تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ٤

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ٤

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-003-X
الصفحات: ٣٧١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ وبه ثقتي ]

والحمد لله رب العالمين ، [ وأفضل صلواته وأكمل تسليماته على أكرم أنبيائه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ](١).

[ في البراءة ]

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( المكلف الملتفت ... ) (٢).

هذا القيد ليس احترازيا ، بل توضيحي محقّق لموضوع القاطع والظانّ والشاكّ ، فإنّ القاطع من حيث هو قاطع لا يكون إلاّ بوصف كونه ملتفتا ، وهكذا الكلام في الظانّ والشاكّ فالالتفات مأخوذ في هذه العناوين.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( لم يكن فيه كشف ... ) (٣).

فإنّ صفة الطريقية ليست ثابتة للشكّ أصلا : لأنّه مجرّد التردّد والتحيّر ، فالتردّد مأخوذ في حقيقته ، فكيف يمكن معه كونه مرآة لشيء وكاشفا عنه وليس له إلاّ جهة الموضوعية ، ومن تلك الجهة له أحكام في الشريعة؟!

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( لأنّه حكم واقعي للواقعة المشكوك ... إلخ ) (٤).

فإنّ الواقعة المشكوك في حكمها ـ من حيث كونها مشكوكة ـ موضوع

__________________

(١) أثبتناه من النسخة المستنسخة.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣٠٨.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٣٠٨.

(٤) فرائد الأصول ١ : ٣٠٨.

٥

من الموضوعات الواقعية ، وله حكم واقعيّ بهذه الحيثيّة ، فهذا الحكم بالنسبة إلى هذا الموضوع من تلك الجهة يسمى واقعيا ، ومن جهة حكمه الأوّلي ـ بلحاظ نفس الأمر مع قطع النّظر عن هذا العنوان ـ يكون هذا الحكم المفروض كونه ظاهريا في مرحلة الظاهر بالنسبة إلى الحكم الأوّلي ثانويّا ، فإباحة شرب التتن ـ مثلا ـ من حيث كونه مجهول الحكم حكم واقعي ثانويّ بالنسبة إلى حكمه الأوّلي الواقعي ، وهو الحكم الكلّي الإلهي المشكوك فيه الثابت لشرب التتن باعتبار المصلحة والمفسدة الواقعيتين لذات التتن.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( متأخّرا طبعا ... ) (١).

ضرورة تأخّر الحكم عن الموضوع بوصف كونه موضوعا بالطبع.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والاجتهاد ... ) (٢)

فإنّ الفقه قد أخذ العلم في تعريفه ، حيث عرّف : بأنّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة (٣) ، ولا ريب أنّه لا علم للفقيه إلاّ في مرحلة الظاهر في مجاري الأصول فلذا تقيّد هذه الأصول [ بالفقاهتية ](٤).

وأمّا الاجتهاد فنظرا (٥) إلى تعريفه باستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعي الفرعيّ بحسب الجهد والطاقة من ألفاظ الكتاب والسنة

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣٠٨

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩

(٣) لا يخفى أنّ هذا ناظر إلى ظاهر تعريف الفقه ، وإلاّ فلو جعل العلم فيه بمعنى الظن أو مطلق الاعتقاد الراجح أو الملكة فتنتفي (أ) المناسبة جدّاً. لمحرّره عفا الله عنه.

(٤) كذا في الأصل والصحيح : الفقاهيّة.

(٥) في الأصل : نظرا ...

__________________

(أ) كذا والصحيح : لانتفت.

٦

وغيرها من الأدلّة الظنّيّة ، فتسمّى الأدلّة المستنبطة منها تلك الأحكام الظنّية بالأدلّة الاجتهادية.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( حكمه حكم الشكّ ... ) (١).

فمجاري هذه الأصول حال كونها مظنونة بالظنّ الغير المعتبر كمجاوريها حال كونها مشكوكة من غير فرق بينهما أصلا.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( فلا معارضة بينهما ... ) (٢).

أقول : لا شبهة في وجود أحكام واقعيّة مشتركة بين العالم والجاهل غير متغيّرة بالعلم والجهل وغير مقيّدة بشيء منها ، وإلاّ لاستلزم الدور ، مضافا إلى استلزامه للتصويب ـ أيضا ـ كما لا يخفى ، إذ على هذا التقدير يكون العلم والجهل من قبيل القدرة والعجز والسفر والحضر من حيث تبدّل الأحكام الواقعيّة بتبدّلهما كما فيها.

نعم ، تنجزها على المكلّف مشروط بالعلم ، فنقول :

إنّ الشاكّ كما يتوجّه إليه الأحكام الظاهرية المجعولة حال الشكّ ، فكذا يتوجّه إليه تلك الأحكام الواقعية الغير المقيدة بالعلم والجهل أيضا في تلك الحال ، وربما تكون هي منافية لتلك الأحكام الظاهريّة ومناقضة لها ، فيؤدّي ذلك إلى اجتماع حكمين متناقضين في حقّ المكلّف ـ بالفتح ـ في حالة واحدة في واقعة واحدة كشرب التتن ـ مثلا ـ يكون منهيّا عن شربه في الواقع حال الشكّ ومرخّصا فيه في تلك الحال في مرحلة الظاهر ، وتعدّد الجهة هنا غير مجد بالضرورة ، لأنّه لا يجعله شخصين ، بل كيف كان فهو شخص واحد قد يوجه نحوه خطابان متناقضان في آن واحد.

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩

٧

هذا ، ويمكن حل الإشكال : باختلاف تعلّق الحكمين به من حيث القوّة والفعل ، فإنّ الحكم الواقعي إنّما يتعلّق به شأنا ، والظاهريّ متعلّق به فعلا ، ويشترط في التناقض الوحدات الثمانية التي منها القوّة والفعل.

