تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

بحقيقة ثالثة للّفظ بالنسبة إلى مورد الاستعمال ، بأن ثبت أنّ حقيقته منحصرة في مورد الاستعمال ، إمّا بالقطع ، أو بالأصل.

وأمّا إذا علم بحقيقة له غير ما استعمل فيه ، فالحال فيه هو الّذي ذكرنا في اللفظ المستعمل في المتعدد ، المعلوم وضعه لأحدهما ، فإنه يفرض مورد الاستعمال معنى واحد إقبال الحقيقة الثالثة ، واحدا كان أو متعددا ، فيجري فيهما ما جرى من الأقسام المذكورة للصورة المذكورة من كون مورد الاستعمال مباينا للحقيقة المذكورة ، أو كونهما فردين من كلّي ، أو كون أحدهما عامّا والآخر خاصا منه ، وعلى فرض تباينهما من كونهما مما لا علاقة بينهما بوجه ، أو كانت في الجملة ، وهكذا إلى آخر الصّور ، فيجري في كل واحدة حكمها الّذي ثبت لها مع عدم الحقيقة الثالثة.

نعم إن بعض الصور المفروضة حكمه نظري ، لا يعلم بالمقايسة ، لفقد فرضه في المقيس عليه ، وذلك البعض ما إذا كانت الحقيقة المذكورة مجهولة الكيفية بحيث لا يعلم أن بينها وبين مورد الاستعمال علاقة مصحّحة للمجاز أولا ، إمّا بعدم العلم بعلاقة أصلا ، وإمّا بعدم العلم بكيفيتها من كونها من العلائق المصححة وعدمه.

فنقول : الحكم حينئذ حكم اللفظ المستعمل في معنيين لا علاقة بينهما ، فالقائل بأصالة المجاز لا يجوز له المصير إليه حينئذ لعدم إحراز شرطه ، مضافا إلى أن الأصل عدمه.

وأمّا إذا كان اللفظ مستعملا في معنيين ، وكان أحدهما أعمّ من الآخر ، فقد حكم صاحب الفصول (قدس سره) بكونه موضوعا للأعم ، ودخول الخاصّ فيه حيث قال (١) حينئذ : إنّ المعتبر هو المفهوم الأعم لأصالة الحقيقة المجردة عن المعارض ، فإنّ أصل الاستعمال ثابت ، والكلام في تعيين مورد الوضع ، فينهض ظاهر الاستعمال دليلا على تعيين الأعم.

ويؤيده أصالة عدم ملاحظة الخصوصية ، حيث يتوقف ملاحظة الخاصّ على ملاحظته ، كما لو تردّدنا بين أن تكون أداة الاستثناء موضوعة لخصوصيات مطلق الإخراج ، أو إخراج الأقلّ فقط ، فيرجح الأول. انتهى موضع الحاجة من كلامه (قدس سره).

نقول في كلامه موقعان للنظر :

الأوّل : قوله : ويؤيده أصالة عدم ملاحظة الخصوصية ، لأنه إذا دار الأمر بين وضع اللفظ للعام أو للخاص ـ كما هو محلّ الكلام ـ لا يجوز تعيين الوضع في العام بهذا الأصل ، إذ

__________________

(١) الفصول : ٤١ في أصالة الحقيقة في الاستعمال. فصل : قد اشتهر بينهم أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة ، وأنّ الاستعمال أعمّ.

٦١

لا ريب أنّ كل أحد إذا أراد أن يجعل حكما لموضوع ، فهو إنما يتصور هذا الموضوع بعنوان البساطة ، وإن انحلّ عند العقل إلى أجزاء ، لا أنّه يلاحظ أجزاءه العقلية ، فيكون العام والخاصّ ـ حينئذ ـ من قبيل المتباينين لا يجوز تعيين أحدهما بالأصل.

نعم يجوز التعويل على هذا الأصل في موارد أصالة البراءة ـ في تعيين تعلّق التكليف بما هو أقل جزء ـ من الأجزاء العقلية أيضا ، كالتمسك به في تعيين تعلّقه بما هو أقل من حيث الأجزاء الخارجية ـ على مذهب من يرى أن حكم العقل بالبراءة مبنيّ على نفي الكلفة الزائدة مطلقا ـ ولا ريب أنّ الخاصّ أكثر كلفة في مقام الامتثال من العام للتّوسعة فيه بإتيانه في ضمن أي فرد شاء.

وأمّا على مذهب من يرى اختصاصه بالكلفة الناشئة عن الأجزاء الخارجية فلا.

نعم لو كان مراده التمسّك بالأصل في نفي الخصوصية الزائدة بالنظر إلى الاستعمال ، نظير ما مرّ من شيخنا ـ دام ظله ـ في التفصيل الّذي اختاره فهو متجه.

الثاني من موقعي النّظر ، قوله : ـ كما لو ترددنا بين أن تكون أداة الاستثناء موضوعة لخصوصيات مطلق الإخراج ، أو إخراج الأقل فقط فيرجح الأوّل ـ لأن التنظير في غير محلّه ، إذ ليس الأمر في أداة الاستثناء دائرا بين كونها موضوعة لمطلق الإخراج الّذي هو العام ، وبين كونها موضوعة لإخراج الأخير فقط ، الّذي هو الخاصّ ، ليكون من قبيل ما نحن فيه ، بل الأمر فيها عند المحققين المتأخرين دائر بين الاشتراك اللفظي التفصيليّ وبين الاشتراك الإجمالي المعبر عنه بالوضع العام والموضوع له الخاصّ ، وبين الحقيقة والمجاز ، ولمّا كان الأول والثالث على خلاف الأصل فيرجّحون الثاني.

نعم التنظير متجه على مذهب القدماء ، حيث إنّ الأمر فيها عندهم دائر بين كونها موضوعة لمطلق الإخراج ، وبين كونها موضوعة لإخراج الأخير فقط ، لكنه (قدس سره) ليس منهم ، فهذا التنظير لا يناسب مذهبه ، حيث إنّه من المتأخرين ، مع أنّه فرض الأمر فيها دائرا بين الاشتراك الإجمالي ، وبين الحقيقة والمجاز ، بوضعها للإخراج من الأخير ، وكونها مجازا في غيره ، ولا ريب أنّ اشتباه الحال في أدوات الاستثناء ليس لأجل اشتباه حال الاستعمال ، بل لأجل اشتباه فعل الواضع ، بأنّه هل لاحظ في وضعها الأمر الكلي فوضعها لخصوصياتها؟ أو لاحظ الأمر الخاصّ فوضعها له فقط؟ وإلاّ فالمستعمل

٦٢

فيها هي الخصوصيّات بخصوصياتها على جميع الأقوال ، فيكون التنظير في غير محلّه.

هذا ، ثم إنّ الإنصاف عدم ورود الإشكال الأوّل لأنّ الظاهر منه في موضع آخر بعد ذلك الموضع جريان الأصل المذكور ، من حيث ملاحظة الخصوصية من جهة الاستعمال ، حيث قال فيما إذا استعمل اللفظ في معان : أنّه قد يفصل في المقام بين ما إذا كان أحد المعاني أعم من الباقي ، وبين غيره ، فيختار في الأوّل أنّ معناه الحقيقي هو المعنى الأعم ، لأنّه لو كان حقيقة في غيره فقط ، أو في الجميع ، لزم المجاز أو الاشتراك ، وكلّ منهما مخالف للأصل. وأمّا إذا كان حقيقة في الأعم كان حقيقة في الجميع. ثم قال (قدس سره) وهذا التعليل ، وإن قرّره المفصل فيما إذا استعمل اللفظ في معان أحدها القدر المشترك بين بقية المعاني ، لكنه يجري أيضا فيما إذا استعمل اللفظ في معنيين ، وكان أحدهما أعم من الآخر ، ولم يعلم كونه موضوعا لأحدهما بخصوصه كما قررنا.

