تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

بالأعم ، وليس ذلك إلاّ للقرينة المذكورة.

وثانيا : نمنع تبادر الأعم من الأمثلة المذكورة أيضا ، ونقول : إن المتبادر منها أيضا هي الصحيحة وأن اللفظ مستعمل فيها ، إلا أنه تأول في انطباق ما يصدر من الغير على المفهوم الكلي واندراجه تحته ، إما

بتبعية اعتقاد العامل ، حيث إنّ الظاهر من حاله اعتقاد صحة ما يفعله ، فيتبعه المخبر في ذلك الاعتقاد ، ويجعله فردا من الكلي ، فيخبر بأنه يصلي ، وهذا الوجه يجري فيما إذا أخبر بأن الكافر يصلي ، وإمّا بسبب ظهور حال العامل في أنه يفعل الصحيح الواقعي ، فيجعل المخبر ما يصدر منه مصداقا من المفهوم الكلي ، فيخبر أنّه يصلي مثلا ، وهذا إنما يجري في المسلم.

وكيف كان ، فالإخبار قد يكون مبنيا على الواقع بأن يكون المخبر غرضه الإخبار عن صدور الصحيحة الواقعية واقعا عن الغير ، فحينئذ لو انكشف الفساد لا ريب في صحة تكذيبه ، وقد يكون مبنيا على زعم العامل وعلى تبعية اعتقاده ، أو على ظاهر حال ، بمعنى أن المخبر يخبر عن صدور العمل الصحيح عنه ، نظرا إلى انطباق ما يصدر منه على المفهوم الكلي المتصف بالصحّة باعتقاد العامل ، فيتبعه في ذلك الاعتقاد ، وإن لم يكن معتقدا للاندراج حقيقة ، وإنما هو اعتقاد صوري أو بظهور حال الفاعل إذا كان مسلما ، فهو مستعمل للّفظ في الصحيح ، إلا [ أنّ ] طريق إحرازه كون ما يصدر منه فردا منه إما اعتقاد العامل أو ظهور حاله ، فنقول : حينئذ إن القرينة المتقدمة إنما تفيد ارتكاب المخبر لنوع تأويل في دعوى انطباق المفهوم الكلي على ما يصدر من الغير بأحد الوجهين المذكورين ، لا التجوز في اللفظ ، وتبادر الأعم منه ، وعدم جواز تكذيبه إنما هو لأجل العلم بواسطة القرينة المذكورة بأنه ليس إخباره مبنيّا على الواقع.

هذا مضافا إلى ما يرد على التمسك بمثل فلان يصلي أو يصوم ، وأمثالهما مما يكون إخبارا عن المضارع من أن الإخبار عن أمر مركب يكون حصوله تدريجيا بالنسبة إلى زمان المستقبل ، ظاهر في الاشتغال بهذا الأمر المركّب ، فمعنى فلان يصليّ ، أنّه اشتغل بها ، ولا ريب أنه يصدق الاشتغال بإيجاد جزء منها ، بحيث لو

٤٠١

انضمّ إليه غيرها من الأجزاء والشرائط لا تصف المجموع بالصحّة ، فلذا لا ينافي القطع على ذلك الجزء صدق أنه يصلي ، لعدم توقف صدق الاشتغال على تمامية العمل.

أقول : إن الجواب بذلك غير مستقيم جدا ، فإنّ التأويل أيضا خلاف الظاهر كالتجوّز ، وليس الأول أولى من الثاني ، بل كلاهما سواء ، فالأولى أن يقال : إن القرينة المذكورة أوجبت تعذر حمل تلك الأمثلة على الحقيقة من جميع الجهات ، ولا بد من ارتكاب خلاف ظاهر فيها ، إمّا بالتّجوز كما مرّ ، وإمّا بالتأويل ، كما عرفت في الجواب الثاني.

هذا ، وأما الوجوه الخاصة للقائلين بالأعم :

فمنها : صحّة تقسيم تلك العبادات إلى الصحيحة والفاسدة ، فلو لا وضع تلك الألفاظ للأعم لزم تقسيم الشّيء إلى نفسه وإلى غيره.

ومنها صحة تقييدها بكلّ من القيدين ، ولو لا ما ذكر للزم التناقض فيما إذا تقيدت بالفاسدة ، والتكرار فيما إذا تقيدت بالصحيحة.

والجواب عنهما : أن صحة التقسيم أو التقييد ، إنما تكونان علامتين إذا علم كونهما مبنيتين على الحقيقة والواقع ، لا التجوز والتأويل ، والمسلم إنما هو وقوع التقسيم والتقييد ، وهو أعم من صحتهما على وجه تكونان علامتين.

ولو قيل : إن الأصل في الاستعمال الحقيقة فيثبت به أن التقسيم إنما هو بالنظر إلى المعنى الحقيقي وكذلك التقييد. فجوابه قد مر من أنه أعم ، وأنه لا دليل على اعتبار هذا الأصل في مقام العلم بالمراد مع الشّك في صفته.

ومنها أنه غلب استعمال تلك الألفاظ في الفاسدة ، بحيث يبعد معها التجوز في تلك الاستعمالات بأسرها ، فإذا ثبت كونها على وجه الحقيقة ثبت وضع الألفاظ للأعم.

وفيه أولا : منع الغلبة رأسا فإن المسلم إنما هو غلبة وجود الفاسدة ، وأما غلبة استعمال الألفاظ فيها فممنوع ، بل الغالب استعمالها في الصحيحة حقيقة ، أو من باب الادعاء والتنزيل ، ولو فرض إرادة الفاسدة منها بخصوصها من دون

٤٠٢

تأويل فهو في غاية القلة جدا.

وثانيا : لو سلمنا الغلبة فهي بالنسبة إلى مجموع تلك الألفاظ ، نظير غلبة التخصيص في العمومات ، وأما بالنسبة إلى كل واحد من الألفاظ فلا ، ولا ريب أن الغلبة بهذا النحو لا توجب صيرورة اللفظ حقيقة في المستعمل فيه اللفظ ، وإلاّ لصارت العمومات بأسرها منقولة إلى الخصوص مع أنّه لم يقل أحد بكونها مجازا مشهورا فيه.

