقل بالرجوع إلى أصالة عدم قرينية هذه الأمور الموجودة المكتنفة باللّفظ ، لكون ذلك تعيينا للحادث بالأصل ، ولا ريب في عدم جريانه فيه ، لتعارضه بمثله ، إذ كما يقال : الأصل عدم كون هذه الشّهرة ـ مثلا ـ قرينة ، كذلك يقال : الأصل عدم كونها غير قرينة.

نعم يمكن الانتقال ـ حينئذ ـ إلى قاعدة أخرى ، وهي أنّه إذا ابتلي الأصل بمثله ـ في الملزوم ـ يرجع إليه بالنسبة إلى لوازمه ، فينفى به الاحتمال الّذي يلزمه من

٩٢

الحوادث أكثر مما يلزم الاحتمال الآخر ، فيقال : الأصل عدم الحوادث الزائدة المشكوكة اللازمة لهذا الاحتمال ـ على تقدير ثبوته ـ فيتعيّن الاحتمال الآخر ، الّذي هو أقل حادثا من الاحتمال المذكور ، ولا ريب أنّ الأمور المذكورة ـ على تقدير كونها قرائن ـ يلزمها من الحوادث أكثر مما يلزمها ـ على تقدير عدم كونها قرائن ـ إذ على التقدير الأوّل يلزمها الملاحظة ، والاعتماد عليها ولا تكون كذلك على التقدير الآخر ، فهذه الملاحظة ، وذلك الاعتماد مشكوكان ، فالأصل عدمهما ، فيثبت عدم كونها قرائن ، وأنّ المتكلم استند إلى جوهر اللّفظ ، وهذا الأصل ـ أيضا ـ يرجع إلى استصحاب العدم الأزلي ، كما لا يخفى.

ثم إنّ هذا الأصل ـ أعني أصالة عدم القرينة ـ فيما نحن فيه ، وإن كان معتبرا في نفسه ، إلاّ أنّه ليس في الاعتبار بمثابة أصالة عدم القرينة في المقام الثاني ـ أعني مقام الشك في المراد ـ بعد إحراز الحقيقة ، كما يشهد له مراجعة طريقة العقلاء.

وأيضا تشخيص التّبادر الوضعي بالأصل يخرجه عن كونه علامة قطعية للوضع ، فإنّه إنّما يكون كذلك ، إذا أحرز كونه ناشئا عن جوهر اللّفظ بطريق القطع ، إلاّ أنّه ـ حينئذ ـ لمّا كان محرزا بالظن المعتبر ، فيكون اعتباره ـ حينئذ ـ بمنزلة اعتباره مع إحرازه بالقطع ، فلا ينافي ذلك ما صرنا إليه ، من عدم حجية الظن في اللّغات عند اشتباه الوضع ، إذ المراد ـ ثمة ـ منع حجيته من باب الظن المطلق.

هذا ، وأمّا إذا دار الأمر بينه وبين التبادر الإطلاقي بالمعنى الأخير ، وهو المعنى الرّابع ، فلا مجرى للأصل المذكور فيه بوجه ، فإنّه على تقدير كون التبادر إطلاقيّا ـ بهذا المعنى ـ لا يلزم أمر حادث ، ليتمسّك في نفيه بالأصل ، لما قد عرفت من أنّ فصله عدمي ، فيكفي في تعيّنه عدم ملاحظة خصوصية زائدة ، فيكون احتماله موافقا للأصل ، ولذا قال أهل المعقول : إنّ الماهيات البسيطة تعينها إنّما هو بذاتها ، لا بملاحظة أمر آخر ، لكونها ـ أي الملاحظة ـ مستلزمة للتّركيب ، وهو خلاف الفرض ، من كونها بسائط.

نعم يمكن التمييز ـ حينئذ ـ بالرّجوع إلى صحة السلب وعدمها بالنسبة إلى الفرد الآخر ، الّذي لا بد في تعيينه من ملاحظة خصوصيّة زائدة ، فان صح السلب بالنسبة إلى ذلك الفرد ، فيتعيّن كون التبادر وضعيا ، وإلاّ فيتعين كونه إطلاقيا ، وتشخيص التبادر بصحة السلب وعدمها إنّما هو على سبيل القطع ، لكونهما من العلائم القطعية وهذا بخلاف تشخيصه بالأصل ، كما عرفت.

