تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

وبعبارة أخرى : إنّه لأجل توقف معرفة صحة سلب جميع المعاني على معرفة ما يتوقف على معرفة صحة السلب ، فإذا قيل : بأنّ معرفة صحة سلب جميع المعاني يتوقف على معرفة لازم ما يتوقف معرفته على صحة السلب ، لا على نفس ما يتوقف على صحة السلب ، والاستلزام غير التوقف ، فلا يكون صحة السلب متوقفة على ما يتوقف عليها ، فلا يلزم الدّور أصلا.

لكنّ الإنصاف أنّه ، وإن لم يلزم الدّور المصطلح ـ حينئذ ـ لكنه لا يخلو عن محذور ، لاشتماله على محذور نظير الدور ، وهو تقدم زمان معرفة المعلوم على زمان معرفة علامته ، فإذا توقف معرفة صحة سلب جميع المعاني الحقيقية على معرفة أنّ المعنى ليس شيئا منها ، فلا يحصل العلم بصحّة سلب جميع المعاني ، إلاّ بعد زمان معرفة أنّ المعنى ليس منها ، والمفروض أنّ المعلوم ـ الّذي هو معرفة كونه مجازا ـ ملازم لمعرفة أنّ المعنى ليس منها ، فيكون معرفته ملازمة لمعرفته ، فلا تنفك عنها بحسب الزمان ، فتكون معرفته مقدّمة على معرفة العلامة بحسب الزمان ، وهو محال كالدور ، هذا في علامة المجاز.

وقد ظهر ممّا ذكر أيضا ، ما في كلام المحقق القمي رحمه الله من اختياره أنّ الدور مضمر في علامة المجاز بواسطتين ، وأمّا الدّور في علامة الحقيقة فاختار المحقق القمي (١) (قدس سره) كونه مضمرا ، كما في علامة المجاز معللا بأنّ معرفة كون الإنسان حقيقة ـ في البليد ـ موقوفة على عدم صحة سلب المعاني الحقيقية للإنسان عنه ، وعدم صحة سلب المعاني الحقيقية للإنسان عنه موقوف على عدم معنى حقيقي للإنسان ، لجواز سلبه عن البليد ، كالكامل في الإنسانية ، ومعرفة ـ عدم هذا المعنى ـ موقوفة على معرفة كون الإنسان حقيقة في البليد.

وقد أورد عليه الشيخ محمد تقي (٢) قدس سره بوجهين :

الأوّل : أنّ المطلوب في علامة الحقيقية إثبات الوضع للمعنى المفروض ، أو اندراجه في الموضوع ( له ) (٣) على ما سيأتي تفصيله ، وهو حاصل ، لعدم صحّة السلب في الجملة ، فلا يعتبر فيه عدم صحة سلب كلّ واحد من المعاني الحقيقية.

__________________

(١) حيث قال في القوانين : ١٨ ، ما هذا نصّه : والحق انّ الدّور فيه أيضا مضمر لأنّ معرفة كون الإنسان حقيقة في البليد إلخ.

(٢) هداية المسترشدين : ٤٩

(٣) أثبتناه ليستقيم السياق.

١٠١

الثاني : أن الحكم بعدم صحة سلب كل واحد من المعاني الحقيقية للإنسان عن البليد ، في معنى الحكم بعدم معنى حقيقي له يجوز سلبه عنه ، فإنّ كلا من معانيه الحقيقية إذا لم يصح سلبه عنه ، فليس هناك معنى يصح سلبه عن ذلك ، وإلاّ فيلزم اجتماع النقيضين في المعنى المفروض ، إذ وجود معنى ـ يصح سلبه عنه ـ ينافي ويناقض عدم صحة سلب كلّ واحد من المعاني عنه ، فهذان مفهومان متغايران متلازمان في مرتبة واحدة من الظهور ، والعلم بكل منهما علم بالآخر على سبيل الإجمال ، وإن لم يكن العالم به متفطّنا له بالعنوان الآخر ، فإذا سقطت الواسطة الأخيرة ، فيكون الدور مصرحا.

هذا ، ويمكن الجواب عن الوجهين انتصارا للمحقق القمي (قدس سره) :

أمّا عن الأوّل ، فأوّلا بالحل.

بيانه : أنّ صحة السلب وعدمها قد تعملان في إثبات الحقيقة الخاصة ، والمجازية المطلقة بعد إحراز حقيقة اللّفظ في المعنى المفروض ، أو مجازيته فيه في الجملة ، والمقصود من إعمال عدم صحة السلب حينئذ إثبات اتحاد المعنى الحقيقي للّفظ فإنّه إذا علم بوضع لفظ العين للذّهب ، وشك في كونه موضوعا للفضة أيضا ، فبعدم صحة سلب جميع المعاني الحقيقية للفظ العين عن الذهب ، يثبت انحصار المعنى الحقيقي في الذّهب ، إذ لو كان له معنى حقيقي غيره ، لجاز سلبه عنه ، لجواز سلب بعض معاني المشترك عن بعض.

هذا بخلاف ما لو حكم ـ حينئذ ـ بعدم صحة سلب بعض المعاني الحقيقية ، فإنه لا يثبت الاتحاد ، لاحتمال معنى حقيقي آخر يصح سلبه عن المورد ، فلا بدّ ـ حينئذ ـ من كون عدم صحة السلب سالبة كلية ، ليرتفع بها الموجبة الجزئية الّتي هي وجود بعض المعاني الحقيقية ، الّذي يصح سلبه عن المورد ، فيثبت الاتحاد ، وكذلك المقصود من علامة صحة السلب ـ حينئذ ـ إثبات أنّ استعمال اللّفظ في المورد مجاز دائما.

ولا ريب أنّ هذا لا يثبت بالموجبة الجزئية ، لاحتمال أن يكون اللفظ مشتركا بين المورد ، وبين المعنى المسلوب ، فيكون سلبه عنه من باب سلب أحد معاني المشترك عن بعض ، فيكون مجازية استعمال اللّفظ في المورد في بعض الأحيان ، وهو فيما إذا استعمل فيه باعتبار العلاقة بينه وبين المعنى الآخر المسلوب بناء على مذهب المشهور من جواز هذا الاستعمال ، وقد تعملان في إثبات أصل الوضع أو المجاز ، مع اتحاد الموضوع له ، أو دوام المجازية دفعة واحدة ، فحينئذ لا بد ـ أيضا كالصورة السابقة ـ من كون

١٠٢

علامة الوضع سالبة كلية ، وكون علامة المجاز موجبة كلية ، فإنّه وإن كانت الجزئية تكفي في إثبات أصل الوضع أو المجاز في بعض الأحيان ، إلاّ أنها لا تكفي في إثبات الاتحاد ، أو الدّوام كما عرفت ، والمفروض أنّ الغرض إثباتهما معهما ، أو مع أصل الوضع ، والمجازية في الجملة ، وقد تعملان في إثبات مجرد الوضع ، أو المجازية في الجملة ، فحينئذ يكفي القضية الجزئية ، كما أشار إليه المحقق القمي (قدس سره) بقوله : نعم لو قلنا إلى آخره (١).

فإذا عرفت ذلك فنقول : إنّ مراد المحقق القمي (قدس سره) هو إحدى الصورتين الأوليين ـ على سبيل منع الخلو ـ وأنّه (قدس سره) لم يعتن بالأخيرة ، لعدم فائدة فيها مهمة ، ولذا قال بعد قوله : نعم ، لكنه لم يثبت إلاّ الحقيقة في الجملة : ـ وقد عرفت أنّه لا يثبت شيء من الصورتين الأوليين إلاّ بجعل القضية كليّة ـ.

هذا بحسب الحل.

وأمّا ثانيا : فبالنّقض بعلامة المجاز ، فإنّهم لم يكتفوا فيها بالموجبة الجزئية ، مع أنّه لو كان الغرض من إعمالها في إثبات المجازية في الجملة ، لكانت الجزئية كافية ، فكلّما يقول الشيخ المذكور في الجواب عن علامة المجاز فليقل به هنا.

