تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ٢

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ٢

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٤٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه ثقتي

[ في دلالة الأمر على الوجوب ]

فوائد :

الأولى : لا ينبغي الإشكال في إمكان استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك بين الوجوب والندب ـ وهو الطلب المطلق مطلقا حقيقة بناء على وضعها له ، أو مجازا بناء على وضعها لخصوص أحد الفردين ، أو لكلّ منهما على سبيل الاشتراك ـ ولا في إمكان إنشاء القدر المشترك وحده مجرّدا عن كلتا الخصوصيّتين.

نعم ربّما يتوهّم المنع من الأمرين من وجوه : بين مختصّ بأحدهما ، ومشترك بينهما :

٥

أمّا الأوّل : فهو للثاني : وتقريره : أنّ القدر المشترك المذكور كسائر الكلّيّات ما لم يتشخّص يمتنع وجوده في الخارج ، وتشخّصه إنّما هو بإحدى الخصوصيّتين المذكورتين على سبيل منع الخلوّ ، لانحصار فرده فيهما ، فيمتنع إيجاده بدون شيء منهما.

وأمّا الثاني : فالمتصوّر منه وجهان :

أحدهما ـ ما ذكره صاحب المعالم ـ فيما حكي عنه من حاشيته على قوله : ( لأنّ الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة والشذوذ ) ـ من علّة الندرة والشذوذ قال : ( وذلك لبعد وقوعه نظرا إلى أنّ الطالب إذا لم يكن غافلا عن الترك ، فإمّا أن يريد المنع منه ، أو لا يريده ، فلا يخلو الحال عن إرادة الوجوب أو الندب ، فلا يتصوّر إرادة الطلب المجرّد عن القيدين إلاّ عند الغفلة عن ملاحظة الترك ، وهو في غاية الندرة ، بل لا يمكن حصوله في أوامر الشرع ، ففرض استعماله في القدر المشترك غير معقول ، فتأمّل ) (١). انتهى.

ولا يخفى أنّه اعتراف بإمكان استعمال الأمر في القدر المشترك ، وبإمكان إيجاده في الجملة ، إلاّ أنه يلزمهما بالنسبة إلى الملتفت إلى الترك ، وسيجيء الجواب عنه.

ثانيهما ـ أنّ الصيغة لم توضع لنفس القدر المشترك بعنوان الكلّية ، بل إنّما هي آلة لملاحظة جزئيّاتها الحقيقية ومرآة لها ، والموضوع له إنّما هي بعنوان عامّ ، ولا ريب أنّه لا شيء من تلك الجزئيات إلاّ وهو متقوّم بإحدى الخصوصيّتين بحيث لم يوجد بدون شيء منهما ، فاستعمال الصيغة في كلّ واحد منهما لا يمكن إلاّ مع إحدى الخصوصيّتين ، كما أنّ إيجاد شيء من تلك الجزئيات لا يمكن بدون

__________________

(١) نقل هذه الحاشية المحقّق الملا الميرزا الشيرواني (ره) ضمن حاشيته على المعالم : ٤٦ ، لكن مع اختلاف يسير في ألفاظها.

٦

إحداهما.

أقول : هذا على فرض تماميّته لا ينهض على المنع من استعمال الصيغة في القدر المشترك مجازا. نعم ينهض على منع إمكان إيجاده بدون شيء من الخصوصيّتين ، إذ بعد فرض أنّه لا شيء من أفراده إلاّ وهو متقوّم بإحداهما وامتناع تحقّق شيء منها في الخارج بدون شيء منهما لذلك يمتنع إيجاد القدر المشترك بدون شيء منهما ، ضرورة توقّف حصوله على تشخّصه وصيرورته فردا ، والمفروض أنّه لا فرد منه إلاّ وهو متقوّم بإحداهما ، ويمتنع وجوده بدون شيء منهما ، فيمتنع حصول القدر المشترك بدون شيء منهما ، ضرورة توقّف ما يتوقّف على شيء متوقف على شيء آخر على ذلك الشيء الآخر.

ويمكن تقرير المنع على وجه يقتضي امتناع استعمال الصّيغة في القدر المشترك مجازا أيضا بأن يقال : إنّ القدر المشترك المذكور في المقام لم يعتبر في الوضع ، أو الاستعمال مطلقا ـ حقيقة ، أو مجازا ـ بعنوان الاستقلال في المفهومية ـ كما هو الحال في مفاهيم أسماء الأجناس ـ بل إنّما اعتبر بعنوان الآليّة لتعرّف حال الموارد الشّخصية ، فهو إذن من المعاني الحرفية الّتي لا يمكن تصوّرها في الذّهن وتعقّلها إلاّ بضميمة شيء من خصوصيّات الموارد ، وخصوصيته منحصرة في إحدى الخصوصيّتين المذكورتين ، فلا يمكن استعمال الصيغة فيه بدون شيء منهما مطلقا ، إذ إرادة معنى من اللفظ فرع تعقّله وتصوّره قبل الإرادة ، وهو لا يعقل بدون شيء منهما.

