تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

لغوي لارتفع النزاع ، ولا يدعي صاحبه أنه من الآحاد ولا يجوز عليه الاعتماد.

الثاني : من الوجوه تقرير المعصوم عليه السلام تدوين كتب اللغة المدونة في عصره ، مع أن أكثر اللغات المدونة فيها بل جلّها ـ إن لم نقل كلها ـ كانت منقولة بنقل الآحاد ، فإن أوّل تدوينها كان في ذلك الزمان.

الثالث : قياس ما نحن فيه بخبر الواحد في الأحكام الشرعية لاشتراكهما في مناط الحجية.

الرابع : أولوية حجية خبر الواحد فيما نحن فيه منها في الأحكام الشرعية ، إذ الاهتمام فيها أكثر منه عند الشارع فيما نحن فيه. هذا الوجه ذكره الشيخ محمد تقي قدس سره.

الخامس : إن خبر الواحد في الأحكام الشرعية التي هي الأصل حجّة ، فلو لم تكن حجّة فيما نحن فيه لزم مزية الفرع على الأصل.

هذا ، وفي كل واحد من تلك الوجوه نظر.

أما الإجماع القولي فلأن طريق تحصيله ليس بحيث نقطع منه باتفاق جميع العلماء ، فان العلماء القائلين بحجية الخبر فيما نحن فيه ، فهم أوّلا : ليسوا بحد يحصل من كثرتهم القطع بذلك ، فإنهم طائفة من الأصوليين الذين هم أمثالنا ، وذهبوا إلى ذلك من باب اجتهادهم.

وثانيا : إنّ الّذي يفيد الفائدة فيما نحن فيه ، إنّما هو اتفاق قول الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.

وأمّا الإجماعات المنقولة فنقول :

أولا : إنّه لم يتحقق لنا أن معاقد إجماعاتهم خبر الواحد ، ولو لم يفد العلم.

وفيه نظر لتصريح بعض الناقلين بالظن في كلامه.

وثانيا : إن هؤلاء الناقلين للإجماع هم طائفة من الأصوليين ، وقد عرفت ما فيه ، مع أنّهم ليسوا بحدّ في الكثرة بحيث نقطع بأنّ الصحابة والتابعين أيضا كانوا متفقين مع جميع علماء الأمّة ، حتّى يكشف عن رضا المعصوم عليه السلام.

وأمّا الإجماع فعلى تسليمه جهته مجملة ، إذ لم نعلم من حال المجمعين أنّ عملهم كان لقيام الدليل عندهم على حجية الخبر ، أو كان من جهة اللابدّية وانسداد باب العلم.

٢١

وهكذا الجواب عن التقرير لعدم العلم بجهته.

وأمّا الوجه الثالث والرابع ، فالجواب عن أوّلهما بعد منع كليهما من جهة بطلان القياس ، بإبداء الفارق بين خبر الواحد ـ فيما نحن فيه ـ الّذي هو محل النزاع وبينه في الأحكام الشرعية ، إذ الّذي ثبت حجّيته فيها إنّما هو خبر الواحد الجامع لشرائط الحجية ، مع كون متعلّق خبره الحكم الشرعي الكلي ، والّذي فيما نحن فيه فاقد لأحد القيدين لا محالة ، فإنه إمّا فاقد لشرائط الحجية ، أو القيد الثاني.

وعن الثاني منهما بأنّ هذه أولوية ظنية ، لا يعتمد عليها ، سيّما في المسألة الأصولية.

وأمّا الوجه الخامس : ففيه : انّ الأحكام الشرعية ليست أصلا بالنسبة إلى اللغات الّتي هي من المبادئ ، بل الأمر بالعكس ، فإن الأصل ما يبتني عليه شيء ، وهذا المعنى موجود فيما نحن فيه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية ، ويكون الأحكام الشرعية فروعا لما نحن فيه لكونها من نتائجه ، ولا ريب أنّ النتيجة فرع المقدمات.

وإن كان مراده من كون الأحكام الشرعية أنّها أهمّ وأشرف عند الشارع ، فهو مع أنه خلاف وضعه ، واصطلاح جديد في الأصل ، يرجع إلى الوجه الرابع ، وقد عرفت ما فيه ، وهذا الوجه لعلّه من صاحب المناهل (قدس سره). هذه أدلّة المثبتين.

وأمّا أدلّة النافين الذين نحن منهم تبعا للشيخ الأستاذ (قدس سره) ، الأصل أعني أصالة حرمة العمل بالظن إلاّ ما أخرجه الدليل ، ثم إنّ هذا كله بناء على حجية خبر الواحد فيما نحن فيه بالخصوص ، مع قطع النّظر عن مقدمة الانسداد ، وإلاّ فبملاحظتها على فرض جريانها فالظاهر ، بل الحق حجيته.

ثم إنّ دليل الانسداد ، كما يتصور جريانه في نفس الأحكام الشرعية ، كذلك يتصور في الأدلّة ، والطرق الشرعيّة ، وكذلك في الموضوعات الصرفة ، وهكذا في الأمور المستقبلة كالظن بالسلامة ، وبقاء المكلف على شرائط التكليف في الآن اللاحق ، فإنه مما انسدّ فيه باب العلم ، فيجري فيه دليل الانسداد ، فيجب على المكلف البناء على إتيان المأمور به في أوّل وقته ، مع الظن بسلامته ، وبقائه على شرائط التكليف إلى آخر الوقت كما في الحائض ، حيث إنّها مع احتمالها لكونها حائض في الغد يجب عليها

٢٢

الإمساك من الليل ، وكذا يجري في الموضوعات المستنبطة المعبّر (١) عنها باللغات.

ثم إنّه إن ثبت حجية الظن من باب الكشف ، بمعنى أنه انكشف بحكم العقل بملاحظة دليل الانسداد ، أن الشارع جعل الظن حجّة في الجملة ، يصير ذلك كالقضية المهملة لا بد من الأخذ بالمتيقن.

وإن ثبت ذلك بطريق الحكومة ، بمعنى أنه حكم العقل بجواز العمل بالظن وقبح العقاب على مخالفة الواقع ، فيعمّ الحجية لكل ظن لم يقم دليل على عدم اعتباره بالخصوص كالظن القياسي.

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ تقرير جريان دليل الانسداد على وجوه ثلاثة :

أحدها : ما قرّره المحقق القمي (٢) رحمه الله ، من إجرائه في نفس الأحكام الشرعية ، وهو مركب من مقدمات ثلاث :

إحداها : العلم الإجمالي بثبوت تكاليف لا نعلمها بعينها.

وثانيتها : انسداد باب العلم بها.

وثالثتها : بطلان الرجوع إلى البراءة ، لاستلزامه الخروج عن الدين. وعدم وجوب الاحتياط ، لعدم مساعدة دليله فيما نحن فيه. فتلك المقدمات الثلاث تنتج حجية كلّ طريق يفيد الظن بتلك الأحكام ، ومن الطرق خبر الواحد عن أوضاع ألفاظ الكتاب والسنة ، فإنه مستلزم للظن بالأحكام ، فيكون حجة.

وثانيها : ما قرّره بعض من إجرائه في الطرق الشرعية فهو مركب من مقدمات أربع :

إحداها : العلم الإجمالي بتعبّد الشارع إيّانا بطرق لا نعلمها بعينها.

والثانية : شدّة الاحتياج إليها.

والثالثة : انسداد باب العلم بها.