ثمّ قال : والتحقيق عندي أنّه إن تبيّن استعمال اللفظ في الخاصّ من حيث الخصوصية ، فوضعه للعام ، أو القدر المشترك ، غير واقع للمجاز والاشتراك ـ إن صحّ التعويل على أمثال هذه التعليلات في معرفة الموضوعات ـ وإن لم يعلم الاستعمال كما هو الغالب ، يرجع إلى متّحد المعنى ، لأنّ اللفظ إذا وجد مستعملا في معنى ، ثم شكّ في استعماله في معنى آخر ، يبنى على أصالة عدم التعدد ، وقد عرفت أن اللفظ إذا كان متحد المعنى تعين حمله على الحقيقة. انتهى كلامه (قدس سره) وهذا كما ترى صريح فيما ذكرنا.

وكيف كان ، فالحق في المقام ـ أعني في دوران الأمر بين كون اللفظ موضوعا للعام ، أو للخاص ـ هو التفصيل الّذي ذكره (قدس سره) لما ذكره من الدليل.

فإذا عرفت ذلك كلّه ، فلنأت بأدلة الأقوال في مسألة الاستعمال.

فنقول : أمّا حجّة المشهور : الأصل نفي حجية الاستعمال ، لعدم الدليل عليها ، وعملهم على الأصل في جميع موارد الاستعمال ، وقد عرفت موارده ، وصوره ، واقتضاء الأصل في كل منهما من أنّه يختلف بحسب الموارد ، فقد يكون مقتضاه موافقا للاستعمال ، وقد يكون مخالفا كما عرفت تفصيلا.

وأمّا حجة السيد المرتضى وجوه ثلاثة :

الأوّل : دعوى سيرة الناس جميعا على استعلام اللغات من الاستعمالات ، فإن كل أحد إذا لم يكن من أهل لسان ، فأراد استعلام ذلك اللسان ، فهو يستعلم من

٦٣

استعمالات أهل اللسان مطلقا ، سواء كان اللفظ مستعملا في معنى واحد أو في المتعدد.

الثاني : قياس متعدّد المعني ـ الّذي هو محل النزاع ـ بمتّحده.

الثالث : غلبة استعمال الألفاظ فيما وضعت لها.

وحجّة ابن جني غلبة المجازات في كلّ لفظ على حقائقه ، فيلحق المشكوك بالغالب.

ولا يخفى ما بين دعوى الغلبتين ، من التنافي بالنسبة إلى موارد استعمال اللفظ ، فإنّ الأولى تقتضي كون الاستعمال على وجه الحقيقة ، والثانية تقتضي كونه على وجه المجاز.

واحتج المفصّل في كون الاستعمال دليلا على الوضع بين متحد المعني ، وبين متعدده ، بكونه دليلا في الأوّل ، دون الثاني.

أمّا على كونه دليلا في الأوّل ، بما استدل به السيد المرتضى (قدس سره) في متحد المعنى ، من أصالة الحقيقة السليمة عن المعارض.

وأمّا على عدم كونه دليلا في الثاني ، لمعارضتها بأصالة عدم وضع آخر ، فإنّ القدر المتيقن منه الوضع الواحد لأحد المعنيين ، فإمّا الوضع الأخر للآخر فهو مشكوك ، فالأصل عدمه ، فيعارض هذا أصالة الحقيقة في المعنى المشكوك ، فحينئذ لا يكون الاستعمال دليلا لسقوط دليل اعتباره عن الاعتبار بالمعارضة. هذا بخلاف متحد المعنى ، فإن الوضع الواحد هناك معلوم ، لا يجوز نفيه بالأصل ، فأصالة الحقيقة سليمة عن المعارض ، فيثبت بها كون الاستعمال على وجه الحقيقة ، فيثبت به الوضع. هذه أدلة الأقوال.

إذا عرفت هذه ، فاعلم أن الحق عدم كون الاستعمال دليلا على الوضع مطلقا وفاقا للمشهور كما مرّ ، لعدم الدليل عليه ، لأن أدلة الأقوال المذكورة ليس شيء منها سليما عن المناقشة.

أما أدلة السيد (قدس سره) فالجواب عن أوّلها : أنا سلمنا استقرار السيرة على استعلام اللغات من الاستعمالات ، لكنا لم نعلم بعد بناء الناس على الأخذ بظاهر الاستعمال إذا لم يكن قطعيا ، كما هو المدعى ، بل الظاهر أنّ استعلامهم منها لأجل أنّها تفيد القطع بالوضع غالبا ، سيما إذا كانت مستمرة ، حتى في متعدد المعنى ، وأمّا إذا لم يحصل منها القطع ، فلم يعلم أخذهم بظاهرها ـ حينئذ ـ حتى في متحد المعنى.

٦٤

وعن ثانيها : فأوّلا : بمنع الحكم في المقيس عليه كما عرفت.

وثانيا : بأنّ هذا قياس ولم يقل أحد باعتباره.

وعن ثالثها : فأوّلا : بمعارضته لما ادّعى ابن جني من الغلبة المنافية له كما عرفت.

وثانيا : بأنّه إن كان المراد بالغلبة غلبة استعمال الألفاظ في المعاني الحقيقية في الاستعمالات المجردة عن القرينة ، فهي مسلّمة ، لكنها لا تجديه ، لأن الكلام فيما نحن فيه فيما إذا استعمل في معنيين ، وعلم المراد بالقرائن ، وشككنا في أنّ المتكلم هل لاحظ في هذا الاستعمال الوضع ، أو لاحظ القرينة؟ وبالجملة فالغلبة المذكورة ـ حينئذ ـ غلبة خاصّة لصنف خاص ، فلا توجب إلحاق المشكوك من صنف آخر بحكم أفرادها الغالبة ، وإن كان المراد غلبته في الاستعمالات المحفوفة بالقرائن فهي ممنوعة.

وثالثا : أنّ هذا استدلال بغلبة الحكم في تشخيص الموضوع في الشبهة الموضوعية ، ولا ريب أنّه لا يثبت بها اندراج الفرد المشكوك بالغالب.

بيانه : إنّ غلبة الحكم هي أن تجد غالب الأفراد على صفة ، وتشكّ في فرد آخر ، من جهة اتصافه بذلك الحكم والصفة ، كأن تجد غالبا تمر البصرة مثلا على صفة الحمرة ، وتشكّ في فرد آخر من التمر ، من جهة اتصافه بصفة الحمرة وعدمه ، فحينئذ إن علم ماهية ذلك الفرد المشكوك الصفة ، بأن علم أنّه تمر بصريّ أيضا بأمارة خارجية من غلبة الموضوع ، كأن يكون الغالب في التمر أيضا بصريّا ، فيلحق الفرد المشكوك الصفة أوّلا بتمر البصرة ، ويحرز كونه بصريّا بذلك أو بأمارة أخرى غير الغلبة ، فحينئذ يجوز التمسك بغلبة الحكم في إثبات حكم الأفراد الغلبة من تمر البصرة من الحمرة للفرد المشكوك الصفة.

وبعبارة أخرى ، التمسك بغلبة الحكم على ثبوت ذلك للفرد المشكوك الحكم ، إنّما يصح إذا كان الشك في حكم الفرد ناشئا من الشك في ثبوت الحكم المذكور للكلي المشترك بينه وبين الأفراد الغالبة ، مع إحراز ماهية الفرد المشكوك الصفة ، بأن علم اتحاده بالأفراد الغالبة في الماهية المشتركة بينها ، لكن وقع الشك في أنّ صفة ، الحمرة في المثال المذكور ، هل مختصة بالأفراد الغالبة؟ أو أنّها ثابتة للماهية المشتركة بينها وبين ذلك الفرد؟ فيثبت لذلك الفرد أيضا ، لوجود الماهية في ضمنها أيضا ، فحينئذ يحكم بمقتضى الغلبة قطعا ، إن أفادته ، دون القطع ، بثبوت الحكم المذكور

٦٥

للفرد المشكوك الصفة.