ويظهر من ذلك عدم إمكان إيجاده بدون شيء منهما بتقريب ما مرّ بعد فرض انحصار فرده فيهما.

هذا غاية ما قيل أو يقال في وجه المنع.

لكن لا يخفى ضعف تلك الوجوه بأسرها على من له أدنى تأمّل وتدبّر ، فإنّ منشأها عدم الفرق بين إرادة المعنى في الضمير وإرادته من اللفظ ، فإنّ

٧

امتناع انفكاك القدر المشترك عن إحدى الخصوصيّتين المذكورتين إنّما هو بالنسبة إلى الأوّل ، لكن لا مطلقا أيضا ، بل بالنسبة إلى الملتفت إلى التّرك ، وإلاّ فيمكن الانفكاك حينئذ بالنسبة إلى الغافل عنه ، وأمّا الثاني فيمكن فيه التفكيك مطلقا ، بأن يراد بالصّيغة إفادة القدر المشترك وحده ، فإنّ امتناع انفكاك شيء عن شيء في الذهن لا يقضي بامتناع التعبير عن ذلك الشيء وإفادته باللّفظ وحده ، كما أنّ امتناع انفكاكه في الوجود الخارجي عن أمر لا يقضي بذلك بأن يعبّر باللفظ عنه وحده.

ألا ترى أنّ الأجناس يمتنع تصوّرها في الذهن بدون شيء من الفصول ، وكذا الموجودات الخارجية يمتنع وجودها في الخارج بدون شيء من الأعراض ، مع أنه يمكن التعبير [ عن ذلك ](١) ويصحّ إفادة كلّ من تينك بدون ما يلزمهما في الذهن أو الخارج ، كما في قولك : ( جئني بحيوان ، أو جسم ، أو رأيت رجلا ) مريدا به إفادة الشخص الخارجي بعنوان كونه فردا من أفراد الرّجل مع أنّ الشخص لا يخلو في الخارج عن كونه بأحد الألوان من السواد والبياض وغيرهما ، وعن كونه متحيّزا ، وغير ذلك من العناوين الصادقة عليه ، وكما في وضع أسماء الإشارة ، حيث إنها موضوعة للذوات الخارجية بأحد عناوينها ، وهو كونها ذكورا مشارا إليها ، أو إناثا كذلك ، وهكذا الحال في الضمائر والموصولات ، إذ الأولى موضوعة لها بعنوان كونها ذكورا أو إناثا ، وحاكية عنها من هذا الوجه ، والثانية موضوعة لها بعنوان كونها متعينة بصلاتها.

وقد حكي عن المدقّق الشيرواني (٢) في وجه الأمر بالتأمّل في الحاشية المحكية عن صاحب المعالم المتقدّمة ما ذكرنا ، قال : ووجهه أنّه فرق بيّن بين إرادة

__________________

(١) إضافة يقتضيها السياق.

(٢) وهو المذكور في هوامش المعالم بتوقيع ( ملا ميرزا ).

٨

المعنى في الضمير وإرادته من اللفظ ، واللازم لغير الغافل هو الأوّل ، والمعتبر في الاستعمال هو الثاني ، وهو غير لازم من البيان المذكور ، والاشتباه إنّما نشأ من الخلط بين الأمرين (١). انتهى.

وكيف كان ، فبهذا ظهر دفع غير الوجه الأوّل من جهة دعوى امتناع الاستعمال في القدر المشترك ، حيث إنّ مبنى ما ذكره صاحب المعالم ـ قدّس سرّه ـ إنّما هو امتناع الانفكاك في الذهن ، ومبنى الوجه الثاني إنّما هو امتناعه في الخارج ، وقد ظهر أنّه لا يقضي شيء منهما بالامتناع ، وأنّه يجوز إفادة القدر المشترك وحده بالصيغة ، غاية الأمر أنّه إذا تعلّق الغرض بإفادة إحدى الخصوصيّتين أيضا ـ بأن يكون غرض الآمر الطلب على وجه الوجوب أو الندب ، لا القدر المشترك وحده ـ يفيد الخصوصية بقرينة خارجية من لفظ آخر أو غير اللفظ ، فيكون إفادة الطلب الخاصّ بدالّين ، فكذا لو سلمنا امتناع إيجاد القدر المشترك وحده ، إذ غاية الأمر حينئذ أنّه يوجد الطّلب الشخصي المتفصّل بإحدى الخصوصيّتين بلفظين ، إذ لا يلزم من ذلك امتناع إيجاده بهما.