٩٣

ومن الطرق العلميّة العقلية إلى معرفة الحقيقة والمجاز صحة السلب وعدمها ، فالثاني علامة للأول ، والأوّل للثاني ، وقد عبّر عنهما العضدي بصحة النفي وعدمها ، وقال : الأولى زيادة قيد في نفس الأمر احترازا عن مثل قولهم للبليد : ليس بإنسان (١).

وأورد عليه المحقق القمي رحمه الله بأنّ القيد غير محتاج إليه ، لأنّ المراد صحة سلب المعاني الحقيقية حقيقة ، والأصل في الاستعمال الحقيقة (٢).

وفيه : أنّ كون المراد صحة سلب المعاني حقيقة لا يغني عن القيد ، بل لا بدّ من أخذه في الكلام ليدلّ على المراد.

وأمّا قوله : فالأصل في الاستعمال الحقيقة ، فإن أراد به تشخيص القضايا السّلبية الخارجية ، كقولهم : البليد ليس بحمار ، أو أنّه ليس بإنسان ، وأمثالهما ، بأن يكون المراد أنّ الظاهر ـ من تلك القضايا السّالبة ـ السلب بحسب الواقع ، وبعنوان الحقيقة ، لا المسامحة ، لأنّ السلب حقيقة في ذلك ، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

ففيه : أنّ ذلك لا يرتبط بما نحن فيه بوجه ، لأنّ الكلام في دلالة قول العلماء : إنّ صحة السلب علامة للمجاز ، على أنّ المراد بالسلب هو بعنوان الحقيقة والواقع ، وأين هذا من القضايا السالبة؟!

وإن كان المراد تشخيص ، وتعيين المراد من قولهم ذلك ، وإثبات ظهوره في السلب الحقيقي ، نظرا إلى أن مادة السلب ظاهرة في السلب بعنوان الحقيقة ، لأنه معناه الحقيقي ، والأصل استعماله في كلامهم فيه ، فيكون قولهم : صحة السلب ـ ظاهرا ـ في السلب بعنوان الحقيقة والواقع ، فهو متجه.

ثم إنّ العضدي إنما هو تعرض لصحة السلب التي هي علامة المجاز ، وسكت عن علامة الحقيقة ، وأورد عليها بلزوم الدور (٣).

__________________

(١) شرح المختصر للعضدي ، مخطوط : وإليك نصّه : أقول قال الأصوليّون نعرف المجاز بالضرورة بأن يصرّح أهل اللغة باسمه أو بحدّه أو بخاصته ، وبالنّظر بوجوه ، منها صحّة النفي في نفس الأمر كقولك للبليد ليس بحمار ، وإنّما قلت في نفس الأمر ليندفع ما أنت بإنسان لصحّته لغة.

(٢) في القوانين : ١٨ ، قال : وزاد بعضهم في نفس الأمر احترازا عن مثل قولهم للبليد ليس بإنسان ولا حاجة إليه لأنّ المراد صحة سلب المعاني الحقيقيّة حقيقة والأصل في الاستعمال الحقيقة فالقيد غير محتاج إليه وإن كان مؤدّاه صحيحا في نفس الأمر.

(٣) شرح المختصر للعضدي في علائم الحقيقة والمجاز وإليك لفظه : المراد بصحّة سلبه سلب كل ما هو معناه حقيقة لأن معناه مجازا لا يمكن سلبه وسلب بعض المعاني الحقيقيّة لا يفيد لجواز سلب بعض المعاني الحقيقيّة دون

٩٤

وأوضحه المير سيد شريف ـ في حاشيته عليه ـ مع طرده الدور في علامة الحقيقة أيضا ، بأنّ المراد ـ بصحة السلب وعدمها ـ ليس صحة سلب اللّفظ عن المعنى ، ولا صحة سلب المعاني المجازية ، ولا الأعم ، بل المراد صحة سلب المعنى الحقيقي ، ولما كان سلب البعض وعدمه لا يكفيان في تعيين الحقيقة والمجاز ، فالمراد صحة سلب جميع المعاني الحقيقية ، ولا ريب أنه يتوقف على أن المورد ليس منها ، وكذا عدم صحة سلب الجميع عن مورد يتوقف على أن المورد منها ، فيلزم الدور في علامة الحقيقة مصرحا ، وفي علامة المجاز مضمرا بواسطتين (١).