والسرّ في ذلك ، أنّه يحصل بملاحظة ثبوت الحكم للأفراد الغالبة ملازمة قطعية ، أو ظنيّة ، بحسب قوة الغلبة ، وضعفها ، ما بين ثبوته لها ـ أي للأفراد الغالبة ـ وما بين ثبوته للفرد المشكوك الحكم ، فإنّه إذا حصل ثبوته لغالب الأفراد يحصل لك القطع ، أو الظن بثبوته للكلي المشترك بينها بما هو هو ، فيلزمه ثبوت الحكم للفرد المشكوك قطعا ، أو ظنا ، لوجود الماهية المذكورة في ضمنه أيضا.

وأمّا إذا كان منشأ الشك في حكم الفرد ، هو الشك في ماهيته ، بأن لا يعلم أنّه مندرج في أيّ نوع ، وماهية من الماهيات ، فلا يجوز التمسك بغلبة الحكم الثابت للأفراد الغالبة من ماهية على ثبوته لذلك الفرد المشكوك الّذي لم يحرز بعد كونه فردا من تلك الماهية ، ولا على كون ذلك الفرد من تلك الماهية ، واندراجه فيها ، ليثبت له الحكم بالملازمة ، لعدم حصول الملازمة ـ حينئذ ـ بين ثبوت الحكم للأفراد الغالبة من ماهية ، وبين ثبوته للفرد المشكوك ، الّذي لم يحرز كونه من تلك الماهية ، ولا اندراجه في الماهية المذكورة بوجه لا قطعا ، ولا ظنّا ، وإن بلغت الغلبة المذكورة إلى حد لم يوجد لها فرد مخالف مثلا إذا شككت في حمرة تمر من جهة الشك في كونه تمرا بصريا ، لا يجوز التمسك بغلبة الحمرة ـ في تمر البصرة ـ على ثبوتها لذلك الفرد ، ولا على اندراجه تحت نوع تمر البصرة ، إلاّ أن يكون على تعيّن ماهيته أمارة أخرى ، كأن يكون الغالب في التمر أيضا كونه بصريّا ، فتحرز بتلك الغلبة الموضوعية ماهية ذلك الفرد ، وهو كونه بصريّا فتنفع الغلبة المتقدمة لحصول الملازمة حينئذ على أحد الوجهين.

وبذلك أجاب شيخنا المرتضى دام ظلّه ، عن البادري في مسألة النبوة ، في مبحث الاستصحاب ، حيث أنه احتج على انقطاع نبوة نبينا صلّى الله عليه وآله ، بأن الغالب في الأنبياء كون نبوتهم محدودة بمقدار من الزمان ، ونشكّ في أن محمّدا صلى الله عليه وآله أيضا كذلك ، أو أن نبوّته دائميّة ، فيلحق بالغالب ، فيحكم بالانقطاع بنبوته.

فأجاب دام ظلّه بأن هذا استدلال بغلبة الحكم في تعيين الموضوع ، لأنّ دوام نبوّة أحد الأنبياء معلوم إجمالا باتفاق جميع الأديان ، فلا يجوز التمسك بالغلبة المذكورة على انقطاع نبوّة ذلك المعلوم بالإجمال ، لأنّه مناقض للعلم بدوام نبوّته ، ولا على اندراج مورد الشك في الأفراد الغالبة ، ونفي اتحاده مع المعلوم الإجمالي ، ولا يكون هنا غلبة موضوعية توجب اندراجه فيمن ذكره ، إذ لا يجوز أن يقال : إنّ الغالب في الأنبياء محدودة

٦٦

نبوّتهم ، لما فيه :

أوّلا : من أن هذا تعبير عن غلبة الموضوع بغلبة الحكم ، فلا يثبت به الموضوع.

وثانيا : من أنّه إن كان المراد بالغلبة المذكورة غلبة انقطاع الأنبياء السالفين ، فلا ينفع ، لأن نبيّنا محمّدا صلى الله عليه وآله من المتأخرين ، وإن كان المراد بها غلبة انقطاع نبوة المتأخرين منهم ، فهو ممنوع.

هذا ، فإذا عرفت معنى غلبة الحكم وغلبة الموضوع وأنّ الأولى لا تجدي فيما إذا كان الشك ناشئا من اشتباه الموضوع ، فانطباقه على ما نحن فيه أن السيد قد ادعى غلبة استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ، ولا يخفى أنّه غلبة الحكم ، والموضوع هو الموضوع له اللفظ ، فهو استدلال بغلبة الحكم على إحراز الموضوع ، وقد عرفت ما فيه.

أقول : الإنصاف عدم انطباق ما ذكرنا على ما نحن فيه ، لأنّ حكم الموضوع له ليس استعمال اللفظ فيه ، بل ذلك شرط في اتصافه بالحقيقة ، فالذي ذكره السيد من غلبة استعمال اللفظ في الموضوع له ، عبارة أخرى عن أن الغالب في المعاني المستعمل فيها اللفظ كونها معاني حقيقية ، ولا ريب أنّه غلبة موضوعيّة ، فيثبت بها أن مورد الشك منها ، فيلزم منها بيّنا ثبوت الوضع لمورد الشك أيضا ، للملازمة بين حقيقة المعنى وبين كونه موضوعا له ، بمعنى أنّ الثاني لازم للأوّل ، لأنّ الأول أخصّ دون العكس ، لأنّ الثاني أعمّ ، وفيما نحن فيه لما ثبت الأوّل بحكم الغلبة لزمه الثاني ، وهو المدعى.

نعم حكم الحقيقة أن يحمل عليها اللفظ عند التجرد عن القرينة الصارفة ، كما أن حكم المجاز عدم حمله عليه حينئذ ، ولا يعقل دعوى الغلبة فيه ، وهو قدّس سرّه لم يدّع ذاك ، ولم يستدل به على مدّعاه حتى يقال : إنّه استدلال بغلبة الحكم في تعيين الموضوع.

وكيف كان فالأولى الاعراض عن هذا الجواب ، والاكتفاء بالجوابين الأوّلين.

ثمّ على تسليم الغلبة المذكورة نطالبه قدّس سرّه بدليل اعتبارها ، فإنّا وإنّ سلّمنا حجية الغلبة في بعض الموارد ببناء العقلاء ، لكنّه لا يلزم منه حجية مطلق الغلبة لما مرّ من أن بناءهم أمر لبّي ، مجمل الجهة ، فلا بد من الاقتصار على المورد الخاصّ ، الّذي ثبت بناؤهم فيه من غير تعدّ إلى غيره.

اللهم إلاّ أن يدّعى حجيته مطلقا من باب حجية مطلق الظن في اللغات ، وقد عرفت أنّه خلاف الإجماع ظاهرا.

٦٧

وكيف كان ، فيكفينا أصالة عدم الحجية ، وعلى مدّعيها الدليل ، ولم يعلم بعد هذا.

وأمّا الجواب عن ابن جني : فبأنّه إن كان مراده غلبة المعاني المجازية على الحقيقة ، ولو كانت تقديرية لم يستعمل اللفظ فيها ، فمسلم لكنها لا تجدي ، لأنّ الكلام في المعاني المستعمل فيها اللفظ ، لا المعاني بما هي معان ، وإن كان المراد غلبة المجاز على الحقيقة في موارد الاستعمال ، فممنوع ، سيّما مع ملاحظة ما ادّعاه عليه من غلبة العكس.