والرابعة : عدم مساعدة أدلّة الأصول العملية على وجوب العمل بمقتضاها حينئذ ، فلا يجب الاحتياط ، فيثبت أن الظن حجة في تشخيص الأمارات ، فيقال إنّ خبر الواحد في اللغات مظنون الاعتبار والحجية فيكون حجة.

__________________

(١) فإنّ الموضوع المستنبط لا يختصّ إطلاقه على ما استفيد من ألفاظ الكتاب والسنّة كما توهّم بل يعمّ كلّ اللغات منه طاب ثراه.

(٢) القوانين : ٥٥ ، عند قوله : فنقول : إنّ من اليقينيّات أنّا مكلّفون بما جاء به محمّد صلى الله عليه وآله إلخ.

٢٣

وثالثها : ما قرّره الشيخ محمد تقي (١) من إجرائه في خصوص اللغات. وهو مركب من مقدمتين :

إحداهما : الانسداد الغالبي في معرفة اللغات بمعنى انسداد باب العلم في غالبها.

والأخرى : شدّة الاحتياج إليها ، فإن الانسداد بمجرّده لا يكفي في إثبات اعتبار الظن بها ، بل لا بد من ضميمة الاحتياج البالغ حد الشدة لا الاحتياج أحيانا أيضا ، فإنه بدون وصوله حد الشدة لا يقتضي ذلك.

هذا ، وفي كل من وجوه التقرير نظر :

أمّا الأوّل : فلأن الانسداد في نفس الأحكام لا يقتضي كون الظن طريقا وحجة في معرفة اللغات ، بل مقتضاه اعتباره في نفس الأحكام ، والظن الحاصل من خبر الواحد عن وضع اللفظ بالحكم الشرعي معتبر ، من جهة أنّه ظن بالحكم الشرعي ، لا من حيث أنّه في اللغة.

وأمّا الثاني : فإن أريد به إجراؤه في الطرق الشرعية إلى الأحكام الشرعية ، فما نحن فيه خارج عنه ، فإن خبر الواحد فيما نحن فيه ـ على فرض اعتباره ـ طريق إلى معرفة اللغات ، وهي ليست من الأحكام الشرعية في شيء ، وإن أريد به إجراؤه في الطرق الشرعية إلى معرفة اللغات :

ففيه أوّلا : منع المقدمة الأولى إذ لا علم لنا ، بل ولا ظن بأن الشارع جعل طرقا إلى معرفة اللغات.

وثانيا : على فرض تسليمها لا بد من قيام الأمارة الظنية على حجية خبر الواحد في اللغات ، فإن نتيجة الدليل حجية الظن في تشخيص الأمارات المعتبرة من الشارع في معرفة اللغات التي نعلمها إجمالا ، فكلما قامت الأمارة الظنية على أن هذا الشيء من تلك الأمارات المعلومة إجمالا يكون ذلك الظن حجة ، فيثبت حجية هذا الشيء الّذي قامت الأمارة الظنية على تشخيصه ، وتعيين أنه من تلك الأمارات المعلومة بالإجمال. ولا ريب أنه لم تقم أمارة على حجية خبر الواحد مطلقا في اللغات ، فلا يثبت حجية خبر الواحد مطلقا في اللغات. نعم الموجودة منها إنما قامت على خصوص قول اللغوي ، أو

__________________

(١) في هداية المسترشدين : ٤١ ، فانه قال : ثمّ انّ لمعرفة كلّ من الحقيقة والمجاز طرقا عديدة إلى ان قال : ثانيها النقل المتواتر وما بمنزلته من التسامع والتضافر أو الآحاد وحجّية الأوّل ظاهرة الا أنّه قد يناقش في وجوده ويدفعه بملاحظة الوجدان ويدل على حجّية الثاني عموم البلوى باستعلام اللغات وعدم حصول الغناء عنها مع انسداد طريق القطع في كثير منها فلا مناص من الأخذ بالظنّ فيها.

٢٤

أصل الخبر ، وهي الإجماعات المنقولة كما مرّت آنفا. فذلك التقرير على تسليم المقدمة الأولى يفيد حجية قول أهل الخبرة.

وأمّا الثالث ، فلمنع المقدمة الأولى ، فإن الاشتباه والشك إمّا في معاني الهيئات ، فلا ريب أن العلوم العربية كافلة لها بما لا مزيد عليه ، بحيث يحصل القطع منها بالمعنى الهيئي ، لأن جلّ مسائلها متفق عليها بين أهلها ، ولو فرض الخلاف والتعارض في بعضها فهو نادر جدّاً ، لا يوجب المصير إلى الظن المطلق.

وإمّا في معاني المواد ، فلا ريب أنّهم ضبطوها ، ودوّنوا الكتب لبيانها بحيث يحصل لنا القطع من قول لغوي واحد بلا معارض ، فكيف بما انضم إليه غيره لعدم احتمال الداعي لهم إلى تعمّد الكذب ، فإن أكثرهم وإن كانوا فاسقين ، إلاّ أن الفسق لا يكون داعيا إلى الكذب ، ولا مقتضيا له ، وغيره معلوم العدم منهم ، واحتمال الخطأ بعيد عن الذهن جدّاً.

وأمّا صورة اختلافهم في معنى ، أو عدم تعرضهم لمعنى ، فهما مع ندرتهما يمكن تحصيل العلم في هاتين الصورتين بالمعنى من الاستعمالات العرفية المتعارفة ، والرجوع إلى علائم الوضع ، ولو فرض عدم وجود استعمال متعارف ، فهو لا يوجب المصير إلى الظن المطلق لندرته.

وكيف كان ، فلا نظن بحجية مطلق الظن في الأوضاع اللغوية ، كالظن الحاصل من الشهرة والقياس ونحوهما.

نعم ربّما يوجد في كلماتهم ، خصوصا المتأخرين ، وسيّما المقارنين لعصرنا ، الاستدلال على التعويل على بعض الظنون ، بأن المدار في مباحث الألفاظ على الظن.

لكنا نعلم أنّ كثيرا من الظنون لا يقولون بها ، مع أنّها ليست من المنهيّ عنها.

الا أن يقال : إنّ الظن الحاصل من قول أهل الخبرة هو القدر المتيقن على تقرير الكشف ، وأقوى من غيره على تقرير الحكومة ، فيقتصر فيما خالف الأصل عليه.

وفيه ما لا يخفى من المنع ، لأن الأولوّية المذكورة غير معلومة ، وإن كانت مظنونة ، والأقوائية أيضا غير مطّردة ، إذ الظن الحاصل من الشهرة لا يقصر عن الظن الحاصل من قول آحاد النقلة.

تنبيهات : الأوّل : إنّه بعد فرض حجية قول أهل الخبرة ، أو مطلق خبر الواحد فإن فرض الخبر بلا معارض ، فلا إشكال في جواز العمل به.

٢٥

وأمّا إذا وقع التعارض بينه وبين خبر آخر ، فالكلام يقع في مقامين :

الأوّل : فيما إذا كانا متساويين متكافئين لا مزية لأحدهما على الآخر أصلا أو كانت وليست معتبرة.

الثاني : في أن الترجيح معتبر في تعارض قول النقلة أولا.

أمّا المقام الأوّل : فهو ليس عنوانا مستقلا ، بل هو من جزئيات مسألة التعارض بين الطريقين الشاملة لما نحن فيه ، وللطرق إلى الأحكام الشرعية.

فنقول : إنّهم اختلفوا في أنه إذا تعارض الدليلان ، والحجتان بحيث لا يمنع من العمل بكليهما إلاّ تعارضهما ، بمعنى أنّ وجوب العمل بكل واحد منهما مانع عنه في الآخر على أقوال ثلاثة :

الأوّل : التوقف فيهما بالنسبة إلى إثبات مؤدى كل منهما بالخصوص ، والعمل بما تقتضي الأصول العملية ، مع عدم جواز الرجوع إلى الثالث.