والظاهر أن الوجه ـ في عدّ السيد الدور مصرحا في علامة الحقيقة ، ومضمرا بواسطتين في علامة المجاز ـ هو أنّ معرفة كون المعنى المبحوث عنه مجازا متوقفة على صحة سلب جميع المعاني الحقيقية عنه ، ومعرفة ذلك متوقفة على معرفة أن ذلك المعنى ليس منها ، لاحتمال أن يكون سلب المعاني الأخرى الحقيقية عنه من باب سلب بعض المعاني الحقيقة للمشترك عن بعض ، ومعرفة هذا موقوفة على العلم بكونه مجازا ، فلزم الدور بواسطتين. هذا في علامة المجاز.

وأما في علامة الحقيقة فبيانه : أن معرفة المعنى المبحوث عنه ، والعلم بكونه حقيقة موقوفة على عدم صحة سلب بعض المعاني الحقيقية عنه ، ومعرفة ذلك موقوفة على معرفة كونه حقيقة ، إذ لولاها لما علم أن عدم صحة السلب بعنوان الحقيقة ، فلا يثبت بها الحقيقة.

هذا ، ولكنه لا يخفى ما فيه وتوضيح الإشكال فيه يحصل من رسم مقدمة :

وهي أنّ الدور في الأصل مصدر ( دار ، يدور ) إذا سار مستديرا كسير الرّحى ، وفي الاصطلاح يطلق على معنيين :

__________________

بعض فإذن لا تعرف صحة سلبه إلاّ إذا علم انه فيما استعمل فيه مجاز فإثبات كونه مجازا به دور ، ووروده على الحقيقة أظهر.

(١) الحاشية على شرح المختصر ، مخطوط ، عند قوله : الاعتراض توجيه ان يقال ليس المراد بصحّة السلب صحة سلب اللفظ من حيث هو عن المعنى لصحّة سلب الألفاظ من حيث هي ألفاظ عن معانيها الحقيقية كأن يقال للأسد : إنّه ليس بأسد أي ليس بهذا اللّفظ بل صحّة سلبه بحسب معناه ولا يراد سلب جميع المعاني لأن معناه مجازا لا يمكن سلبه قطعا لأدائه إلى سلب الشيء عن نفسه بل سلب ما هو معناه حقيقة ولا يراد سلب بعض المعاني الحقيقيّة فإنّه لا يفيد كما في المشترك بل سلب جميعها ولا يعرف صحة سلب جميع ما هو معناه حقيقة عن المعنى المفروض إلاّ إذا علم أن اللفظ فيما استعمل فيه أي في المعنى المفروض مجاز فإثبات كونه مجازا بعرفان صحّة السلب دور مضمر بواسطتين.

٩٥

أحدهما : كون وجود الشيء مستلزما لعدمه ، وهذا الإطلاق شائع عند الفقهاء.

وثانيهما : كون الشيء متوقفا على ما يتوقف على ذلك الشيء ، وهذا الإطلاق شائع عند الأصوليين ، وقد يطلق عند الأصوليين على لازم هذا المعنى من توقف الشيء على نفسه ، أو تقدمه على نفسه.

إذا عرفت هذا فنقول : إنّ مراد العضدي بالدور ليس المعنى الأصلي ، ولا الاصطلاحي عند الفقهاء قطعا ، بل هو إما خصوص الإطلاق الثاني ، وهو مصطلح الأصوليين ، أو لازمه.

