تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

يقال : إنّ فائدة الاشتراك بيان المعنى بنحو الإجمال ، فإنّ كلاّ من التعيين والإجمال ليسا بأنفسهما حسنين ، أو قبيحين ، أو مختلفين ، بل إنّما يختلف حكمهما باختلاف مقتضيات الأحوال ، فقد يقتضي الحال الإجمال ، وقد يقتضي التفصيل والتعيين.

وكيف كان ، فلا مزية للنقل من هذه الجهة على الاشتراك.

مع أنّ هذه على تسليمها لا تتمّ مطلقا ، حتى فيما احتمل النقل بسبب غلبة الاستعمال ، بأن احتمل حدوث الوضع للمعنى الثاني بسبب الغلبة لما قد عرفت أنّ الدوران المذكور ، إنّما يتصوّر في فعل الواضع ، ولا ريب أنّه لا واضع في النقل التعيني ، فإنّ السبب لحصول العلقة إنّما هو غلبة الاستعمالات ، ولا يعقل الترديد المذكور عند المستعملين كما عرفت ، فإنّ أولوية النقل في الوضع التعييني لا تثبت كون اللفظ حينئذ منقولا إلى المعنى الثاني ، لاحتمال أنّ العلقة قد حصلت بسبب غلبة الاستعمال ، وعلى تقديرها لا ربط للأولوية المذكورة في تعيين كون اللفظ مهجورا عن المعنى الأصلي بسبب الغلبة.

هذا في صورة احتمال ذلك ، فكيف بما إذا علمنا بانحصار سبب العلقة بين اللفظ وبين المعنى الثاني في الغلبة.

اللهم إلاّ أن يقال : إنّه لا يحتمل الاشتراك حينئذ ، كما هو المختار المشار إليه سابقا ، وفي مسألة المنقول والمشترك ، فيخرج عن الفرض فيما نحن فيه ، فتدبّر.

والتحقيق : انّ المعتمد في استكشاف الأوضاع أو المرادات ، إنّما هي الوجوه الآتية الراجعة إلى آثار المدلول ، دون الوجوه الآتية الراجعة إلى مقتضياته. وكيف كان ، فالحقّ ، في الفرض المذكور هو تقديم النقل مطلقا.

ولنا على ذلك : غلبة النقل في مثل المقام مطلقا.

وربّما يتمسّك على تقديم الاشتراك بأصالة عدم الهجر ، وبقاء اللفظ على المعنى الأصلي ، لكن ما ذكرنا من الغلبة ، إمّا واردة على هذا الأصل ، بناء على كون الأصول العقلائيّة ، كالشرعيّة أحكاما تعليقية معلقة على عدم وجود دليل وأمارة ، فإنّ الغلبة أمارة فلا يبقى للأصل المذكور موضوع حينئذ ، وإمّا حاكمة عليه ، بناء على اعتبار تلك الأصول من باب الغلبة ، وكونها طرقا ظنيّة لا أحكاما عقليّة ، فإنّ مرجع الأصل المذكور ـ حينئذ ـ إلى غلبة جنسيّة ، وهي غلبة بقاء كلّ شيء على ما كان ، وعلى حالته السابقة ، أو نوعيّة ، وهي غلبة بقاء الاعدام على حالتها السابقة وعدم انقلابها ،

١٨١

فإنّ تلك الغلبة أخفى من الأولى ، فإنّها كانت أعمّ من الوجودات ، وهذه مختصّة بالعدميّات ، والأصول اللفظية كلّها عدميّة داخلة تحت كلّ واحدة من الغلبتين في الأولى بعنوان كونها أفراد من نوعها ، وفي الثانية بعنوان كونها أفراد منها.

وكيف كان ، فمرجع هذا الأصل إلى غلبة جنسية أو نوعيّة ، والتي ادعيناها من الغلبة صنفيّة مختصّة بخصوص الفرض المذكور ، ولا ريب أنّها حاكمة على غيرها نوعيّة كانت أو جنسيّة.

حجّة القول بالتفصيل على الظاهر ـ وإن لم يذكرها المفصّل ـ الغلبة في الموضعين ، فإن الغالب فيما إذا حدث وضع اللفظ للمعنى الثاني من أهل عرف المعنى الأوّل هو الاشتراك ، وفيما إذا حدث من غيره هو النقل ، مضافا إلى ظهور حال ذلك الغير في ذلك ، فإنّ الخارج من عرف إذا تصرّف في لفظ من الألفاظ المستعملة في ذلك العرف ووضعه لمعنى ، فالظاهر من حاله أنّه أراد نسخ الاصطلاحات الثابتة لهذا اللفظ من قبل إلى الآن ، وهجره عن معانيه المتقدّمة ، وهذا الظهور ـ أيضا ـ قسم من الظهورات المعتبرة منشؤه حال الشخص ، لا الغلبة ولا غيره.

وفيه : انّ الغلبة وظهور الحال كلاهما مسلّمان في الفرض الثاني ، لكنّ الغلبة في الفرض الأوّل على عكس ما ذكر من غلبة الاشتراك ، فإن الغالب فيه أيضا النقل.

وكيف كان ، فالذي ادعيناه من الغلبة الصنفية ـ آنفا ـ موجود في المقامين ، فلا وجه للتفصيل المذكور ، فتأمل.

الفرض الثاني : أن يكون للّفظ معنى في الصدر الأوّل ، وعلم نقله منه إلى غير ذلك المعنى ، لكنّه يشكّ في أنّ هذا المعنى الثاني المنقول إليه ، هل هو معناه بحسب اللغة أيضا ، وفي الصدر الأوّل ، بأن يكون اللفظ في الأصل مشتركا بينه وبين المنقول منه ، فيكون تعيّنه في المعنى الثاني من باب اختصاص اللفظ المشترك بأحد معنييه بسبب غلبة الاستعمال ، لا من باب النقل الاصطلاحي ، أو أنّه معنى حادث للّفظ في العرف بأن يكون في الأصل معناه متّحدا ، فنقل في العرف من ذلك المعنى إلى المعنى الثاني ، فيكون من باب النقل الاصطلاحي.

والحق ـ في هذا القسم أيضا ـ تقديم النقل ، والحكم باتحاد المعنى الأصلي ، لغلبة اتحاد معاني الألفاظ ، مضافا إلى أصالة تأخّر وضع اللفظ للمعنى الثاني المنقول إليه ، ومضافا إلى ندرة اختصاص اللفظ المشترك بأحد معنييه.

١٨٢

وتظهر الثمرة بين الاحتمالين ، فيما إذا علم بصدور الخطاب قبل زمن تعيّن اللفظ في المعنى الثاني ، فعلى القول بتقديم الاشتراك يكون الخطاب مجملا ، لتردّده بين أن يكون المراد به المعنى الأوّل ، أو الثاني ، مع عدم القرينة ، وعلى ما اخترنا مبيّنا محمولا على المعنى الأوّل.

وكذا فيما إذا جهل تاريخ النقل ، فإنّ الخطاب ـ حينئذ على ما اخترنا ـ يدخل في صغريات مسألة تعارض العرف واللّغة ، فيأتي فيه الأقوال الثلاثة ثمّة ، فتظهر الثمرة على القول بتقديم اللغة حينئذ ، فإنّ الخطاب على احتمال الاشتراك مجمل ، وعلى ما اخترنا من اتحاد المعنى [ مبيّن ](١) ، فعلى هذا القول يحمل على المعنى الأوّل المهجور عنه اللفظ ، وأمّا على القول بالتوقف ثمّة فلا ثمرة.