الثاني : التخيير في إثبات الآثار من مؤداهما بالخصوص.

الثالث : التساقط ، وفرضهما كأن لم يكونا ، والرجوع إلى الأصول العملية ، والعمل على مقتضاها.

فنقول : إن ثبت اعتبارهما من باب حكم العقل من جهة دليل الانسداد من باب الحكومة ، فالحق التساقط ، لأن حكم العقل حينئذ منوط بوصف الظن الفعلي ، ومع التعارض لا يحصل الظن من شيء منهما مع تكافئهما ، سواء كان من جهة انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية ، أو بالطرق الشرعية ، أو بخصوص اللغات. وإن كان من جهة حكم العقل من باب الكشف ، فيكون الحكم ما سنذكر ، على فرض اعتبارهما من باب الدليل الخاصّ ، ومن باب الظن النوعيّ ، فإن العقل يكشف عن أن الشارع جعل قول النقلة حجة من باب الظن النوعيّ. وإن ثبت اعتبارهما من باب الدليل الخاصّ ، فإن كان اعتبارهما حينئذ من باب الظن الشخصي الفعلي ، فالحق التساقط أيضا ، لعدم حصوله من شيء منهما حينئذ. وإن كان من باب الظن النوعيّ ، فالحق التوقف في إثبات شيء من مؤداهما بالخصوص ، والرجوع إلى الأصول العملية في مؤداهما. وأمّا بالنسبة إلى الثالث فهما دليل على نفيه ، لا يجوز الرجوع إلى الأصول العملية المثبتة له.

ووجه ذلك : أنّ المفروض قيام الدليل الخاصّ على اعتبارها ، وأنّه لا مانع

٢٦

من وجوب العمل بكلّ منهما فعلا ، إلاّ وجوب العمل بالآخر ، ولا ريب أنّ معنى حجيتهما وجوب العمل بمدلولهما مطابقة ، وتضمنا ، والتزاما ، لكن التعارض منع من العمل بهما مطابقة ، واما العمل بمدلولهما التزاما وهو نفي الثالث فلا مانع منه ، بل هما معا متّفقان في ذلك ، فلا يجوز الرجوع إلى الأصول المخالفة لكليهما.

ومن هنا ظهر فساد ما ذهب إليه بعض الأعلام ، وتبيّن أنه غفلة منهم.

فمن الغفلات ما صدر عن المحقق القمّي رحمه الله في اختياره التخيير فيما نحن فيه ، لأنك عرفت من أن مقتضى القاعدة والأصل الأوّلي هو التوقف ، وعدم الرجوع إلى الثالث ، لا التخيير فكأنّه ـ قدّس سرّه ـ زعم أن التخيير هو الأصل ، فلذا بعد اختياره في تعارض الخبرين طرّده إلى تعارض الآيتين ، ثم إلى ما نحن فيه.

ومن الغفلات ما ذهب بعضهم بين ما ثبت حجيته بالإجماع ، وبين ما ثبت حجيته بالدليل اللفظي ، فاختار التوقف في الثاني ، دون الأوّل ، وحكم بالتساقط فيه ، فإنك قد عرفت أن المفروض قيام الدليل على حجيّتهما ، ووجوب العمل بهما بحيث لا يكون حجية أحدهما مشروطا بعدم المعارض ، بل التعارض منع من وجوب العمل بكل منهما عينا وفعلا على المكلف ، لا من أصل الحجية ، وحينئذ لا فرق بين الدليل اللفظي وبين غيره ، فلو فرض قيام الإجماع على حجية أحدهما ، لو لا معارضته بمثله ، فهو خارج عن باب التعارض ، كما هو واضح.

ومن الغفلات ما ذهب إليه بعض المتأخرين (١) ، مما حاصله أن من شرائط حجية قول النقلة في اللغات عدم ابتلاء قوله بمعارضة مثله.

ومنها : عدم ما يوجب الريب فيه ، يعني لا يكون له موهن.

ومنها : عدم التمكن من الأمارات المعمولة في تشخيص الحقيقة والمجاز ، كالتبادر ، وعدم صحة السلب ، وغيرهما ، ولم يحتج على اعتبار الشرطين الأولين ،

__________________

(١) وهو صاحب الفصول : ٢٥ قال في علائم الحقيقة والمجاز : منها : نصّ أهل اللغة عليه مع سلامته من المعارض ، وممّا يوجب الريب في نقله. إلى أن قال : ثمّ التعويل على النقل مقصور على الألفاظ الّتي لا طريق إلى معرفة حقائقها ومجازاتها إلاّ بالنقل ، وأمّا ما يمكن معرفة حقيقته ومجازه بالرجوع إلى العرف ، وتتبع موارد استعماله حيث يعلم ، أو يظن عدم النقل فلا سبيل إلى التعويل فيه على النقل ، ومن هذا الباب أكثر مباحث الألفاظ المقرّرة في هذا الفن ، كمباحث الأمر ، والنهي ، والعام ، والخاصّ ، ولهذا تراهم يستندون في تلك المباحث إلى غير النقل. والسّر في ذلك أن التعويل على النقل من قبيل التقليد ، وهو محظور عند التمكن من الاجتهاد ، ولأن الظن الحاصل منه أضعف من الظن الحاصل من غيره ، كالتبادر ، وعدم صحة السلب ، بل الغالب حصول العلم به فالعدول عنه عدول عن أقوى الأمارتين إلى أضعفهما وهو باطل.

٢٧

فكأنه أرسلهما إرسال المسلمات ، لكنه (قدس سره) احتجّ على اعتبار الشرط الثالث بوجهين :

الأوّل : أن إعمال علائم الوضع ، وتحصيل الظن منها بالوضع اجتهاد ، والأخذ بقول النقلة تقليد ، والأوّل مقدم على الثاني.

الثاني : أنّ الظن الحاصل بسبب العلائم أقوى من الظن الحاصل من قول النقلة. ثم قال : ولذا ترى أن أحدا ـ من العلماء في باب العام والخاصّ ـ لم يأخذ بقول أحد من نقلة اللغة ، بل تشبثوا بالعلائم. ثم قال : ثم إذا وقع التعارض بين أقوال النقلة يجب الجمع بينهما ، وإن لم يمكن الجمع ، فإن كان أحدهما مثبتا والآخر نافيا يقدّم الأول على الثاني ، وإلاّ فيجب الأخذ بالمرجحات. انتهى كلامه رفع مقامه.

نقول : إنّ في كلامه مواقع للنّظر بل المنع :

منها : ما اشترط من عدم المعارضة بالمثل ، فإنا إن بنينا على اعتبار قول النقلة من باب دليل العقل ، فمن الظاهر الواضح أنه من باب الحكومة ، فيدور حكم العقل مدار الظن الشخصي ، فحينئذ هذا الشرط من شروط تحقق موضوع الحجة ، لا من شرائط الحجية ، وكذا إذا كان من باب الظن الخاصّ من باب الظن الشخصي ، وإن بنينا على اعتباره من باب الظن الخاصّ ، ومن باب الظن النوعيّ ، فلا ريب حينئذ في هذا الشرط بوجه ، فإن المعارضة بالمثل من موانع وجوب العمل عينا ، لا من شرائط الحجية ، كما مرّت الإشارة إليه ، وهذا الاشتراط لازمه الالتزام بالتساقط في محل التعارض ، مع أنا أخذا الاعتراف منه بالتوقف ، وأنه قائل به ومعه لا يستقيم هذا الاشتراط.