وأمّا الجواب عمّا قرّرنا من وجه المنع.

فأوّلا ـ بأنّه خلط بين المقامين فإنّ عدم الانفكاك في النّفس غير إرادة الملزوم وحده من اللفظ ، وقد عرفت منع الملازمة بينهما ، غاية الأمر أنّه يفاد الخصوصية من دالّ آخر ، كما يفاد خصوصيّة الابتداء بذكر البصرة ، وخصوصية الانتهاء بذكر الكوفة في قولك : ( سرت من البصرة إلى الكوفة ) ، ولو لزم إفادة المراد بجميع خصوصيّاته من لفظ واحد لزم التجوّز في جميع موارد إطلاق ألفاظ الكلّي الموضوعة للكلّيّات على أفرادها ، وفساد التالي غنيّ عن البيان.

__________________

(١) المعالم : هامش الصفحة : ٤٦ ، والمذكور أعلاه مضمون الحاشية المومى إليها.

٩

وثانيا ـ بأنّ اللازم في مقام إرادة معنى من لفظ إنّما هو تصوّر ذلك المعنى بوجهه ، فيكفي في إرادة الطلب المطلق من الصيغة تصوّره بوجه الآلية ، ولا ريب أنّ تصوّره على هذا الوجه لا يتوقّف على تصوّر خصوص ما يقصد كونه آلة لتعرّف حاله ، بل يكفي تصوّر متعلّقه بوجه ما ، فلنوضّح ذلك بقياس ما نحن فيه بالحروف ، فنقول :

إنّ كلمة ( من ) مثلا موضوعة للابتداء على وجه الآلية ، وهو ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( از ) ، وكذا كلمة ( إلى ) موضوعة للانتهاء كذلك ، وهو ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( تا ) ، وكلمة ( في ) موضوعة للظرفية كذلك ، وهو ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( در ) كما أنّ لفظ ( الابتداء والانتهاء والظرف ) موضوعة للمعاني الاسمية ، وهي ما يعبّر عنها بـ ( نخستين وسامان وآغاز وأنجام ـ على اختلاف موارد الاستعمال ـ وجاء ) ، فإذا أردت استعمال تلك الحروف ، فهل تستعملها في أزيد من معنى ( أز ، وتا ، ودر )؟ وإنّما تفيد خصوصية متعلّقاتها بذكر الألفاظ الدالّة على تلك المتعلّقات من البصرة والكوفة والدار في قولك : سرت من البصرة إلى الكوفة أو رأيت زيدا في الدار.

وأيضا لا ريب أنّه قد يتّفق أنّه قد يستعمل الشخص تلك الحروف مع عدم تعيّن شيء من خصوصيات متعلّقاتها بعد ، كما تقول : ( اضرب زيدا في السوق ) مع عدم تصوّر السوق وتعيّنه عند ذكر ( في ) ، وإنما تصوّره وتعيّنه بعده فتذكر السوق ، فهل يلتزم أحد بأنّ ( في ) في هذه الصورة مهملة لم يرد بها المعنى؟!

فإذا عرفت ذلك فقس عليه ما نحن فيه ، فإنّ الصيغة موضوعة للطلب على وجه الآلية ، وهو ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( بكن ) كما أنّ لفظ الطلب موضوع للمعنى الاسمي المعبّر عنه بالفارسية بـ ( خواستن ) ، ولا ريب في إمكان استعمال الصيغة في هذا المعنى وحده ، غاية الأمر أنّه يفاد خصوصيته من الخارج

١٠

لو تعلّق الغرض بإفادتها أيضا ، أو قلنا بامتناع وجوده بدونها.

هذا ، ثمّ إنّه (١) بما حقّقنا ـ من إمكان إيجاد الخصوصية بالصيغة وبأمر آخر دالّ على الخصوصية لو لم يمكن تحقق القدر المشترك بدونها ـ ظهر ضعف ما أورد بعض المحقّقين من المتأخّرين (٢) على المدقّق المتقدّم (٣) : بـ ( أنّ المنشئ إنما ينشئ الطلب الخاصّ الواقع منه بالصيغة الخاصّة ، فإنشاء الوجوب أو الندب إنّما يكون بالصيغة المذكورة ، إذ مجرّد الإرادة النفسيّة لا يقضي بإنشاء المعنى في الخارج ، كيف؟! ومن البيّن أنّ الطالب للشيء إنّما يوقع طلبه (٤) على أحد الوجهين المذكورين ، إلاّ أن يكون غافلا حسب ما قرّره ـ يعني صاحب المعالم ـ فالطلب (٥) الخاصّ مراد من اللفظ قطعا ، فما ذكره في الجواب غير مفيد في المقام ). انتهى.