هذا ، ثمّ إنّه لا يختصّ ثمرة الاحتمالين بما إذا كان اللفظ متعيّنا في المعنى الثاني عند العرف ، بل تظهر فيما إذا حصل عند أهل اللغة ، فالخطاب مع العلم بصدوره ـ قبل حصوله ـ محمول على المعنى الأوّل على ما اخترنا ، ومجمل على الاحتمال الآخر ، وكذا مع جهل تاريخ الصدور ، فإنّه على ما اخترنا يمكن حمله حينئذ على المعنى الأوّل ، تمسكا بأصالة تأخر حصول وضع اللفظ للمعنى الثاني ، بخلاف الاحتمال الآخر ، إذ عليه وإن كان يجري أصالة تأخر تعين اللفظ في المعنى الثاني إلاّ أنّه يوجب إجمال اللفظ حينئذ ، كما لا يخفى.

الفرض الثالث : إن علم باختصاص اللفظ ووضعه لمعنيين في الآن ، لكن يشك في أنّ وضعه لهما من الواضع ، وأنّهما المعنيان الابتدائيان ، فيكون مشتركا بينهما لغة ، أو أن (٢) الّذي وضع له هو في اللغة معنى ثالث نقل في العرف منه إليهما ، فيكون منقولا إليهما ومشتركا بينهما عرفا.

مقتضى الأصل ، وفاقا للشيخ محمّد تقي (٣) (قدس سره) تقديم الاشتراك اللغوي ، فإنّ أصالة تأخر وضع اللفظ لهذين المعنيين ، وإن كان مقتضى الاشتراك العرفي ، إلاّ أنّ في قبالها أصلين آخرين مقتضيين للاشتراك اللغوي ، وهما أصالة عدم وضع اللفظ للمعنى الثالث في اللّغة ، فإنّ أصالة تأخر الوضع مثبتة لوضع اللفظ لغة في

__________________

(١) أثبتناها لاحتياج المعنى إليها ، وبدونها لا يتمّ.

(٢) في الأصل ( دون ) ولعله من سهو النسخ.

(٣) هداية المسترشدين : ٦٦.

١٨٣

معنى ثالث ، والأصل عدمه ، وأصالة بقاء الوضع اللغوي على حاله وعدم تغيّره ، فإنّ النقل موجب لتغيّره ، فواحد من هذين الأصلين يعارض أصالة التأخر ، ويبقى الأصل الآخر سليما عن المعارض ، فيعيّن به الاشتراك اللغوي.

وتظهر الثمرة فيما إذا علم بصدور الخطاب قبل تعين اللفظ في المعنيين مع جهل التاريخ ، بناء على تقديم المعنى اللغوي.

المسألة الثانية : الدوران بين الاشتراك والتخصيص.

وقد ذكروا أنّ التخصيص أولى من الاشتراك ، واستدلّوا عليه بما يرجع إلى أنّ التخصيص أفيد من المجاز ، الّذي هو أفيد من الاشتراك ، فيكون أولى من الاشتراك ، لأنّ الخير من الخير من شيء خير من ذلك الشيء بالضرورة.

هذا ، وقد عرفت ضعف الركون إلى هذه الوجوه ، وأمثالها من الوجوه الآتية ، لعدم صلاحيتها لتغليب أحد الجانبين ، وعدم ارتباطها بالمقام في شيء ، فالأولى الركون إمّا إلى الأصول أو الغلبة.

فنقول : مقتضى الأصول هنا التوقف ، لأنّ كلاّ من الاشتراك ، والتخصيص مخالف للأصل ، إلاّ أن يرجّح الاشتراك ، بأنّ التخصيص أكثر حوادث من الاشتراك ، لأنّهما وإن تساويا في الاحتياج إلى القرينة ، وملاحظتها ، وسائر ما يتفرّع على وجود القرينة ، إلاّ أنّ التخصيص قسم من المجاز ، وهو يستدعي وجود أمر زائد على دواعي الكلام في نفس المتكلم ، والأصل عدمه.

وفيه أنّه معارض بأصالة عدم الوضع ، فافهم.

وأما الغلبة فهي في جانب التخصيص ، لكونه أكثر دورانا في لسان العرب ، فيكون أرجح ، وكيف كان فقد مثّل له مثالان :

أحدهما قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) (١) وذلك أنّ النكاح إن كان حقيقة في العقد خاصة ، فمقتضى ذلك الحمل عليه ، والتزام التخصيص بإخراج المعقود عليها من دون وطء ، وإن كان مشتركا بين العقد والوطء ، كانت الآية في المعقودة المجردة عن الوطء مجملة ، كذا قالوا.

وفيه : انّ الواجب ـ على فرض الاشتراك ـ الحمل على المعنى الّذي لا يلزمه

__________________

(١) النساء : ٢٢

١٨٤

تخصيص ، وهو الوطء ، لأنّ المشترك إذا كان أحد معنييه مستلزما لتخصيص ، ونحوه من الأمور المخالفة لأصل الحقيقة تعيّن الآخر.

أقول : لا يختصّ الإجمال في لفظ النكاح ، حينئذ بالمعقود عليها من دون وطء ، بل مقتضى الاشتراك إجماله في كلا المعنيين.

فإن قيل إنّ إرادة الوطء منه معلومة قلنا فعدم إرادة العقد معلوم أيضا ، لعدم جواز استعمال المشترك في معنييه.

وثانيهما : قول القائل جمع الأمير الصاغة ، إذا أريد به صاغة البلد ، وشكّ في أنّه عام مخصّص بصاغة البلد ، أو مشترك بين العموم والخصوص.

وفي كل من المثالين نظر : أما الأوّل ، فلما ذكره بعض السادة (١) المحققين ، من أنّ النكاح في اللغة حقيقة في الوطء خاصّة ، وفي الشرع حقيقة في العقد خاصّة ، فأين احتمال الاشتراك ، ولو احتمل بقاء وضعه للمعنى اللغوي ، مع ثبوت حقيقته في العقد شرعا ، فيدور الأمر بين الاشتراك والنقل ، فأين هذا من الدوران بين الاشتراك والتخصيص.

وفيه : انّا نختار الفرض الثاني ، أعني احتمال بقاء وضع اللفظ للمعنى الأصلي ، لكن قوله : فأين احتمال التخصيص ممنوع ، فإنّ النقل لا ينافي التخصيص ، بل يمكن معه تصوّر دوران الأمر بين الاشتراك والتخصيص أيضا ، كما إذا كان المعنى الثاني عامّا مع إرادة بعض الأفراد منه ، كما في المثال المذكور ، فيلزم التخصيص على فرض النقل ، فيدور الأمر بين الثلاثة ، لكن محل البحث إنّما هو دوران الأمر بين الاشتراك والتخصيص ، وإن كان التخصيص لازما للنقل ، لكن الكلام من جهة النقل غير منظور إليه.

وكيف كان ، مع احتمال بقاء الوضع للمعنى الأوّل يتصوّر الدوران بين

__________________

(١) ولعله السيد الكاظمي (قدس سره) في المحصول ( مخطوط ) في تعارض الأحوال ـ السادسة بين الاشتراك والتخصيص ـ فانّه بعد ذكره للآية الشريفة بعنوان أنه قد اشتهر التمثيل لذلك بقوله تعالى « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم » أورد على الاستدلال بها للمقام بما هذا نصّه : ( وفيه أنّ الحقيقة الشرعية متى ثبتت تعيّن النقل ، سواء قلنا إنّ الوضع فيها بطريق التعيّن أو التعيين ، وإن لم تثبت تعيّن حمله على المعنى اللغوي ، على أن هذا تعارض بين النقل والاشتراك ، أقصى ما هناك أنّه على النقل لا بدّ من اعتبار التخصيص ، ثم نقول : إن ثبت النقل في الشريعة ، وبطل احتمال الاشتراك ـ كما هو الظّاهر ـ فلا تعارض ، وإن لم يثبت تعيّن الحمل على المعنى اللغوي ـ كما هو الضّابط ـ ولا تعارض.