ومنها : اشتراط الشرط الثاني فإنّ الإشكال فيه أيضا بعين ما مرّ من أنه إن كان اعتبار قول النقلة من باب دليل العقل ، أو من باب الظن الخاصّ المنوط بالظن الشخصي ، فيرجع هذا الشرط إلى شروط تحقق الموضوع لا شرط الحجية ، وإن كان من باب الظن الخاصّ النوعيّ ، فلا معنى لهذا الاشتراط.

اللهم إلاّ أن يكون مذهبه اعتباره من باب الظن النّوعي ، لكن لا بنحو ما ذهب إليه المشهور حيث إنّهم يعتبرونه حتى في صورة الظن بالخلاف ، بل بمعنى اعتباره مشروطا بعدم الظن بالخلاف ، ومع وجود الموهن نظن خلافه ، والظّاهر أنّ مذهبه هنا ذلك ، كما اختاره أيضا في ظواهر الألفاظ فحينئذ نطالبه بدليل هذا المذهب.

ومنها : اشتراط الشرط الثالث ، فانه بناء على اعتباره من باب الظن المطلق ،

٢٨

فلا ريب أنّ هذا الشرط من شروط تحقق الموضوع ، فانّ العلائم من الأمارات القطعية على المختار عندنا ، ومعها لا يحكم العقل بجواز العمل بالظن.

وبعبارة أخرى : العقل يحكم من باب مقدمة الانسداد ، فعدمها شرط تحقق موضوع الانسداد ، وأمّا بناء على اعتباره من باب الظن الخاصّ ، فلا معنى لهذا الاشتراط بوجه ، إذ معنى اعتبار الظن الخاصّ اعتباره في صورة التمكن من تحصيل العلم ، والشارع إنما جعله حجة مع أنه الفرض فحينئذ لا معنى لهذا الاشتراط ، إذ لا يجب تحصيل العلم حينئذ حتى يقال : إنه معتبر فيما لم يمكن تحصيل العلائم وإعمالها.

هذا مع ما في الوجهين اللذين استدل بهما من الضعف :

أمّا الأول : فلأنه إن اعتبر قول النقلة من باب العقل ، فلا معنى للقول بكونه تقليدا ، إذ بعد حكم العقل بملاحظة ـ مقدّمات أربع ـ على اعتباره ، فالأخذ به أخذ بالدليل القطعي ، وليس فيه تقليد أصلا. وإن كان من باب الظن الخاصّ ، فبعد قيام الدّليل الخاصّ على اعتباره ، لا يقال بأنه تقليد. كيف؟ ولو كان ذلك تقليدا ، لكان جميع المجتهدين مقلّدين حيث إنهم يعملون بالأخبار والآيات مع أنّ اعتبارهما ، إمّا من باب الظن المطلق ، أو من باب الظن الخاصّ.

وأما الثاني : ففيه أوّلا : أنّ القول بأنه أقوى من قول النقلة التزام بكون العلائم مفيدة للظن ، وليست كذلك ، بل هي مفيدة للقطع.

وثانيا : على فرض كونها مفيدة للظن نمنع أقوائية ظنه.

وثالثا : على فرض تلسيم الأقوائية ، ففيه : أنّ اعتبار قول النقلة إن كان من باب الظن المطلق ، فيصير هذا من شروط تحقق الموضوع ، وعلى اعتباره من باب الظن النوعيّ ، فلا يجب تحصيل العلم ، ولا تحصيل الظن الأقوى ، كما عرفت.

وأمّا قوله : ولذا تراهم لا يعملون بقول النقلة في باب العام والخاصّ ، بل يأخذون بالعلائم ، فهو ليس إلا افتراء عليهم ، بل نحن وجدناهم لا يقتصرون في العمل بقول النقلة هناك ، ويعملون بكل واحد منه ، ومن العلائم لا أنّ عملهم منحصر في العلائم.

ومنها : قوله : فإذا وقع التعارض ، فيجب الجمع بينهما ، فإنّه أراد بالجمع الجمع الدلالي ، من حمل العام على الخاصّ ، والظّاهر على النص والأظهر ، وغير ذلك. ففيه : أنّ

٢٩

اعتبار الجمع الدّلالي إنما فيما إذا كان المتعارضان صادرين من شخص واحد حقيقة أو حكما ، كما في أخبار الأئمة عليهم السلام في حكم متكلم واحد ، وأمّا إذا كانا صادرين عن شخصين متباينين ، كما فيما نحن فيه ، فلا وجه لهذا الجمع بوجه ، إذ لا معنى لحمل العام الصادر من هذا النّاقل على الخاصّ الصادر من غيره ، لأنّ إخبار كل منهما عن وضع اللفظ إنما هو إخبار عن امر واقع ، وهو العلقة بين اللّفظ والمعنى ، لا انهما ناقلان للّفظ عن شخص واحد ، فانّ أحدهما يقول : إن الصعيد موضوع لمطلق وجه الأرض ، والآخر يقول : إنّه موضوع للتّراب الخالص.

نعم لو كانا ناقلين لتنصيص الواضع فيتّجه الجمع المذكور ، لأنهما ناقلان عن شخص واحد ، ومقتضى التعبد بقولهما الحكم بصدورهما منه ، فيكونان صادرين من شخص واحد ، ولذا يعملون بهذا الجمع ، ويراعونه في الوصايا ، والأقارير ، دون الشهادات ، وقول أهل الخبرة في التقويم إذا اختلف القيم ، فإن الأوليين صادرتان من شخص واحد ، والأخيرتين من متعدد. نعم في الصادرين من متعدد يجمع بطريق آخر غير الدّلالي ، وهو الجمع التصديقي ، وهو يختلف باختلاف الموارد ، فإنه في مقام الحقوق المالية بالتنصيف ، وفي المقامات الاخر ، ومنها ما نحن فيه ، بتصديق كل من المخبرين بالتصديق المخبري ، والحكم بتصديق خبر المثبت ، لأنه يخبر عن علمه ، وغيره يخبر عن عدم علمه. فإن كان مراده من الجمع المذكور هذا الجمع فمتجه ، إلاّ أن هذا عين قوله : وإلاّ فيقدم المثبت على النافي ، فلا وجه لجعله مقابلا له. وأمّا قوله : فيجب الأخذ بالمرجحات فسيجيء الكلام فيه في المقام الثاني.

المقام الثاني في أنه هل يجب الأخذ بالمرجّحات فيما نحن فيه أعني في تعارض قول النّقلة أولا؟ بمعنى أن الأصل ما ذا؟

وتحقيق الكلام : أنه إن بنى في المقام الأوّل أعني صورة التكافؤ والتساوي على التوقف ، كما هو المختار ، فالأصل الأوّلي يقتضي عدم الوجوب ، وعدم اعتبار المرجح ، إذ المرجّح كالدّليل لا بد من الاقتصار فيه على المعلوم من اعتباره ، فما لم يقم دليل على الاعتبار ، لا يجز الخروج عن مقتضى الأصول العملية المحكّمة في مورد التوقف ، وكذا لو بنى هناك على التخيير ، لكن من باب التعبد ومقتضى الاخبار ، فإنّ بعضها مطلقة ، ومقتضى إطلاقها التخيير في كلّ مورد يحتمل فيه اعتبار المزية الموجودة في أحدهما ، إلاّ إذا قام دليل على الاعتبار ، وكذا لو بنى على التساقط ـ ثمة ـ فإنه لا يعتبر المرجح حينئذ بوجه

٣٠

وبطريق أولى ، إذ اعتبار المرجح في أحد الدليلين بعد فرض اعتبارهما ، فإذا فرضنا تساقطهما وفرضهما كأن لم يكونا ، فلا مورد لاعتباره بوجه. وأمّا لو بنى ثمة على التخيير من باب العقل فالأصل اعتبار المرجّح ، ووجوب الأخذ بالراجح ، إذ حكم العقل بالتخيير مع عدم احتمال مزية في أحدهما اعتبرها الشارع ، وأمّا مع احتمالها ، فيكون القدر المتيقن من الطريق الجائز العمل به هو الراجح ، ويكون المرجوح مشكوك الجواز ، فيحكم العقل بتعين الرّاجح ، ولا ينافي ذلك ما ذكرنا ، من أنّ المرجح كالدليل لا بد من وصول اعتباره ، وقيام الدليل عليه ، لأن الأخذ بالراجح في الصورة المفروضة ، ليس ترجيحا في الحقيقة ، بل أخذ بالمتيقن من الطريق الجائز العمل به.