وكيف كان ، فلا فرق بين علامة المجاز ، وعلامة الحقيقة من تلك الجهة أي جهة لزوم اعتبار الكلية في القضية وعدمه ، فلذا طالبهم المحقق القمي (قدس سره) بالفرق بين العلامتين.

وأمّا ما ذكره الشيخ محمد تقي (٢) ـ في الفرق بينهما ـ بأنّ المطلوب في أمارة الحقيقة استكشاف الموضوع له ، أو كونه مندرجا فيما وضع له ، وفي أمارة المجاز عدم كونه كذلك ، والظّاهر صدق الأوّل مع تحقق الوضع ، أو الاندراج في الجملة لصدق الموجبة وأمّا الثاني فلا يصدق إلاّ مع انتفاء الوضع والاندراج.

ففيه : أن قوله : وفي أمارة المجاز عدم كونه كذلك ، عبارة أخرى عن إثبات المجازية الدّائمية المعبر عنها بالمطلقة ، لأنّه لا ريب أنّه لا يشترط في استكشاف المجازية ـ في

__________________

(١) القوانين : ١٨ وإليك نصّه :

نعم لو قلنا ان قولنا عدم صحة سلب الحقائق علامة الحقيقة سالبة جزئية كما هو الظّاهر فلا يحتاج إلى إضمار الدور لكنّه لا يثبت الا الحقيقة في الجملة بالنسبة كما سنذكره وعلى هذا فلم لم يكتفوا في جانب المجاز أيضا بالموجبة الجزئية ويقولوا أنّ صحّة سلب بعض الحقائق علامة للمجاز في الجملة وبالنسبة.

(٢) هداية المسترشدين : ٤٩.

١٠٣

الجملة ـ استكشاف عدم الوضع أصلا ، بل يكفي فيها استكشاف عدمه في الجملة وبالنسبة ، فقياس هذا ـ بهذا المعنى ـ على أمارة الحقيقة عند إثبات الوضع بها ـ في الجملة ـ في غير محلّه ، لوجود الفرق بينهما ، بأنّ عدم اعتبار كليّة القضية ـ في علامة الحقيقة ـ لأجل عدم الاحتياج إليه ، لكفاية الجزئية في إثبات الوضع للمورد ، هذا بخلاف علامة المجاز إذا كان المراد منها استكشاف دوام المجاز ، فانّه لا بد فيها ـ حينئذ ـ من اعتبار الكلية.

وأما الجواب عن الوجه الثاني : فبأنّ الاستلزام لا يمنع من التوقف في مقام الاستدلال ، لإمكان أن يتوقف العلم بأحد المتلازمين على العلم بالآخر.

أقول فيه : إنّ ذلك مسلم فيما إذا لم يكن العلم بالمتلازمين معلولا لدليل نسبته إلى كل واحد منهما على حدّ سواء ، بأن لم يكن حصول العلم بكل منهما من ذلك الدليل في مرتبة واحدة ، بأن يكون الدليل دالا على أحدهما أوّلا ، ثم ينتقل إلى الآخر بملاحظة الملازمة بينهما.

وأمّا فيما إذا كانا في مرتبة واحدة ، فلا يعقل توقّف العلم بأحدهما على العلم بالآخر ، إذ مع قيام الدّليل المفروض كونه علة للعلم بكل واحد منهما في مرتبة واحدة ، فلو فرض تأخر العلم بأحدهما عن العلم بالآخر ، يلزم انفكاك العلّة عن المعلول.

ولا يخفى أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّه لو قام أمارة ـ على أنّه ليس للّفظ معنى آخر غير المعنى المبحوث عنه ، فيحصل العلم من تلك الأمارة بذلك ، ولعدم صحة سلب جميع المعاني الحقيقية ـ دفعة واحدة ـ من غير ترتب وانتقال من الأوّل إلى الثّاني متوقف على الأوّل ـ لكان معرفته حاصلة بسبب معرفة الأوّل على سبيل الانتقال والترتب.

اللهم إلاّ أن يقال : إن هذا لشدّة الملازمة بينهما ، ووضوح لزوم الثاني للأوّل ، والّذي ذكر من حصول العلم على سبيل الترتب والانتقال ، فهو في اللّوازم الغير البيّنة ، فحينئذ لا يدل دفعيّة الانتقال إليهما معا على نفي توقف معرفة الثاني على معرفة الأوّل ، فإنّ المدار في التوقف على عدم حصول الثاني بدون الأوّل ، ولا ريب أنّه لو لم يقم أمارة على الأوّل لما حصل الثاني ، ولا عكس ، فثبت التوقف ، فتأمل.

ويمكن أن ينتصر للمحقق القمي (قدس سره) أيضا ، بأنّ غرضه جعل صحة السلب وعدمها علامتين لاستكشاف المعنى المستعمل فيه اللّفظ ـ في الاستعمال الجزئي الشخصي ـ بمعنى أنّه إذا استعمل لفظ في معنى ، وعلمنا بإرادته من

١٠٤

اللفظ بالقرائن الخارجية ، وشككنا في أنّ استعمال اللّفظ في هذا المعنى في ذلك الاستعمال الشخصي على وجه الحقيقة ، أو على المجاز ، فحينئذ لا يمكن معرفة هذا المعنى باعتبار هذا الاستعمال الخاصّ ، إلاّ بصحة سلب جميع المعاني الحقيقية عنه ، أو بعدم صحة سلبها جميعا ، ولا يكفي صحة سلب البعض ، أو عدم صحته ، إذ الأوّل لا يثبت كونه مجازا ، لاحتمال كونه من باب سلب بعض المعاني المشترك عن بعض ، بأن يكون اللّفظ موضوعا لهذا المعنى المستعمل فيه اللّفظ بوضع آخر ، فيكون استعماله فيه باعتبار هذا الوضع حقيقة ، والثّاني لا يثبت كونه حقيقة ، لاحتمال كون الاستعمال بملاحظة العلاقة بين هذا المعنى وبين المعنى الآخر بأن يكون اللّفظ مشتركا بينهما ، فيستعمل اللّفظ في هذا المعنى ، لا بملاحظة الوضع ، بل بملاحظة العلاقة بينه وبين المعنى الآخر ، فاذن نثبت الاحتياج إلى جعل القضية كلية. وقد عرفت توقفها على واسطة أخرى في صحة السلب وعدمها ، فيكون الدور مضمرا في كلتيهما ، كما عرفت.

والّذي ذكره الشيخ محمد تقي (قدس سره) مبنيّ على فرض استعمال اللّفظ في هذا المعنى ، بأن يكون الغرض استكشاف حال المعنى في مطلق الاستعمال ، لا في الاستعمال الخاصّ ، كما اعترف به (قدس سره).

أقول : لا يخفى ما في هذا التوجيه من البعد ، لما عرفت من رجوعه إلى جعل صحة السلب وعدمها علامتين لصفة استعمال اللّفظ من الحقيقية والمجازية ، ولا ريب أن غرض القوم منهما استكشاف حال المعنى ، من حيث كونه موضوعا له وعدمه ، فحينئذ يتّجه ما ذكره الشيخ المذكور (قدس سره) ، من الاحتياج إلى جعل القضية كلية في علامة المجاز ، دون علامة الحقيقة ، فإنه لا يعلم كون المعنى غير الموضوع له إلاّ بصحة سلب جميع المعاني الحقيقية عنه ، فان سلب البعض قد يجامع الاشتراك ، فلا يدل على نفي الوضع هذا بخلاف معرفة كونه موضوعا له إذ يكفي فيها عدم صحة سلب بعض المعاني الحقيقية ، كما لا يخفى.

هذا كله في تقرير الدور.

وأمّا دفعه ، فالمذكور فيه منهم وجوه بين صحيح وسقيم :

فمنها ما عن العضدي ـ في خصوص علامة المجاز ـ وهو أن يجعل القضية جزئية ، ويكتفى بصحة سلب بعض المعاني الحقيقية عن المورد ، إذ بها يثبت المجازية في الجملة ، ثم بضميمة أصالة عدم الاشتراك يثبت المجازية المطلقة من غير حاجة إلى

١٠٥

صحة سلب جميع المعاني الحقيقية ، حتى يلزم الدور (١).