١٨٥

الاشتراك والتخصيص في المثال المذكور ، لكن يشكل التمسك ـ حينئذ ـ بغلبة التخصيص على تقديمه على الاشتراك ، فإنّه مسبب عن النقل ، ولا ريب أنّ الاشتراك أكثر من النقل ، فيقدّم على النقل ، فلا بدّ من البناء على عدم التخصيص ، لانتفاء سببه ، وكيف كان ، فغلبة الاشتراك في المثال حاكمة على غلبة التخصيص.

لكن يمكن دفعه : بأنّ الغالب من الاشتراك غير مثل هذا الاشتراك ، فإنّ الغالب في مثل المقام النقل ، وهجر اللفظ عن معناه الأصلي ، بل عرفت ـ في مسألة النقل ـ امتناع بقاء وضع اللفظ للمعنى الأوّل ، مع وصوله إلى حد الحقيقة في المعنى الثاني ، إذا كان سبب الاختصاص غلبة الاستعمال.

ومن هنا يظهر أنه لو كان النكاح حقيقة في العقد بالوضع التعيني الحاصل بغلبة الاستعمال ، لا معنى لاحتمال الاشتراك ، والظاهر أنّ النكاح من هذا القبيل ، فيتّجه قول السيد (قدس سره). وأمّا الثاني فلقيام القرينة العقليّة على إرادة الخصوص منه ، لاستحالة جمع جميع صاغة جميع البلدان ، فتنتفي الثمرة بين الاحتمالين ، وإن كان الدوران حاصلا بينهما.

ثم إنّ الدوران بين الاحتمالين ـ أعنى الاشتراك والتخصيص ـ قد يكون في لفظ واحد ، وقد يكون في لفظين ، مثال الأوّل : ما تقدّم من قوله تعالى ( ولا تنكحوا ) (١) الآية ، ومثال الثاني : قول السيّد لعبده مثلا ( أكرم العلماء ، ولا تكرم زيدا ) على أن يكون زيد مردّدا بين كونه علما للعالم الفلاني خاصّة ، وبين كونه مشتركا بينه وبين الشخص الآخر غير العالم ، فعلى الأوّل يجب تخصيص العلماء بغير زيد العالم ، وعلى الثاني محمول على عمومه ، ويحمل زيد على الشخص غير العالم ، بناء على ما اخترناه في محلّه ، من أنّ المجمل في أحد الخطابين مبيّن بخطاب آخر مبيّن ، ويحمل على ما لا ينافي العموم.

ثمّ التحقيق في القسم الأوّل ، ـ أمّا بمقتضى الأصول ـ التوقف ، لأنّ التخصيص والاشتراك كلاهما مخالفان للأصل ، فأصالة عدم كلّ منهما يعارض أصالة عدم الآخر.

اللهم إلاّ أنّ يرجّح أصالة عدم التخصيص ، نظرا إلى أنّه قسم من المجاز ، ولا

__________________

(١) النساء : ٢٢.

١٨٦

ريب أنّه لا بدّ فيه من ملاحظة بعض النكات البديعيّة ، وتعلّق الغرض بإفادتها ، ولا كذلك على احتمال الاشتراك ، إذ لا بدّ فيه من قرينة معيّنة فحسب ، من دون ملاحظة شيء من الأغراض البديعيّة ، فالأصل عدم

ذلك الغرض الزائد وملاحظته ، فيثبت الاشتراك.

هذا مضافا إلى أنّ في تقديم التخصيص مخالفة للأصل مرّتين :

أحدهما : أصالة عدم التخصيص ، وأصالة عدم ملاحظة الغرض الزائد ، كما عرفت.

وثانيهما : أصالة عدم النقل ، فإنّ التخصيص مسبّب عن النقل.

لا يقال : فعلى هذا فأصالة عدم التخصيص غير جارية لما تقرّر في محلّه من أنّ الأصل في المسبّب لا يجري إذا جرى في سببه ، سواء كان الأصل في المسبّب موافقا للأصل في السبب أو مخالفا.

لأنّا نقول : هذا مسلّم فيما إذا لم يبتل الأصل في السبب بمعارض ، وأمّا مع ابتلائه به فالأصل في المسبب جار بلا شبهة ، هذا مقتضى الأصول.

وأمّا الغلبة ، فهي من جانب التخصيص ، وقد عرفت ما فيها في خصوص المثال المذكور ، ولا يكاد يتصوّر لدوران الأمر بين الاشتراك والتخصيص في لفظ واحد مثال من غير سنخ المثال المذكور ، بأن يكون التخصيص مسبّبا عن غير النقل.

وأمّا القسم الثاني ، أعني دوران الأمر بين الاشتراك والتخصيص في لفظين ، كما في المثال الّذي ذكرنا ، وهو قولنا : أكرم العلماء ، ولا تكرم زيدا ، إذا احتمل (١) اشتراك زيد بين الشخص الفلاني العالم وبين غيره ، فلنقدّم الكلام أولا في مقتضى الغلبة ، لقلّته بالنسبة إلى الكلام في مقتضى الأصول.

فنقول : لا يخفى أنّ الغلبة من جانب التخصيص ، فهي تقتضي تقديمه ، لكن يشكل الركون إليها في هذا القسم ، لما قد عرفت في مبحث المجاز المشهور من عدم صلاحية الشهرة لكونها صارفة ، إلاّ على قول أبي يونس ، وقد عرفت ضعفه ، ولا ريب أنّ الركون إليها ـ في هذا القسم ـ معناه صرف العام عن عمومه إلى التخصيص ، وإنّما اعتمدنا عليها في القسم الأوّل ، لأنّ المقابل لها فيه إنّما هو غير التخصيص لا العموم.

__________________

(١) في الأصل ( إذ احتمال ) ولا يستقيم المعنى معه.

١٨٧

وبعبارة أخرى : إنّ إرادة الخصوص معلومة في القسم الأوّل ، لكن الشك في أنّها من باب التخصيص ، أو من باب استعمال اللفظ المشترك في أحد معنييه ، هذا بخلاف هذا القسم ، فإنّ اللفظ المحتمل فيه التخصيص وضعه للعموم قطعيّ ، لم يعلم إرادة الخصوص منه بعد ، فالركون إلى الغلبة يقتضي صرفه عن ظاهره.

والحاصل : إنّ الشهرة يركن إليها فيما إذا قامت قرينة صارفة على خلاف ظاهر اللفظ ، فيتردّد المراد بين مجازات ، فتكون هي معينة لإرادة المجاز الغالب في إرادته ، لا في الظواهر الأبكار التي لم يعرضها ما يصرفها عمّا هي ظاهرة فيه.

وأمّا الأصول ، فمقتضاها تقديم التخصيص في العام ، لكن بملاحظة مقدمتين وعلى تسليمهما :

الأولى : إنّ أصالة العموم من الأصول بإرجاعها إلى استصحاب عدم المخصص ، كما في الأصول الجارية في مقام تعيين الأوضاع ، حيث إنّها راجعة إلى الاستصحاب على تأمّل.

الثانية : تعميم قاعدة المزيل والمزال ، بأن يقال : إنّه كلّما تسبب الشك في شيء عن الشّك في شيء آخر ، فالأصل في ذلك الشيء الآخر مزيل للأصل في الأوّل مطلقا ، سواء كان بين أنفسهما ـ أيضا ـ سببية واقتضاء أولا. فبملاحظة هاتين المقدمتين وتسليمهما ، لا بدّ من الحكم بالتخصيص في العام ، إذ لا ريب أنّ الشك في العموم مسبّب عن الشك في الاشتراك في لفظ آخر ، كلفظ زيد في المثال المذكور ، إذ لو أحرز كونه متّحد المعنى باختصاص وضعه للشخص العالم يتعيّن كونه مخصّصا للعام ، وإلاّ لزم اللغو في ذلك اللفظ ، نظرا إلى أنّه لم يرد منه هذا المعنى الّذي هو من أفراد العام ، ويلزم خلوّه عن إفادة المعنى ، لعدم معنى آخر له بالفرض ، ولا ينعكس التسبيب بأن يقال : إنّ الشك في الاشتراك مسبّب عن الشك في العموم فإنّ تخصيص العامّ لا ينافي اشتراك زيد ، لإمكان إرادة الشخص العالم منه ، فلا يجوز أن يقال : الأصل عدم التخصيص ، فيثبت الاشتراك في زيد.