وكيف كان ، فالغلبتان اللتان ذكرهما السيد وابن جني لم يتحقق لنا شيء منهما ، وهو يكفينا في منع كليهما ، ومع تسليم شيء منهما نمنع الكبرى كما مر.

وأما الجواب عن المفصّل المذكور فبأنّه إذا ثبت في متحد المعنى كون الاستعمال دليلا على الوضع ، فأصالة عدم الاشتراك لا تعارضه في متعدده ، لأنّها أصل وهو دليل ، فهو وارد عليها ، فلا معنى للتوقف حينئذ.

اللهم إلاّ أن يكون مذهبه في اعتبار الأصول والأمارات كون جميعها معتبرة من باب إفادة الظن ، من غير فرق بين الأمارة والأصل ، وإنكار اعتبار الأصول من باب التعبد ، ولو بالتعبّد العقلائي فيستوي حينئذ ظاهر الاستعمال وأصالة عدم الاشتراك فتكون مخالفة المفصّل حينئذ راجعة إلى المخالفة في مسألة أخرى غير ما نحن فيه.

تذنيب :

اعلم أن ظهور الثمرة في الخلاف في مسألة الاستعمال بالنسبة إلى متحد المعنى واضح ، إذ على قول السيّد ، وكذا على قول المفصّل المذكور يحمل اللفظ في الاستعمالات المتأخرة العارية عن القرينة على المعنى الّذي استعمل فيه أوّلا ، وعلى قول الشيخ كما هو المختار لا ، بل يصير مجملا ، فيرجع إلى الأصول حسبما يقتضيه المقام. وأمّا في متعدّده ، فقيل إنّه لا ثمرة في الخلاف حينئذ ، لأنّ الاستعمالات المتأخرة العارية عن القرينة يصير اللفظ فيها مجملا على جميع الأقوال ، أمّا على قول السيد فللاشتراك ، وأمّا على قول الشيخ والمفصّل فلعدم إحراز الحقيقة حينئذ ليحمل اللفظ عليها في الاستعمالات الآتية العارية عن القرينة ، وأمّا على قول ابن جنّي فلتعدّد المجاز ، فيصير حال اللفظ حينئذ نظير الحال فيه على قول السيد.

وفيه ما لا يخفى لأنّه لا تنحصر الثمرة في تعيين المراد تفصيلا ، حتّى يقال بعدم

٦٨

الثمرة مطلقا ، بل هنا ثمرتان أخريان :

أولاهما سارية في جميع موارد استعمال اللفظ المستعمل في ابتداء استعماله في معنيين ، ولم يعلم وضعه لأحدهما ، بل حقيقة ثالثة له ، فإنّه ـ على قول المشهور ـ يرجع إلى الأصول الموجودة في المقام ، ولو كانت مقتضية للأخذ بغير هذين المعنيين ، إن لم يعلم الحقيقة الثالثة بعينها ، وإلاّ فيحمل اللفظ عليها.

هذا بخلاف قول السيد ، إذ عليه لا بدّ من التوقف ، والرجوع إلى الأصول في خصوص المعنيين ، ولا يجوز الرجوع إلى الأصول المنافية لهما.

والثانية عامّة في جميع موارد استعمال اللفظ في الاستعمالات المتأخّرة ، إذا كان مستعملا في ابتداء استعماله في معنيين ، ولم يعلم كونه موضوعا لأحدهما ، إذ على قول السيد لا بدّ من التوقف والإجمال بالنسبة إلى هذين المعنيين ، والعمل بالأصول الموافقة لهما ، أو لأحدهما ، وعلى قول المشهور يرجع إلى الأصول الجارية في المقام مطلقا ، مخالفة كانت أم موافقة ، بل يظهر ثمرة التعيين أيضا في بعض الموارد ، كما إذا استعمل اللفظ في معنيين في ابتداء استعماله ، وعلم بوضعه لأحدهما تفصيلا ، إذ على المشهور يحمل اللفظ في الاستعمالات المتأخرة ، على هذا المعنى الّذي علم بوضعه له ، بخلاف قول السيد ، إذ عليه لا بدّ من التوقف.

نعم إذا علم بوضعه لأحدهما إجمالا ، فالثمرة بين القولين منتفية حينئذ.

ومن الثمرات بين قول السيد وبين قول المشهور ، أنّه إذا قامت القرينة على عدم إرادة أحد المعنيين المستعمل فيهما اللفظ ، فعلى الأوّل ـ أعني قول السيد ـ يحمل على المعنى الآخر ، كما هو القاعدة في الاشتراك اللفظي ، بخلاف قول المشهور ، إذ عليه لا بدّ من التوقف ، والرجوع إلى الأصول ، هذه هي الثمرات بين قول السيد وبين قول المشهور.

وأمّا بينه وبين قول ابن جنّي ، فتظهر الثمرة فيما إذا علم بمعنى مجازي للّفظ غير المعنيين المستعمل فيهما اللفظ أوّلا ، فإنه على قول السيد لا بد من التوقف ، وعدم التخطي من المعنيين ، وعلى قول ابن جنّي يجوز لاحتمال إرادة مجاز آخر غيرهما.

ومن الطرق العقليّة الظنية إلى معرفة اللغات صحّة الاشتقاق ، ذكرها بعضهم ، وهي أن يكون اللّفظ معنيان أو أزيد ، لكنّه يصح اشتقاق الصيغ المشتقة منه ، وتحويله إليها باعتبار بعض معانيه دون بعض ، كما في لفظ ( الأمر ) حيث إنّه يصح تحويله إلى الأمثلة المختلفة من صيغ المشتقات باعتبار بعض معانيه ، وهو الطلب ، دون الباقي ،

٦٩

كالقول ، والقصد ، والشأن ، وغيرها ، قالوا : إنّ هذه أعني صحة اشتقاق تلك الصيغ من مادة الأمر مثلا باعتبار المعنى الأوّل ، وهو الطلب دون غيره ، دليل على كونها حقيقة في هذا المعنى دون غيره.

والحق عدم كونها دليلا على الوضع ، لعدم الدليل عليه. وقد أجبنا عنه في مسألة الأمر.

ومنشأ اشتباه بعضهم الذين زعموها من الطّرق المعتبرة الظنية ، وجود بعض العلائم في بعض مواردها ، فلما رأوا أنّ العلماء حكموا بوضع اللفظ للمعنى الّذي يصحّ الاشتقاق منه باعتبار هذا المعنى في هذا المورد الخاصّ ، فزعموا أنّ ذلك لأجل أنّ صحة الاشتقاق دليل عندهم على ذلك ، فلأجل هذا الاشتباه ادّعوا أعني هؤلاء البعض ، كونه دليلا جاريا في جميع الموارد ، كسائر الأدلّة ، مع أنّ حكم العلماء بوضع اللفظ للمعنى المذكور في المورد الخاصّ ليس لأجل صحّة الاشتقاق ، بل لوجود علامة من علائم الوضع المعتبرة ، كما في مادّة الأمر ، فإنّ الدليل على كونه حقيقة في الطلب ليس صحة الاشتقاق ، بل إنّما هو التبادر لا غير.

ومن الطّرق العقلية الظنية أمور أخرى ذهب بعضهم إلى اعتبارها كصحة التقييد ، وصحة الاستثناء ، واختلاف الجمع وغيرها.

والحقّ عدم اعتبار شيء منها ، لعدم قيام الدّليل على واحد منها ، وسيجيء جملة من الكلام فيها فيما بعد إن شاء الله.