فعلى الأوّل يصح قوله : بأن الدور مصرّح في علامة الحقيقة ، لعدم الواسطة فيه أصلا بهذا المعنى ، فإنّ توقّف معرفة عدم صحة سلب بعض المعاني الحقيقيّة على معرفة عدم كون مورد الاستعمال مجازا بلا واسطة ، والمفروض توقف معرفة كونه مجازا على معرفة عدم صحة سلب بعض المعاني ، لأنّه علامة له ، أي لكونه معنى مجازيّا فيتوقّف عدم صحّة سلب بعض المعاني على معرفة المجاز ، التي تتوقف على معرفة عدم صحّة السلب بلا واسطة.

لكنه يرد الإشكال في الالتزام بكون علامة المجاز دورا بواسطتين ، إذ على هذا التقدير تنحصر الواسطة في واحدة ، لأنّ المتوقف على ما يتوقف هو عليه إنما هو معرفة صحّة سلب جميع المعاني الحقيقية عن المعنى المبحوث عنه ، وهذه وإن كانت متوقفة على معرفة أنّ ذلك المعنى ليس من المعاني الحقيقية ، لكن معرفة أنّ هذا ليس منها لا تتوقف على معرفة كونه معنى مجازيا ، بل لازمة لها ، بمعنى أنّهما ـ أي معرفة كونه معنى مجازيا ومعرفة أنّه ليس من المعاني الحقيقية ـ مفهومان متغايران بحسب المفهوم ، ومتّحدان بحسب المصداق ، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر ، فيكون كلّ منهما مستلزما للآخر ، لا متوقفا عليه ، بحيث لو فرض إمكان انفكاكهما بحسب المصداق أيضا ، لم يلزم دور أصلا ، وإنّما لزم ذلك لأجل أنّ توقف ـ معرفة صحة سلب جميع المعاني على معرفة عدم كون المعنى المبحوث عنه منها ـ عين توقفه على معرفة كونه مجازا ، لعدم إمكان الانفكاك بينهما ، لكونهما متساويين في الصّدق فإذا صدق الأوّل صدق الثاني.

فالحاصل : أنّ معرفة صحّة سلب جميع المعاني الحقيقية متحدة مصداقا مع معرفة كون المعنى المبحوث عنه مجازا ، لا متوقفة عليها ، حتّى يلزم واسطة أخرى غير توقفها على معرفة أنّه ليس من المعاني الحقيقية ، فتنحصر الواسطة ، وهي

٩٦

توقفها على معرفة أنّه ليس من المعاني الحقيقية ، وتوجب تلك الواسطة لأجل تصادقها مع ما يتوقف على معرفة صحة سلب المعاني الحقيقية ، توقّف معرفة سلب المعاني التي هي متوقفة عليها ، لمعرفة كون المعنى مجازيا على معرفة كونه معنى مجازيا ، مع توقفها على صحة سلب المعاني ، ولو لا تغاير تلك الواسطة مع ما يتوقف على معرفة صحة سلب المعاني بحسب المفهوم ، لكان الدّور مصرحا ، لعدم الواسطة حينئذ بوجه ، وإنّما أوجب ذلك التّغاير ثبوت الواسطة بالاعتبار ، وبالدّقة العقليّة. فافهم ذلك فإنّه دقيق.

وأمّا على الثاني ـ أي على أن يكون المراد بالدّور لازمه ـ فينعكس الإشكال ، فإنّه يتجه ـ حينئذ ـ عدّ الدور في علامة المجاز مضمرا بواسطتين ، لكن لا يمكن نفى الواسطة في الدّور في علامة الحقيقة ، ليكون الدّور مصرحا ، كما ذكره ، فإنّ كلّ دور مصرح بالمعنى الأوّل ، فهو مضمر بالمعنى الثاني بواسطة ، فإنّ توقف شيء ، أو تقدمه على نفسه ، إنّما هو لأجل توقف ـ ما يتوقف عليه ذلك الشيء ـ على ذلك الشيء ، فيكون ذلك المتوقف عليه واسطة.