وكيف كان ، فإذا ثبت أنّ الشك في التخصيص مسبّب عن الشك في اشتراك زيد ، والمفروض أنّ أصالة العموم من الأصول ، لا الأمارات ، فأصالة عدم الاشتراك مزيل لأصالة العموم ـ المعبّر عنه بأصالة عدم التخصيص ـ فثبت التخصيص.

١٨٨

وإنّما اعتبرنا المقدّمة الأولى ، لأنّه لو بني على كون أصالة الظهور التي من أفرادها أصالة العموم من الأمارات ، بأن يكون المدار في اعتبارها على الظن ولو نوعا ، لا يبقى معنى لأصالة عدم الاشتراك ، وكونها مزيلة لأصالة العموم ، فإنّ أصالة العموم ـ حينئذ ـ نسبتها إلى أصالة عدم الاشتراك من نسبة الدليل إلى الأصل ، ولا ريب أنّ موضوع دليل اعتبار الأصل مقيّد بعدم الدّليل ، فمعه لا اعتبار للأصل أصلا ، سواء كان الشك في مجراه سببا للشك في العموم أولا بل يكون الدّليل طريقا إلى ثبوت مؤدّاه فتنبّه

ومن هنا يظهر أنّ تقديم المشهور للتخصيص على الاشتراك في المقام ، لو كان مع فرض كون أصالة العموم أمارة ، لا وجه للتقديم ، بل ينبغي العكس.

وأمّا وجه اعتبار المقدمة الثانية فواضح ، إذا لو لم نقل بتعميم القاعدة المذكورة ، واقتصرنا فيها بما إذا ثبت الاقتضاء في نفس المزيل والمزال ، كما رجّحناه سابقا ، وأشرنا إلى اختياره في عدة مواضع ، في مقام الرد على من تمسّك بالقاعدة المذكورة بمجرّد ثبوت التسبيب من حيث الشك ، لكن الّذي يرجّح في النّظر الآن تعميم القاعدة المذكورة ، وفاقا لشيخنا الأستاذ (١) دام ظله.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ أصالة العموم ، كسائر الأصول اللفظيّة الجارية في تعيين المراد أمارة ، لا أصل تعبّدي ، لما عرفت من أنّ دليل اعتبارها كسائر الأصول اللفظية إنّما هو بناء العقلاء وسيرتهم ، ولا ريب أنه لا يعقل التعبّد في أفعالهم من دون آمر لهم ، كما هو المفروض المسلّم في الأصول ، فيجب البناء على العموم.

ثم إنّه هل يثبت به اشتراك اللفظ الآخر أولا؟ الظاهر هو الثاني ، لعدم ثبوت بناء العقلاء من أهل اللسان على إثبات ذلك بمجرّد أصالة العموم.

نعم لو علم الاشتراك ، وتردّد اللفظ بين أن يكون المراد به الخاصّ ، الّذي هو أحد أفراد العامّ ، وأن يكون المراد به المعنى الآخر ، فيمكن التمسك بأصالة العموم في رفع الإجمال عن اللفظ الآخر ، وحمله على المعنى الآخر الّذي لا ينافي العموم.

ثم إنّ حال الاشتراك مع سائر المجازات غير التخصيص ، كحاله مع التخصيص ، فإنّ أصالة الحقيقة في غير العمومات أمارة على إرادة مؤدّاها ، فلا يبقى معها لأصالة عدم الاشتراك بعد مورد.

__________________

(١) فرائد الأصول : ٤٥ عند قوله : ولذا لو قال المولى : ( أكرم العلماء ) ثم ورد قول آخر من المولى ( لا تكرم زيدا ) واشترك زيد بين عالم وجاهل فلا يرفع اليد عن العموم بمجرّد الاحتمال إلخ.

١٨٩

المسألة الثالثة : الدوران بين الاشتراك والمجاز ، ويقع الكلام فيها تارة مع قطع النّظر عن الاستعمال ، وتارة بالنظر إليه.

فعلى الأوّل : لا خلاف في تقديم المجاز ، بل صرّح بعضهم على ما حكى عنه بخروجه عن مسألة الدوران ، وقد أكثر الكلام في ذلك ـ أعنى تقديم المجاز ـ بعض أفاضل المتأخّرين ، حتى أنّه استدلّ عليه بالأدلّة الأربعة.

لكن فيه ما عرفت سابقا ، من عدم ارتباط الأدلّة الشرعيّة كالكتاب والسنة والإجماع بما نحن فيه ، لما عرفت من أنّ دليل اعتبار الأصول الجارية في الألفاظ ، سواء كانت في مقام تعيين الأوضاع ، أو في تعيين المراد ، إنّما هو بناء العقلاء من أهل اللسان ، وسيرتهم لا غير.

وأمّا على الثاني : فيرجع البحث إلى كون الاستعمال دليلا على الوضع وعدمه ، وقد عرفت الكلام فيه في مسألة الاستعمال بحذافيره ، وعرفت الأقوال فراجع ، فمن رجّح ثمّة كونه دليلا ـ كالسيّد ـ (١) ، يحكم فيما نحن فيه بالاشتراك ، ومن لا يرجّحه لا يحكم به ، بل إمّا متوقّف ، أو مقدّم للمجاز ، كما هو المختار.

المسألة الرابعة : الدوران بين الاشتراك والإضمار :

اعلم أوّلا : أنّه لا يخفى أنّ الإضمار إنّما هو عدم ذكر لفظ تعلّق الغرض بمعناه أيضا ، ولا ريب أنّ عدم الذّكر موافق للأصل ، فما وجه تسميته وجعله مخالفا للأصل؟

ويمكن توجيهه بوجهين :

الأول : أنّ الإضمار وإن كان في نفسه أمرا عدميّا ، فيكون موافقا للأصل من هذه الجهة ، لكنّه مسبّب عن أمر وجودي ، وهو ملاحظة غرض زائد ، كما في المجازات ، فإنّه لو لم يكن غرض المتكلم متعلّقا بأمر زائد عن إفادة المطلب ، لما أضمر ، فكونه مخالفا للأصل من هذه الجهة ، فيكون معناه كونه مستلزما لمخالفة أصل ، أي الاستصحاب.

الثاني : أن يكون المراد بكونه مخالفا للأصل ، كونه مخالفا للقاعدة ، بإرادة القاعدة من الأصل ، فإنّ قاعدة التجاوز تقتضي أن يكون المبادي ، أي الألفاظ بمقدار المعاني ، بأن يأتي المتكلم بألفاظ تفي بتمام مراده ، فحذف بعض تلك الألفاظ مخالف لتلك القاعدة.

__________________

(١) الذّريعة المجلد الأوّل : ١٣ وإليك لفظه : ولهذا نقول : إن ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شيء دلالته على أنّها حقيقة فيه إلاّ أن ينقلنا ناقل عن هذا الظّاهر. ( وقد أشرنا إلى موارد كثيرة أخرى إن شئت فراجع الهوامش في تلك المسألة ).

١٩٠

وكيف كان ، فقد مثل للدوران في تلك المسألة بقوله صلى الله عليه وآله ( في خمس من الإبل شاة ) (١) ، فإنّ كلمة في إن كانت مشتركة بين الظرفية والسببية ، كما عن الكوفيين ، صارت الرواية مجملة ، من حيث دوران الواجب في زكاة الإبل بين مقدار الشاة أو نفس الشاة ، وإن كانت مختصّة بالظرفية ومجازا في السببية ، كما عن البصريين ، فيتعيّن كون الواجب هو مقدار قيمة شاة من خمس من الإبل ، فيلزم الإضمار بتقدير المقدار ، وقد صرّح بعض المحققين على ما حكي عنه بأنّه على تقدير الاشتراك لا إجمال ، بل المراد به حينئذ هو نفس الشاة.