ثمّ إنّه أجاب عن الإشكال : بما حاصله راجع إلى إرادة الخصوصية من باب إطلاق الكلّي على الفرد باستعمال الصيغة في القدر المشترك وإرادة الخصوصيّة من الخارج.

وفيه : أنّ الصيغة لم توضع للطلب الكلّي ، بل لجزئيّاته الحقيقية ، وهي الحصص الموجودة منه في الخارج المتشخّصة بخصوصية الآمر والمأمور والمأمور به بطريق عموم الوضع وخصوص المعنى ، كما اعترف به ـ قدّس سرّه ـ واختاره

__________________

(١) في الأصل : إنّ ...

(٢) وهو المحقّق التقي (ره) في هداية المسترشدين : ١٥٠ ، مع اختلاف يسير بين عبارة المتن وعبارة المصدر.

(٣) وهو المحقّق الميرزا الشيرواني (ره) الموقّع بـ ( ملا ميرزا ) في حاشية المعالم : ٤٦ عند قول صاحب المعالم (ره) : ( لأنّ الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة والشذوذ ).

(٤) في المصدر : ( إنّما يوقع طلبه غالبا .. ).

(٥) في المصدر : ( حسبما قرّرناه فالطلب .. ).

١١

فالمستعمل فيه الصيغة إنّما هو حصّة شخصية من حصصه الجزئية ، ولا ريب أنّ كلّ واحدة من خصوصيتي المنع من الترك أو الإذن فيه من الأحوال اللاّحقة لكلّ واحدة من الحصص المذكورة إلاّ أنّهما ليستا مما لا يمكن انفكاكه عن الحصص المذكورة بل يجوز إيجادها بدونهما ، كما سيجيء بيانه ، لا أنّهما من أفرادها حتى يطلق عليهما الصيغة بطريق إطلاق الكلّي على الفرد مع إفادة الخصوصية من الخارج.

وبالجملة : الموضوع له الصيغة إنّما هو كلّ واحدة من الحصص الجزئية الموجودة في الخارج من غير اعتبار شيء من أحوال تلك الحصص في مفهوم الصيغة ، بل الموضوع له إنّما هي ذوات تلك الحصص مع قطع النّظر عن ملاحظة شيء من أحوالها اللاحقة لها في الخارج في مقام الوضع ، فحال الصيغة بالنسبة إلى تلك الأحوال نظير حال الأعلام الشخصية بالنسبة إلى أحوال الذوات الخارجية التي هي مسمّياتها ، فكما أنّه لا دخل لشيء من الأحوال هناك في مفهوم اللفظ ـ وإن كانت الحالة من الأحوال اللازمة للمسمّى ككونه متحيزا ، فكيف بما لا يكون كذلك ـ فكذا الحال هنا ، وكما أنّ زيدا ـ مثلا ـ لا يقال : إنّه كلّي بالنسبة إلى أحواله ، فكذلك لا يصحّ أن يقال : إنّ كلّ واحدة من الحصص المذكورة كلّي بالنسبة إلى حالاتها التي منها المنع من التّرك ، أو الإذن فيه.

نعم يصحّ أن يقال : إنّ كلّ واحدة من الحصص المذكورة مطلقة بالنسبة إلى أحوالها ، كما يصحّ أن يقال : ذلك في الأعلام الشخصية ، فعلى هذا فلا بدّ أن يقرّر دفع الأشكال بأنّ الصيغة يطلق ويراد بها نفس الحصّة الشخصية الموجودة بها في هذا الإطلاق التي هي معناها ، ويراد الخصوصيّة اللاحقة لها من الخارج ، كما عرفت بيانه ، فيندفع الأشكال ، فتأمّل (١).

__________________

(١) وجه التأمّل : أنّ مراده ( قده ) أيضا ذلك ، إلاّ أنّه سمّاه بإطلاق الكلّي على الفرد ، فيصير النزاع

١٢

وكيف كان ، فلو لا كون الصيغة من جهة المعنى مطلقة بالنسبة إلى خصوصية الوجوب والنّدب لما صحّ تعلّقها في إطلاق واحد بأمور بعضها واجب ، وبعضها مندوب ، كقوله ـ مثلا ـ : صلّ الظهر ونافلتها ، إلاّ بطريق استعمالها في معنيين ، واللازم باطل ، فالملزوم مثله ، مع أنّه لا شبهة في ورود الصيغة في خطابات الشارع على هذا النحو إلى حدّ لا يحصى فذلك يكشف عن أنّها مستعملة في تلك الإطلاقات في نفس الحصة الموجودة من الطلب في الإطلاق الخاصّ المجردة عن شيء من الخصوصيّتين ، وإنّما استفيد كيفية تعلّقها بكلّ واحد من الأمور من الخارج.