وأما إثبات واسطتين في الدور الوارد على علامة المجاز ـ على هذا التقدير ـ فلأنه لما ثبت توقف ما يتوقف عليه معرفة المجاز على معرفته بواسطة ، فتكون تلك الواسطة ، وذلك المتوقف عليه معرفة المجاز كلاهما واسطتين في تقدم معرفة المجاز ، أو توقفه على نفسه ، فإن تقدّم معرفة المجاز على معرفة نفسه بعد ملاحظة توقفها على معرفة صحة سلب جميع المعاني ، ثم ملاحظة توقف معرفتها على معرفة الواسطة المتصادقة مع معرفة كون المعنى المبحوث عنه معنى مجازيا ، فيثبت الواسطتان.

فإن قلت : لعل اصطلاحهم في الدور ـ المضمر والمصرح ـ على أنه إذا لم تبلغ الواسطة إلى اثنتين ، فيسمى الدور مصرحا ـ وإن كان له واسطة واحدة ـ وإن الدور المضمر هو الّذي بلغ الواسطة فيه إلى اثنتين ، أو أزيد فيرتفع الإشكال.

قلنا : إن ذلك مدفوع :

أما أوّلا : فبأن الاصطلاحات وإن كان يتسامح فيها ، لكن لا يجوز التسامح فيها إلى حد لم تلاحظ المناسبة فيه أصلا ، بل لا بد فيها من ملاحظة أدنى مناسبة لا محالة ، لكونها من أقسام النقل ، لكن لا يعتبر فيها ملاحظة المناسبة كما تلاحظ في المجازات ، ولا ريب أن إطلاق الدور المصرح ـ على ما ثبت التوقف فيه بواسطة ـ لا مناسبة فيه أصلا ، فإن معنى التصريح في الأصل النطق بما لا يحتمل الخلاف ، وإنما وصف به الدور المصرح كناية عن أن التوقف فيه عند العقل ظاهر ، بحيث لا حاجة إلى ملاحظة وسط

٩٧

فكأنه صريح.

وأمّا ثانيا : فبأنه مناف لما ذكره في حاشيته على الحاشية (١) التي كتبها هو على العضدي ، من أنه ألقى الواسطة الثانية في الدور الوارد على صحة السلب وأسقطها ، فيكون الدور مضمرا بواسطة واحدة. نقل ذلك ملا ميرزا جان ـ فيما كتبه على حاشية المير سيد شريف ـ ، ولا ريب أنه ينادى بنص هذا الاحتمال ، وأن الدور المضمر هو ما ثبت التوقف فيه بواسطة في الجملة ، ولو بواسطة واحدة.

وكيف كان ، فالحق أن الدور في علامة المجاز بمعناه الأول المصطلح عليه ، أعني توقف الشيء على ما يتوقف على ذلك الشيء مضمر بواسطة واحدة ، لما عرفت في بيان الإشكال على الاحتمال الأول ، من أنه لا يتوقف معرفة أن المعنى المبحوث عنه ليس من المعاني الحقيقية على العلم بكونه مجازا ، بل ملازمة له كما عرفت ، فينحصر الواسطة في توقف صحة سلب جميع المعاني الحقيقية عن المعنى المذكور على معرفة أنه ليس منها ، إذ لو فرض سقوط تلك الواسطة يصير الدور مصرحا وبلا واسطة ، كما ذكره ملا ميرزا جان فيما كتبه على حاشية المير سيد شريف.

ثم إنه لا بأس بذكر عبارة ميرزا جان (٢) ـ هنا ـ استشهادا لبعض ما مر من الإشكال ، ولما سيأتي منه.

فنقول : إنه قال ـ بعد نقل تقرير الدور عن السيد المذكور ـ ما هذه عبارته : ثم أقول : لا يخفى أن الدور في علامة المجاز مضمر ، لكن بواسطة واحدة ، إذ لو طرح إحدى الواسطتين صار مصرحا ، فما ذكره (قدس سره) أنه دور مضمر بواسطتين محل نظر ، ولو