وثالثا : سلّمنا ثبوتها في كلّ واحد من الألفاظ لكن إنّ غلبة الاستعمال إنما توجب النقل إذا كان المستعمل فيه اللفظ في جميع الاستعمالات واحدا ، كغلبة استعمال الأمر في النّدب مثلا ، وهي فيما نحن فيه ليست كذلك ، فإنه وإن غلب استعمال تلك الألفاظ في الفاسدة إلاّ أن أفراد الفاسدة وخصوصيّاتها متكثرة متشتتة ، والمستعمل فيه اللفظ في كل مورد خصوصيته غير ما كانت في مورد آخر ، ففي مورد هي فاسدة بفقد الفاتحة ، وفي آخر فيها بفقد الطهارة ، وفي ثالث منها بفقد السورة وهكذا ، ولا ريب أن غلبة الاستعمال بهذا النحو لا توجب النقل ، وإلا لصارت العمومات بأسرها منقولة إلى الخصوصيات فإن استعمالها في الخصوصيات المختلفة باختلاف المقامات فوق حد الإحصاء ، فإن العلماء مثلا تارة يستعمل في المخرج منه زيد في قولك ( أكرم العلماء الا زيد ) مثلا ، وأخرى في المخرج منه عمرو في قولك ( أكرم العلماء إلاّ عمرا ) وثالثة في المخرج منه خالد في قولك ( أكرم العلماء إلاّ خالدا ) وهكذا بالنّسبة إلى سائر مصاديق الجمع المحلى وبالنسبة إلى سائر ألفاظ العموم.

ومنها : أنّه قد شاع في الأخبار بل تواتر في الآثار المأثورة عن الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم ، تكرار الأمر بإعادة الصّلاة وغيرها في العبادات إذا طرأ عليها فساد لترك جزء أو ارتفاع شرط أو وجود مانع ، وقد تداول الحكم بإعادته حينئذ في ألسنة العلماء كافة من الخاصّة والعامّة ، وقد جروا على استعمالها في كتبهم المصنفة ، وشاع استعمالها في هذا المقام حتّى فيما بين العوام.

٤٠٣

ومن البين أن الإعادة بحسب العرف واللغة عبارة عن الإتيان بالشيء ثانيا بعد الإتيان به أولا ، وقضية ذلك دخول الفعل الواقع أولا في المسمّى واندراجه فيه وإلاّ لم يكن الإتيان بالفعل الثاني إتيانا بذلك الفعل ثانيا فلا يكون إعادة ، بل يكون إتيانا أوّليا بذلك الفعل ، أي ما فعله ثانيا.

وكيف كان ، فلو كانت تلك الألفاظ موضوعة للصّحيحة فينحصر مصاديقها في موارد الأمر بالإعادة فيما يؤتى به ثانيا ولا يشمل ما فعله أوّلا إذا كان فاسدا ، فلا يصدق عليه الإعادة ، مع أنّ إطلاقها عليه فوق حد الإحصاء ، فهو يكشف عن وضعها للأعم ليصح صدق الإعادة.

وفيه أوّلا : النقض بأنّه أمر بالإعادة في بعض الصّور بفقد الأركان ، ولا ريب أنّ فاقدتها خارجة عن الموضوع له لتلك الألفاظ على مذهب الأعمّي أيضا ، فلا بد حينئذ من التزام التجوز في لفظ الإعادة فان قدرتم على توجيه هذه الصورة فوجهوا بذلك سائر الصور.

ولو قيل : إنه قد علم المجازية في هذه الصورة ، لكنه لا يستلزم الخروج عن أصالة الحقيقة في لفظ الإعادة في سائر الصور.

قلنا : إنا نعلم قطعا أنّ وجه استعمال لفظ الإعادة في جميع الصور واحد فلو التزام في الصّورة المذكورة بأنّه العلاقة فلا بد من الالتزام بها في سائر الصور.

وثانيا : بالحل ، وتوضيحه أن الإعادة وإن كانت حقيقة فيما ذكر ، لكن بعد قيام الدليل القطعي على وضعها للصحيحة كما قدمنا ، فلا بدّ في تلك الإطلاقات من التزام خلاف ظاهر من التجوز ، إما في ألفاظ تلك العبادات وإبقاء الإعادة على ظاهرها ، أو العكس بالتّأويل في انطباق ما فعل أوّلا على المفاهيم الكلية المتصفة بالصحّة ، ليكون استعمال ألفاظ العبادات حقيقة والتجوز في لفظ الإعادة.

وكيف كان ، فمرجع الاستدلال إلى التمسك بأصالة الحقيقة في لفظ الإعادة ولا مرية أنّه لا محذور في الخروج عنها لدليل ، مع أنّ التمسّك بها ليس في محله ، نظرا إلى معلوميّة أنّ المراد بالإعادة إنما هي الإتيان بتلك الأفعال ثانيا على

٤٠٤

وجه الصحة لا مطلقا ، فالتمسّك بالأصل لإثبات وصف الوضع لمعنى آخر مما لا يساعد عليه دليل ، كما لا يساعد على التمسّك به في إثبات صفة الوضع لنفس المراد.

ثم إن التجوز في لفظ الإعادة مع بقاء متعلقه وهو لفظ العبادة على حقيقته.

توجيهه : أنه لما كان ما فعله المكلّف أوّلا صحيحا في نظره بالنظر إلى ظاهر إطلاقات الأوامر المتعلقة بالإعادة فيما إذا كان إطلاق ، أو بمقتضى أصالة عدم اعتبار شيء آخر غير ما علم من الشرائط والأجزاء.

وبعبارة أخرى : أصالة عدم اعتبار ما كشف دليل الإعادة عن اعتباره لو لم يكن إطلاق لفظي فاستعمل لفظ العبادة فيه ، بدعوى اندراجه في مفهوم اللفظ بهذا التأويل وتجوز في لفظ الإعادة بعلاقة المشابهة لمشابهته ما فعله أولا للصلاة الصحيحة الواقعية فيكون فعل الصلاة الصحيحة كتكرارها ثانيا.

وأما التجوز في المتعلق مع إبقاء لفظ الإعادة على ظاهرها ، فتوجيهه أن ما أتى المكلف به أولا من الأجزاء والشرائط مأمور بإتيانها أيضا ثانيا في ضمن الفرد الصحيح الواقعي إلا أن الأمر بإيجادها ثانيا مقيد بإيجادها في ضمن هذا الفرد الخاصّ ، فيكون الإتيان بالفرد الصحيح إعادة بالنسبة إلى الاجزاء والشرائط المذكورة حقيقة ، فيكون لفظ الإعادة مستعملا في معناه الحقيقي بهذا التأويل ، وإنما التجوز في متعلقه وهو لفظ الصلاة لإطلاقها على الفاسدة.

هذا ، ولعل ارتكاب الأول أظهر.