وبعبارة أخرى يكتفى بسلب ما علم من المعاني الحقيقية عن المورد ، فيثبت المجازية بأصالة عدم الاشتراك. وإلى هذا أشار المحقق القمي (قدس سره) بقوله :

ويمكن أن يقال : لا يلزم في نفي المعاني الحقيقية العلم بكون المستعمل فيه مجازا ، إلى آخره.

ومنها : ما ذكره المحقق القمي (٢) (قدس سره) من أوّل الوجهين اللذين اختارهما ، من أنّ سلب كل واحد من المعاني الحقيقية علامة المجازية بالنسبة إلى ذلك المعنى المسلوب في الجملة ، فإن كان المسلوب الحقيقي واحدا في نفس الأمر ، فيكون المعنى المبحوث عنه مجازا مطلقا. وإلاّ فيكون مجازا بالنسبة إلى ما علم سلبه عنه لا مطلقا.

أقول : الظّاهر رجوع هذا إلى الوجه الّذي ذكره العضدي (٣) ، فان المسلوب في كل منهما إنّما هو بعض ما علم من المعاني المحتملة ، لكونها معاني حقيقية ، ولم يعلم انحصار الحقيقة في المعنى المسلوب ، فيثبت بصحة السلب ، المجازية في الجملة ، في كل واحد منهما ، ويتوقف معرفة كون المجاز مجازا مطلقا ، أو في بعض الأحيان إلى شيء آخر كأصالة عدم الاشتراك ، لعدم حصولها من صحة السلب ، فإنّها لا تعيّن كون المعنى المسلوب هو الحقيقة خاصة ، بمعنى انحصار الحقيقة فيه ، كما اعترف به المحقق القمي (قدس سره) أيضا بقوله : فان كان المسلوب الحقيقي واحدا في نفس الأمر ، فيكون المعنى المبحوث عنه مجازا مطلقا ، فعلى هذا لم أعرف وجها لإنكاره على العضدي ، بقوله : وفيه انّه مناف لإطلاقهم ، بأنّ هذه علامة المجاز والحقيقة ، فإنّ ظاهره كونه سببا تاما ... إلى آخره.

__________________

(١) حاشية العضدي على شرح المختصر : مخطوط ، وإليك لفظه : وقد يجاب بان سلب بعض المعاني الحقيقية كاف ، فيعلم أنه مجاز فيه ، وإلاّ لزم الاشتراك.

(٢) القوانين : ٢١

(٣) شرح المختصر للعضدي مخطوط وإليك نصّه : أقول قال الأصوليّون نعرف المجاز بالضّرورة ... وبالنّظر بوجوه منها صحّة النفي في نفس الأمر كقولك للبليد ليس بحمار وإنّما قلت في نفس الأمر ليندفع ما أنت بإنسان لصحته لغة ، وهذا بعكس الحقيقة فان عدم صحة النفي علامة لها ولذلك لا يصحّ ان يقال للبليد أنّه ليس بإنسان.

الاعتراض عليه : المراد بصحة سلبه سلب كل ما هو معناه حقيقة لأن معناه مجازا لا يمكن سلبه وسلب بعض المعاني الحقيقيّة لا يفيد لجواز سلب بعض المعاني الحقيقيّة دون بعض فإذن لا تعرف صحة سلبه إلاّ إذا علم كونه ليس شيئا من المعاني الحقيقيّة وهو إنما يتحقّق إذا علم أنه فيما استعمل فيه مجاز فإثبات كونه مجازا به دور ، ووروده على الحقيقة أظهر ، وقد يجاب بأنّ سلب بعض المعاني الحقيقيّة كاف فيعلم أنّه مجاز فيه وإلاّ لزم الاشتراك.

١٠٦

لأنّ مرادهم : إن كان كونه علامة لمعرفة المجازية والحقيقية في الجملة في الظاهر ، فلا ريب أنّ ما ذكره العضدي لا ينافي ذلك بوجه ، فإنّ ذكر الاحتياج إلى أصالة عدم الاشتراك في مقام معرفة المجازية المطلقة ، أو الحقيقة الخاصة ، فهي أي أصالة عدم الاشتراك جزء للسّبب في هذا المقام ، لا المقام الأوّل ، أعني مقام معرفة الحقيقية والمجازية ـ في الجملة ـ.

وإن كان مرادهم كونه علامة للحقيقة الخاصة ، والمجازية المطلقة ، فيرد عليه (قدس سره) ما أورده على العضدي من إيراد المنافاة ، إذ الوجه الّذي اختاره ـ أيضا ـ لا يقتضي معرفة المجازية المطلقة أو الحقيقة الخاصة بمجرد صحة السلب وعدمها ، كما اعترف به أيضا ، فلا بدّ له من الالتجاء إلى الأصل المذكور في إثبات هذا المقام ، فتكون العلامة جزء السبب لا السبب التام.

نعم يمكن أن يفرق بينهما بحمل الأوّل على موارد الحمل المتعارف ، وحمل الثاني على موارد الحمل الذاتي ، إلاّ أنّ هذا الفرق غير مجد في دفع السؤال عن المحقق المذكور ، لعدم كفاية صحة السلب وعدمها في معرفة المجازية المطلقة ، أو الحقيقة الخاصة في القسم الثاني بطريق أجلى.

ومنها : ما ذكره العضدي أيضا من أنّ صحة السلب علامة لتعيين المراد بعد تشخيص الحقيقة والمجاز ، ثم قال : لأنّ ذلك لا يتم في علامة الحقيقة إلى آخر ما ذكره في القوانين (١) بما فيه من المناقشات.

وأجاب عنها الشيخ محمد تقي (٢) (قدس سره) ، بما يرجع حاصله إلى حمل كلام العضدي ذلك على موارد الحمل المتعارف ، بأن علم المعنى الحقيقي والمجازي ، ثم استعمل اللفظ وأريد منه فرد شك في كونه فردا من الحقيقة أو من المجاز فبصحّة السّلب يتميز حال هذا الفرد.

لكن الحق أنّ هذا الحمل يأباه ظاهر كلام العضدي (٣) فإنه قال : بكونه علامة

__________________

(١) القوانين : ١٨.

(٢) هداية المسترشدين : ٥١ ـ ٥٢.

(٣) شرح المختصر للعضدي ، مخطوط في بحث علائم الحقيقة والمجاز وإليك نصّه : ( بعد الملاحظة لعبارته المتقدمة في الهامش المتقدم بعد قوله وإلاّ لزم الاشتراك ) وأيضا فما ذكرت حقّ إذا أطلق اللفظ لمعنى ولم يدر أحقيقة فيه أم مجاز فيه أمّا إذا علم معناه الحقيقي والمجازي ولم يعلم أيّهما المراد أمكن أن يعلم بصحّة نفى المعنى الحقيقي عن المورد أنّ المراد هو المعنى المجازي فيعلم أنّه مجاز.

١٠٧

فيما إذا علم الحقيقة والمجاز ، ولم يعلم المراد. وأنّ الظاهر من قوله ، ولم يعلم المراد أنّه لم يعلم أصلا ، لا أنّه علم وشك في صفته من كونه فردا من الحقيقة ، أو من المجاز ، فما ناقشه القمّي (قدس سره) في محله.

هذا ، وفي كلّ من هذه الوجوه تأمل ، بل منع ، لعدم إفادة شيء منها لدفع الدّور ، بل الّذي أفادته إنما هو جعل الدور مصرحا.

أمّا الأول فلأنّ الجاهل إذا لم يعرف الاندراج وعدمه ، كيف يدري بصحة سلب المعنى الحقيقي المعلوم عن المعنى المبحوث عنه ، فإن معرفة صحة السلب وعدمها موقوفة على العلم بخصوصية المعنى المسلوب ، بحيث لا يشمله المعنى المبحوث عنه ، أو بعمومه بحيث يشمله ، فالشك في الاندراج وعدمه يرجع إلى الشك في المعنى المسلوب من حيث العموم والخصوص.