لا يقال : إنّ المتعلّق بالنافلة في المثال المذكور ليس هذه الصيغة الملفوظة ، بل هي المقدّرة بقرينة الواو.

لأنّا نقول : إنّه مع أنّ واو العطف لا يقتضي أزيد من التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه إلاّ في الحكم المذكور ، لا ينحصر المثال فيما ذكر ، لورود ما ذكرنا بدون ذكر واو العطف ، وإطلاقه في العرف كثيرا كقولك : ( زيد وعمر وأكرمهما ) إذا كان الغرض وجوب إكرام زيد واستحباب إكرام عمرو ، فإنّه بمنزلة أكرمهما ، فلا يتمشّى ـ حينئذ ـ التوهّم المذكور.

وبهذا ظهر أنّه يصحّ إطلاق الصيغة وإرادة الطلب منها مع تعلّقها بأمور :

بعضها واجب ، وبعضها مندوب ، وبعضها يكون طلبه لمجرّد الإرشاد.

وظهر ـ أيضا ـ إمكان إرادة الرخصة منها ، مع تعلّقها بأمور : بعضها واجب ، وبعضها مندوب ، وبعضها مباح ، مع إفادة كيفية تعلّق الإذن بكلّ منها من الخارج.

ثمّ الجواب عن توهّم امتناع إرادة القدر المشترك وحده ـ بتوهّم امتناع

__________________

معه لفظيا. لمحرّره عفا الله عنه.

١٣

تحقّقه بدون الخصوصيّتين لانحصار فرده فيهما ـ : أنّك قد عرفت أنّ الممتنع هو تحقّق إرادة شيء في نفس الشخص الملتفت إلى الترك ، بدون الرضا بالترك ، أو بعدمه مع إمكان تحقّقه بدونهما بالنسبة إلى الغافل عنه ، كما اعترف به صاحب المعالم ـ قدّس سرّه ـ ، وأمّا الطلب فهو ليس من مقولة الإرادة ، بل من مقولة الأفعال (١) ، فإنّه ليس إلاّ تحريك المأمور بآلية هذه الصيغة إلى المأمور به ، وقد يتأكّد هذا التحريك بحيث يفهم منه الحتم والإلزام ، فيكون وجوبا ، وقد يقام القرينة على الإذن في الترك ، فيكون ندبا ، وقد يخلو عن كلا الأمرين بحيث ليس الموجود بالصيغة إلاّ مجرّد التحريك من دون شيء من الأمرين.

وتوهّم أنّ قوام القدر المشترك إنّما هو بإحدى الخصوصيّتين بحيث يمتنع تحقّقه في الخارج بدونهما.

مدفوع : بأنّ كلّ كلّي يتحقّق في الخارج بوجود فرده لا محالة ، وإنّما الممتنع وجوده من غير وجود فرد أصلا ، كما هو مبنى دليل المنع ، وأفراد ذلك القدر المشترك فيما نحن فيه إنّما هي الحصص الموجودة منه في الخارج ، المتشخّصة بخصوصيات الآمرين والمأمورين والأفعال المأمور بها.

وبعبارة أخرى : إنّها كلّ طلب خاصّ صادر من آمر كذلك إلى مأمور كذلك بالنسبة إلى فعل كذلك ، فهو ما لم يتشخّص بهذا التشخّص يمتنع وجوده في الخارج ، فالمقوّم له إنّما هو التشخّص من حيث الآمر والمأمور والمأمور به.

وأمّا تشخّصه من حيث التأكّد والضعف فليس من مقوّماته ، لجواز انفكاكه عنه في الخارج [ كما إذا ](٢) كان أمر من غير الدلالة على الحتم ، أو الإذن في الترك ، وإن كان الظاهر عند الإطلاق هو الأوّل.

__________________

(١) وبعبارة أخرى : إنّه إرادة لفظيّة لا قلبيّة. لمحرّره عفا الله عنه.

(٢) إضافة يقتضيها السياق.

١٤

وكيف كان ، فأفراد هذا القدر المشترك ليست منحصرة في الوجوب والندب ، بل له فرد ثالث ، وهو العاري عن اعتبار كلا الأمرين ، والقدر المشترك إنّما يمتنع وجوده في الخارج بدون وجود شيء من أفراده أصلا لا بدون فرد خاصّ منه.