__________________

(١) انظره عند قوله : ورود هذا الاعتراض على الحقيقة. وإليك نصّه : هذا إذا سلّم ان العلم بأنه ليس شيئا من المعاني الحقيقية يتوقف على العلم بكونه مجازا وامّا إذا قيل لا توقف هناك بل الأول مستلزم للثاني إذ المفروض استعمال اللفظ في ذلك المعنى أو جواز استعماله ، فإذا علم انه ليس شيئا من المعاني الحقيقيّة فلا بدّ ان يعلم حينئذ كونه معنى مجازيا فالدور مضمر بواسطة واحدة لكن بيانه يتوقف على اعتبار واسطة أخرى هي العلم بأنّه ليس شيئا من المعاني الحقيقيّة ليظهر العلم بكونه معنى مجازيّا واعلم ان العلم بالدليل أعني صحّة سلب جميع المعاني مقدم على العلم بكونه مجازا في الزمان ليتصوّر الاستدلال والنّظر ولا شك أن العلم بكونه ليس شيئا من المعاني الحقيقية زمانا على العلم بصحّة السلب لأنه دليله أيضا ثم العلم بكونه ليس شيئا منها إذا كان مع العلم بكونه مجازا كان العلم بكونه مجازا متقدّما على العلم بصحّة السلب زمانا ولو فرض ان العلم بصحّة السلب مع العلم بكونه ليس شيئا منها ومع العلم بكونه مجازا كان الدور وهو تقدم الشيء على نفسه زمانا لازما فلا ينفع في هذا المقام الاعتراض بأنه لا يتوقف بل هنا استلزام فتأمّل منه رحمه الله.

(٢) في حاشيته على شرح المختصر للعضدي ، المخطوط ، فإنّ عبارة المصنّف هنا عين عبارة الحاشية على شرح المختصر.

٩٨

حمل كلامه على تحقق الواسطتين في هذا الدور المضمر ، لتأبي عنه ما ذكره في حاشيته على الحاشية (١) ، حيث قال : هذا إذا سلم أن العلم بأنه ليس شيئا من المعاني الحقيقية يتوقف على العلم بكونه مجازا ، وأمّا إذا قيل : لا توقف هناك ، بل الأول مستلزم للثاني ، إذ المفروض استعمال اللّفظ في ذلك المعنى ، أو جواز استعماله ، فإذا علم أنه ليس شيئا من المعاني الحقيقية ، فلا بد أن يعلم كونه معنى مجازيا ، فالدور مضمر بواسطة واحدة ، لكن بيانه يتوقف على اعتبار واسطة أخرى ، هي العلم بأنه ليس شيئا من المعاني الحقيقية ، ليظهر العلم بكونه مجازيا.

أقول : لا يخفى بعد المساهلة في تسمية الدور المصرح مضمرا بواسطة واحدة ، أنّه بعد إسقاط الواسطة المذكورة لا يتم الدور ، إذ كما أمكن منع توقف العلم ـ بكون هذا المعنى ليس شيئا من المعاني الحقيقية ـ على العلم بكونه مجازيا ، كذلك يمكن منع توقف العلم ـ بصحة سلب جميع المعاني الحقيقية ـ على العلم بكونه مجازيا ، والسند السند بعينه ، انتهى كلامه.

أقول : يمكن توجيه كلام السّيد الشريف (٢) في التزامه بأنّ الدور مضمر في علامة المجاز بواسطتين بما أشار إليه ملاّ ميرزا جان (٣) بقوله : ولو حمل كلامه على تحقق الواسطتين.

وتوضيحه : أنّه يحمل كلامه على الدّور المصطلح ، بمعنى توقّف صحّة السلب على معرفة المجاز التي هي تتوقف عليها ، فيوجّه كلامه ، بأنّ مراده من قوله : بكون الدور مضمرا بواسطتين أنّه مضمر بسبب تحقق واسطتين إحداهما للدور المصرح وهي معرفة صحة سلب جميع المعاني الحقيقية ، والأخرى للدور المضمر ، وهي معرفة أنّ المعنى المبحوث عنه ليس شيئا منها.

فعلى هذا لا يورد عليه بعلامة الحقيقة ، فإنّ الواسطة فيها واحدة ، هي معرفة عدم صحة سلب بعض المعاني عن المعنى المبحوث عنه ، وليست هي متوقفة على واسطة أخرى غير توقفها على معرفة أنّه المعنى الحقيقي ، حتى يثبت واسطتان.