ولعلّ نظره إلى ما تقرّر في محلّه ، من أنّه إذا كان حمل المشترك على أحد معنييه مستلزما لمخالفة أصل ، فذلك الأصل يرجّح المعنى الآخر الموافق له ، ولمّا كان حمل كلمة في على الظرفية مستلزما للإضمار ، لعدم معقوليّة الظرفية الحقيقية ، إذ مقتضاها كون الشاة في خمس من الإبل بعنوان الظرفية والمظروفية ، وهو غير معقول ، فلا بد من إضمار المقدار المخالف للأصل.

هذا بخلاف ما لو حملت على السببية فإنّها حينئذ سليمة عما ذكر ، فيكون معنى الحديث أنّه تسبب خمس من الإبل شاة ، فيكون الواجب هو نفس الشاة لا قيمتها المتعلقة بخمس من الإبل بعنوان المالية المشاعة وهذا جيد.

ثم إنّه تظهر الثمرة فيما إذا باع واحدا من الأباعير ، فعلى إرادة الظرفية ، فالزكاة متعلقة بنفس الأباعير ، فلو لم يكن المشتري عالما بالحال ثمّ اطلع عليه ، فله أن يفسخ البيع لخروج بعض المبيع ، ولو إشاعة مستحقا للغير أعني الفقراء.

وكيف كان ، فقد اختلفوا في المقام ، فقال العلاّمة (قدس سره) في التهذيب (٢) على ما حكي عنه ، الإضمار أولى من الاشتراك ، لاختصاص الإجمال ببعض الصور في الإضمار وعمومه في الاشتراك ، وقد عرفت ما في هذا النحو من الاستدلال على الترجيح.

مضافا إلى عدم تماميّته في نفسه ، فإنّه إن أراد بعموم الإجمال في المشترك عمومه بالنسبة إلى ما لم يقم قرينة التعيين فهو مسلّم.

__________________

(١) عوالي اللئالي ٢ : ٢٢٩ ، ٥ ، وسنن ابن ماجة ١ : ٥٧٣ ، حديث ١٧٩٨.

(٢) تهذيب الوصول إلى علم الأصول : ١٦ ، الفصل الثامن في تعارض الأحوال عند قوله : ج : الإضمار أولى من الاشتراك لاختصاص الإجمال في بعض الصّور في الإضمار وعموميّته في الاشتراك.

١٩١

لكنه لا يختصّ بالاشتراك ، بل الإضمار أيضا هكذا ، فإنّه ما لم يقم قرينة على تعيين المضمر ، من عقل ، أو نقل ، أو حال ، أو مقال ، فهو أيضا مجمل كالمشترك ما لم يقم عليه قرينة التعيين ، وإن ادعى عموم الإجمال بالنسبة إلى جميع صور إطلاق المشترك حتّى إذا قام قرينة التعيين واختصاصه في الإضمار ما لم يقم قرينة التعيين ، فهذا ممّا نقطع بعدم إرادته ممّن دونه في الفضل والكمال ، فكيف به (قدس سره).

والحاصل ، انّه لا فرق بين الاشتراك والإضمار في اختصاص الأصل فيهما بصورة عدم قيام قرينة التعيين ، وارتفاعه عنهما فيما قامت تلك القرينة.

وكيف كان ، فالصواب أن يجعل المرجع والمآب في الباب أحد الأمرين على سبيل منع الخلوّ ، وهما الأصول والغلبة ، لا الرجوع إلى الوجوه الآتية ، فإنّها لا تفيد ترجيح إرادة المعنى الفلاني عند المتكلم.

فنقول : أما الأصول ـ على ما اختاره المحقّق القمي (١) رحمه الله ـ فمقتضاها التوقف ، إذ كل من الاشتراك والإضمار خلاف الأصل ، فيتعارضان ولا ترجيح ، فيجب التوقف.

وربّما يناقش في الثاني ـ أعني أصالة عدم الإضمار ـ بأنّ الإضمار عدم الذّكر ، فهو موافق للأصل ، فلا وجه لجعله مخالفا له.

وجوابه يظهر ممّا قدّمناه من الوجهين ، لكونه مخالفا للأصل.

وكيف كان فالأظهر تقديم الإضمار على الاشتراك ، إذ الشك فيه مسبّب عن الشك في الاشتراك ، فبأصالة عدمه يثبت اتحاد المعنى ، فيتعيّن الإضمار ، فأصالة عدم الاشتراك مزيل لأصالة عدم الإضمار.

وأمّا الغلبة ، فهي أيضا تقتضي تقديم الإضمار ، لأنّ المرجع حقيقة إلى الدوران بين اتحاد المعنى وتعدّده ، ولا ريب أنّ الغالب هو الاتحاد ، فيثبت بها اختصاص كلمة ( في ) مثلا بالظرفية إذ المفروض كون وضعها لها متيقّنا.

تنبيه : اعلم أنّه إذا وقع التعارض بين أصل من الأصول الجارية في تشخيص الظواهر ، كأصالة عدم النقل ، وأصالة عدم الاشتراك ، وبين أصل من الأصول الجارية في

__________________

(١) في القوانين : ٣٢.

١٩٢

تشخيص المرادات ، فلا بدّ من النّظر في أنّ مرجع التعارض بينهما إلى مزاحمة الأوّل لنفس الدلالة التي يقتضيها اللفظ ، أو إلى مزاحمته لكون تلك الدلالة مرادة.

والقسم الأول إنّما يتصوّر في لفظ واحد ، ومثاله الحديث المتقدّم ، وهو قوله عليه السلام ( في خمس من الإبل شاة ) ، فإنّ أصالة عدم الاشتراك التي في لفظة ( في ) معارضة بأصالة عدم الإضمار فيها ، ولا ريب أنّ أصالة عدم الاشتراك مزاحمة لدلالة كلمة ( في ) على السببية.

والقسم الثاني مورده لفظان ، ومثاله قول المولى لعبده ( أكرم العلماء ) و ( لا تكرم زيدا ) ، فيتردّد لفظ ( زيد ) بين كونه مشتركا بين العالم الفلاني المسمى به ، وبين غيره ، من غير أفراد العالم ، وبين اختصاص وضعه بزيد العالم ، فيلزم على الثاني تخصيص العلماء بغير زيد العالم ، بخلاف الأوّل ، فأصالة عدم التخصيص التي هي من الأصول الجارية في تشخيص المراد في لفظ ( العلماء ) معارضة بأصالة عدم الاشتراك في لفظ ( زيد ) ولا ريب أنّ أصالة عدم الاشتراك مزاحمة لكون زيد العالم مرادا من العلماء ، لا لدلالة العلماء على العموم ، إذ لا تنافي بين كون زيد متّحد المعنى ، وبين كون العلماء دالاّ على العموم بحسب الوضع.

فإذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه إذا رجع التعارض إلى القسم الأوّل ، فلا شبهة أنّ الأصل في جانب الوضع مزيل للأصل في تشخيص المراد ، فإنّ الشك في المراد ـ حينئذ ـ مسبب عن الشك في دلالة اللفظ ، وأنّه ظاهر في ما ذا؟ فإذا جرى الأصل المشخّص له ، فلا يبقى للأصل الآخر مورد ، وإذا رجع إلى القسم الثاني ، فلا شبهة في أنّ الأصل المشخص للمراد قاهر على الأصل الجاري في تشخيص الظاهر ، ومزيل له بعكس السابق ، بناء على كون الأصول الجارية في تشخيص المرادات أمارات ، بأن يكون اعتبارها من باب الظنّ ، وكون الأصول الجارية في تشخيص الظواهر معتبرة من باب التعبّد العقلائي ، فإنّ نسبة الأولى إلى الثانية ـ حينئذ ـ من نسبة الدليل إلى الأصل ، ولا ريب أنّه ينتفي موضوع الأصل بالدليل.