هذا ، مع أنّك قد عرفت أنّ المراد بالقدر المشترك هنا ليس هو المفهوم العامّ ، بل إنّما هو حصّة من حصص ذلك المفهوم المشخّصة بخصوصية الآمرين والمأمورين والأفعال المأمور بها ، وعرفت أنّ الوجوب والنّدب ـ أعني فصلهما ، وهو الحتم والإلزام ، أو الإذن في الترك ـ من أحوال تلك الحصص ، لا من أفراده ، فينعكس الأمر ، فإنّ وجود عوارض الشيء يتوقّف على وجود ذلك الشيء المعروض بحيث يمتنع تحقّق العارض بدونه ، وأمّا نفس المعروض فلا يتوقف وجوده على وجود العارض أصلا.

نعم لو كان العارض والمعروض متساويين في الصّدق يمتنع انفكاك المعروض عنه في الخارج ، وهو غير التوقّف وكونه متقوّما به ، وما نحن فيه ليس كذلك ـ أيضا ـ لكون المعروض ـ وهو كلّ حصة من حصص الطّلب ـ أعمّ من العارض في الصدق لجواز تحقّقها بدون كلا الأمرين ، فثبت إمكان تحقّق الطلب بدون أحد الأمرين ، فتدبّر.

١٥

الثانية (١) :

عدّوا من معاني صيغة الأمر الإرشاد ، ومن المعلوم أنّه قد يقع بطريق الحتم ، وقد يقع على غير وجه الحتم.

وكيف كان فهل هو من مقولة الإخبار ـ أعني الإخبار بأنّ الأمر الفلاني الّذي أرشد إليه بالصيغة فيه المصلحة ، فيكون قول الطبيب للمريض : اشرب السقمونيا بمنزلة قوله : السقمونيا نافع ومصلح ـ أو أنّه من مقولة الإنشاء؟

وعلى الثاني ـ فهل هو من مقولة الإيقاع ، أو الطلب؟

وعلى ثانيهما ـ فهل هو مغاير للوجوب ومباين له بحسب الحقيقة فيما إذا كان بطريق الحتم ، وللندب كذلك إذا لم يكن بطريق الحتم والإلزام ، أو أنّه متّحد في الصورة الأولى للأوّل ، بحسب الحقيقة ، وفي الثانية للثاني كذلك ، وإنّما يغايرهما بالأمور الخارجية ، ويكون هو والوجوب والندب من الأفراد المتماثلة المتّحدة بحسب الحقيقة ، المختلفة بالخصوصيات الخارجية كأفراد إنسان وفرس وغير ذلك وأصنافها؟

الظاهر الأخير ، أعني كونه طلبا ومتّحدا [ مع ] الوجوب (٢) والندب في الحقيقة.

أمّا الأوّل : فلظهور أنّك إذا سئلت عن طريق بغداد ـ مثلا ـ فقلت : ( اذهب من هذا الطريق ) ليس قصدك الإخبار بهذا اللفظ عن قيام مصلحة

__________________

(١) أي ( الفائدة الثانية ) كما في هامش الأصل.

(٢) في الأصل : للوجوب.

١٦

الإيصال في هذا الطريق ، بل إنّما طلبت منه الذهاب من هذا الطريق ، فإنّ المراد بقولك : ( اذهب ) ليس إلاّ ما يعبّر عنه بالفارسية بـ ( برو ) وليس هذا إلاّ طلبا.

نعم لمّا علم أنّ هذا الطلب إنّما هو من جهة اقتضاء المصلحة ـ أي مصلحة المأمور به ـ فيفهم أنّ الأمر المرشد إليه ممّا فيه المصلحة لذلك ، نظير الأوامر الشرعية الوجوبية أو الندبية ، حيث إنّه لا ريب أنّ المراد بها الطلب لا غير ، لكنا لما علمنا من الخارج أنّه لا يأمر إلاّ عن مصلحة كامنة في المأمور به ، فنعلم أنّ هناك مصالح ، فكما أنّ ذلك الانفهام (١) لا يوجب كون الأوامر المذكورة إخبارات فكذلك الكلام فيما نحن فيه.

وأيضا لا يتوقّف تحقّق الطلب على ثبوت اقتضاء في نفس الطالب بالنسبة إلى الفعل المطلوب ، إذ ليس حقيقة الطلب إلاّ حمل المأمور على المأمور به ، إلاّ أن منشأه قد يكون الاقتضاء في نفس الآمر ، فيكون لخصوصية الآمر مدخلية في الأمر ، فيكون حينئذ وجوبا أو ندبا ، وقد يكون مجرّد مصلحة الشيء المأمور به من دون اقتضاء له ، بحيث يمكن اجتماعه مع بغضه إلى وقوع الفعل في الخارج ، فيكون طلبه حينئذ من لسان المصلحة بحيث لا يدخل خصوصية نفسه في هذا الأمر ، فيكون إرشادا.