لا يقال : إنه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير ، الأصل هو الثاني.

لأنا نقول : هذا إنما هو في التكاليف ، دون الطرق ، لأن مرجع الشك في التعيين والتخيير في الطرق إلى جواز العمل بالمرجوح أيضا في مقام الامتثال ، والاكتفاء به عن التكليف الواقعي المعلوم إجمالا ، فلو عمل المكلف حينئذ على المرجوح لا يقطع بخروج ذمته عن عهدة التكليف الواقعي ، لعدم علمه بكونه حينئذ حجة ، وقاطعا للعذر ، بخلاف ما لو عمل بالراجح ، فإنه قاطع للعذر يقينا.

وكيف كان فالمقام مقام الاشتغال ، لكون الشبهة ثانوية بالنسبة إلى التكاليف الواقعية.

هذا بخلاف الشك في التعيين والتخيير في نفس التكاليف فإنه بدوي يرجع فيه إلى أصالة البراءة عن التعيين. فافهم.

هذا كله نظرا إلى الأصل الأوّلي ، ومع قطع النّظر عن ورود الدليل الشرعي على اعتبار المرجح فيما نحن فيه.

وأما بالنظر إلى الأصل الثانوي ـ أعني الأدلة الشرعية ـ فيمكن دعوى الاعتبار لوجوه.

الأوّل : بناء العرف والعقلاء والعلماء على اعتبار المزايا في الأدلّة والطرق الواصلة إليهم.

الثاني : الإجماعات المنقولة الظاهرة للمتتبع في كلماتهم في تعارض الخبرين ، حيث إن بعضهم ادعى الموجبة الكلية ، وعلّل وجوب الأخذ بالمرجح في الأخبار بأن العمل بأقوى الدليلين واجب.

٣١

الثالث : فحوى أخبار الترجيح في تعارض الخبرين في نفس الأحكام ، فإن الطّرق أولى بذلك. هذه وجوه ادّعوها.

لكن للنفس في كل منها تأمل :

أما الأوّل : فلأنّه لم يعلم من حال العرف والعقلاء ذلك كلية.

وأما العلماء فإنا نراهم قد يعملون بالمرجح ، كما في الأحكام الشرعية ، وقد لا يعملون به ، كما في الشهادات والبيّنات ، ولم يعلم كون العمل بالمرجح أصلا ، وخروج البينات عنه لاحتمال العكس.

وأما الوجه الثاني : فلأنه لا حجية فيه ، ولا يحصل منه القطع بحصول الإجماع أيضا لقلة الناقلين له.

وأما الثالث : فهو وجه اعتباري فيه مناقشات من وجوه شتى.

بقي في المقام شيء ، وهو أن السيد محمّد (قدس سره) صاحب المفاتيح (١) قد ادّعى دعويين :

أولاهما : أنه إذا وقع التعارض بين أقوال النقلة ، فإن كان أحدهما خاصّا والآخر عاما يخصص العام منهما بالخاص ويحمل عليه.

وثانيتهما : أنه إذا نقل لغوي معنى للفظ ، ولغوي آخر معنى آخر مباينا لذلك المعنى ، واحتمل أن يكون نقل كل منهما المعنى المباين للمعنى الآخر الّذي ينقله الآخر من باب أن اللفظ مشترك بين المعنيين ، ويحتمل أن يكون اللفظ متحد المعنى ، ويكون نقل كل معنى من باب انحصار المعنى فيه ، ونفي المعنى الآخر للّفظ ، فيقع التعارض بين قوليهما ، فحينئذ يحكم باتحاد المعنى بمقتضى أصالة عدم الاشتراك ، فيحكم بالتعارض فيرجع إلى العلاج. انتهى.

نقول إن في كل من دعوييه منعا ظاهرا.

أمّا الأولى : فلما مرّ من أنّ حمل العام على الخاصّ من وجوه الجمع الدّلالي ، وقد عرفت سابقا أنه فيما إذا كان الدليلان صادرين من واحد ، وأمّا إذا صدرا من متعدد كما فيما نحن فيه فلا.

وأما الثانية : فلأنّه بعد ما فرض حجية قول النقلة واعتباره ، فيكون قول كل

__________________

(١) مفاتيح الأصول : ٦٣ ، مفتاح : إذا اختلف الناقلون لوضع اللفظ فقال بعضهم انه موضوع لذا ، وقال آخر لذلك فلا يخلو إمّا ان يمكن الجمع بين النقلين بالقول بتعدّد الوضع ...

٣٢

منهما دليلا على مؤداه ، فيكونان واردين على أصالة عدم الاشتراك.

التنبيه الثاني : أنّه على القول بحجية قول أهل اللغة كما هو المشهور ، اشترطوا لها أن لا يكون إخباره عن حدسه. واجتهاده ، بل لا بد أن يكون طريق تحمّل نقله للغة بالحس لا غير ، فلذا ردّوا قول أبي عبيدة في فهمه من الحديث أن عندي غير الواحد لا يحلّ عقوبته ، بأن فهمه ذلك من باب اجتهاده ، وحدسه ، ويتوجه على ذلك إشكالان :

أوّلهما : أنّ الفرق والتمييز بين الإخبار عن حدس واجتهاد ، وبينه عن حس واضح في الأحكام الشرعية ، فلا ريب أنّه لا يعرف أحد ـ من اللغويين والناقلين ـ الواضع ، فكيف بمعرفتهم الوضع فيه بطريق الحس ، لوقوع الاختلاف في أنه هو الله تعالى ، أو غيره ، فلا يكون قول أحد من اللغويين حجة ، لفقد هذا الشرط في الكل ، فإن أقوى نحو تحمّلهم للنقل ، انما هو تبادر المعنى الّذي ينقلونه من اللفظ عند العرف ، وأهل اللغة ، وهو ليس من الطرق الحسية.

وكيف كان فلو جعل الحس عبارة عن ذلك ، وجعل خلافه اجتهادا ، فلا ريب أنّ إخبار كلهم بطريق الاجتهاد ، فيسقط قول كلهم عن الحجية.

وثانيهما : أنه إذا اشتبه حال الناقل ، ولم يعلم أنّ إخباره عن حسه ، أو عن اجتهاده ، وحدسه ، فحينئذ يشكّ في شرط الحجية الّذي هو كون إخباره عن الحس ، فذلك يوجب الشك في الحجية ، لأن الشك في الشرط مستلزم للشك في المشروط ، فلا بد من التوقف ، فيسقط قوله عن الاعتبار.