وهكذا الكلام في الوجه الثاني ، وكذا في الوجه الثالث ، على أن يكون المراد هو ما استظهره الشيخ محمد تقي (قدس سره) ، وأمّا على ما استظهره القمي (قدس سره) فإنّا لا نتعقل كون صحة السلب علامة لإرادة المجاز حينئذ ، مضافا إلى المناقشات التي ذكرها المحقق القمي (قدس سره).

نعم يمكن توجيهه بحمله على ما إذا علم عدم إرادة المجاز بقرينة خارجية ، كما إذا أخبر أحد بأنّ القمر طلع ، فتفحص ذلك الّذي قام عنده ذلك الخبر ، فوجد أنّ القمر لم يطلع بعد ، فيعلم بذلك أنّ المراد القمر المجازي ، وهو المحبوب ، فإنه يصدق ـ حينئذ ـ أنّ القمر لم يطلع ، لكنه مجرد تصوير ، لا أصل له ولا فائدة ، فإنّ العلم بإرادة المجاز حصل من الفحص ، لا بصحة السلب ، بل العلم بصحة السلب ـ حينئذ ـ متأخر عن العلم بعدم إرادة الحقيقة.

هذا ، ثم إن أجود الوجوه في دفع الدور ما ذكره السيد عميد الدين في المنية (١) ، من

__________________

(١) منية اللبيب : مخطوط في الفرق بين الحقيقة والمجاز ، حيث قال : وقد ذكر المصنف طاب ثراه لذلك طرقا ستّة.

فمنها ما يشترك فيها الحقيقة والمجاز.

ومنها ما يختصّ بأحدهما فالأوّل طريقان الأول نصّ أهل اللغة عليه ... وذلك يكون على ثلاثة أقسام :

أحدها ان يقول هذا اللّفظ حقيقة في هذا المعنى وهذا اللّفظ مجاز فيه.

وثانيها أن يذكروا حديهما بان يقولوا هذا اللّفظ موضوع لهذا المعنى المستعمل فيه وضعا أوّلا ...

وثالثها ذكر خواصّهما بان يقولوا هذا اللّفظ لا يجوز سلبه عن هذا المعنى وهذا اللّفظ يجوز سلبه عنه فيعلم ان الأول حقيقة والثاني مجاز.

١٠٨

أن صحة السلب وعدمها ـ عند العالم بالوضع ـ علامتان للجاهل به ، وهما راجعتان إلى تنصيص أهل اللسان ، مثل تنصيص الواضع ، فإنّ اللغة قد تثبت بتنصيص الواضع ، أو بتنصيص أهل اللسان مطابقة ، كما إذا صرّحوا بأن اللّفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني ، أو ليس موضوعا له ، وقد تثبت بتنصيصهما بالالتزام ، بأن صرحا بنفي المعنى عن المعنى المبحوث عنه أو بعدم صحة نفيه عنه فالأوّل تنصيص منهما على مجازية اللفظ في المعنى المبحوث عنه و[ الثاني تنصيص منهما ] على حقيقيته فيه ، فيكون الفرق بينهما ، وبين قول النقلة للّغة ، أنّ النقلة ينقلون تنصيص الواضع مطابقة أو تضمنا أو التزاما ، وهاتان تنصيص من أهل اللسان ، ولا يحتاج ثبوتهما إلى النقل ، بل يحصلان للجاهل بالرجوع إلى العارفين باللسان.

وكيف كان ، فبذلك الوجه يدفع إشكال الدّور في جميع موارد صحة السلب وعدمها ، من موارد الحمل الذّاتي ، أو المتعارف ، ولا حاجة إلى تكلف جعل القضية جزئية ، إذ بكلتيهما أيضا يدفع الإشكال على هذا الوجه ، فإنّ الجاهل بعد ما رأى أنّهم يصرحون بأنّ ( البليد ) ليس من المعاني الحقيقية للحمار بوجه ، يحصل له العلم بكون البليد مجازا للحمار ، بل لا بد من اعتبار الكلية في علامة المجاز ، إذ بدونها لا يعلم كون المعنى المبحوث عنه مجازيا ، وفي علامة الحقيقة أيضا إذا أراد إثبات الحقيقة الخاصة ، وإلاّ فتكفي الجزئية.

وقد يجاب عن الدّور بوجوه أخرى :

منها : ما قرّره دام عمره من أن يقال : إنّ صحة السلب وعدمها علامتان للجاهل بوضع اللّفظ للمعنى المبحوث عنه ، العالم بوضعه لمعنى آخر ، بمعنى أنّه يعلم بوضعه لمعنى معلوم عنده ، لكنه لمّا كان غافلا عن دخول المعنى المبحوث عنه ، واندراجه في ذلك المعنى المعلوم وعدمه ، كما في موارد الحمل المتعارف ، أو كان غافلا عن اتحاده معه ، وتغايره ، كما يتصور ذلك في موارد الحمل الذّاتي ، فلذلك يشكّ أوّلا وابتداء في كون المعنى المبحوث عنه موضوعا له أو داخلا فيه ، كما في الشك في النتيجة في الشكل الأوّل ، للغفلة عن المقدمات ، وأمّا بعد ملاحظته والتفاته إلى مقدمتين يحصل له العلم بالنتيجة ، وهو كون المعنى المبحوث عنه موضوعا له ، أو داخلا فيه ، أو عدمهما.

مثلا إذا علم بكون الابن حقيقة في الابن المنخلق من الماء الّذي هو الابن بلا واسطة ، ويرى أيضا استعماله في ابن الابن ، فأوّلا يشك في أنّ ابن الابن أيضا ابن حقيقة ، أولا ، من جهة عدم التفاته إلى كون معنى الابن حقيقة هو المنخلق من الماء

١٠٩

خاصة ، أو الأعمّ منه ، فإذا التفت إلى ذلك ، فيحصل له مقدمتان ، فيحصل منهما صورة قياس يستنتج منهما النتيجة ، فصورة القياس في علامة المجاز أنّ الابن حقيقة في المنخلق خاصة ، بحيث يصح سلبه عن ابن الابن ، وكلّما صحّ سلبه عن ابن الابن ، فهو ليس مندرجا فيه ، فينتج انّ ابن الابن خارج عن الابن.

وصورته في علامة الحقيقة ، أنّ الابن حقيقة في الأعم لا يصحّ سلبه عن ابن الابن ، وكلّما لا يصحّ سلبه عن ابن الابن فهو داخل ومندرج فيه ، فينتج أنّ ابن الابن مندرج في الابن ، وكيف كان ، فهذا واضح في موارد الحمل المتعارف.

وأمّا في موارد الحمل الذّاتي ، ففي علامة المجاز فيها يتصور قياس بأن يقال مثلا : الأسد موضوع للحيوان المفترس ، يصح سلبه عن الرّجل الشجاع ، وكلّما صحّ سلبه عن الرّجل الشجاع ، فهو غيره ، فينتج أنّ الرّجل الشجاع غير الأسد ، وأمّا في علامة الحقيقة ، فلم يتعقل له صورة أصلا.

وكيف كان ، فالحق اختصاص التوجيه المذكور بموارد الحمل المتعارف ، التي يشك فيها في الاندراج ، وعدمه ، لا غير ، وأمّا في موارد الحمل الذاتي فلا ، لاختصاص التوجيه بما إذا كان الشك في المعنى المبحوث عنه مسبّبا عن الغفلة في المعنى المعلوم ، كما في موارد الحمل المتعارف ، وأمّا في موارد الحمل الذّاتي ، فلا يعقل أن يكون شكه مسببا عن الغفلة عما ذكر ، لعدم الارتباط بينهما بوجه ، فإنه إذا شك في كون الفضة معنى حقيقيا للعين بالعنوان المستقل ، لا بعنوان كونه فردا من معناه ، فلا يعقل أن يكون منشأ الشك الغفلة عن وضعه للذّهب.

هذا ، ومنها : أي من وجوه دفع الدور ما قرّره الشيخ (١) محمد تقي (قدس سره) مما يرجع حاصله إلى قياس ما نحن فيه بالقياس في الشكل الأوّل ، والتفرقة بين الموقوف والموقوف عليه بالإجمال والتفصيل ، ولعلّه راجع إلى ما قرّرناه فراجع ، فلا نطيل الكلام بذكره.