فإذا عرفت الطرق العقلية الظنية أيضا فلنأتيك بالكلام في الطرق العلميّة في تشخيص صغرياتها ، لأنك عرفت سابقا في أوّل عنوان الطّرق أنّ الكلام فيها في صغرياتها ، وإلاّ فحكم الكبرى مسلّم لا يعقل منعه.

ومنها : التّبادر ، وهو في الأصل من المبادرة ، ومعناه المسابقة ، ويلزمه وقوعه بين اثنين لأنّ باب التفاعل موضوع لذلك.

وفي الاصطلاح عرفوه بسبق المعنى من اللفظ إلى الذهن أو بسبق الذهن من اللفظ إلى المعنى ، ويحتمل أن يكون السبق في كلا التعريفين على معناه الحقيقي ، وهو التقدم ، ويحتمل أنّ يراد به الانتقال مجازا من باب استعمال اللفظ في لازم معناه ، لأنّ السبق يلزمه الانتقال من مكان إلى مكان.

وعلى الاحتمال الأول فالأنسب بقاعدة النسبة هو التعريف الثاني ، لأن نسبة

٧٠

السبق إلى شيء يلزم كونه منتقلا متحركا من مكان إلى مكان ، أو من حال إلى حال ، ولمّا كان الذهن ينتقل من حال الغفلة إلى حال الالتفات بالمعنى ، ويتحرك إليه عند إطلاق اللفظ ، فإضافة السبق إليه حقيقة ، فيكون استعمال السبق حينئذ حقيقة كلمة وإسنادا ، إلاّ أنه يلزم مخالفة ظاهر آخر ، وهي حمل القضية على السالبة بانتفاء الموضوع ، لأنّ السبق يلزمه سابق ومسبوق عليه ، والثّاني هنا منتف ، لأنّ اللفظ إنما يتوجه إلى واحد ، فإذا كان ذهنه سابقا ، فعدم سبق ذهن غيره من باب عدم ذهن آخر بالنسبة إلى اللفظ في هذا الإطلاق.

واما التعريف الّذي أضيف السبق فيه إلى المعنى ، فهو ، وإن لم يلزم منه حمل القضية على السالبة بانتفاء الموضوع لتعدّد المعاني المتصورة مما بين الأرض والسماء ، لأنّ معناه حينئذ سبق أحد المعاني المتصوّرة القابلة لإرادتها من اللفظ على غيره ، ولا ريب أن المعاني لا منتهى لها إلاّ أنّه يلزمه المجاز في الإسناد ، لما مرّ من أنّه لا بد في السبق من حركة ، وانتقال ، ولا ريب أنّ المعاني لا انتقال فيها بوجه.

وكيف كان فيكون التعريف الأوّل حقيقة من حيث الكلمة ، ومجازا من حيث الإسناد.

وأمّا على الاحتمال الثاني ، فيلزم المجاز في الكلمة على التعريفين إلاّ أنّ التعريف الثاني أولى بنسبة الانتقال إليه ، لما مرّ ، ولا يلزم على هذا الاحتمال أيضا حمل القضية على السّالبة بانتفاء الموضوع ، إذ لا يستلزم الانتقال ثبوت ذهن آخر لا ينتقل ، هذا بخلاف نسبته إلى المعنى ، كما في التعريف الأوّل ، فإنه يلزم حينئذ المجاز من حيث الإسناد أيضا.

فإذا عرفت ذلك فاعلم : انّ التّبادر كما يكون علامة للوضع كذلك يكون علامة للمجاز أيضا ، كما إذا ثبت لغير المعنى المبحوث عن مجازيته مثلا.

ثم إنّ المعتبر في كون التبادر بالمعنى المذكور علامة للوضع هل هو ثبوته نفسه للمعنى المبحوث عن حقيقته أو عدم ثبوته لغير ذلك المعنى؟ وأيضا المعتبر في كونه علامة للمجازية هل هو ثبوته لغير المعنى المبحوث عن مجازيته ، أو عدم ثبوته لذلك المعنى المبحوث عن مجازيته؟

فالاحتمالات المتصورة هنا ثلاثة :

الأوّل : أن يكون المعتبر في كونه علامة للوضع ثبوته للمعنى المبحوث عنه ، وفي

٧١

كونه علامة للمجاز عدم ثبوته له.

الثاني : أن يكون المعتبر في كونه علامة للوضع عدم ثبوته لغير المعنى المبحوث عنه ، وفي كونه علامة للمجاز ثبوته لذلك الغير.

الثالث : أن يكون المعتبر في كونه علامة للوضع ثبوته للمعنى المبحوث عنه ، وفي كونه علامة للمجاز ثبوته لغير ذلك المعنى.

فإذا عرفت هذه فاعلم : انه ذهب السيّد عميد الدين ـ قدس سره ـ في منية اللبيب في شرح التهذيب إلى الأوّل ، حيث قال : إنّ من علائم المجاز عدم سبق المعنى من اللفظ إلى الذهن ، فصرّح بعلامة المجاز ، ودل على علامة الحقيقة بالالتزام بقرينة التقابل (١).

وذهب العضدي في شرح المختصر إلى الثاني ، حيث قال : ومن علائم الوضع أن لا يتبادر غير ذلك المعنى فصرح بعلامة الوضع ودل على علامة المجاز بالالتزام بالقرينة المذكورة (٢).

وذهب بعض المتقدمين وجمهور المتأخرين إلى الثالث ، وهو المختار عنده ، قال : فما دلا عليه من علامة الحقيقة والمجاز بالالتزام قويّ متين ، وما صرّحا به منهما ما كنت به بظنين.

أقول : ما ذهب إليه السيّد في المنية ، هو الّذي ينبغي اختياره من اللبيب ، إذ بعد فرض أنهما مع كونهما من العالم بالوضع علامتان ، فلا يعقل كون المعنى حقيقة ، مع عدم تبادره ، فيكون عدم التبادر عنده علامة للمجاز قطعا ، فما اختاره ـ دام عمره ـ وإن كان ملازما لذلك إلاّ أن تبادره لا مدخلية له في العلامة ، بل ملازم لها ، مع أنه

__________________

(١) منية اللبيب : في الفرق بين الحقيقة والمجاز وإليك نصّه : وأما ما يختصّ بالحقيقة فأشياء : منها أن يسبق المعنى إلى أفهام المتحاورين باللغة عند إطلاق لفظه مجرّدا عن القرائن المخصّصة لذلك اللفظ بذلك المعنى ، فتعلم أنّ ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المعنى ، إذ لو لا كونه موضوعا له دون غيره من المعاني لكان سبقه إلى الفهم من دونها ترجيحا بلا مرجّح ، وانّه محال ، وعدم ذلك دليل المجاز ، فإنّ اللفظ المستعمل في المعنى إذا أطلق ولم يسبق ذلك المعنى إلى الفهم عند إطلاقه ، بل افتقر في فهمه منه إلى قرينة زائدة عليه كان مجازا ـ هذا ولكن أورد بعد ذلك بقوله : وفيه نظر : فإنّه منقوض باللفظ المشترك بالنسبة إلى كل واحد من معانيه ، فانّه ليس مجازا فيه مع عدم سبق معناه إلى الفهم عند إطلاقه. انتهى. وما عثرنا على نصّ آخر يناسب المتن.

(٢) شرح المختصر للعضدي ، مخطوط ، وإليك نصّه : ومنها أن يتبادر غيره إلى الفهم لو لا القرينة ، وهو عكس الحقيقة ، فانّها تعرف بأن لا يتبادر غيره إلى الفهم لو لا القرينة.

٧٢

تنصيص بالمشتركات حيث أنّ المتبادر منها جميع المعاني دفعة ، فيصدق على كل واحد أنه تبادر غيره إذا كان معنى التبادر انتقال الذهن أو حضور المعنى.