__________________

(١) ذكر علماء النحو والتصريف ـ كالزنجاني في تصريفه والسعد في شرحه على ما جاء في ( تدريج الأداني إلى قراءة شرح السعد على تصريف الزنجاني : ٢٩ ) ، وابن الحاجب في شافيته ، والرضيّ (ره) في شرحها ١ ـ ١٠٨ ـ : أنّ ( انفعل ) مطاوع ( فعل ) ، ولا يبني إلاّ من فعل فيه علاج ـ أي إيجاد الفعل بالجوارح الظاهرة ـ وتأثير ـ أي إيجاد الأثر الظاهر للحواسّ الظاهرة كالقطع ـ مثل : قطعته فانقطع وكسرته فانكسر ، وعليه فلا يقال : انكرم وانعلم وانفهم وانعدم ، إذ لا علاج في الجميع ولا تأثير. قال ابن الحاجب في شافيته ، ( ومن ثمّ قيل : انعدم خطأ ). ومع هذا فقد تسامح علماؤنا ( رض ) في هذا البناء ، عناية منهم بإيصال المقصود من أقرب طريق.

١٧

وبعبارة أخرى : إنّ المرشد ينزّل نفسه منزلة عقل المسترشد ، ولمّا كان عقله (١) ـ إذا علم بمصلحة للمسترشد ـ يحرّكه نحو الفعل ، فيحرّكه المرشد حينئذ نحوه لذلك ، أي لعلمه بالمصلحة ، هذا بخلاف الحال في الوجوب والندب ، فإنّ الطالب فيهما إنّما يطلب الفعل من قبل نفسه لا غير ، وهذا هو الوجه في إمكان اجتماع الإرشاد مع البغض بوقوع الفعل في الخارج.

وبهذا ظهر دفع ما اختاره بعض المحقّقين من المتأخّرين من كون الإرشاد من مقولة الإخبار محتجّا : بأنّ الظاهر أنّ المقصود من الإرشاد هو بيان المصلحة المترتّبة من دون حصول اقتضاء هناك على سبيل الحقيقة ، فهو إبراز للمصلحة المترتّبة على الفعل بصورة الاقتضاء ، ثمّ استشهد باجتماعه مع البغض إلى وقوع الفعل في الخارج (٢).

وتوضيح الاندفاع : أنّك قد عرفت أنّ المقصود باللفظ ليس إلاّ الطلب لا غير ، وإن كان الغرض تعلّق ببيان المصلحة ، وهذا لا يستلزم استعمال الصيغة في الإخبار ، بل غاية الأمر أن يكون هذا الإطلاق من مقولة الكناية ـ مثلا ـ بأن يراد من اللفظ الطلب للانتقال من الطلب إلى المصلحة ، فلا منافاة إذن بين إرادة الطلب من الصيغة وبين أن يكون الغرض بيان المصلحة ، لإمكان حصوله تبعا على هذا النحو ، فلا يصلح جعل ثبوت الثاني دليلا على انتفاء الأوّل ، وعرفت ـ أيضا ـ أنّ حقيقة الطلب ليس إلاّ تحريك الشخص نحو الفعل بآليّة اللفظ ، وأنّ هذا لا يتوقّف حصوله على كون الصيغة صادرة من اقتضاء نفس الطالب ، بل

__________________

(١) لا يخفى أنّ أمر العقل أيضا إرشادي كأمر الشخص المرشد ، فالأولى أن يجعل المناط في الإرشاد كون الطلب مسبّبا عن شيء آخر غير الاقتضاء في نفس الطالب وشوقة إلى وقوع الفعل ، بخلاف الوجوب والندب ، فإنّهما من اقتضاء نفس الطالب ، وسيجيء لذلك مزيد توضيح ، فانتظر. لمحرّره عفا الله عنه.

(٢) هداية المسترشدين : ١٣٩ ـ سطر ٣٠ ـ ٣٣.

١٨

قد يكون مسبّبا عنه ، وقد يكون مسبّبا عن اقتضاء المصلحة عند العقل ، فينزّل الطالب نفسه مقامه ، فيطلب.