ثم إنّه قد أورد على كون عدم صحة السلب علامة للحقيقة بوجهين :

أحدهما : ما ذكره الشيخ محمد تقي (٢) (قدس سره) وحاصله : إنّ المحكوم عليه بعدم صحة سلبه ، لا بدّ أن يكون معنى اللّفظ ، ضرورة صحة سلب اللّفظ عن المعاني بأسرها ، فحينئذ إن كان المراد باللّفظ الواقع في الموضوع ، وهو الذهب مثلا ، هو عين

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٩ ـ ٥٠.

(٢) هداية المسترشدين : ٤٨ ، ٥٠.

١١٠

المعنى المحكوم بعدم صحة سلبه عنه ، فيلزم اتحاد الموضوع والمحمول مفهوما ، ـ فلم ـ يبق ـ حينئذ ـ حمل حتى يدّعى عدم صحة نفيه ضرورة عدم صحة حمل الشيء على نفسه ، فلا يجوز الحكم بعدم صحة سلبه ، لأنه في معنى إثبات الحمل ، وقد عرفت امتناعه.

وإن كان المراد باللفظ ـ في الموضوع ـ غير المعنى المحكوم بعدم صحة سلبه عنه ، فلا يثبت به الوضع لذلك الموضوع ، فإنّ ثبوته لمعنى لا يقتضي ثبوته لمعنى آخر متحد معه في الوجود.

ألا ترى أنّ الإنسان متحد مع الضاحك في الوجود ، لتساويهما في الصدق ، ولا يصح سلبه عنه أيضا ، ومع ذلك استعمال لفظ الإنسان في الضاحك مجاز قطعا.

وهكذا الكلام في العامين المطلق كما سيجيء توضيحه ـ أيضا ـ في الوجه الثاني من الإيراد ، فلا يجوز كون عدم صحة السلب علامة لعدم جريانها فيما يفيد الوضع ، وهو صورة اتحاد الموضوع والمحمول ، وعدم إفادته له فيما يجدي ، كما في المتساويين والعامين المطلق.

الثاني : ما ذكره التفتازاني في شرح الشرح (١) ، وهو أنّ علامة الشيء لا بد أن تكون من خواصه ، وعدم صحة السلب ليس كذلك ، لوجوده في بعض الموارد ، الّذي نعلم بعدم ثبوت الوضع للموضوع ، كما في المتساويين ، كالإنسان والضاحك ، والإنسان والناطق ، وكما في الكلي والفرد ، كالإنسان وزيد وعمرو وبكر وهكذا ، أو الحيوان والإنسان ، فإنّه لا يجوز سلب أحد المتساويين عن الآخر ، وكذلك سلب الكلي عن فرده ، مع أنّ الوضع الثابت للكلّي منفيّ في الفرد قطعا ، واستعمال اللّفظ الموضوع للكلّي مجاز فيه بلا شبهة ، وكذا استعمال اللّفظ الموضوع لأحد المتساويين في الآخر ، لعدم الرّيب في مجازيته ، فيثبت أنّ عدم صحة السلب أعم من الوضع ، فلا يكون دليلا عليه ، وعلامة له.

ولأجل هذين الإيرادين اقتصر بعض بذكر صحّة السلب ، وجعلها علامة وحدها ، وترك عدم صحة السلب كالعضدي ، ولعلّه وافقه بعض آخر أيضا.

هذا ، والجواب عن الأول : فأوّلا بالحل.

وبيانه : أنّ امتناع الحمل مسلّم فيما إذا اتّحد الموضوع والمحمول من جميع الجهات ، وأمّا إذا اختلفا من وجه ، فلا ، وإن كانا راجعين في الواقع إلى عنوان واحد ،

__________________

(١) شرح الشرح : مخطوط.

١١١

وحاكيين عنه ، ولا ريب أنّ ما نحن فيه ، أعني معنى اللّفظ ، والمراد باللّفظ الواقع في الموضوع ، وإن كانا راجعين إلى حقيقة واحدة في نفس الأمر ، إلاّ أنّهما مفهومان متغايران يحكي كل منهما عمّا يحكي عنه الآخر ، وهو الحقيقة الوحدانية ، ومنتزعان منها بتأويل كل منهما بالمعنى ، أو بالمسمّى ، أو بالمنفهم من اللّفظ عند أهل اللسان ، فيكون حاصل التأويل أنّه ليس أن لا يكون معنى العين معنى الذّهب أو مسمّاه مسمّاه ، أو المنفهم منه المنفهم منه ، ولا ريب أنّ معنى العين بإضافته إلى العين ، غير معنى الذهب بإضافته إليه ، وكذلك المسمّى والمنفهم عرفا ، فإنّه بإضافته إلى كلّ واحد منهما مغاير له مفهوما ، باعتبار إضافته إلى الآخر.

نعم الممتنع هو أن يراد من العين معنى الذّهب بعينه ، ومن الذهب كذلك ، فإنّ حاصل الحمل ـ حينئذ ـ يصير أنّ الذهب ذهب ، ونحن لا نقول بإرادة معنى العين بعنوان كونه الذهب ، ولا بإرادة معنى الذهب بعنوان كونه الذهب ، بل نقول : بإرادتهما منهما بعنوان المسمّى أو المعنى ، أو المنفهم ، كما عرفت ، فحينئذ ، فلا ريب في تغايرهما ، فيصحّ الحمل بهذا الاعتبار.

وأمّا قوله : إنّه إن كانا متغايرين ، فلا يثبت الوضع لهذا الموضوع ، فهو بإطلاقه محال ، فإنّه مسلّم فيما إذا كان التغاير بينهما في الحقيقة والهويّة ، بأن كان كل من الموضوع والمحمول حاكيا عن حقيقة غير ما يحكي عنها الآخر ، كما في المتساويين والعامين المطلق.

وأمّا فيما إذا كان التغاير بالاعتبار ، وبملاحظة التصوّر الذهني ، مع اتحادهما في الحقيقة ، كما فيما نحن فيه ، فلا يعقل ثبوت حكم لأحدهما ، بدون ثبوته للآخر ، إذ المفروض كونهما حاكيين عن أمر واحد ، وحقيقة واحدة.

فإذا ثبت الوضع لأحدهما فهو في الحقيقة ثابت لهذه الحقيقة الوحدانية التي هي متحدة مع الآخر أيضا في الواقع ، ومغايرة له بالاعتبار الذهني الموهوم.

وبعبارة أخرى : المفروض أنّ المراد بأحدهما عين المراد بالآخر ، فثبوت الوضع لأحدهما عين ثبوته للآخر ، وإلاّ فالتغاير أمر اعتباري التجأنا إليه لتصحيح الحمل.

وإن شئت التوضيح لما حققنا ، فلنأتيك بذكر مقدمة ليرتفع بها الإجمال ، ويتّضح الحال : وهي أنّ كل قضية حملية ، لا بدّ فيها من مغايرة ما بين الموضوع والمحمول ، لئلا يلزم حمل الشيء على نفسه ، ومن اتّحاد ما بينهما ، لئلا يلزم حمل الشيء على المباين له ، إذ الحمل معناه الحكم بالاتّحاد بين الموضوع والمحمول ، فمع عدم الاتحاد من

١١٢

وجه ، كيف يجوز الحكم باتحادهما؟!

ثم إنّ الاتحاد والتغاير المعتبرين في القضية لا يجوز كونهما من جهة واحدة للزوم التناقض ، فلا بدّ من الاختلاف في جهتيهما وطرفيهما ، ولا ريب أيضا أنّ ظرف الاتحاد ، إمّا الوجود ذهنا ، أو خارجا ، وإمّا نفس الأمر ، فإنّ الاتحاد النّفس الأمري غير الاتّحاد الوجوديّ ، فإنّه لم يؤخذ فيه الوجود شرطا ، أو شطرا أصلا ، وأمّا ظرف التغاير المعتبر ، فهو منحصر في الوجود الذّهني ، أو النّفس الأمري ، وأمّا التغاير في الوجود الخارجي ، فلمّا كان يلزمه التغاير في الذهن ، ونفس الأمر ، فهو خارج عن التغاير المعتبر فيما نحن فيه ، لاستلزامه التباين بين الموضوع والمحمول في جميع الجهات المانع عن الحمل ، فلذا لا يجتمع مع الاتحاد في الذهن ، أو نفس الأمر.