هذا ، ثم إنّ بعض الأجلة تفصى عن الإشكال الثاني ، بأن الناقل إن كان من اللغويين ، ومن أهل الخبرة ، فالأصل أن إخباره عن حس. وإن كان من العلماء ، فالأصل في إخباره أن يكون عن حدسه ، واجتهاده.

وفيه : أنه ما معنى ذلك الأصل؟ فإن أراد به الغلبة ، فيتوجّه عليه المنع صغرى ، وكبرى ، فنمنع أوّلا أصل الغلبة ، وثانيا اعتبارها.

والتحقيق في دفع الإشكالين أن يقال : إن الأمور الحسّية ليست منحصرة بما تدرك أنفسها بإحدى الحواس الخمسة ، بل أعم منهما بحيث تعمّ الأمور التي ليست هي بأنفسها كذلك ، لكن لها آثار ومسببات كذلك.

فنقول : إنّ الوضع لما كان هو العلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى ، فهو ليس مما يدرك نفسه بالحس ، لكن له أثر ، ومسبب يدرك بالحس ، وهو تبادر المعنى من اللفظ

٣٣

عند العالمين بالوضع ، وعدم صحّة السلب ، فحينئذ كلّما كان منشأ النقل مشاهدة هذا الأثر من العالمين بالوضع ، فيكون الإخبار حسّيا ، وكلّما لم يكن كذلك ، بل كان مستندا إلى الاعتبارات الحدسية ، فهو حدس ، فغرضهم من اعتبار الشرط المذكور إنما هو ذلك.

وبعبارة أخرى أنه إن كان طريق تحمل النقل هو الخلط ، والمباشرة مع أهل اللسان ، وإن لم يكن الناقل منهم ، كالفيروزآبادي ، أو كونه منهم وعارفا باللغة ، فيكون الإخبار حسيا ، وإلاّ بان لم يكن منهم ، ولا مخالطا معهم ، بل كان طريق تحمّله هو استخراجه ، واجتهاده بواسطة القرائن الواصلة إليه ، أو الاعتبارات ، والمقايسات العقلية ، فيكون الإخبار عن حدس ، فلا يجوز التعويل عليه ، فاندفع الإشكال الأوّل.

وأمّا الإشكال الثاني : فدفعه أنّه إن كان الناقل من أهل الخبرة إمّا لكونه منهم ، أو من المخالطين لهم ، فالأصل في إخباره أن يكون مستندا إلى الحس ، لأن احتمال كونه من اجتهاداته وحدسه ضعيف ، لا يعتني به العقلاء في حقه.

وبالجملة إذا كان الناقل هكذا ، فالعقلاء يحكمون عند الشك بكون إخباره عن جهة استناده إلى الآثار الحسية ، ولا يعتنون باحتمال خلافه ، سواء كان ذلك الناقل من العلماء أيضا أو لا.

وردّهم قول أبي عبيدة بوجود الموهن لقوله بحيث يقوّي فيه احتمال الخلاف.

وأمّا إذا كان ممّن لم يعاشرهم كالعجمي الغير المخالط ، فالأصل في إخباره أن يكون مستندا إلى حدسه ، وتعويله على القرائن ، لبعد احتمال معرفته اللغة التي ينقلها بالآثار الحسية المشاهدة من أهلها ، فإن ذلك مما يتفق في حقّه أحيانا.

ثم إنّ ما ذكرنا من اشتراط كون الإخبار عن حس في اللغات ، يجري في غيرها من الموضوعات ، كالشهادات في مقام المرافعات.

نعم لو شهد الشاهد مطلقا ، ولم يعلم أن شهادته من باب الحدس ، أو الحس فيحمل على الثاني ، للأصل يعني الظاهر ، فيحكم بمقتضى شهادته لذلك ، أعني بسبب إحراز الشرط المذكور في حقه بالأصل.

ومن هنا ظهر ضعف ما تمسك به بعض على وجوب الأخذ بالشهادة العلمية ، من اختلاف الأمور ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل القضاء لولاه ، إذ لا ريب أنه بعد البناء على إحراز الشرط المذكور بالأصل ، فلا يلزم ما ذكره ، ولو بنى على الأخذ بالشهادة العلمية ، فلا ريب أنه يوجب تضييع الحقوق سيّما في أمثال زماننا هذا.

٣٤

ثم إنّ ما ذكرنا من الأصل المذكور في إحراز الشرط المذكور ، إنّما إذا (١) يتّهم الشاهد بكون شهادته عن حدس غالبا ، فإنه حينئذ يوجب الوهن في الأصل المذكور ، ويسقط الظهور المذكور ، فحينئذ يتّجه السؤال عن وجه الشهادة من أنّها علميّة أو حسيّة.

التنبيه الثالث : أنه من طرق معرفة اللغات قول العدل ، إذا لم يكن من أهل الخبرة أيضا ، بأن يخبر عن نفس الوضع بأن يقول : إن اللفظ الفلاني موضوع لكذا.

والحق فيه التفصيل بأنه حجة بالنسبة إلى الآثار ، والأحكام الشرعية الكلية ، بمعنى أنه إن وقع هذا اللفظ في الكتاب والسنة يترتب عليه مفاده من الحكم الشرعي بمقتضى إخبار هذا العدل ، وأما في غير الأحكام الشرعية ، كأن وقع في الموضوعات ، كالأقارير ، والوصايا فلا.

أمّا الأوّل : فلأنه من الظنون التي يتوقف عليها الاستنباط ، والاجتهاد ، كالظنون الرجالية ، فكما أنّ الظنون الرجالية يتميّز بها حال الراوي ، فيستخرج المجتهد بسببه الحكم الشرعي ، فكذلك قول العدل ـ فيما نحن فيه ـ يتميز به الأسئلة الصادرة من السائلين ، في الإخبار عن الأحكام الشرعية ، فيستنبط المجتهد الحكم الشرعي من أجوبتهم عليهم السلام ، بعد هذه الأسئلة بكلمة نعم ، إذ لو لا تعيين السؤال لما فهم أن المراد بالجواب ما هو ، مثلا إذا وجد في الأخبار أن السائل سأله عليه السلام عن أن التيمّم : يجوز بالصعيد؟ فأجابه عليه السلام بنعم ، ولم يعلم أن معنى الصعيد هو مطلق وجه الأرض ، حتى يكون معنى قوله : نعم ، أنه يجوز التيمم بمطلق وجه الأرض ، أو أنّ معناه التراب الخالص ، فيكون معنى الجواب انحصار الجواز فيه ، فحينئذ إذا أخبر العادل بأنّ الصعيد موضوع لمطلق وجه الأرض ، فيحمل بسبب ذلك قول السائل على هذا المعني ، فيكون معنى الجواب حينئذ ما أريد من السؤال ، فيكون معنى ( نعم ) أنه يجوز التيمم بمطلق وجه الأرض ، وكذلك يتميز به مراد الشارع في غير مقام الجواب والسؤال ، كما في آية التيمم. فإذا كان قول ذلك في مقام الأحكام الشرعية من الظنون التي يتوقف عليها فهم الحكم الشرعي ، فيكون حجة بالإجماع المركب من القائلين بحجية قول العدل في نفس الأحكام الشرعية ، الّذي هو حجية خبر الواحد المصطلح ، لأن كل من قال بحجية خبر الواحد المصطلح ، أعني الإخبار عن السنة ، قال بحجية قول العدل في غير خبر الواحد

__________________

(١) الظاهر أنّ في العبارة سقطا وصحيحها هكذا : إذا لم يتّهم الشاهد ...