هذا ، وبهذا ظهر أنّ الإرشاد ليس من مقولة الإيقاعات ـ أيضا ـ فإنها عبارة عن الألفاظ الموجدة لأثر غير حاصل قبلها ، كالملكية والزوجية ونحوهما ، كما أنّ الطلب عبارة عن الحمل والتحريك بآليّة اللفظ ، وعرفت أنّه من الثاني لا الأوّل ، مع أنّه لم يحتمله أحد.

وكيف كان ، فلا ينبغي الإشكال في كون الإرشاد من مقولة الطلب وحمل الغير على الفعل ، إلاّ أنّ الفرق بينه وبين الطلب المتحقّق في الوجوب والندب أنّ الطلب هناك من قبل نفس الآمر ، بمعنى أنّه ينشئه من نفسه ومن اقتضائه وميله إلى وقوع الفعل ، إمّا لمصلحة عائدة إليه نفسه ، كما هو الغالب في الأوامر العرفية ، أو لمصلحة عائدة إلى المأمور ، لكنّه مائل إلى وصول المأمور بتلك المصلحة ، ويشتاق إلى إيجاد المأمور ـ الفعل الّذي يتضمّن تلك المصلحة ـ لذلك ، وذلك كما في كافّة الأوامر الشرعية.

وبالجملة : فالمناط في الوجوب والندب إنّما هو كون الطالب طالبا للفعل من قبل نفسه لأجل اقتضاء نفسه وشوقها إلى وقوع الفعل من المكلّف ، سواء كان منشأ الشوق والاقتضاء هو عود المصلحة إلى نفس الطالب ، أو حبّه واشتياقه إلى وصول المأمور بتلك المصلحة ، وهنا ليس كذلك ، بمعنى أنّه يطلب ويحمل الغير على الفعل ، لكن ذلك الحمل والتحريك ليس من قبل نفسه ، بأن يدخل نفسه في هذا الطلب ، بل هو إمّا من لسان المصلحة الكامنة في الفعل العائدة إلى المأمور ، أو من جهة تبان بينهما ، أي بين الآمر والمأمور ، بأن تبانيا على كون الطلب أمارة على أمر ، كأن قال الغير للآمر : إذا علمت بفاكهة حلوة من بين تلك الفواكه فمرني بأكلها ، أو إذا علمت بمجيء الّذي هو عدوّ لي فمرني بالاختفاء ، أو إذا علمت بمجيء حبيب لي فمرني بالاستقبال ، وأمثال ذلك ،

١٩

فيطلب منه ما تباينا عليه ، إلاّ أنّ الغرض من هذا الطلب إنّما هو إعلام الغير بوقوع ما تبانيا على كون الطلب أمارة عليه ، وهذا لا يوجب خروج الطلب عن كونه طلبا وتحريكا ، بل تحريك حقيقة إلاّ أنّه ليس مسبّبا من اقتضاء نفس الآمر وميله إلى وقوع المطلوب ، بل قد يبغض وقوعه ، لكنّه من كثرة إنصافه وكمال رجوليته ـ مثلا ـ لا يقدم على خيانة من استشاره واسترشده ، بل يحكم بما فيه المصلحة للمستشير مع كونه يبغض في النّفس وصوله (١) بتلك المصلحة (٢).

وبعبارة أخرى فارسية : فرق ميانه ارشاد ومقابلش از وجوب وندب ، اين است كه در ارشاد پاى آمر در ميان نيست اصلا ، بمعنى اينكه از روى ميل خود نميخواهد وخصوصيّت خود را دخليت نميدهد در اين طلب ، باينكه مقصودش از قولش كه ميگويد ( بكن ) اين نيست كه من ميخواهم بكنى ، بلكه غرضش واداشتن غير است از روى مصلحتى كه در فعل است از براى غير ، يا از روي تبانيي كه با هم كرده اند واز اين جهت است نيز كه فاعل مستحق ثواب نميشود بفعل مأمور به ، زيرا كه استحقاق ثواب لازم امتثال است ، يعنى فرمان بردارى آمر ، ومفروض است كه اين آمر از خود امرى ندارد كه اتيان باو امتثال او باشد ، فلذا ـ ايضا ـ عقابى از اين آمر بر تارك همچه امرى نيست ، وامّا در وجوب وندب پاى خود آمر در ميان است وفعل را از قبل نفس خود طلب ميكند واز اين جهت است كه اتيان بمأمور به موجب استحقاق ثواب از او ميشود ، وتارك او در وجوب مستحق عقاب بجهت آنكه هر گاه اتيان كند ، فرمان او را برده است وهر گاه ترك كند ، نا فرمانى او را كرده.

__________________

(١) في الأصل : إلى وصوله.

(٢) أي مع كونه ـ في نفسه ـ مبغضا للوصول إلى المطلوب مع ما فيه من المصلحة.

٢٠