اللهم إلاّ أن يجعل بمعنى التقدم ، فيرتفع الإشكال ، إذ المفروض حضور جميع المعاني دفعة ، فلا يصدق حينئذ على كل واحد أنّه سبق عليه غيره ، إلاّ أنّه لا بد حينئذ من التصرف في الغير في علامة التبادر بجعله عبارة عن غير الموضوع لا مطلق الغير ، وإلاّ لما صدق على كلّ واحد من معاني المشترك أنّه سبق على غيره بقول مطلق ، فافهم.

ثم إنّ الآمدي قد أورد في الأحكام (١) على طرد ما صار إليه العضدي من علامة الوضع بمجازات المشترك لصدقها عليها ، مع أنها ليست بحقائق فيلزم تخلف العلامة عن معلومها ، إذ لا ريب أنّ معاني المشترك لا تتبادر من اللفظ ، فيصدق على مجازيته أنّها لا يتبادر غيرها.

وأجاب عنه في المنية : بمنع عدم تبادر معاني المشترك أصلا ، بل يتبادر منه أحد المعاني عند الإطلاق ، فلا يصدق على مجازيته أنّها لا يتبادر غيرها (٢).

وفيه أنّ هذا التزام بوضع المشترك للقدر المشترك بين معانيه المتفاوتة ، فيكون مشككا ، لا مشتركا وهو خلاف الفرض.

والتّحقيق في الجواب : أنّه لا يخفى أنّ دلالات الألفاظ إنما هي بسبب الوضع وهو سبب لها ، فإذا فرض تعلقه بمعان متعددة ، كما في المشترك ، فيتبادر منه عند الإطلاق جميع تلك المعاني ، إلاّ أنّ الإرادة ، لمّا لم تتعلق إلاّ بواحد منها بناء على عدم جواز استعماله في أكثر من معنى ، فيكون مورد تلك الإرادة وهو المعنى المراد مجملا ، وإلاّ

__________________

(١) الأحكام : ٣٠ ـ ٢٩.

(٢) يستفاد ذلك من المنية في موردين :

الأوّل في بحث الاشتراك ، وإليك لفظه : ونمنع أيضا من عدم فهم شيء أصلا من اللفظ المشترك حال تجرده عن القرينة بحيث يكون إطلاقه عبثا فانّ السامع يفهم أنّ المراد بذلك اللفظ أحد معانيه وان لم يفهم المعنى المراد منها مفصّلا.

الثاني في البحث الثالث ، وهذا لفظه : وعن الثالث المنع من لزوم التحكّم والترجيح من غير مرجّح أو تعطيل اللفظ لو لم يحمل اللفظ على جميع معانيه لجواز حمله على أحد تلك المعاني لا بعينه وليس ذلك تحكّما لأنّ اللفظ دالّ عليه لكونه لازما لكلّ معنى من معانيه ولا ترجيحا من غير مرجّح لأن لهذا المعنى أعني أحد تلك المعاني لا بعينه رجحانا على غيره لكونه متيقّن الإرادة دون غيره من المعاني فإنّ احتمال إرادته وعدمها متحقّق.

٧٣

فعلى القول بجواز استعماله في أكثر من معنى ، فلا إجمال في المراد أيضا ، لأنّه عند التجرد عن القرينة ظاهر في إرادة الجميع.

وكيف كان فظهر أنّ مجازاته لا يصدق عليها أنّ غيرها لا يتبادر لتبادره كما عرفت على القولين.

ثم إنّه يرد نظير هذا الإشكال على ما اختاره العميدي ـ قدس سره ـ من علامة المجاز لانتقاضها طردا بالمشترك بالنسبة إلى معانيه ، إذ يصدق عليها أنها لا تسبق إلى الذهن.

ودفعه قد علم ممّا مرّ ، من أنّها تسبق إليه وتتبادر مطلقا.

ثم إنه قد يورد على ما اخترنا من علامة الوضع وفاقا للعميدي بالحقائق المجهولة من حيث العكس فإنها مع كونها حقائق لا تتبادر للجاهل بها.

ودفعه أنّ العلامة إنما اختلت إذا تحققت ولم تدل على معلومها ، لكنها لا يجب تحققها في جميع موارد ذلك المعلوم ، لإمكان أن يمنع عن وجودها مانع من الموانع التي منها الجهل بالموضوع له.

أقول : بعد ما حققنا من أنّ التبادر وعدمه عند العالم علامتان للوضع وعدمه لا وجه لهذا السؤال ، وأفضح منه الجواب عنه بما ذكر إذ لا يعقل فرض الجهل بالحقيقة عند العالم حال كونه عالما.

ثم إنّ هاهنا إشكالين واردين على كون التبادر علامة للوضع على جميع الأقوال :

أولهما : أنّه لا ريب أنّ التبادر مسبّب عن العلم بالوضع ، لبطلان القول بالمناسبة الذاتيّة ، فما لم يحصل العلم به لم يحصل العلم بالتّبادر ، مع أنّ المفروض أنّ العلم بالوضع متوقف على العلم بالتّبادر فيلزم الدّور والتّالي باطل ، فالمقدّم مثله.

وثانيهما : أنّ علامة الشيء تعتبر أن تكون من خواصّه بأن لا توجد في غير ذلك الشيء ، والتبادر ليس خاصة للوضع ، لوجوده في المجاز المشهور ، فلا يكون علامة للوضع له.

وأجيب عن الأوّل : بوجوه ثلاثة :

الأول : منع توقّف معرفة التبادر على العلم بالوضع ، لإمكان حصولها بملاحظة كثرة استعمال اللفظ في الموضوع له مع القرينة إلى أن يحصل عند الجاهل بالوضع

٧٤

استئناس بين هذا اللّفظ وذلك المعنى بحيث يتبادر عنده هذا المعنى من اللفظ عند استعماله مجردا عن القرينة ، فقد حصل له التبادر حينئذ مع عدم معرفة الوضع بعد.

الثّاني : أنّ المتوقف على معرفة التبادر إنّما هو العلم بالعلم بالوضع ، لا العلم بالوضع.

الثالث : انّ معرفة الوضع تفصيلا متوقفة على معرفة التّبادر لكن معرفة التّبادر لا تتوقف على معرفة الوضع تفصيلا ، بل تتوقف على معرفته إجمالا.

هذا ، وفي كل من الوجوه تأمل ، بل منع.

أمّا الأوّل : فلأنه إن كان المراد بالاستعمالات مع القرينة التي اقترنت بالقرينة واتّصلت بها فقد مرّ في مبحث المنقول أنّ الاستعمالات مع القرينة المتصلة وإن بلغت إلى ما بلغت من الكثرة ، لا توجب تبادر المعنى من اللفظ عند تجرده عنها في وقت فراجع ، وإن كان المراد الاستعمالات مع القرينة المنفصلة ، فهذا مسلّم لكنه غير مجد فيما نحن فيه ، لأنّ اللفظ إذا لم يصل استعماله كذلك إلى الحدّ المذكور ، فلا يتبادر عنه المعنى بدون العلم بالقرينة ، وإذا وصل إلى هذا الحدّ فقد حصل للجاهل العلم بالوضع ، فحينئذ يكون التبادر مستندا إلى علمه بالوضع فلم يرتفع الدور.