٣٥

المصطلح ، إذا كان ممّا يتوقف عليه الاجتهاد ، بأن يخبر عن الوضع لا السّنة ، ووقع اللفظ في الكتاب ، أو السنة.

بل هذا الإجماع قائم في حق المقلدين أيضا بالنسبة إلى قول الناقل للفتوى عن المجتهد ، فإنه أيضا مما يتوقف عليه فهم الحكم الشرعي للمقلد ، وهذا هو المراد بقولنا في أوّل عنوان حجية قول النقلة : ـ أنّ النزاع فيما لم يكن المخبر جامعا لشرائط الحجية مع ورود اللّفظ الّذي ينقل وضعه في مورد الأحكام الشرعية ، لأن البحث عن حجية خبر الواحد يغني عنه ـ فإن المراد بالإغناء : أنّه بعد إثبات حجّية خبر الواحد في الأحكام ، فالإجماع قائم على نفي الفرق ، ووجوب قبول الواحد الجامع لشرائط الحجية في المقامين.

وأمّا الثاني : أعني عدم حجية قوله بالنسبة إلى الموضوعات ، فالأصل وأدلة خبر الواحد لا يشمله حينئذ بوجه ، لأنها في مقام حجية قول العادل في الأحكام لا الموضوعات.

وأمّا آية النبأ وإن كان موردها في الموضوعات إلاّ أن في الاستدلال بها وجوها من الإشكال ، تبلغ ثلاثين ، أو تقرب منها. ومع تسليم دلالتها فالإجماع قائم على تقييدها بالضميمة ، بمعنى أنّ المراد حجية قول العادل في الموضوعات إذا انضمّ إليه غيره لا مطلقا.

التنبيه الرابع : أنّ من طرق معرفة اللغات خبر الواحد المصطلح ، بمعنى أن ينقل الناقل أنّ المعصوم عليه السلام ، قال : إنّ الصعيد موضوع لكذا ، وهكذا إلى غير ذلك من الألفاظ.

والحق فيه التفصيل ، بين كون ذلك اللّفظ واقعا في حيّز الموضوعات ، فليس حجة حينئذ ، للوجه المذكور في قول العدل ، من اختصاص أدلة خبر الواحد بالأحكام ، وبين غير الموضوعات من الأحكام الشرعية ، بأن يكون واقعا في حيّز الأحكام الشرعية في الكتاب ، والسنة ، فيكون حجة في الجملة.

ثم على أنّه إذا وقع في حيز الأحكام الشرعية اختلفوا فيه على أقوال ثلاثة :

القول بعدم الحجية مطلقا ، والقول بحجيته مطلقا ، والقول بالتفصيل ، بين كون المخبر جامعا لشرائط الحجية ، فيكون خبره حجة ، وبين عدم كونه كذلك ، فلا يكون حجة.

والأقوى هو القول الأخير.

٣٦

حجة القول الأوّل : الأصل ، ودعوى انصراف أدلة خبر الواحد إلى ما إذا أخبر العادل بنفس الحكم الشرعي عن المعصوم عليه السلام ، وعدم شمولها لما إذا أخبر بما يكون ممّا يتوقف عليه استنباط الحكم الشرعي.

وحجة القول الثاني : دعوى إطلاق الأدلة المذكورة ، وشمولها لما نحن فيه ، ونفي اشتراط الحجية بشرط ، لأصالة الإطلاق.

لنا على ما اخترنا : أنّه إذا كان المخبر جمعا لشرائط الحجية ، فالأدلة دالة على حجية قوله مطلقا ، سواء كان حاكيا عن الحكم الشرعي ، أو عن غيره ، بحيث يحصل التواتر من الأخبار معنى على ذلك ، وكذا يحصل القطع بالإجماع من الإجماعات المنقولة على هذا المقدار. وأمّا إذا لم يكن جامعا للشرائط ، فلا دليل على حجيته ، فالأصل عدم الحجية حينئذ ، إذ لا ريب أنّ كل واحد من أدلّة خبر الواحد لا يستقيم لكونه دليلا على المدّعى إمّا لضعف سنده أو لضعف دلالته ، فلا يجوز التمسك بإطلاق بعض المطلقات منها ، بل دليل حجية خبر الواحد لبّي ، والقدر المتيقن منه قيامه على حجيته ، إذا كان المخبر جامعا لشرائط الحجية ، إذ الدليل إنما هو تواتر الأخبار معنى ، وتحصيل الإجماع من الإجماعات المنقولة ، والتواتر والإجماع لم يحصل العلم بهما بأزيد مما اخترنا ، فبما ذكرنا ظهر الجواب عن حجتي القولين الأوّلين.

تذنيب : بعد ما بنينا على حجية قول اللغوي ، وقول العدول ، وخبر الواحد المصطلح في اللغات ، فإن صرّح الناقل بحقيقة اللفظ في المعنى أو بمجازيته فلا إشكال ، وإلاّ فإن كان قول الناقل إنّ اللفظ الفلاني اسم للمعنى الفلاني ، فالظاهر الحمل على الحقيقة ، لأن الأمم حقيقة في الكلمة الموضوعة للمعنى ، وإن كان يستعمل في الأعم ، كما في مسألة الصحيح والأعم ، فإنّ القائلين بنفي الحقيقة الشرعية يقولون إن ألفاظ العبادات أسام للصحيحة أو الأعم إذ لا ريب أنه ليس مرادهم كونها هي لها حقيقة ، بل مرادهم مستعملة مجازا. وان لم يكن قول الناقل كذلك ، فإن كان بطريق الحمل ، بأن يقول : إن الصعيد هو وجه الأرض أو التراب الخالص ، فإن كان المعنى واحدا فالأصل أيضا الحقيقة ، لعدم إمكان المجاز بلا حقيقة ، وان كان متعددا فالظاهر حقيقة المعنى الّذي ينقله أوّلا ، أخذا بشاكلة الناقل ، إذا كان من اللغويين وشأنه ، إذ الظاهر أنّه عارف بالحقيقة والمجاز ، والظاهر أيضا أنه بعيد في حق العارف تقديم المجاز على الحقيقة. وأمّا غير المعنى الأوّل ، فإن جرى فيه أصالة عدم الاشتراك بأن كان شرائطه موجودة ، فيتعيّن كونه مجازا ، وإلاّ فالتوقف. والدليل على اعتبار هذا الظهور ـ أعني ظهور حال اللغوي ـ بناء

٣٧

العقلاء والعرف. وأمّا إذا لم يكن من اللغويين ، وأهل الخبرة ، فيشكل التعيين ، فلا بد من التوقف.

وقال بعضهم : إنّه لو كان طريق بيان الناقل بلفظ قد يكون ، أو بلفظة منه ، فالظاهر أنّهما ظاهرتان في أنّ اللفظ مجاز في المعنى الّذي يذكرونه.

وفيه : ما لا يخفى من المنع ، فإن النّاقلين للّغة بناؤهم على استقصاء موارد الاستعمالات ، وقلة الاستعمال لا يكون دليلا على المجاز.

هذا كله في الطرق الشرعية إلى معرفة اللغات.

وقد عرفت أنّها ثلاثة : قول اللّغوي ، وأهل الخبرة على المشهور ، وقول العدل بغير خبر الواحد المصطلح ، وخبر الواحد المصطلح على المختار ، والمشهور أيضا بالتفصيل الّذي ذكرناه.

بقي الكلام في الطّرق العقلية :

ومن الطرق إلى معرفة اللغات العقل :

ومن الطرق العقلية : أصل العدم ، لكنه لا يثبت به نفس الوضع ، بل الّذي يثبت به إنما هو كيفياته وأحواله اللاحقة له من التقدّم والتأخر والاتحاد والتعدد.