ومما ذكرنا من ظهور الإعادة في إيجاد الشيء بعينه ثانيا ظهر ضعف ما أجاب به بعض المحققين من المتأخرين عن الدليل المذكور من دعوى استعمال متعلقها في الصحيحة مع التأويل في اندراج ما فعله أولا في مفهوم اللفظ وصدق الإعادة حينئذ وبقائها على حقيقتها ، فإنّه لا شبهة في عدم صدق الإعادة على إيجاد المشابه لما فعل أوّلا جدّاً.

ومنها : أنه قد نضافر النّهي عن جملة من العبادات ، ولو كانت موضوعة

٤٠٥

للصحيحة لما صحّ تعلق النّهي بها ، أو لزم القول بعدم دلالة النهي في العبادات على الفساد ، كما هو مذهب أبي حنيفة ـ خذله الله تعالى ـ والتالي باطل بكلا قسميه ، فالمقدم مثله.

أقول : توضيح الاستدلال أن غرض المستدل أنها لو كانت موضوعة للصحيحة ، فلا بد من حمل تلك الألفاظ الواقعة في حيز النواهي على الصحيحة ، بمقتضى أصالة الحقيقة ، ومع إرادة الصحيحة منها لا يمكن تعلق النهي بها ، فإن لازمه الفساد ، فيلزم من تعلقه اجتماع النقيضين ، نظرا إلى أن مفاد مادة تلك الألفاظ والمراد منها هي الصحيحة ، والمراد من هيئة النهي هي الفساد فتتناقض المادة والهيئة ، فلا بد من ارتفاع إرادة أحد المفادين إما مفاد المادة ، أو مفاد الهيئة ، وكل منهما مستلزم للتجوز.

هذا بخلاف ما لو قلنا بوضعها للأعم ، فإنه بعد حمل تلك الألفاظ عليه بمقتضى أصالة الحقيقة ، فلا منافاة بينه وبين مفاد النّهي ، وهو الفساد ، فلا يوجب الخروج عن ظاهر النّهي ، ولو قيل بمنع دلالة النهي على الفساد ، فهو وإن كان موجبا لارتفاع المحذور المذكور ، ويمكن معه إرادة الصحيحة من تلك الألفاظ إلا أنه التزام بشيء لم يقل به أحد منا ، ولا من العامة إلاّ أبو حنيفة ، فعلى القائل حينئذ التزام كون تلك العبادات المنهي عنها صحيحة بتقريب ما نقل عن أبي حنيفة في دعواه دلالة النهي على الصحة ، من أن تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، فيثبت أن المراد بها في تلك الخطابات الصحيحة ، ولا ريب أن النهي تكليف ، وهو لا يتعلق إلا بما كان مقدورا للمكلف بعد النهي كمقدوريته قبله فتعلق النهي بالصلاة الصحيحة مثلا يكشف عن مقدوريتها للمكلف بعد النهي ، فتكون صلاة الحائض والنفساء صحيحة واقعا.

والقول بأن متعلق النهي كان مقدورا قبله ، وخرج عن القدرة بعده بنفس النهي مردود ، بأنه مستلزم لكون النهي المذكور تكوينيا لا تشريعيّا ، إذ لا بد في الثاني من بقاء القدرة على الفعل بعد التكليف ، ولم يقل أحد بأن النهي

٤٠٦

تكويني ، واللازم ـ وهو صحة تلك العبادات بعد النهي ـ باطل بالإجماع ، فيكشف عن بطلان الملزوم ، وهو عدم دلالة النهي على الفساد.

وكيف كان فظهور النهي على فساد المنهي عنه في العبادات مما لا ريب فيه ، ولازم القول بوضع الألفاظ للصحيحة بضميمة أصالة الحقيقة ، الخروج عن هذا الظهور ، مع أنه لم يقم دليل على وضعها للصحيحة ، فيكون هذا خروجا عن مقتضى أصالة الظهور من دون دليل.

هذا مضافا إلى قيام الدّليل القطعي على ثبوت الفساد في متعلقه في الأخبار فلا يمكن الخروج عن الظّهور المذكور ، فحينئذ لا بد من التزام وضع تلك الألفاظ للأعم واستعمالها فيه حقيقة أو وضعها للصحيحة واستعمالها في الأعم مجازا ، الأول هو المطلوب ، وأمّا الثاني فيردّه أنه يبعد كون تلك الاستعمالات بأسرها مجازية.

هذا ، وفيه أوّلا : أنه إن كان مراد المستدل بالصحيحة هي ما اخترناها ، وهي موضوعات أوامر الشارع ، فقد عرفت أنه يمكن اجتماعها للفساد واتّصافها به من جهة فقد الأمر ، أو انتفاء شرط من الشرائط الخارجة عن قيود الموضوع ، فلا منافاة بينها وبين مفاد النهي ، وهو الفساد ، فلا يتم دعوى امتناع تعلق النهي بها لذلك.

وإن كان مراده هي الصحيحة بالمعنى المعروف ، فلا ريب أنه لا يمكن اجتماعها مع نفس النهي فضلا عن اجتماعها مع الفساد ، فإن الصحيحة بهذا المعنى عبارة عن الموافقة للأمر ، فلا يكون إلا مأمورا به ، ومعه كيف يتعقل ورود النهي بها وإن لم يكن دالا على الفساد.

نعم يمكن اجتماع الصحة بالمعنى الّذي في المعاملات مع النهي ، وهي ترتيب الأثر ، وأما اجتماعها معه في العبادات بالمعنى المذكور ، فهو ممتنع ضرورة ، فحينئذ لا وجه لابتناء الدليل على امتناع اجتماع الصحة والفساد والسكوت عن امتناع اجتماعها مع نفس النهي الظاهر في التسليم.

وثانيا : أنّ التالي المدعى بطلانه إنما يلزم من إرادة الصحيحة من تلك الألفاظ في تلك الخطابات ، لا من وضعها لها ، فنقول : حينئذ إن المحذور المذكور

٤٠٧

قرينة على ارتكاب نوع تجوز ، أو تأويل في تلك الألفاظ ، ولا ضمير في الخروج عن أصالة الحقيقة بعد قيام الدليل ، وليس هذا من المحاذير ، وانما المحذور الخروج عنها من دون دلالة ، وأما معها فلا.

ودعوى استبعاد مجازية تلك الاستعمالات مجازفة جدا ، فإنه ليس بحيث تفيد القطع بالمطلوب ، ومع إفادتها ذلك فلا يجوز الركون إليه ، لعدم ما دلّ على اعتباره حينئذ.