فعلى هذا ، فيصير الأقسام الصّحيحة من الأقسام المتصورة في القضية الحملية منحصرة في ثلاثة :

الأوّل : اختلاف الموضوع والمحمول ـ في نفس الأمر ـ المعبّر عنه بالحقيقة والهويّة ، وفي ـ الوجود الذهني ـ المعبر عنه بالمفهوم ، مع اتحادهما ـ في الوجود الخارجي ـ المعبّر عنه بالمصداق ، وذلك في القضايا الخارجية ، كقولنا : النّار حارّة ، والشّمس مضيئة ، والقمر منير ، والكوكب طالع ، والسقمونيا مسهل ، والسّم مهلك ، والفاكهة الفلانية حامضة ، أو حلو ، أو مرّ ، وغير ذلك من القضايا التي لا اتحاد بين الموضوع والمحمول فيها في نفس الأمر والحقيقة ، ولا في الذهن ، وإنّما الاتحاد بينهما في الخارج فقط ، ضرورة عدم لزوم تلك المحمولات من الحرارة ، والإضاءة والإنارة ، والطلوع ، والإسهال ، والإهلاك ، والحموضة ، لموضوعاتها في الذّهن ، وعدم اتحادها معها في الحقيقة والهويّة ، فإنّ لكل واحد منها حقيقة مغايرة لحقيقة موضوعه.

الثاني : اختلافهما في الوجود الذهني فقط ، مع اتحادهما في نفس الأمر والخارج أيضا ، لعدم الانفكاك بين الاتحاد النّفس الأمري والخارجي ، كما عرفت ، وذلك في القضايا الواقعية ، كما في قولنا : الأربعة ضعف الاثنين ، والإنسان حيوان ناطق ، أو بشر ، والحمار حيوان ناهق ، والأسد حيوان مفترس ، وغير ذلك من التعاريف اللفظية المقصود بها شرح الاسم ، أي بيان مسمى الموضوع في القضية فإنّ الموضوع والمحمول فيها متحدان في الخارج ونفس الأمر ، واختلافهما إنّما هو في المفهوم وفي الذّهن بتأويل المراد من كل منهما بالمسمّى بهذا اللّفظ ، أو بمعنى هذا اللفظ ، أو بالمنفهم منه ، فاختلافهما حينئذ بالإضافة والتخيل الذهني.

١١٣

الثالث : اختلافهما في نفس الأمر والخارج كليهما ، مع اتحادهما في ـ الذّهن ، ذلك في القضايا الذهنية ، كقولنا : الإنسان نوع ، أو كلّي ، والحيوان جنس ، أو كلّي ، وأمثالهما ، مما كان المحمول فيها من الأمور التي لا وجود لها إلاّ في الذهن.

فإذا عرفت هذه فاعلم : أنّ القضية الحملية إذا كانت من القسم الأوّل ، أو الثالث فثبوت وصف أو حكم لواحد من مفهومي الموضوع والمحمول لا يقتضي ثبوتهما لمفهوم الآخر ، لاختلاف كلّ من المفهومين بحسب نفس الأمر ، وكون كل منهما لحقيقة ، ومرآة لها غير الحقيقة التي يحكي عنها الآخر ، فعدم اقتضاء ثبوت الوضع للمحمول في قضية عدم صحة السلب ، ثبوته للموضوع فيما إذا كانا من قبيل المتساويين أو العامّين المطلق لذلك.

وأمّا إذا كانت القضية من القسم الثاني ، فلا يعقل الانفكاك بين ثبوت حكم أو وصف لأحدهما ، وبين ثبوتهما للآخر ، لكون كل منهما عين الآخر بحسب الحقيقة ، وكونهما مفهومين مختلفين إنّما هو باعتبار ملاحظة الأمر الخارج عن الحقيقة ، وانتزاعهما من الاعتبار الخاصّ ، لتصحيح الحمل ، ولا ريب أنّ ثبوت الحكم لأحدهما ليس بعنوان هذا العنوان المنتزع ، بل بعنوان حقيقته وهويّته ، والمفروض اتّحاد حقيقتهما ، فثبوت حكم أو وصف لأحدهما عين ثبوته للآخر لذلك.

وقد عرفت أنّ الّذي يدعيه من كون عدم صحّة السلب علامة للوضع فيه ، هو هذا القسم من الحمل ، فإذا ثبت وضع العين للذّهب ، أعني الجسم الخارجي المخصوص المقابل لمعنى الفضّة ، فبعدم صحة سلبه بتأويله إلى مسمّى العين ، لتصحيح الحمل على الذهب بتأويله إلى مسمّاه يثبت اتحاد حقيقتهما ، فيكون المسمّى بالذّهب عين المسمّى بالعين ، فيثبت أنّ العين موضوع لما وضع له الذهب. هذا جواب بالحل والتحقيق.

وأمّا ثانيا : فبالنقض بجميع التعاريف اللّفظية ، فإنّه لو كان المراد بالموضوع فيها غير ما أريد من المحمول ، فلا يكون هذا شرحا للاسم ، إذا المقصود منها ذلك ، كما أشرنا إليه ، فإنّ شرح الاسم عبارة عن بيان المسمّى ، ولا ريب أنّه لا يجوز بيان شيء بشيء مباين ومغاير له ، فمقتضى ذلك عدم ثبوت المسمّى بهذا الحمل في تلك القضايا ، وإن كان المراد بالموضوع عين ما أريد من المحمول ، فيمنع ذلك من الحمل ، فكلما يجيب هذا المورد عن الإشكال هنا ، ـ فليجب ـ به عما نحن فيه ، لاتحاد الموردين

١١٤

في مناط الإشكال.

وأمّا الجواب عن الوجه الثاني ، المحكي عن التفتازاني : فبأنه إن كان مراده بعدم صحة سلب الكلي عن الفرد وعدمها بالنسبة إلى الفرد بخصوصيته وملاحظة فرديّته ، فنمنع الصغرى ، أعني عدم صحة السلب ، لجواز السلب حينئذ قطعا وإن كان مراده عدم صحة السلب عنه ، مع قطع النّظر عن خصوصيته وتعريته عن ملاحظة الفردية ، فالصغرى مسلمة ، لكن الكبرى ممنوعة ، أعني عدم كون عدم صحة السلب ـ حينئذ ـ علامة للحقيقة ، إذ لا ريب أنّ الفرد إذا عري عن الخصوصية ، فهو عين حقيقة الكلّي ، والمفروض كونه حقيقة ، فيكون الفرد بهذا الاعتبار حقيقة بلا شبهة.

وأمّا ما ذكره من عدم صحة سلب الشيء عن مساويه ، ففيه أنّا نمنع الصغرى ، لجواز السلب قطعا ، فإنّ الضاحك غير الإنسان بلا شبهة ، والاتّحاد في الوجود الخارجي لا يمنع من السلب ، فإنّه بالنظر إلى نفس الأمر.

هذا ، ولقد أجاب الشيخ محمد تقي (قدس سره) عن الوجهين بما يوجب ذكره الطول المخل ، فإن شئت راجع (١).

لكنّه قدس سره لم يذكر الوجه الثاني من الإيراد ، بل ذكر الوجه الأوّل ، فأجاب عنه بما يرجع إلى الجواب عنه وعن الثاني.

ومن الطرق العقلية العلمية ، الاطراد ، وعدمه :

أمّا الأوّل : علامة الحقيقة. والثاني : علامة المجاز.