وأمّا إذا قلنا : إنّ الثانية أيضا أمارات كالأولى ، فيتكافأ الأصلان كتكافئ سائر الأمارات ، وإنّما لم نذكر هذا التفصيل في القسم الأوّل ، لأنّ مرجع التعارض فيه حقيقة إلى تعارض أصلين من الأصول الوضعيّة ، وأنّ الأصل المشخص ليس في عرض الأصل الآخر المعارض له المشخص للظهور ، بل إنّما هو مترتّب ومتفرّع على أصل

١٩٣

وضعي ، يرجع التعارض حقيقة إلى ما بينه وبين الأصل الآخر الّذي هو مثله ، فإذا فرض ترجيح الأصل الآخر عليه ، فلا يبقى للأصل المشخص للمراد مورد ، لانتفاء مبناه بترجيح غيره عليه ، فلا فرق حينئذ بين أن تكون الأصول الوضعيّة معتبرة من باب الظن أو من باب التعبد ، فتدبّر.

المسألة الخامسة : الدوران بين النقل وبين التخصيص ، أو بينه وبين التقييد مقتضى الغلبة تقديمهما على النقل ، ولأنّهما قسمان من المجاز ، والمجاز مقدّم على النقل ، كما سيأتي ، فهما مقدمان عليه ، بل هما أولى بالتقديم ، لكونهما أرجح من سائر المجازات.

وأمّا الأصول فهي معارضة ، لأنّ كل واحد من التقييد والنقل أو التخصيص مخالف للأصل.

لكن الأقوى تقديم أصالة عدم النقل على أصالة عدم التخصيص أو التقييد إذا كان الدوران بينهما وبين النقل التعيّني ، والتساقط إذا كان الدوران بينهما وبين النقل التعييني ، وسيأتي وجه التفصيل في المسألة الآتية ، فإنّ التقييد والتخصيص قسمان من المجاز ، مع احتمال تقديمهما عليه حينئذ أيضا بملاحظة أنّ الشك فيهما مسبّب عن الشك في النقل ، فمع جريان أصالة عدم النقل لا يجري أصالة عدم المخصص أو التقييد ولعلّه الأظهر.

ومثال دوران الأمر بين التقييد والنقل ، هي الألفاظ التي ادعى كونها حقائق شرعية ، حيث أنّها في الأصل موضوعة للمعاني الكلية ، لكن الشارع علّق أحكامه على بعض أفرادها ، فوقع الشك في أنّها نقلت في لسانه إلى تلك الأفراد ، أو أريدت الأفراد مجازا بمعنى أنّ المراد هي المعاني الكلية المقيدة بتلك القيود ، وأنّها أي تلك الألفاظ باقية على أوضاعها اللغوية ، كما يقوله الباقلاني (١).

المسألة السادسة : الدوران بين النقل والمجاز ، ذهب جلّهم إلى تقديم المجاز ، نظرا إلى أنّ النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان بخلاف المجاز ، فإنّه أمر معهود لا يتوقّف على

__________________

(١) وإليك بنصّ كلامه على ما في هامش المنية المخطوطة في مبحث الحقيقة الشرعية عند قوله فمنعه القاضي أبو بكر مطلقا ، قال : إنّ الشرع لم يستعملها إلاّ في الحقائق اللغويّة ، والمراد بالصلاة المأمور بها هو الدعاء ، ولكن أقام الشرع أدلّة أخرى على أنّ الدعاء لا يقبل إلا بشرائط مضمومة إليه.

وفي شرح الوافية للسيد الأعرجي هكذا : وبالجملة فالنّفي إنما نسبه الآمدي والرازي وغيرهما إلى القاضي أبي بكر.

وفي كتاب تيسير التحرير الجزء الثاني : ١٥ ـ ١٧ أيضا نسبه إليه.

١٩٤

ذلك ، فلما لم يثبت الاتفاق المذكور ، فالحمل على المعهود المتعارف.

وفيه ما لا يخفى : أما أولا ، فلأن النقل ـ أيضا ـ أمر معهود متعارف.

وثانيا : أن توقّفه على اتفاق أهل اللسان ممنوع ، بل قد يحصل من شخص واحد متّبع يتبعه الباقون من أهل اللسان في الاستعمال ، سيما إذا كان النقل من أهل اصطلاح خاص.

والتحقيق أن يقال : إن الدوران بينهما ـ أي المجاز والنقل ـ إمّا في لفظ واحد ، وإمّا في لفظين ، فعلى الأول ، إما أن يكون النقل المبحوث عنه تعينيّا أو تعيينيّا ، وعلى الأول يتصور صورتان :

الأولى : أن يعلم بمقدار من استعمالات اللفظ في المعنى ـ المبحوث عنه ـ غير كاف في حصول النقل ، ولو مع عدم القرينة المتصلة ، ويشك في حصول أزيد من هذا المقدار إلى حد يوجب النقل عادة.

الثانية : أن يعلم بتحقّق مقدار من استعمالاته فيه ، بحيث لو فرض حصولها بدون القرينة المتصلة (١) لكانت موجبة للنقل يقينا ، لكن يشكّ في صفة هذه الاستعمالات المجازية ، بأنّها هل حصلت مع القرينة المتصلة ، فلم يتحقق النقل ، أو مع المنفصلة فيتحقق النقل.

ففي الأولى ، التعارض بين أصالة عدم الاستعمالات الزائدة على القدر المعلوم الآتية إلى النقل ، وبين أصالة عدم القرينة في الاستعمال الخاصّ ، المبحوث عن كونه على وجه الحقيقة من جهة حصول النقل ، أو على وجه المجاز من حيث عدم النقل.

ولا ريب أنّ العمل بالأول متعين ، فإنّ مخالفته منحلة إلى مخالفات لأصول كثيرة بتعدد الاستعمالات المشكوكة الزائدة عن المقدار المعلوم ، مضافا إلى استصحاب بقاء الوضع ، وعدم هجر اللفظ عن المعنى الأصلي ، ومضافا إلى الغلبة في جانب المجاز ، وأصالة عدم القرينة ـ في الاستعمال الخاصّ المذكور ـ تعارض مع مثلها بالنسبة إلى واحد من الاستعمالات المشكوكة ، فيبقى الأصل سليما عن المعارض ، مضافا إلى ما عرفت من الغلبة واستصحاب عدم هجر اللفظ عن معناه الأصلي.

هذا مع أن أصالة عدم النقل ، لما كانت من الأصول الوضعيّة ، فهي مزيلة

__________________

(١) هذا بناء على المختار من اشتراط ـ كون الاستعمالات المجازيّة محصّلة ـ بالقرائن المنفصلة ، وإلاّ فجماعة لم يفرّقوا بينها ، وحكموا بحصول النقل بها مع المتّصلة منه طاب ثراه.

١٩٥

لأصالة عدم القرينة ـ في الاستعمال المفروض الخاصّ ـ كما عرفت وجهه آنفا.

وفي الثانية التعارض بين أصالة بقاء الوضع الأول ، وبين أصالة عدم القرينة في الاستعمال الخاصّ ، فان الأصل لا يجري في الاستعمالات المعلومة القابلة للنقل ، لو كانت بلا قرينة متصلة.

وكيف كان ، فالأقوى تقديم المجاز على النقل ، فان الأصلين المذكورين ، وإن كانا متعارضين ومقتضاه التساقط ، إلا أن أصالة عدم النقل مزيل لأصالة عدم القرينة ، مضافا إلى غلبة المجاز.

وأمّا على الثاني ـ أي على كون النقل تعيينيّا ـ فيتعارض أصالة عدم النقل مع أصالة عدم القرينة في الاستعمال المذكور ، ولا يجري أصالة عدم الاستعمالات الآتية إلى النقل ، لعدم الحاجة إلى تلك الاستعمالات في النقل التعييني.