وكيف كان ، فمرجع الاستدلال إلى أصالة الحقيقة في الاستعمال.

وحاصل الجواب عنه ، أنا قد حققنا سابقا وضعها للصحيحة ، إلا أن القرينة القطعية في المقام قائمة على الخروج عن مقتضى وضعها هذا ، مع أنه لا وجه للاعتماد على الأصل المذكور في مثل المقام ، نظرا إلى أن المراد معلوم ، للقطع بإرادة الأعم ، وإنما الشك في صفته ، فلا يجوز التمسك به في إثبات ذلك ، كما عرفت غير مرّة.

ثمّ إن ارتكاب خلاف الظاهر في تلك الخطابات يتصور من وجوه.

الأول : التجوز في ألفاظ العبادات الواقعة فيها ، بحملها على إرادة الأعم ، أو على إرادة خصوص الفاسدة.

الثاني : استعمالها في الصحيحة الواقعية ، لكن بتأويل في اندراج تلك العبادات المنهي عنها فيما وضعت له ، نظرا إلى كونها صحيحة بحسب ظاهر الأدلة ، وبمقتضى الأصول العملية النافية لاعتبار ما كشفت النواهي عن اعتباره وشرطيته في العبادة ، فأطلق عليها تلك الألفاظ حقيقة بهذا التأويل.

الثالث : حمل تلك النواهي على الإرشاد ، وبقاء متعلقاتها على حقيقتها ، لكن لما كان اللازم أن يكون متعلق النّهي ولو إرشاديا مقدورا للمكلف ، لاستهجان نهي الإنسان عن الطيران ولو إرشادا فلا بد من إضمار في تلك الخطابات أيضا ، فعلى هذا فقوله عليه السلام : ( دعي الصّلاة أيام أقرائك ) معناه دعي إرادتها ، والكون في صددها ، فإنها غير مقدورة لك حينئذ ، فيكون متعلق النهي حقيقة هي الإرادة ، أو الكون على صدد فعل العبادة ، وهما مقدوران للمكلف مع

٤٠٨

غفلته عن حقيقة الحال ، وفائدة النهي حينئذ أنه لما زعم المكلف مقدورة العبادة الصحيحة لها حال النهي ، فربما يكون في صدد إيجادها حينئذ مع جهله بالحال ، فرفع الشارع هذا التوهم عنه بالإرشاد.

ويتفرع على ذلك أنه لو أتى المكلف بتلك الأفعال حال النهي لا بقصد التشريع لم يأت بالحرام ، فلا يكون عليه عقاب.

ولعل هذا الوجه أظهر ، لكثرة استعمال النهي في الإرشاد في خطابات الشارع.

ثم إنه يمكن تقرير الدليل المذكور بنحو آخر غير ما مر ، وهو أنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة ـ بمعنى موضوعات أو امر الشّارع ـ للزم كون تلك النواهي بأسرها نفسية ، ناشئة من مفسدة خارجية ، موجبة لحرمة تلك الأفعال ذاتا ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله.

بيان الملازمة : أنها لو كانت موضوعة لذلك ، فمقتضى أصالة الحقيقة إرادته منها ، وقد عرفت أن الفساد العارض له لا يكون إلا بسبب أمر خارجي ، لا بسبب فقد جزء أو شرط ، فلازم ذلك كون النواهي لأجل مفسدة خارجية ، فتكون نفسية.

واما بطلان التالي : فللإجماع على أن فساد تلك الأفعال إنما هو لأجل فقد بعض الأمور المعتبرة فيها شطرا أو شرطا ، وأنّ النواهي غيرية لا نفسية ، فإنّ قوله عليه السلام : ( دعي الصّلاة أيّام أقرائك ) من جهة فقدان الشرط وهو الطهارة من الحيض ، وهكذا نظائره ، فحينئذ لا بد إما من التزام التجوز في ألفاظ تلك العبادات في تلك الاستعمالات وهو بعيد ، وإما من التزام وضعها للأعم وهو المطلوب.

وفيه : أن مرجع هذا الاستدلال أيضا إلى التمسك بأصالة الحقيقة ، وقد مر الجواب عنها مرارا ، فلا نطيل الكلام بإعادته.

هذا ، ومنها : أنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة لزم تكرر الطلب فيها إذا وقعت في حيز الأوامر ، التالي باطل ، فالمقدّم مثله.

٤٠٩

بيان الملازمة : أنها إذا كانت موضوعة للصحيحة فتحمل عليها عند الإطلاق ، ومعنى الصحة هو موافقة الطلب ، فالصحيح هو الموافق له ، وهذا عبارة أخرى عن المطلوب ، فتلك الألفاظ بموادها دالة على كون معانيها مطلوبة للشارع ، فإذا فرض وقوعها في حيز الأوامر ، فلا ريب أنه يستفاد الطلب أيضا من صيغة الأمر ، فلازم ذلك فهم تكرر الطلب من مثل قوله : صلّوا أو صوموا ، أو حجّوا وأمثال ذلك.

واما بطلان التالي : فلأنا لا نفهم من تلك الخطابات إلا طلب واحد ، ويعترف القائل بالصحيحي بذلك أيضا ، ولا يتمكن من الإنكار ، فإذن بطل كونها موضوعة للصحيحة ، فثبت كونها موضوعة للأعم الّذي لم يؤخذ فيه الطلب أصلا ، وهو المطلوب.

وفيه أولا : النقض بانصراف تلك الألفاظ إلى الصحيحة على القول بالأعم فإنّ القائلين به معترفون بذلك فيلزمهم المحذور المذكور ، وهو فهم تكرر الطلب.

وثانيا : بالحل ، وتوضيحه : أن المحذور المذكور إنما يلزمنا لو قلنا بأن تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة بمعنى موافقة طلب الشارع ، بان يؤخذ الطلب قيدا في مفاهيمها ، لكنا لا نقول به ، بل قد عرفت في صدر المسألة اختيار أن تلك الألفاظ على تقدير وضعها للصحيحة ـ كما هو المذهب ـ موضوعة للمعاني المعروضة للأوامر ، وهي ذوات المعاني مع تماميتها من حيث الجزء والشرط بحيث لو لم يكن مانع خارجي تعلق بها الطلب بحيث لم يؤخذ الطلب فيها قيدا مطلقا ، لا شرطا ولا شطرا.

نعم هذا وارد على من زعم أنها موضوعة للصحيحة بمعنى موافقة الأمر.