وأمّا الثاني : فلأنّ الّذي نتعقله فيه ـ وهو أن يكون المراد بالعلم هو الإذعان بثبوت النسبة الخبرية بين الموضوع والمحمول ، وبالعلم بالعلم الالتفات إلى الإذعان المذكور كما ذكرهما أهل المعقول ـ لا يجدي (١) فيما نحن فيه في شيء ، لأنّا ننقل الكلام في الإذعان المذكور ، ونقول : إنّه لا ريب أنّ كل إذعان مسبوق بالجهل لا بد في حصوله من سبب ، وسببه فيما نحن فيه منحصر في التبادر ، إذ المفروض كون التبادر علامة للوضع ، وهو أعني كونه علامة إنّما يكون إذا انحصر طريق معرفة الوضع فيه فالجاهل لا يحصل له الإذعان حينئذ بثبوت وضع اللفظ لهذا المعنى إلاّ بمعرفة التبادر ، ومعرفته أيضا كما سلّمه ذلك المجيب متوقفة على معرفة الوضع التي هي الإذعان المذكور فيعود المحذور ، وأمّا الّذي يجدي في الدفع لا نتعقله لأنّه لو أمكن كون العلم كليا ذا فردين ، فيكون معرفة التبادر موقوفة على أحدهما ومعرفة الآخر موقوفة على معرفة التبادر ، لا ندفع الإشكال لاختلاف طرفي التوقف ، لكنّا لا نتعقل الصغرى ، لكن الظاهر أنّ مراده الاحتمال الأوّل ، وقد عرفت ما فيه.

__________________

(١) لا يجدي خبر ( أنّ ) في قوله ( فلأنّ الّذي نتعقّل ).

٧٥

وأمّا الثالث : فلأنه إن كان المراد به ما سبق في الوجه الثاني ، فقد عرفت ما فيه وإن كان المراد ما قيل في دفع إشكال الدّور عن الإشكال الأوّل ، فهو لا ينطبق بما نحن فيه بوجه كما لا يخفى.

والتحقيق في الجواب : ما تلقيناه من الأصحاب من أنّ التبادر عند العالم بالوضع أمارة للجاهل به ، كما صرح به العميدي (١) قدس سره ، حيث إنه رحمه الله جعل عنوان المسألة ذلك ، وقال إنّ عدم سبق المعنى من اللفظ عند العالم بالوضع دليل على المجاز للجاهل به ، فلا يتوقف معرفة التبادر في حق الجاهل على معرفة الوضع فارتفع الدور.

وكيف كان ، فأصل العنوان في مسألة التبادر إنما هو التبادر عند العالم بالوضع.

ويكشف عن ذلك مضافا إلى تصريح العميدي عدم تعرض المتقدمين لهذا الإشكال ، مع أنّ دأبهم التّعرض بأدنى من ذلك.

نعم تعرضوا لذلك الإشكال في مسألة عدم صحة السلب ، فحينئذ يرد علينا أنّ عدم صحة السلب أيضا مثل التبادر ، فإنّه عند العالم بالوضع دليل عليه للجاهل ، ومقتضى ذلك عدم ورود الإشكال عليه أيضا ، فما وجه تعرّضهم له ثمة؟ فإن أجبنا عنه ثمة بغير هذا الجواب فيرتفع هذا السؤال عنّا ، وإلاّ فهو وارد علينا. هذا تمام الكلام عن دفع إشكال الدور.

واما الجواب عن الإيراد الثاني : وهو الإشكال بتبادر المعنى المجازي في المجاز المشهور ، فبأن التبادر الّذي ادّعينا كونه علامة للوضع إنّما هو التّبادر الناشئ عن جوهر اللفظ.

وأمّا المجاز المشهور فلا ريب أنّ الأقوال فيه ثلاثة :

الأول : أنه يتبادر المعنى المجازي من اللفظ مع أنّ وضعه لم يهجر عن المعنى الحقيقي ، فيحمل اللفظ على المجاز. وهذا القول لأبي يوسف (٢).

__________________

(١) منية اللبيب مخطوط في البحث الرابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز وإليك نصّه : وأمّا ما يختصّ بالحقيقة فأشياء منها : أن يسبق المعنى إلى أفهام المتحاورين باللّغة عند إطلاق لفظه مجرّدا عن القرائن المخصّصة لذلك اللفظ بذلك المعنى.

(٢) في المنية في البحث التاسع عند عدّ الأقوال ما هذا نصّه : وقال أبو يوسف المجاز الراجح أولى لطرق رجحانه.

٧٦

والثاني : عكسه ، وهو أنه يتبادر المعنى الحقيقي أيضا ، فإنه وان كان مرجوحا في النّظر ابتداء إلاّ أنّ بملاحظة أصالة الحقيقة يتبادر ويظهر كونه هو المراد ، فيحمل اللفظ عليه.

والثالث : التوقف والحكم بإجمال اللفظ كما هو المشهور ، فحينئذ لا ريب أنّ النقض به إنّما يتوجه على القول الأوّل ، دون الأخيرين ، لعدم تبادر المعنى المجازي حتى يرد النقض به. فنقول حينئذ : إن الجواب على القول الأوّل أيضا وفاقا للمحقق القمي قدس سره ، أنّ التبادر هنا ناشئ من الغلبة ، لا من جوهر اللّفظ بحيث لو قطع النّظر عنها لا يتبادر المجاز أصلا (١).

ثم إنّ صاحب الفصول قدس سره ضعّف ما ذكره المحقق القمي قدس سره من الجواب المذكور ، بأنّ التبادر في المنقول أيضا قد يستند إلى ملاحظة الشهرة وعدل إلى جواب آخر (٢).

وحاصله : أنّ التبادر الّذي هو علامة للوضع هو التبادر الابتدائي الّذي لم يلاحظ المتكلم في استعمال اللفظ المحصل له الآثار البديعية المقصودة من المجاز ، والتبادر في المجاز المشهور ليس كذلك ، لأنه من حيث كونه متفرعا على معنى آخر ملحوظا فيه الآثار البديعية كالبلاغة ، والمبالغة ، وغيرهما ، ممّا يبنى على ملاحظة المعنى الحقيقي ولو إجمالا.

وفي كلّ من وجه التضعيف ، والجواب الّذي اختاره نظر :

أمّا الأوّل : فلأنه إن كان المراد بالشهرة هو نفسها ، فيرد عليه أنّه مع وجود الوضع ، وتحقّقه في المنقول كيف يتصور الاحتياج إلى ملاحظة الشهرة ، فإن العلم بالوضع بنفسه علّة تامّة لتبادر المعنى ، ولا يكون معه لشيء آخر مدخلية لا شرطا ولا شطرا.

وإن كان المراد بالشهرة هي الاستعمالات المؤدية إلى النقل التي هي سبب الوضع ، نظرا إلى أنّ الانتقال إلى المعلول الّذي هو الوضع ، يستلزم الانتقال إلى العلة التي هي تلك الاستعمالات.

__________________

(١) القوانين : ١٧.

(٢) الفصول : ٣٣.

٧٧

ففيه أوّلا : أنّ الملازمة في المقام ممنوعة ، إذ بعد تحقّق علقة الوضع ، فإذا أطلق اللفظ فلا ريب أنّ الذهن لا يلتفت إلى سببها ، بل إنّما يلتفت إليه وحده ، فيحصل بسببه الانتقال إلى المعنى المنقول إليه.

وثانيا : على تسليم الملازمة بين الالتفات إلى العلقة الوضعيّة وبين الالتفات إلى سببها ، فلا ريب أن هذه لا تختص ببعض المنقولات ، بل جميعها كذلك ، بل وجميع الأوضاع الابتدائية كذلك أيضا ، لما هو محقّق في محلّه من أنّ مجرّد الوضع لا يكفي في حصول العلقة بين اللفظ والمعنى بحيث يتبادر منه ذلك المعنى ، بل لا بدّ من استعمالات للّفظ في هذا المعنى ، ليحصل الاستئناس بينهما عند السامع. هذا فيما ذكره في وجه التضعيف.