وموردهما : ما إذا استعمل لفظ في مورد باعتبار كون ذلك المورد فردا من كلي ، مع العلم بعدم وضع اللّفظ لهذا المورد ، وأنّه لو لا ملاحظة كونه فردا من ذلك ، لما جاز استعمال اللّفظ فيه أصلا ، لكن حصل الشك في أنّ ذلك المعنى الكلي الّذي هو ملاك جواز استعمال اللّفظ في هذا المورد ، هل هو معنى للّفظ؟ فيكون المورد من أفراد المعنى الحقيقي ، أو أنّه معنى مجازي له؟ كنفس المورد وواسطة في جواز استعمال اللّفظ في المورد ، إمّا من باب إطلاق الكلي على الفرد ، وطمّا من باب الاستعمال في خصوص الفرد على القول بجوازه ، كما هو المشهور ، فيكون المورد من أفراد المعنى المجازي ، فطريق إعمال الأمارتين ـ حينئذ ـ الفحص عن الأفراد الأخرى ، المشاركة لهذا المورد في

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٩ ـ ٥٠.

١١٥

ذلك المعنى العام الّذي هو ملاك جواز استعمال اللّفظ فيه ، فإن علم جواز استعمال اللّفظ فيها أيضا بالاعتبار المذكور ، بحيث لا يختص الاستعمال بهذا الاعتبار ببعضها دون بعض ، بل أينما وجد ذلك الكلي يجز استعمال اللّفظ باعتباره ، فذلك هو معنى الاطّراد ، فيكون هذا دليلا على وضع اللّفظ لذلك المعنى العام ، وكون المورد من أفراد الحقيقة ، وإلاّ ـ بأن علم باختصاص جواز الاستعمال بالاعتبار المذكور ببعضها ، أو تخصيص المورد المذكور فقط ، فذلك هو معنى عدم الاطراد ، فيكون دليلا على مجازيّة اللّفظ في المعنى العام ، وكون المورد من أفراد المعنى المجازي.

ومثّل السيّد عميد الدين (١) للأوّل بلفظ العالم ، لجواز استعماله في كل من تلبس بالعلم.

والعضدي (٢) للثاني باسأل القرية ، لعدم جواز اسأل البستان.

وفي كل من المثالين نظر :

أمّا الأوّل : فلأن المراد والغرض من اطراد استعمال العالم في كل من تلبس بالعلم ، إمّا أن يكون استكشاف حال معناه الهيئي ، وإمّا أن يكون استكشاف حال معناه المادّي.

فعلى الأوّل : فلا ريب أنّه ليس لخصوص هيئة العالم وضع ، كما هو المشهور ، حتى يراد بذلك استكشاف المعنى الّذي وضعت له تلك الهيئة العارضة على تلك المادة المخصوصة ، بل الموضوع في المشتقات هي الهيئة الكلية الصادقة على الجزئيات الإضافية العارضة للمواد الخاصّة ، كالعالم ، والضارب ، والقائل ، والقاتل ، وغير ذلك من الجزئيات الإضافية ، وتلك الهيئة هي زنة الفاعل.

فإن أراد كون اطّراد العالم في مصاديقه علامة لكون الهيئة الكلية موضوعة لمطلق من تلبّس بالمبدإ ، ففيه أنّ العالم بجميع جزئياته ، مورد واحد من تلك الهيئة ، وجواز استعمال الهيئة في تلك المادة المخصوصة ، ولو في جميع جزئياتها الحقيقية من تلك

__________________

(١) منية اللبيب مخطوط في علائم الحقيقة والمجاز وإليك لفظه : ومن الأدلّة على كون اللفظ حقيقة في المعنى المعيّن الاطّراد كالعالم فانه لما صدق على كلّ ذي علم حقيقة صدق على كل ذي علم أنّه عالم وهو معنى الاطّراد.

(٢) شرح المختصر للعضدي مخطوط في مباحث الحقيقة والمجاز وإليك لفظه ومنها عدم اطراده بان يستعمل لوجود معنى في محلّ ولا يجوز استعماله في محلّ آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول ( وأسأل القرية ) لأنّه سؤال لأهلها ولا تقول اسأل البستان وإن وجد فيه ذلك وهذا لا ينعكس أي ليس الاطّراد دليل الحقيقة فانّ المجاز قد يطّرد كالأسد للشّجاع.

١١٦

المادة لا يثبت الاطراد ، حتى يكون دليلا على وضعها لمطلق من تلبس بالمبدإ ، بل لا بدّ في ثبوته من إحراز جواز استعمالها في المعنى المفروض في سائر جزئياتها الإضافية أيضا بأن علم بكون القائل ، والقاتل ، والناصر ، وغير ذلك من الجزئيات الإضافية مستعملة في من تلبس بمبادئها ، حتى يثبت اطراد استعمال تلك الهيئة الكلية في المعنى المذكور في جميع مواردها ، ومصاديقها ، فعلى هذا كان ينبغي أن يمثّل لذلك بزنة الفاعل ، لا بالعالم ، ويقال : إنّ استعمالها في المعنى المذكور مطّرد في جميع مواردها ، ومصاديقها من الجزئيات الإضافية.

نعم لو كان مذهبه ما اختاره الشيخ محمد تقي (١) قدّس سرّه ـ من أن الموضوع في المشتقات كلّ واحد من الجزئيات الإضافية ، والموضوع له فيها من تلبس بمبدإ خاص من مبادئها المخصوصة ـ لكان التمثيل متّجها ، إلاّ أنّ الظاهر انفراد الشيخ المذكور قدّس سرّه بهذا المذهب ، وموافقة السّيد للمشهور.

وأمّا على الثاني : فلأنّ الّذي ينبغي التمثيل به ، إنّما هو لفظ العلم ، لا العالم ، لأنّ مادّة العلم الموجودة في ضمن العالم ، مورد واحد من موارد استعمال لفظ العلم ، فلا يكفي ثبوت الاطّراد في مورد خاص منه بالنسبة إلى مصاديق ذلك المورد ، فإن تلك المادّة في ضمن تلك الهيئة الخاصة ، أي هيئة العالم ، جزئيّ من الجزئيات الإضافية لمادّة العلم المطلقة ، فحينئذ كان ينبغي أنّ يمثّل بلفظ العلم ، ويدّعي ثبوت الاطراد فيه باعتبار استعماله في مطلق الاعتقاد الجازم ، الأعمّ من الاعتقاد المتعلق بالمسائل الفقهية ، أو الأصوليّة ، ومن اعتقاد غيرها ، في ضمن كلّ واحد من الهيئات ، ومجرّدا أيضا ، وبالنسبة إلى كل واحد من المعلومات ، سواء كانت من المسائل الفقهية ، أو الأصوليّة ، أو العربية ، أو غيرها ، مع أنّ هذا بهذا التوجيه أيضا خارج عن مورد الاطراد على التحقيق ، لما قد عرفت من أنّه فيما إذا علمنا بعدم وضع اللّفظ لخصوص مورد من الموارد ، وإنّما شككنا في وضعه للمعنى العام وعدمه ، ولا ريب أنّ الشك في كون لفظ العلم موضعا لمطلق الاعتقاد الجازم ، أو للاعتقاد الجازم بمسائل صناعة خاصة ، يرجع إلى أنّ الموضوع هو الكلّي ، أو الفرد الخاصّ منه ، فيكون شكا في وضع اللّفظ للمورد الخاصّ ، وعدمه.

ومن هنا ظهر خروج مطلق المورد عن محل الاطراد ، وعدمه ، لأنّ الشك في

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٢٦ ، في تقسيم الوضع باعتبار الموضوع.

١١٧

جميعها من هذا القبيل ، واختصاصهما بما إذا كان اللّفظ موضوعا بالوضع العام ، كما في جميع هيئات المشتقات من الأفعال ، وأسماء الفاعل ، والمفعول ، والصفات المشبهة ، وكان وضعه قريبا من الوضع العام ومتشبّها به كما في المجازات ، وكيف كان ، فموردهما الأوضاع النوعية لا الشخصية.