فإن قيل : سلمنا أن الألفاظ موضوعة لذوات المعاني المذكورة ، لكنا نقول أنها ملزومة للطلب فالألفاظ يدل عليه التزاما.

قلنا : لا بد في الدلالة الالتزامية من ثبوت الملازمة بين اللازم والملزوم إما عقلا ، وإما عادة وكلتاهما مفقودتان في المقام ، وبدونهما لا دلالة التزامية.

٤١٠

نعم هذه المعاني مقتضية للطلب بمعنى أنها بحيث لو لم يكن مانع خارجي تعلق بها الطلب ، كما مر ، وأين هذا من الملازمة.

ثم إنه قد تصدى بعض المحققين من المتأخرين (١) للجواب بناء على أخذ الطلب في مفاهيم تلك الألفاظ ، بأن غاية ما يلزم من اعتبار الطلب فيها إنما هو تصور الطلب عن تلك الألفاظ ، كتصور ذوات المفاهيم ، لكنها لا تدل على وقوع الطلب على تلك المفاهيم ، فإن ذلك مفاد الجملة ، والمفرد لا يدل عليه ، وهيئة الأمر دالة على وقوع هذا الطلب ، فلا تكرار.

وفيه : أن الظاهر أن من اعتبره فيها إنما اعتبره بعنوان الفعلية ـ بمعنى أنها موضوعة للمفاهيم المطلوبة فعلا ـ وعدم دلالة المفرد مطلقا على الوقوع ممنوع ، بل القيود المعتبرة في المفاهيم ينحل حقيقة إلى موضوع ومحمول ونسبة ، فمعنى الصلاة المطلوبة أنها هي التي مطلوبة فتأمل.

ومنها : أنه لا إشكال عندهم في صحة النذر واليمين على ترك الصلاة في مكان مخصوص مكروه ، أو مباح ، وحصول الحنث بفعلها ، ولازم القول بوضع الألفاظ التي منها لفظ الصلاة للصحيحة عدم صحة النذر واليمين وانعقادهما ، لاستحالتهما حينئذ ولا حصول الحنث بفعل الصلاة بعدهما ، التالي باطل بالإجماع ، فالمقدم مثله.

بيان الملازمة : أنه إذا بنينا على وضع لفظ الصلاة مثلا ـ الّذي هو أحد ألفاظ العبادات المتنازع فيها ـ للصحيحة فيكون متعلق النذر واليمين هو ترك الصّلاة الصحيحة ، لأنهما إنما يتعلقان بمدلول اللفظ ، وقد عرفت انعقادهما أيضا ، ومعنى انعقادهما أنهما إذا تعلقا بفعل شيء يصير تركه محرما ، وإذا تعلقا بترك شيء يصير فعله محرما منهيا عنه ، فعلى هذا فيكون فعل الصلاة منهيا عنه ، وهو يدل على الفساد في العبادات ، والفساد في المقام يوجب خروج الصلاة عن كونها متعلقة لهما ، إذ المفروض تعلقهما بالصحيحة ، فيلزم من انعقاد اليمين والنذر على ترك الصلاة عدم انعقادهما ، ويكون دوريا وهو محال.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١١٠.

٤١١

ومع الإغماض عن ذلك وتسليم انعقادهما حينئذ ، يلزم عدم حصول الحنث بفعلها حينئذ ، إذ المفروض تعلقهما بالصحيحة وهي حينئذ غير مقدورة ، وليس ما يصدر منه حينئذ إلا الفاسد ، وهو لم يكن متعلقا لهما ، فلا يحصل الحنث بفعله.

هذا بخلاف ما لو قلنا بوضع الألفاظ للأعم ، فإنه يجامع مع الفاسدة ، فلا يلزم شيء من المحذورين.

والجواب عنه أولا : بالنقض بما أشرنا إليه سابقا من انصراف تلك الألفاظ إلى الصحيحة على القول بكونها أسامي للأعم ، ولا ريب أن المحذورين المذكورين إنّما يلزمان على كون المراد هي الصحيحة فما يقولون في الجواب عنه فليقولوا به عما ذكر ، وإن انحرفوا عن النّصف ولم يلتزموا بالانصراف فالنّقض وارد عليهم ، فيما إذا قال النّاذر أو الحالف لله عليّ أن لا أصلي الصّلاة الواجبة أو المندوبة في المكان الفلاني ، إذ لا ريب في ظهور هذا التركيب في الصحيحة وهم ملتزمون به فما قالوا في الجواب عنه فليقولوا به عما ذكر.

وثانيا بالحل من وجوه :

الأول : منع جواز مثل هذا النذر واليمين ، ومنع الاتفاق على انعقادهما كيف ، وقد وقع الخلاف فيهما في المقام.

وكيف كان ، فانعقادهما مشكل غاية الإشكال ، إذ لا بد أن يكون متعلّقهما راجحا ، ولا يمكن رجحان ترك العبادات.

وما يقال : من كراهة بعض العبادات فمعناه أقلية الثواب لا عدم الرجحان.

وتوهم رجحان الترك بعد النذر واليمين ، حيث أنّهما يقتضيان وجوبه فيكون راجحا.

مدفوع : بأنه حاصل بعدهما وهو غير كاف في صحتهما ، إذ لا بد من ثبوته قبلهما ، مع أنه على تسليمه بأن يقال بكفاية الرجحان الحاصل بهما مستلزم للدور كما لا يخفى.

٤١٢

الثاني : أن المحذورين المذكورين إنما يترتبان على أن يكون مراد الناذر هو الصحيح ، لكنا نقول إن تعلق النذر واليمين ، مع علم الناذر بأنه لو أراد الصحيح لزم المحذوران ، قرينة على إرادة الأعم مجازا ، والوضع للصحيح لا يلزمه الاستعمال فيه دائما ، بل قد يخرج عن مقتضى الوضع بقرينة كسائر الحقائق.