ويقع الكلام فيه في مقامات ثلاثة :

الأوّل : في أنّ المراد منه فيما نحن فيه ما ذا؟ فنقول : إنه يحتمل أن يكون المراد به القاعدة الخاصة المعتبرة في هذا الموارد الخاصة ، أعني اللغات ، وأن يكون المراد الاستصحاب الغير الشرعي ، المعتبر في هذا المورد الخاصّ ، أعني استصحاب العدم الأزلي الخاصّ ، بأن لا يكون اعتباره منوطا باعتبار كلّي الاستصحاب من باب العقل ، ولا باعتبار مطلق الاستصحاب العدمي ، وأن يكون المراد به الغلبة ، أعني غلبة عدم النقل ، واتحاد المعني العرفي مع المعنى اللغوي ، وأن يكون المراد كونه من أصل العدم الأزلي الكلي الّذي يستدلون به في جميع الموارد ، فحينئذ يدور المراد مدار اختيار أحد الوجهين في ذلك الأصل الكلّي ، من أنّه استصحاب العدم الأزلي ، أو أنه قاعدة مستقلة ، لا تدور مدار ملاحظة الحالة السابقة. ويحتمل فيه التفصيل بالنسبة إلى موارد استعماله ، بأن ينظر إلى دليل اعتباره ، فإن ظهر أنّ اعتباره منوط بملاحظة الحالة السابقة ، فيكون المراد به الاستصحاب ، وان ظهر أنّه منوط بالغلبة ، فيكون المراد به الغلبة ، وإن ظهر عدم إناطته بشيء من الأمرين ، وأن المدار فيه نفس الشك ، فيكون قاعدة مستقلة.

وكيف كان فصارت الاحتمالات خمسة :

٣٨

أظهرها الأخير ، لما سنبين من أنّ اعتباره في جميع موارد استعماله ليس من جهة واحدة بل في بعضها من جهة الغلبة ، وفي بعضها الآخر من جهة الاستصحاب ، أو القاعدة كما سيجيء.

المقام الثاني في بيان الموارد التي يستعمله فيها العلماء ، فاعلم أنّها ثلاثة :

الأوّل : ما إذا علم بوضع لفظ لمعنى في الزمان السابق ، ووجد استعماله في الزمان اللاحق في معنى ، وعلم بكونه حقيقة في هذا المعنى الّذي يستعمل فيه الآن ، لكنه يشك في أنّ هذا المعنى هذا هو عين ذلك المعنى الّذي يعلم بوضع اللفظ له من قبل فيكون متحدا معه ، أو غيره؟ فيلزم نقل اللفظ من ذلك المعنى إلى ذاك ، فمرجع الشك هنا إلى الاتحاد والتغاير.

الثاني : ما إذا علم الآن بوضع اللفظ تخصيصا ، أو تخصصا لمعنى ، ثم وقع الشك في ابتداء تاريخ حصول الوضع ، ومرجع الشك هنا إلى مجرّد تاريخ الوضع وبدوّ زمانه ، ثم إنه قد يعلم مع ذلك وضع هذا اللفظ لمعنى آخر ، غير هذا المعنى ، ونقله منه إليه مع الشك في تاريخ النقل ، وقد لا يعلم له معنى غير هذا المعنى.

وكيف كان فالكلام في هذا المورد فيما إذا كانت الحاجة إلى تعيين ابتداء الوضع ومن هذه الحيثية لا غير.

الثالث : ما إذا وجد استعمال اللفظ في معنيين مع العلم بوضعه لأحدهما إجمالا ، أو تفصيلا ، والشك في وضعه للآخر أيضا مع عدم القدر الجامع ، أو العلاقة الظاهرة بين المعنيين. هذه هي موارد استعماله.

فإذا استعملوه في المورد الأوّل ، فيعبّرون عنه بأصالة عدم النقل ، ويثبتون به تقدم الوضع الآني ، واتحاده مع الوضع السابق.

وإذا استعملوه في المورد الثاني ، فيعبّرون عنه بأصالة تأخر الحادث ، ويثبتون به تأخر الوضع ، ونفيه عن مورد الشك.

وإذا استعملوه في المورد الثالث ، فيعبّرون عنه بأصالة عدم الاشتراك ، ويثبتون به اتّحاد الوضع ، ومجازية اللّفظ في المعنى الآخر ، خلافا للسيد المرتضى (قدس سره) حيث انه حكم بالاشتراك حينئذ ، لكن خلافه ليس في اعتبار الأصل المذكور بل في المسألة الأخرى ، وهي أنّ الاستعمال من علائم الوضع أولا؟ وهو قدس سره لما زعم أنّه من علائم الوضع ، فحكم هنا بالاشتراك من باب كون الاستعمال دليلا واردا على الأصل

٣٩

لا من جهة عدم اعتبار الأصل من أصله ، ولو لا اختياره ذلك المذهب ثمة لكان موافقا للمشهور هنا في الحكم على الحقيقة والمجاز ، فاعتبار الأصل المذكور بنفسه متفق عليه من الكل حتى السيد قدس سره.

ثم إنّ المحقق الشريف (قدس سره) قد عبّر عن الأصل في المورد الأوّل بالاستصحاب القهقرى ، والظاهر أنّه خلاف اصطلاح القوم ، وأنه اصطلاح جديد منه ، بل الّذي اصطلحوا عليه إنما هو أصالة عدم النقل ، كما ذكرنا.

ثمّ إنّ شيخنا الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سرّه لما رأى منه ذلك ، ورأى أنّه لا معنى للاستصحاب القهقرى ، ولا وجه لاعتباره بوجه فوجّهه تأدّبا منه بأنّه لازم لاستصحاب معتبر ، وهو استصحاب عدم وضع جديد للّفظ غير ما علم له بالنسبة إلى الزمان السابق ، لكنك ستعرف ما في هذا التوجيه أيضا ، من أن اعتبار أصالة عدم النقل من باب الغلبة ، وكونه من باب الاستصحاب على خلاف التحقيق.

المقام الثالث : في ذكر أدلة اعتبار هذا لأصل ، فنقول : إنه لا ريب أنه لا دليل على اعتباره شرعا ، من كتاب ، أو سنة ، أو إجماع.

أما الأول والأخير فواضحان.

وأما الثاني ، فلأن أخبار الاستصحاب ، إنما هي في مقام اعتباره بالنسبة إلى الحكم الشرعي ، المترتب على المستصحب بلا واسطة عادية ، أو عقلية ، فلا تجري في نفس الوضع ، لأنه ليس من الأحكام الشرعية ، ولا في الحكم الشرعي المترتب على تقدم الوضع لكونه بواسطة عقلية ، بل الدليل عليه منحصر في عمل العلماء ، بل كافة العقلاء ، وهو الحجة.

وكيف كان فلا ريب في حجيته ، ومن أنكرها فقد كابر وجدانه ، وأطلق في ميدان العصبية عنانه ، لكنها لم يعلم أنها من جهة ملاحظة الحالة السابقة ، فيكون الأصل من الاستصحاب الغير الشرعي ، أو من جهة الغلبة ، أو من جهة غيرها ، فحينئذ فالشأن في تعيين جهة اعتباره عند العقلاء بالنسبة إلى كل واحد من الموارد الثلاثة المتقدمة.

فنقول : إنه قد ( صرّح ) جماعة من مهرة الفن قدّس سرهم في المورد الأول بأنّ اعتباره ـ من باب الاستصحاب ، والأخذ بالحالة السابقة ، منهم العلاقة في

٤٠