وكيف كان ، فمقتضى التعارض التساقط والتوقف ، إلاّ أن أصالة عدم النقل مزيلة لأصالة عدم القرينة ـ كما عرفت ـ وإنما لم نتمسك ـ هنا ـ بغلبة المجاز ، لأن النقل التعييني ليس فعل المستعمل ، والغلبة إنما تجري في فعل المستعمل ، فهي لا تقتضي عدم النقل ، إذ لا منافاة بين غلبة المجاز عند المستعملين ، ونقل الناقل الّذي هو واضع في الحقيقة اللفظ في غير معناه ، فتأمل.

وأما إذا كان الدوران بينهما في لفظين ، فان فرض بينهما تسبيب ، بأن يكون الشك في مجازية أحد اللفظين مسببا عن النقل في لفظ آخر ، فالمحكم هو الأصل السببي ، لكونه مزيلا للأصل الآخر ، وإلا ، فالمحكم هو الأصل اللفظي على القول بكون الأصول اللفظية أمارات ، وكون الأصول الوضعيّة أصولا ، فعلى هذا ينعكس الأمر ، فيكون الأصل اللفظي مزيلا للوضع.

وأما على كون الأصول الوضعيّة ـ أيضا ـ أمارات ، وعلى كون الأصول اللفظية ـ أيضا ـ أصولا ، لا أمارات فيقع التعارض ويحصل التكافؤ ، ومقتضاه التوقف ، وفرضهما كأن لم يكونا.

وقد حكم بعض السادة الأجلاء (١) بتقديم المجاز للغلبة ، وهو حسن فيما إذا لم

__________________

(١) الظاهر أنه هو السيد الكاظمي الشهير بالمقدس البغدادي في المحصول ، مخطوط : ولفظه « وهذا كما يرى اللفظ مستعمل في غير معناه المعروف له مع وجود العلاقة وظهور مخايل الهجر والوجه الحكم بالمجازيّة وإن بلغ إلى أعلى مراتب الشهرة لأن المجاز هو الأصل حتى يعلم النقل ويتحقق الهجر كما في الألفاظ الشرعيّة وقد يتصوّر

١٩٦

يكن الشك في النقل مسببا عن الشك في المجازية ، والا فمعه أصالة الحقيقة واردة على أصالة عدم القرينة ، بناء على كونها من الظنون الاجتهادية ، لا أصلا تعبديا.

المسألة السابعة : الدوران بين النقل والإضمار

قال السيد صاحب المفاتيح (١) (قدس سره) على ما حكي عنه بتقديم الإضمار للغلبة.

وفيها منعها إن لم نقل بتعكيس الغلبة ، بأن يقال الغالب النقل.

لكن الإنصاف التوقف من حيث الغلبة ، لعدم تحققها في شيء من الجانبين.

وأما الأصول ، فهي لتعارضها ، وإن اقتضت التساقط ، إلا أن الشك في الإضمار مسبب عن الشك في النقل ، فبأصالة عدمه يثبت الإضمار ، ومثال ذلك : قوله تعالى ( وحرم الربا ) (٢) فان الرّبا لغة الزيادة وقد استعمل في لسان الشارع في العقد المشتمل عليها ، فنشك في أن استعماله في نفس العقد على سبيل الحقيقة في لسان الشارع تعيينا أو تعينا أو أنه مجاز ، فيكون مقتضاه الحمل على معناه اللغوي عند التجرد عن القرينة ، فعلى ثبوت النقل لا يلزم مخالفة لظاهر نسبة ( حرّم ) فان إيقاع العقد من الأفعال القابلة لتعلق التكليف به ، وعلى عدم ثبوته ، وحمل اللفظ ـ أعني لفظ ( الرّبا ) ـ على نفس الزيادة يلزم إضمار من الأخذ وغيره من الأفعال المناسبة للمقام.

وربما نوقش في المثال بأن المراد ـ على تقدير بقائه على المعنى الأول ـ لا يلزمه إضمار أيضا ، لأن نسبة الأحكام إلى الأعيان كقوله تعالى : ( إنّما حرم عليكم الميتة والدم. ) (٣). ـ مثلا ـ حقيقة ثانوية ، فالمثال من باب الدوران بين النقل

__________________

مع الشك في الإرادة ، كما إذا توقّف صحة الكلام على أحد أمرين تجوّز في مقام ، ونقل في مقام آخر ، وفرض أن المعنى يختلف باختلافهما ، ولا ريب في رجحان التجوّز هنا أيضا لأن أقصى ما فيه أن تأوّل المتكلّم واستعمل اللّفظ فيما يناسب معناه ، وأين هذا من دعوى انتقال اللفظ عن حقيقته وهجرها وصيرورته حقيقة في معنى آخر رجما بالغيب ، لمجرّد تصحيح معنى الخطاب مع أنّ لصحّته وجها آخر معتادا لا مئونة فيه وهو المجاز ».

(١) مفاتيح الأصول : ٩٣ فانه قال : مفاتيح : إذا دار الأمر بين الإضمار والنقل كما في قوله تعالى ( حرّم الرّبا ) فانه يحتمل أن يكون الرّبا باقيا على حقيقته اللغويّة وهي مطلق الزيادة ، ويضمر أخذ الزيادة ، فيحرم دون أصل العقد ، ويحتمل صيرورة لفظ الرّبا حقيقة شرعيّة في العقد المخصوص ، فيحرم أصل العقد ، فصرّح به في يب بأولويّة الإضمار على النقل ، واحتجّ عليه بتوقف النقل على اتفاق أهل اللسان عليه بخلاف الإضمار.

وفيه نظر ، ولو قيل بترجيح النقل لكثرته لم يكن بعيدا ، إلاّ أني لم أعثر على قائل به.

(٢) البقرة : ٢٧٥.

(٣) البقرة آية : ١٧٣ والنحل : اية ١١٥.

١٩٧

الشرعي في لفظ الرّبا ، والعرفي في التركيب.

وفيه ما لا يخفى ، لأن ثبوت الحقيقة العرفية للمركب على وجه يكون منقولا عرفيا بمعزل عن الصواب ، نعم لو ادعى أنه حقيقة في ذلك لغة وعرفا ـ بناء على أن وضع التركيب ليس إلا للنسبة ومجاري النسب بيد العرف ـ لكان حسنا.

المسألة الثامنة : الدوران بين التخصيص والمجاز مثاله قوله تعالى : ( اقتلوا المشركين ) (١) بعد الاتفاق على اختصاص الحكم بغير أهل الذّمّة ، فقيل : إن المشركين مستعمل فيمن عداهم مجازا ، وقيل : إنه مستعمل في معناه العام وخرج أهل الذّمّة بالدليل.

وقد يناقش بأنّ المشركين إذا استعمل فيمن عداهم ، فهو مخصّص أيضا ، فلا ينفكّ المجاز عن التخصيص ، ويشهد له قولهم إنّ العام المخصّص مجاز في الباقي.

ثم قال : ذلك المورد انه من باب الدوران بين الحقيقة الشرعية ـ أي نقل المشركين في لسان الشارع إلى غير أهل الذّمّة ـ وبين التخصيص.

وفيه منع كون استعمال العام في الخاصّ تخصيصا ، إذا كان بطريق العهد ، وكذا استعماله في فرد أو فردين بعلاقة الكل والجزء ، ولذا يجوز أن يراد بالعامّ على أحد هذين الوجهين فرد ، أو فردان أو ثلاثة ، مع عدم جواز تخصيص الأكثر ، ومن جملتها الآية ( الناس قد جمعوا لكم ) (٢) حيث أنّ المراد به نعيم بن مسعود ، فلا وجه للمناقشة المذكورة ، كما لا وجه لادعاء الحقيقة الشرعية في المشركين.

نعم لا يظهر الثمرة بين الاحتمالين في المشركين ، للعلم بخروج أهل الذّمّة منه يقينا ، وإنّما الشك في كيفية خروجه.