الثالث : أنّك قد عرفت أنا لا نقول بوضع تلك الألفاظ للصحيحة بمعنى المطلوبة ، بل لذوات المفاهيم التامة بأجزائها وشرائطها ، القابلة لتوجه الأمر إليها ، ولا ريب أنها تجامع النهي والفساد ، فلا يلزم من تعلق النذر بها خروجها عن كونها متعلقة له حتى يلزم المحذور الأول ، فعلى هذا فلا يرد المحذور الثاني أيضا ، فإن الّذي يحصل به الحنث هي هذه المفاهيم مع كونها محرمة وفاسدة بعد النذر ، لكن لا يتمّ بذلك مطلوب المستدل ، إذ لا ريب أن الّذي يحصل به الحنث حينئذ إنما هي هذه المفاهيم بتمام شرائطها وأجزائها المعتبرة فيها قبل تعلق الأمر بها ، وهي كل شرط أو جزء اعتبر في العبادة غير نية القربة ، فإنها مما يحصل بعد الأمر ، لا الإتيان بكل صورة منها ولو مع فقد بعض الأجزاء والشرائط المذكورة ، كأن صلى بلا سورة أو فاتحة أو بلا طهارة ، فإنّه لا يحصل به الحنث حينئذ قطعا.

فنقول : إنها لو كانت أسامي للأعم للزم حصول الحنث حينئذ بكل صورة من الصور الفاسدة ، التالي باطل ، فالمقدم مثله ، والملازمة واضحة.

حجة القول بالتفصيل (١) بين الأجزاء والشرائط :

أما في اعتبار الأجزاء فعدم إمكان تحقق الكل بدون الجزء ، فإذا تحققت الجزئية لم يعقل صدق الكل حقيقة بدونه ، فإذا شك في حصوله أو في جزئيته مع عدم وجوده ، لزمه الشك في صدق الكل.

وأما في عدم اعتبار الشرائط فبظهور خروج الشروط عن ماهية المشروط ، كيف ، ولو كانت مندوحة فيه لما تحقق فرق بينها وبين الأجزاء.

__________________

(١) هذا القول على ما حكي للمولى البهبهاني (ره) ، واستحسنه شيخنا الأستاذ دام ظله أيضا ، وإن كان مختاره القول بالصحيح مطلقا. لمحرّره عفا الله عنه.

٤١٣

ويمكن أن يحتج لذلك أيضا بالاستقراء في كيفية وضع الوضاع الألفاظ للمعاجين والمركبات الخارجية ، حيث أن ديدنهم وضعها بإزاء المركب من مجموع الأجزاء من دون اعتبار ما يتوقف حصول الخاصيّة المقصودة من المركب وهو الشرط.

ألا ترى أن الأطباء إنّما وضعوا أسماء الأدوية والمعاجين للمركب من جميع ما يستند إليه الأثر المقصود منه ، وهي الأجزاء ، من دون اعتبار ما يتوقف عليه تأثيره في هذا الأثر فعلا كوصفهم المسهل للمركب من الأمور المؤثّرة في الإسهال من دون اعتبار ما يتوقف عليه حصول هذا الأثر كشربه في الظل ، أو الحرور ، أو في ظرف مخصوص ، وكذا حال سائر الوضاع كأرباب الصنائع والحرف عند وضعهم الألفاظ لمخترعاتهم المركبة ، وكأهل اللغة في وضعهم الألفاظ للمركبات الخارجية ، وحال الشارع كحالهم ، لأنه أيضا أحد الوضاع ، ونقطع أنه ليس طريقه وراء طريقتهم.

لكن هذا يتم على القول بثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني ، وأما على القول بعدم ثبوتها ، أو به بطريق التعين الناشئ عن غلبة الاستعمالات فلا ، إلا أنه يمكن التمسك لذلك أيضا باستقراء أحوال المستعملين ، إذ لا ريب أن كل من استعمل لفظا في معنى مركب ولو مجازا فهو إنما يستعمله في الملتئم من مجموع الأجزاء ، من دون التفات إلى ما يتوقف تأثير تلك الأجزاء ، هذا.

ولا يخفى ما في ابتناء التفصيل على عدم تحقّق الفرق بين الجزء والشرط لولاه من الفساد.

وتوضيحه : أنه لا ريب أن الشروط على تقدير اعتبارهما ليست معتبرة بذواتها كالأجزاء ، بل المعتبر حينئذ إنما هو تقيدها في المركّب ، فالدّاخل فيه وصف التقيد بها ، لا ذواتها ، ويكفي هذا الفرق ، وأيضا الفرق بينهما من غير هذه الجهة في غاية الوضوح ، إذ الجزء الّذي يستند إليه التأثير ، والشرط ماله دخل في تأثير الجزء أثره ، بحيث لولاه لما أثر ذلك ، لكن الأثر لا يستند إليه ، فإن الّذي ينسب إليه التبريد ويستند إليه هو الخل والعسل مثلا ، لا كونهما في مكان مخصوص أو ظرف

٤١٤

كذلك ، بحيث لولاهما لما تحقق أثر التبريد من ذينك.

وأمّا ما ذكرنا من الوجه ، فقد عرفت أنه يتم على التقدير المذكور.

لكن يمكن القطع بعدم الوضع التعييني على القول بثبوت الحقيقة الشرعية.

ومع التنزل ، فيكفي الشك فيه في منع نهوضه حجة لإثبات التفصيل كيف كان ، كما هو غرض المستدل.

وأما الوجه الأخير فالإنصاف منعه أيضا ، بل يمكن دعوى العكس بأن الناس في أوامرهم إذا تعلق غرضهم بمركب لأجل خاصية ، فلا ريب في إرادتهم هذا المركب مع ما يعتبر في حصول الخاصية المذكورة ، ولو كان الاستعمال مجازا.

ألا ترى أن الطبيب إذا قال للمريض ( اشرب السّقمونيا ) لا يريد مطلق السقمونيا ، بل ما يحصل منه الإسهال اللهم إلا أن يمنع أن التقيد إنما هو بالنسبة إلى الشرب لا السقمونيا فتأمل.

ثم إنه قال ( دام ظله ) الإنصاف أن الشرائط مختلفة :

فمنها : ما نقطع بصحة سلب الاسم بفقده حقيقة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة.

ومنها : ما نقطع بعدم صحة السلب بفقده كالوقت بالنسبة إليها ، إذ لا يصح أن يقال : لمن صلى قبل الوقت أنه لم يصلّ.

أقول : ومثله إباحة المكان ، فإنه لا يصح أن يقال : لمن صلى في مكان مغصوب أنه ما صلى ، فعلى هذا لا يبعد التفصيل بالقول بوضعها للصحيحة بالنسبة إلى الأجزاء مطلقا وبالنسبة إلى الشرائط لا مطلقا ، بل بالنسبة إلى الطهارة وأمثالها.

أقول : ويمكن دفع ذلك بأنّا قد حققنا سابقا أن الألفاظ موضوعة للصحيحة بمعنى موضوع طلب الشارع ، القابل للصحة والفساد بالمعنى الآخر (١) ، ولا ريب أن الوقت ظرف لهذا الموضوع ، لأنه مقيد به ، بمعنى أن الشارع طلب الفعل في هذا الوقت لا مقيدا به.