ولا يرد عليه ـ أيضا ـ أنّ معرفة كون المعنى ليس شيئا من المعاني الحقيقية ملازمة لمعرفة كونه مجازا ، لا متوقفة عليه فإنّهما يردان عليه بناء على كون المراد بالواسطتين :

__________________

(١) قد تقدم ذكر جميع عبارته في الهامش الأول من الصفحة السابقة.

(٢) قد تقدم ذكر عبارته في أول صلى الله عليه وآله ٩٥.

(٣) قد تقدّم نصّ جميع كلامه في متن الكتاب ص ٩٨ ـ ٩٩.

٩٩

الواسطتين المضمرتين ، بأن يكون الباء (١) صلة للإضمار ، إذ على هذا التقدير يلزم اعتبار واسطة أخرى ، غير معرفة صحّة سلب جميع المعاني ، وغير معرفة أنّ المعنى ليس منها ، وهي معرفة كونه معنى مجازيا ، ليتحقق واسطتان مضمرتان. وأمّا على هذا التوجيه فالواسطة الأخيرة ساقطة ، فلا يرد شيء من الإيرادات السابقة عليه ، فإنّ بناءها على كون المراد بالواسطتين : الواسطتين المضمرتين ، غير معرفة صحة سلب جميع المعاني الحقيقية ، التي هي الواسطة في الدّور المصرح.

هذا ، لكن هذا التوجيه لا يناسب قوله في حاشية الحاشية (٢) : هذا إذا سلم ... إلى آخره ، كما ذكره ملاّ ميرزا جان ، فإنّه ينادي بأنّه إذا سقطت المقدمة الأخيرة فالدّور مضمر بواسطة واحدة ، ومقتضى التّوجيه كونه مضمرا بواسطتين على هذا التقدير.

ثم إنّه يرد على ما ذكره السيّد في حاشية الحاشية (٣) ، وهو قوله : هذا إذا سلم إلى قوله : وأمّا إذا قيل : لا توقف هناك ، بل الأوّل مستلزم للثاني ... إلى آخره ، إنّ ذلك يقتضي أن لا يكون دور أصلا ، فإنه كما يمكن أن يقال : إنّه لا يتوقف معرفة كون المعنى ليس شيئا من المعاني الحقيقية على معرفة كونه مجازيا ، بل هي مستلزمة لها ، والاستلزام غير التوقف ، كذلك يمكن أن يقال : إنّه لا يتوقف معرفة صحة جميع المعاني الحقيقية على معرفة أنّ المعنى المبحوث عنه ليس هنا ، بل هي مستلزمة لها ، والاستلزام غير التوقف وهذا هو ما أشار إليه ملاّ ميرزا جان (٤). والسند السند بعينه.

ثم على فرض تسليم توقف صحة سلب جميع المعاني على معرفة أنّ المعنى ليس منها نقول : إنّه لمّا كان معرفة أنّه ليس شيئا منها ملازمة لمعرفة كونه مجازا ، فتوقف صحة سلب جميع المعاني عليه يصير عين توقّفه على معرفة المجاز ، فيصير الدّور مصرّحا ، فلا معنى لتسميته مضمرا حينئذ.

اللهم إلاّ أن يمنع ذلك بأنّ التوقف على ملازم الشيء لا يستلزم التوقف على ذلك الشيء ، فيمنع توقف صحة السلب على معرفة المجازية.

لكن لا يخفى أنّ هذا الجواب يعيد المحذور الأوّل ، وهو منع الدّور ، إذ لا ريب أنّ لزومه لأجل رجوع معرفة المجاز بالأخرة إلى معرفة نفسه.

__________________

(١) الباء في قول المير سيد شريف المتقدّم في ص ٩٥ حيث جاء فيه : ( مضمرا بواسطتين ).

(٢) قد تقدم ذكر كلامه من الحاشية على الحاشية في الهامش الأول من ص ٩٨.

(٣) قد تقدم ذكر كلامه في الهوامش المتقدمة.

(٤) انظر متن كلام المقرّر فقد ذكر نصّ كلامه في ص ٩٨ ـ ٩٩.

١٠٠