وأمّا الثاني : أعني الجواب الّذي اختاره ، وعدل إليه ، فلا ريب أنه راجع إلى ما ذكره القمي قدّس سره إلاّ أنّه بعبارة أخرى ، فإن مقصوده أيضا هذا المعنى ، إذ ليس غرضه استناد التبادر في المجاز المشهور إلى مجرد الشهرة مع قطع النّظر عن ملاحظة النكات المجازية ، بل غرضه أنّ التبادر ثمّة مستند إلى قرينة المجاز ، وهو الشهرة بما يلزمها من ملاحظة العلاقة ، والاعتبارات البديعيّة.

هذا مع أنّ دعوى اعتبار النكات المجازية في المجاز المشهور ممنوعة ، فإنّ أظهر أمثلته استعمال الأمر في الندب ، ونحن لم نجد موردا من موارد استعماله فيه يلاحظ فيه شيء مما ذكر ، فافهم.

ثم إنّ هاهنا إشكالا آخر على التبادر بأن انصراف المطلقات إلى أفرادها الشائعة ، نظير الإشكال بالمجاز المشهور.

بيانه : أنّه لا يخفى أنّ المطلقات المنصرفة إلى الأفراد الشائعة ليست موضوعة لها ، بل باقية على وضعها للطبيعة الكلية ، ومع ذلك تتبادر منها تلك الأفراد.

والجواب عنه نظير ما مرّ ثمّة ، توضيحه أن في المطلّقات التي لها أفراد شائعة أقوالا ثلاثة :

الأوّل : أنّ المطلق ظاهر في إرادة الأفراد الشائعة ، ويتبادر منه هذه.

الثاني : أنّ المطلق ظاهر في الطبيعة ، إلاّ أن انفهام كون الأفراد الشائعة مرادة بقرينة الغلبة بمعنى أنّ الغلبة دالّة عليها.

وبعبارة أخرى أنّ انصراف المطلقات إلى الأفراد الشائعة من باب دالّين

٧٨

ومدلولين ومطلوب واحد ، فإن المطلق مستعمل في الطبيعة ، وأريد الخصوصية ـ أعني خصوصية الأفراد الشائعة ـ من الخارج عن اللفظ ـ وهو الغلبة ـ.

الثالث : التوقف بمعنى أنّ غلبة إرادة الأفراد الشائعة من المطلّقات أوجبت فيها الإجمال ، وأسقطتها عن ظهورها في الطبيعة المعرّاة ، لكن لمّا كانت الأفراد الشائعة متيقنة الدخول في المراد ، فحمل المطلق عليها لذلك ، لا لظهوره فيها.

فإذا عرفت الأقوال فلا ريب أنّ الإشكال المذكور لا يرد على الأخيرين :

أمّا على الثاني : فلكون المطلق ظاهرا في معناه الحقيقي ، وهو الطبيعة ، لا في الأفراد الشائعة ، وإنّما دل عليها بدال آخر.

وأمّا على الثالث : فلأنه لا ظهور حتى يرد النقض به ، فينحصر وروده في الأوّل ، وحينئذ فالجواب نظير ما مرّ سابقا من المحقق القميّ (قدس سره) وهو أنّ التبادر حينئذ ـ مستند إلى الغلبة لا إلى جوهر اللفظ.

تنبيه :

يرد على القول الثاني في المطلقات : أنّه إذا فرض استعمال المطلقات في الطبائع المطلقة دائما ، وأنّ خصوصية الأفراد الشائعة تفهم من الخارج ، فهذا ينافي ما نجد من كون كثير من المطلقات منقولة إلى الأفراد الشائعة بغلبة الاستعمال ، فإن الاستعمالات المحصّلة للنقل لا بد أن يلاحظ فيها خصوصية المعنى المجازي.

ويمكن الجواب عنه : بأنّ ذلك في المجازات المباينة للمعاني الحقيقية ، وأمّا إذا كانت من قبيل الكلي والفرد ، فلا يشترط فيها ذلك ، بل يمكن حصول النقل بكثرة إرادتها عند إطلاق اللّفظ ، وان لم تكن مرادة من حاقّ اللّفظ.

ثم إنّ هاهنا تنبيهات :

الأوّل : في تحقيق الحال في المجاز المشهور ، وفيه مقامات أربعة :

الأوّل في تعريفه.

والثاني في إمكانه.

والثالث في وقوعه.

والرابع في ذكر الأقوال فيه بما لها من الاستدلال.

أمّا تعريفه : فهو أنّه ( هو اللفظ المستعمل في المعنى المجازي إلى حد تمنع كثرة استعماله فيه من ظهوره في إرادة المعنى الحقيقي عند التجرد عن القرينة بما كان له من الظهور قبل وصول استعماله إلى هذا الحد ).

٧٩

وقد يعبر عنه بالمجاز المساوي باعتبار تساوي احتمال إرادة المعنى المجازي لاحتمال إرادة المعنى الحقيقي.

وقد يعبّر عنه بالمجاز الراجح إمّا باعتبار كون ذلك المعنى المجازي راجحا بالنسبة إلى سائر المجازات في الإرادة من اللّفظ ، وإمّا باعتبار رجحان إرادته في بادي الرّأي.

وأمّا إمكانه : فقد أحاله بعضهم محتجا بأنه مع بقاء العلقة الوضعيّة ـ كما هو المفروض ، وإلاّ لكان منقولا ـ كيف يمكن عدم ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي؟ فإنّها علة تامة لذلك.

والأكثر على جوازه ، منهم المحقق القمي رحمه الله حيث أنّه ادعى وقوعه ، ولا ريب أنّه أخص من الإمكان ، فيلزمه الإمكان.

ومنهم صاحب المعالم ، حيث إنه ادّعى وقوعه في خصوص الأمر.

والأقوى القول الثاني ، لعدم الدليل على استحالته.

وأمّا ما ذكره المستدل ، فالجواب عنه أنّه يمكن تضعيف العلقة الوضعيّة بسبب كثرة الاستعمالات المجازية ، فتخرج عن كونها علة ، ولا يلزم من ذلك الالتزام بالنقل ، لأنّا نتعقل الواسطة في الاستعمالات المتكثرة ، لأنّها يمكن أن تصل إلى حدّ توجب هجر المعنى الأوّل ، واختفاءه عن ذهن السامع ، كما في المنقول ، ويمكن ـ أيضا ـ ان تصل إلى حد دون ذلك ، بحيث يحضر عند الذهن بظهور ضعيف ، لكن السامع يتردد في كونه مرادا ، وقسم منها لا يبلغ إلى هذين الحدين ، بل العلقة باقية على حالها من القوة ، بحيث يحمل السامع اللّفظ على المعنى الحقيقي عند تجرد اللفظ عن القرينة ، والقسم الثاني هو المجاز المشهور المتنازع فيه.

وأمّا وقوعه : فنحن لم نطلع على موضع منه ، بل كلما وجدنا من الألفاظ الّتي كثرت استعمالاتها في المعنى المجازي ، رأيناها بين القسم الأوّل ، وبين القسم الأخير.

وأمّا ما ذكره صاحب المعالم من صيغة الأمر ، فلم نجد له شاهدا ، فإنّ مقتضى ما ذكره من كونها مجازا مشهورا في الندب ، التّوقف في الأوامر الواردة في الكتاب والسنة عند تجردها عن القرينة.

وأنت ترى أنّه لم يتوقف أحد من القائلين بوضعها للوجوب في الفقه في حمل أمر من الأوامر على الوجوب إلاّ في باب الطهارة عند بعض.

وكيف كان فما ذكر من كون الأمر مجازا مشهورا في الندب مطلقا ممنوع ،

٨٠