__________________

(١) أعنى الموافقة وعدمها. لمحرّره عفى الله عنه.

٤١٥

نعم ظروف الفعل قيود عقلية لا شرعية ، لعدم اعتبار الشارع إياها في الموضوع ، لكن العقل لما لاحظ أنه طلبه في الزمان الخاصّ أو المكان كذلك ، يحكم بلزوم الامتثال والإطاعة بهذا النحو ، وأنه لولاه لما برئ الذّمّة عن تبعة التكليف ، فحينئذ لو فعله قبله فهو وإن كان فاسدا إلا أنه لعدم الأمر ، لا لفقد الشّرط ، وأما إباحة المكان فيمكن دعوى أنها ليست من الشرائط المعتبرة في الموضوع ، بل الغصب مانع عن تعلق الأمر في المكان المغصوب ، نظير عدم القدرة المانع عن تعلقه به مطلقا إذا لم يقدر المكلف عليه مطلقا ، أو بنحو خاص إذا لم يقدر عليه بهذا النحو فلما كان الموضوع متحققا في الخارج ولو على وجه الفساد ، ولم يتوقف تحققه على تعلق الأمر به ، فصدق الاسم حينئذ عليه وعدم صحة سلبه عنه لذلك ، ولذا لو صلى بدون نية القربة أيضا يصدق الاسم حقيقة ، ولا يصح السلب عنه كذلك ، فإنها مما لا يتقوم إلا بالأمر ، ولا يعقل اعتبارها في الموضوع.

والحاصل : أن الألفاظ المذكورة موضوعة للأفعال التي لو لا مانع عن تعلق الأمر بها ، ولو لا فقد بعض الأمور المتقومة بالأمر المعتبرة في صحتها الفعلية ـ كنية القربة ـ لا تصف بالصحّة بالمعنى الآخر ـ أعني موافقة امر الشارع ـ فعلى هذا لا تنافي تحققها في الخارج فاسدة بالمعنى الآخر ، لعدم الأمر ، أو لفقد بعض الأمور المذكورة ، فتحقق أنها موضوعة للصحيحة بالمعنى الّذي ذكرنا ، للتبادر وأنّه لا تنافي بين ذلك وبين صدق الاسم حقيقة على الأمثلة المتقدمة.

تذنيب : لا خفاء في الفرق بين الجزء والشرط من حيث المفهوم ، حيث ما عرفت من أن الأول ما يكون جزء من المؤثر ، ويستند إليه التأثير في الجملة ، وأن الثاني ما يتوقف التأثير الفعلي للجزء عليه ، بمعنى أن له دخلا في فعلية أثر الجزء ، لكنه لا يستند إليه كما في ( السركنجبين ) حيث أن التبريد مستند إلى الخل والعسل ، إلا أن تأثيرهما هذا الأثر فعلا يتوقف على اختلاطهما ، ومزجهما ، أو شربهما في آنية مخصوصة مثلا ، فالمؤثّر في تحقق عنوان العبادة في العبادات هي الأجزاء ، إلاّ أن تأثيرها هذا الأثر في الخارج يتوقّف على إيقاعها حال الطهارة وبنية القربة مثلا.

نعم قد يقع الاشتباه في بعض المصاديق من حيث كونه من أفراد الأول ،

٤١٦

أو الثاني ، كما إذا علم باعتبار شيء في المأمور به وتردد الأمر بين كونه جزء منه أو شرطا له ، فحينئذ يشكل تمييز حاله ، لعدم ضابط يرجع إليه حينئذ في تشخيص حال المشكوك وليس الأمر بأحدهما نفسيا وبالآخر غيريا حتى يمكن إحراز حال المشكوك بظهور (١) الأمر المتعلق به في النفسيّة ، فيقال : إنه هو الّذي يكون وجوبه نفسيا ، بل الأوامر المتعلقة بكل منهما غيرية ، والا لخرجا عن كونهما جزء أو شرطا.

نعم قد ذكروا ثمرات بين الجزء والشرط :

منها : كون الأول تعبديا يتوقف صحته على نية القربة فيه ، بخلاف الثاني ، فإن المقصود حصوله مع المشروط كيف اتفق.

ومنها : وجوب قصد الأول في ضمن الكل ، بخلاف الثاني ، فإنه لا يجب قصده مع المشروط ، بل يكفي حصوله معه ، وغير ذلك من الثمرات.

وعلى فرض تماميّة هاتين الثمرتين والغض عن النقض بتعبدية بعض الشروط ، كالطهارة للصلاة ، وغير ذلك من المناقشات التي ليس هنا موضع ذكرها ربما يتخيل أنه إذا ثبت وجوب المشكوك بلفظ مبين ، فيمكن الحكم بشرطيته ، نظرا إلى ظاهر إطلاق الأمر ، فإن اعتبار القربة ، أو قصد التعيين في متعلقه تقييد فيه ، والأصل عدمه ، فثبت به كونه شرطا.

لكن لا ريب في فساده بالنسبة إلى نية القربة ، ضرورة عدم أخذها في الأمر وتقيّده بها ولو كانت معتبرة في الواقع ، فحينئذ لا يجوز التمسك بظاهر الأمر على نفيها ، فإنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا كان المشكوك من شأنه تقييد المطلق به.

وأمّا بالنسبة إلى وجوب القصد فلم نتأمّل فيه بعد حق التأمل ولعلنا نمعن النّظر فيه مستقصى بعد إن شاء الله تعالى.

ثم إنّه لا يظهر الثمرة بين كون المشكوك جزء أو شرطا بين القائلين بوضع الألفاظ للصحيحة مطلقا ، وبين القائلين بوضعها للأعم كذلك ، بل تظهر بين القول بالتفصيل ، وبين القول بالأعم ، حيث إنّه إن كان جزء فالمفصل يلزمه

__________________

(١) فيما إذا كان الحكم ثابتا باللفظ المبيّن ، وإلا ففي صورة ثبوته بالمجمل أو باللب فلا لفظ ظاهرا حتّى يتمسّك بظهوره ، لمحرّره عفا الله عنه.

٤١٧

التوقف والإجمال ، بخلاف الأعمي ، وإن كان شرطا فكلاهما موافقان في تبين اللفظ وجواز التمسك به على نفيه بالأصل.