أقول : لا يخفى ما في تعيينه دام عمره مورد الاطراد وعدمه فيما ذكره ، لأنّا لم نجد منهم من يفسّره بما قد فسّره ، بل كل من راجعنا كلامه هنا ، رأيناه مفسرا للاطراد باستعمال اللّفظ في المعنى المفروض ، أين ما وجد هذا المعنى ، بحيث لا يختص استعماله فيه بحال دون حال ، أو مورد دون مورد ، ولا ريب أن الاطراد بهذا المعنى لا يختص بالهيئات ، بل يجري في المواد أيضا ، بل يجري في المعاني الجزئية أيضا ، كما هو ظاهر كلام الشيخ محمد تقي (قدس سره) (١) ، بل صريحة في بيان معنى الاطراد ، وهو أعني كلامه الّذي يدل عليه صريحا ، قوله (قدس سره) ويصح إطلاقه على مصاديق ذلك المعنى إذا كان كليّا من غير اختصاص له ببعضها.

هذا مضافا إلى أنّ الدليل الّذي ذكره المثبتون لكون الاطراد دليلا على الوضع جار في جميع الموارد ، وتصوير الاطراد في المعنى الجزئي بأن نرى أنّ لفظا يستعمل في معنى جزئي في مورد ، فنشك في أنّ هذا اللّفظ علم لهذا المعنى الجزئي ، أو المستعمل فيه مجاز ، باعتبار وجود صفة فيه حال الاستعمال تكون هي علاقة بينه وبين المعنى الحقيقي للّفظ ، فإذا رأينا استعماله فيه ـ أيضا ـ مع فقد تلك الصفة ، فيكون ذلك هو معنى الاطراد ، فيكون دليلا على وضع اللّفظ لنفس ذلك المعنى الجزئي من دون مدخلية لشيء من الأوصاف والأحوال ، مثلا إذا رأينا استعمال لفظ الأسد في شخص شجاع ، فشككنا في أنّه استعمل فيه مجازا باعتبار الشجاعة ، أو أنّه علم له ، وموضوع له بوضع آخر ، فحينئذ إذا رأينا استعماله فيه بعد زوال الشجاعة منه ـ أيضا ـ فيثبت اطراده فيه ، فيكون دليلا على كونه علما له.

نعم اختلف القائلون بكون الاطراد دليلا في أنّه دليل مطلقا ، أو في بعض الموارد ، وهذا لا دخل له باختلاف معنى الاطراد.

هذا كله مضافا إلى أنّ ما فسره من مورد الاطّراد ، لا يشمل المبهمات ، كما لا يخفى ، لكون المصاديق فيها معاني حقيقية.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٥٢.

١١٨

وكيف كان ، فالأولى ، بل المتعين إحدى العبارات المعروفة من الأعلام لاتحاد مفادها :

منها : ما ذكره الشيخ محمد تقي (١) (قدس سره) من أنّ المراد به معنى الاطراد ، اطراد استعمال اللّفظ في المعنى المفروض بحسب المقامات ، بحيث لا يختص جوازه بمقام دون آخر ، وصورة دون أخرى ، ويصح إطلاقه على مصاديق ذلك المعنى ، إذا كان كليا من غير اختصاص له ببعضها. انتهى.

فظهر مما ذكرنا وحققنا ضعف إخراجه ( دام عمره ) التمثيل بلفظ العلم أيضا عن محل الاطراد.

هذا كله في المثال الأوّل للعميدي (قدس سره).

وأمّا المثال الّذي ذكره العضدي : فتوضيح النّظر فيه بعد استظهار مراده ، أنّه في مثل اسأل القرية أقوال ثلاثة :

الأوّل : بقاء السؤال والإسناد على حقيقتهما ، وثبوت التجوز في لفظ القرية بإرادة الأهل منها ، لعلاقة المجاورة.

الثاني : بقاؤها على حقيقتها مع بقاء السؤال على حقيقته أيضا ، والتجوز في الإسناد.

الثالث : بقاء الإسناد والقرية على حقيقتهما ، والتجوز في السؤال باستعماله في حالة الترجي بين الشخص والقرية ، بعلاقة مشابهته للترجي بين السائل والمسئول ، فكأنّه قال : ترجّ القرية.

فإذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ الوجه الأوّل مقطوع العدم ، لعدم كونه مرادا له ، لعدم صلاحيته لقوله ، لعدم جواز إرسال البستان ، فلو كان المراد إثبات عدم اطراد القرية في الأوّل ، لوجب ذكر لفظ القرية في مورد النقض ، بأن يقال : إنّ القرية مجاز في الأوّل ، لعدم اطراده في مثل : اضرب القرية ، أو باعت القرية ، أو آجرت القرية ، ونحوها ، مما كان لفظ القرية فيه مذكورا.

وأما الثاني : فالظاهر عدم جوازه عنده ، فالظاهر هو الوجه الآخر. فنقول : حينئذ : إنه لا يخفى أنه إمّا عين المجاز في الإسناد ، أو قريب منه في الإسناد عند من لا يرى جوازه في الإسناد هذا.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٥٢.

١١٩

أقول : لا يخفى ما في هذا الإشكال من الوهن والركاكة ، لأنا لم نتعقل أنه كيف يصير عينه أو قريبا منه ، مع أنّ المعنى الّذي ذكره عند التجوز فيه معنى تام مستقل ، لا يرتبط بالمجاز في الإسناد في شيء ، لأنه لا ريب في صحة إرادة المعنى المذكور من السؤال ، ومع إرادتها لا تكون النسبة ثابتة لغير ما هي له.

هذا ، ثم إنه بعد ما عرفت معنى الاطراد وعدمه ، وموردهما ، فاعلم أن الأقوال في كونهما علامتين وعدمه ثلاثة :

الأول : أنهما علامتان. الثاني : عدم كون شيء منهما علامة. الثالث : التفصيل. ثم إن المفصلين بين قولين :

أحدهما : كون الاطّراد دليلا على الحقيقة ، وعدم كون فقده دليلا على المجاز ، من هؤلاء السيد عميد الدين (١) ، فلذا اقتصر بذكر المثال للاطراد بلفظ العالم ، ومنهم العلامة في ظاهر التهذيب (٢) ، ومنهم الغزالي على ما حكى عنهم.

وثانيهما عكس ذلك ، وهذا لجماعة من الخاصة والعامة ، منهم الآمدي في الإحكام (٣) ، والحاجبي (٤) ، والعضدي (٥) ، وشيخنا البهائي (٦) ، وظاهر العلامة ( رحمه الله ) في النهاية (٧) على ما نسب إليهم ، ولهذا اقتصر العضدي بذكر مثال عدم الاطراد.

حجة القول الأول من التفصيل ، أما على كون الاطراد دليلا على الوضع ، فهو ما يأتي في حجة القول المختار ، وأما على عدم كون فقده دليلا على المجاز ، فلوجوده في بعض الموارد ، مع القطع بكون المورد معنى حقيقيا ، كما في لفظ رحمان لعدم جواز استعماله في

__________________

(١) منية اللبيب : مخطوط. في علائم الحقيقة والمجاز إليك لفظه : ومن الأدلة على كون اللفظ حقيقة في المعنى المعين الاطراد كالعالم.

(٢) تهذيب الأصول : ١ في البحث الرابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز وإليك نصّه : والاطراد دليل الحقيقة ، فان العالم لما صدق على كل ذي علم حقيقة صدق على كل ذي علم.

(٣) الإحكام في أصول الأحكام : ٣٠ ، حيث قال ما لفظه : ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد. وذلك كتسمية الرّجل الطويل النخلة ، إذ هو غير مطرد في كل طويل.

(٤) مختصر ابن الحاجب : مخطوط.

(٥) في حاشيته على شرح المختصر : مخطوط ، وإليك لفظه : قال : ومنها عدم اطراده بان يستعمل بوجود معنى في محل ولا يجوز استعماله في محل آخر ـ إلى ان قال : ـ وهذا لا ينعكس ، أي ليس الاطراد دليل الحقيقة.

(٦) في زبدة الأصول : في علائم المجاز عند قوله : وقد تعرف بالسلب ولا دور ، وبعدم اطراده ولا عكس.

(٧) نهاية الوصول إلى علم الأصول : مخطوط ، انظره عند قوله ( قد سره ) : السادس الاطراد في الحقيقة وعدمه في المجاز.

١٢٠