وكيف كان ، فالمشهور تقديم التخصيص على المجاز مطلقا ، وذهب بعض المتأخرين (٣) إلى التوقف في بعض صور المسألة ، ونسب القول بالتوقف مطلقا إلى المحقق

__________________

(١) سورة التوبة : آية ٥.

(٢) آل عمران : ١٧٣.

(٣) وهو المحقق النراقي في مناهج الأصول في مبحث تعارض الأحوال وإليك نصّه : منهاج تعارض المجاز والتّخصيص على وجوه :

الأوّل أن يتعارضا في لفظ واحد ، بأن يتعلّق حكم على عام ، وعلم عدم تعلّقه بجميع أفراده ، فيحتمل تخصيص البعض ، واستعمال العام في البعض مجازا ، وهذا هو الّذي ذكره الأكثر.

الثاني : أن يتعارضا في لفظ واحد في معنيين ، بأن علم عدم تعلّق الحكم بجميع أفراد المعنى الحقيقي فيحتمل

١٩٨

الخوانساري (١) ، وصاحب المعالم (٢) ، والوافية (٣).

وظاهر ما حكي عن المحقق ، لا يساعد على التوقف في جميع صور المسألة.

وأما صاحب الوافية فقوله بالتوقف مبني على عدم تعويله على شيء من المرجحات في المقام بقول مطلق ، فهو مخالف في المرحلة الثالثة في مرحلتنا هذه.

وأما صاحب المعالم ، فهو وإن لم يصرح بما نسب إليه ، لكنه يلزمه ذلك ، فانه توقف في دوران الأمر بين التقييد والمجاز في لفظين ، مع أنّ هذه الصورة أظهر مورد تقديم التقييد على المجاز ، وكذا من أظهر صور تقديم التخصيص على المجاز ، ولا ريب أن التقييد أولى من التخصيص ، فإذا توقف في تقديم التقييد على المجاز ، فيلزم التوقف في تقديم التخصيص عليه بطريق أولى. وكذا إذا لم يقدّم التخصيص على المجاز في تلك الصورة ، فلا يقدّم عليه في غيرها من الصور بطريق أولى ، فيلزم من انضمام هذه المقدمات أنّ صاحب المعالم قائل بالتوقف في مسألتنا هذه.

وكيف كان ، فتوضيح الحال في المسألة هو أنّ التخصيص قد يكون ابتدائيا (٤) ،

__________________

تخصيص العام وإرادة مجاز آخر ، وبه صرّح في المنهاج وشرحه.

والثالث : أن يتعارضا في لفظين ، وله قسمان ، لأنّ اللفظين إمّا في كلام واحد ، بأن يتعلق حكم على عام ، وعلم عدم تعلّقه بمعناه الحقيقي على جميع أفراد العام ، وكان للّفظ الدّال على الحكم معنى مجازيّ صحّ تعلّقه بالجميع ، وبهذا الوجه صرّح المحقّق الخوانساري (قدس سره) في شرح الدروس ، أو يكونا في كلامين ، وهو أيضا قسمان :

أحدهما : أن يتعارض حديثان مثلا ، ولم يندفع التعارض ، إلاّ بارتكاب تخصيص في أحدهما أو تجوز في الآخر وثانيهما : أن يتعارض حديثان ، وكان أحدهما عامّا مخصّصا والآخر مستعملا في المعنى المجازيّ ، فيكون لأحدهما مرجح على ترجيح أحدهما ، ويستفاد هذا من كلام والدي العلامة طاب ثراه الأنيس.

ولكن في كون الأخير من باب تعارض المجاز والتخصيص نظر ، بل كذلك سابقه مطلقا ـ ثم ـ فذهب الأكثر إلى تقدم التخصيص وتوقّف فيه صاحب المعالم والوافية والمحقق الخوانساري ، ويظهر أيضا من بعض كلمات أنيس المجتهدين وهو الحقّ.

(١) مشارق الشموس : ٢٧٤ السّطر الأخير ويمكن استفادة المطلب من مواضع أخرى أيضا.

(٢) المعالم : ١٤٣ ـ ١٤٦.

(٣) الوافية ، مخطوط في تعارض الأحوال وإليك لفظه : والأولى التوقف في صورة التعارض إلاّ مع أمارة خارجيّة ، أو داخليّة توجب صرف اللّفظ إلى أمر معيّن ، إذ ممّا ذكروا في ترجيح البعض على البعض من كثرة المئونة وقلّتها ، وكثرة الوقوع وقلّته ، ونحو ذلك لا يحصل الظنّ فإنّ المعنى الفلاني هو المراد من اللفظ في هذا الموضع ، وبعد تسليم الحصول أحيانا لا دليل على جواز الاعتماد على مثل هذه الظنون في الأحكام الشّرعية ، فإنها ليست من الظنون المسببة عن الوضع.

(٤) التخصيص الابتدائي هو الوارد على العام الّذي لم يرد عليه بعد تخصيص سوى ذلك ( منه ره ).

١٩٩

وقد يكون ثانويّا ، والمجاز أيضا قد يكون في لفظ العام ، أو في لفظ آخر ، في خطاب ، أو في خطابين ، وقد يضاف إليها كونه شائعا ، كالأمر في الندب أو غير شائع ، وليس بجيّد ، لأنّ الكلام هنا مع قطع النّظر عن خصوصيات المجاز والتخصيص.

ومن هنا يظهر ، أنّ تقسيم التخصيص إلى قريب وبعيد ليس في محلّه ، ففي المسألة صور :

منها : الدوران بين التخصيص الابتدائي وبين المجاز في لفظ واحد ، سواء اتحد الحكم ، كما في الآية السابقة ـ أعني قوله تعالى : ( اقتلوا المشركين ) (١) ، أو اختلف ، كما إذا ورد ( أكرم الشعراء ) وعلم عدم وجوب إكرام بعضهم كالجهال على تقدير كون المراد بالشعراء معناه المعروف ، ووجوب إكرام جميعهم على تقدير كون المراد به العلماء مجازا.

ويظهر الثمرة في العلماء الغير الشعراء ، فعلى الأوّل لا يجب إكرامهم ، وعلى الثاني يجب.

وكيف كان ، فالأظهر رجحان التخصيص على المجاز ، لغلبته حتى قيل : إنّه ما من عام إلاّ وقد خصّ ، وربما يعارض هذا بما ادّعاه ابن جنّي من أغلبية المجازات.

وفيه : بعد المنع من تحقّق تلك الغلبة ، أنّ المراد بها غلبة المجاز بالمعنى الأعمّ ، الشامل للتخصيص أيضا قبال الحقيقة ، فلا تعارض. سلّمنا أنّ مراده غلبة المجاز المقابل للتخصيص ، لكن نقول : إنّ غير واحد من العلماء صرّحوا بغلبة الحقائق ، فيتعارض النقلان ، أي نقلي الغلبة ، لكنّ الترجيح لما ذهب إليه المعظم من غلبة الحقائق ، سلّمنا ، لكنّهما متعارضان ، فيبقى غلبة التخصيص سليمة عن المعارض ، فيرجّح التخصيص على المجاز.

وكيف كان ، فغلبة التخصيص في العمومات توجب رجحانه على المجاز ، مضافا إلى غلبة إرادة الحقيقة التي غير العموم ، فإنّها تقتضي بقاء مادة ( الشعراء ) مثلا على حقيقتها ، فهي بانضمام غلبة التخصيص في العموم ترجّح إرادة الحقيقة من المادّة ، ويخصّص العام.

هذا ، مضافا إلى أنّ النسبة بين العموم وغيره من الظواهر ، من نسبة الأصل إلى الدليل ، فلذا يعدّ العموم كالإطلاق من الأصول في مقابل المخصّص والمقيّد.

__________________

(١) سورة التوبة : آية ٥.

٢٠٠