وكذا تظهر بينه وبين القول بالصحيح مطلقا ، حيث إنه إن كان شرطا فاللفظ مبين على هذا القول فيجوز التمسك بإطلاقه على نفيه ، بخلاف القول بالصحيح مطلقا ، لإجماله عنده بالنسبة إلى الشرط أيضا.

إيقاظ : الترتيب بين الأجزاء في الأفعال المركبة ، كالأجسام كذلك ، من الأجزاء ، وكذا الموالاة المعتبرة شرعا في الصلاة ، فإنها أيضا جزء ، فإن الجزء على قسمين :

الأول : ما يكون جزءا من مادة المركب كأفعال الصلاة وأذكارها ، وكأجزاء المركّبات الخارجية كأجزاء السّرير مثلا ، فيسمى جزءا ماديا.

الثاني : ما يكون جزءا من الهيئة العارضة للمركب فيسمى جزءا هيئيا وهما ـ أي التّرتيب والموالاة ـ من القسم الثاني.

وكيف كان ، فكما أنه لا يصدق الاسم على المركبات حقيقة إلا بعد تحقق أجزائها المادية ، كذلك لا يصدق إلا بعد تحقق الهيئة المخصوصة التي بها سمي ذلك الشيء به ، كهيئة السرير حيث أنه لا يصدق السرير على أجزائه المتفرقة ، وهي الأخشاب الغير المنضمة إلاّ إذا انضمت وتحقق فيها هيئة خاصة بالسرير.

تذكرة : الفرق بين الأجزاء الواجبة وبين المستحبة في العبادات ، أن الأولى أجزاء للمفهوم الكلي بحيث لا يتحقق هو في الخارج إلا بتحققها ، بخلاف الثانية ، فإنها من أجزاء الفرد الخاصّ بحيث لا يتوقف تحقق المفهوم الكلي على تحققها ، لكفاية الفرد المشتمل على الأجزاء الواجبة في تحققه ، فإن الأجزاء الواجبة إذا تحققت منفردة عن المستحبة في الخارج ، فهي فرد من الكلي ، وإذا تحققت معها فيكون هذا المجتمع فرد آخر منه ، والأول كاف في تحققه ، ويكون إيجاده بإيجاد الفرد الآخر مستحبا ، لاشتمال هذا الفرد على مزية زائدة.

هذا إذا بنينا أن ألفاظ العبادات أسام للأجزاء الخارجيّة ، وإذا قلنا بأنها موضوعة للمفاهيم البسيطة ، فيشكل الفرق بينهما بما ذكر ، حيث أن كل واحدة

٤١٨

منهما أجزاء للفرد المحقق لذلك المفهوم البسيط.

لكن يمكن الفرق حينئذ ، بأن الأولى ما يتوقف تحقق هذا المفهوم البسيط على تحققها ، بحيث لولاها لما أمكن وجوده في الخارج ، بخلاف الثانية فإنها وإن كانت أجزاء لفرد خاص ، ويكون هذا الفرد أيضا من محققات المفهوم المذكور ، إلا أنه لا يتوقف حصوله على تحقق هذا الفرد الخاصّ ، بل يوجد بأقل منه أجزاء وهو المشتمل على الأجزاء الواجبة.

ثم إن الأجزاء المستحبة :

منها : ما يكون محله بين الأجزاء الواجبة ، بمعنى أن ظرف وقوعه بعد الشروع في الواجب من العبادة وقبل الفراغ منه ، كالتكبيرات المندوبة قبل الركوع ، أو بعده ، أو بعد السجود ونحوها ، وكالتسميع والقنوت.

ومنها : ما يكون ظرف وقوعه بعد الفراغ عن الأجزاء الواجبة ، كالسلام الثاني على القول باستحبابه.

ومنها : ما يكون الشخص مخيرا بين إيقاعه قبل الشروع فيها أو بعده ، كالتكبيرات المندوبة أول الصلاة الزائدة على تكبيرة الإحرام الواجبة ، فإنها مستحبة ، ويتخير المكلف بين تأخير التكبيرة الواجبة ـ فحينئذ يقع سائر التكبيرات المستحبة قبل الشروع في الواجب حيث أن أوله تكبيرة الإحرام ـ وبين تقديمها ، فيقع فيما بين الواجب.

لا إشكال في جزئية الأول للفرد الّذي يتحقق هو في ضمنه ، نظرا إلى أنه إذا لا يتحقق جميع الأجزاء الواجبة لا يتحقق فرد للكلي أصلا ، وبعد تحققها ، والمفروض تحقق هذا الجزء المندوب في خللها ، فيكون هو جزء من هذا الفرد.

وأما الثاني ، وكذا الثالث إذا أتى به قبل الشروع في الواجب ، ففي دخولهما فيه إشكال :

أما الثاني : فلأنه إذا تحقق الأجزاء الواجبة مع ما فيها من المندوبة ، أو بدونها ، يتحقق الفرد المحقق للكلي ، فيكون المأتي به بعده خارجا عنه.

وأما الثالث : على التقدير المذكور فلأن أول الفرد المحقق له هو تكبيرة الإحرام مثلا ، فما يتقدمها خارج عنه ، وإلا للزم كون الأذان والإقامة أيضا جزءين

٤١٩

للصلاة لتحققهما قبل تكبيرة الإحرام.

ويمكن توجيه دخول الثاني : بأن صيرورة ما يصدر من الأفعال فردا من الواجب في بعض الموارد إنما هي بقصد المكلّف وباعتباره ، فإذا اعتبر إيجاده في ضمن هذا المجموع ، فيكون هذا جزءا منه ، وإذا لم يعتبر فيخرج ، كما وجهنا بعض الأفعال التي يكون أفراده من قبيل الأقل والأكثر.

وأما توجيه دخول الثالث : فيمكن بذلك أيضا على إشكال قد مر ، وهو عدم الفرق بينه وبين الأذان والإقامة فتأمل.

تم الكلام بعون الملك العلام في تحقيق الحال في ألفاظ العبادات ، وفقنا الله للمواظبة على صحيحتها ، ورفعنا بها إلى أعلى ما هو عنده من الدرجات ، وغفر ما علينا من الخطيئات والسيئات ، بجاه محمّد وآله الطاهرين ، خير السادات ، وصلى عليهم أفضل الصّلوات وحيّاهم بأكمل التحيّات ، ولعن أعداءهم من الجن والإنس ، من الأوّلين والآخرين إلى يوم الميقات ، وقد وقع الفراغ منها في يوم الأحد ثاني عشر من شهر الصفر من سنة ١٢٨١.

٤٢٠