وأمّا بالنسبة إلى المكلّف ـ بالكسر ـ وهو الآمر ، فينهض إشكال آخر : فإنّه وإن لم يكن ما بين خطابي الأمر والنهي ـ أو النهي والرخصة بالذات ـ تناقض ، لكنّه يلزم بالنسبة إلى نفس المكلف ـ بالكسر ـ فإنّه في حالة واحدة مريد للفعل جزما ، وغير مريد له كذلك ، أو مبغض له وغير مبغض له ، كما إذا كان الحكم الواقعي الوجوب والظاهري الإباحة ، أو كان الحكم الواقعي الحرمة ، والظاهري الرخصة ، أو كان الأمر بالعكس فيهما ، بأن يكون الحكم الواقعي الإباحة والرخصة ، والظاهري الوجوب أو الحرمة ، فالمكلف ـ في جميع تلك الصور ـ نفسه كارهة للفعل ومبغضة له وراضية به ، أو مريدة له جزما وراضية بتركه ، بل قد يؤدّي إلى كونه كارها للفعل ومبغضا له ومريدا له ، كما إذا كان أحد الحكمين الوجوب ، والآخر الحرمة.

وهذا الإشكال أعظم من ذاك كما لا يخفى ، وتعدّد الجهة هنا غير مجد أيضا بالضرورة لأنه لا يجعل المكلف ـ بالكسر ـ شخصين يكون أحدهما كارها والآخر راضيا.

ويمكن حلّ ذلك أيضا :

تارة : بأن الموجود في نفس الآمر من جهة الحكم الواقعي بالنسبة إلى الشيء المشكوك حكمه عند المكلف ـ بالفتح ـ ليس إلاّ مجرّد العلم بالمصلحة والمفسدة الكامنتين في ذات ذلك الشيء القابلتين للتدارك من الآمر ، بحيث يتمكّن هو من جبران فوت الأولى على المكلّف أو الوقوع في الثانية إذا كان الفوت أو الوقوع من جهة قصور المكلف ، أو لإذن الآمر في الترك في مورد الأولى ، أو في الفعل في مورد الثانية في مرحلة الظاهر لمصلحة من المصالح راجحة

٨

على الفوت أو الوقوع في تلك الواقعة الشخصيّة مع تمكّن المكلّف من تحصيل العلم بحكم الواقعة أو من الاحتياط فيه ولو كانت تلك المصلحة تسهيل الأمر عليه ، لئلا يشق عليه امتثال سائر الأوامر والنواهي المعلومتين له.

وأمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فالموجود في نفسه هو الإرادة أو الرضا بالترك من جهة تلك المصلحة الموجبة لرخصة المكلف في مخالفة الواقع ، فإذن لا منافاة بين الحكم الظاهري والواقعي بالنسبة إلى نفس الآمر لعدم المنافاة بين العلم بالمصلحة والمفسدة الواقعيّتين وبين الرضا بالفعل في مورد الأولى أو بالترك في مورد الثانية.

وأخرى : بأنّا لو سلّمنا أنّ الموجود في نفسه بالنسبة إلى الحكم الواقعي ليس هو مجرّد العلم بالمفسدة أو المصلحة نقول : إنّه ليس بحيث يبلغ إلى حدّ الكراهة والإرادة الفعليّتين ، بل إنّما هو مجرّد حب أو بغض نفس (١) ذلك الشيء المشكوك حكمه عند المكلف ، بمعنى أنّه يحب أو يبغض وجود ذلك الشيء في الخارج ، لكن المصلحة الخارجيّة دعته إلى الرضا فعلا ـ حال كون المكلف شاكّا ـ بفوت محبوبه أو وجود مبغوضه ، بل قد تدعوه إلى إرادة ترك الأوّل أو فعل الثاني فعلا في تلك الحال ، وتلك الإرادة وإن كانت ملزومة للحبّ أو البغض أيضا ، إلاّ أنّهما متعلّقان بصدور ذلك الشيء من المكلف حال الشك أو تركه منه في تلك الحال ، وذلك الحبّ والبغض متعلّقان بوجود ذلك الشيء في نفسه أو عدمه كذلك ، مع قطع النّظر عن ملاحظة المكلّف ، فلا منافاة بين ذينك وبين هذين ، لانتفاء الوحدة ـ من جهة الإضافة ـ بينهما (٢).

__________________

(١) في الأصل : أو بغض إلى نفس.

(٢) الظاهر تعلّق الظرف ( بينهما ) بقوله : ( لانتفاء الوحدة ).

٩

وثالثة : بأنّ الخطابات الظاهرية لا يجب أن تكون مضامينها مقصودة في نفس الآمر ، بل لا يجوز لاستلزامه للتناقض كما مرّ ، فالترخيص الظاهري للمكلف الشاكّ في حكم الواقعة الخاصّة الواقعي فيما إذا كان حكم الواقعة الخاصّة في الواقع الحرمة أو الوجوب ليس ملزوما للرضا النفسانيّ بارتكاب المكلف الفعل أو تركه في تلك الواقعة ، وكذا النهي الظاهري فيما إذا كان حكم الواقعة الواقعي الوجوب ، أو الأمر الظاهري فيما إذا كان حكمها الواقعي الحرمة ، ليس شيء منهما ملزوما للحبّ والإرادة أو البغض والكراهة في نفس الآمر والناهي بالنسبة إلى فعل الشيء المشكوك في تلك الواقعة أو إلى تركه ، وإنّما تلك الخطابات أحكام صورية ـ خالية عن الرضا النفسانيّ أو الحبّ والبغض أو الكراهة والإرادة ـ دعت مصلحة خارجيّة إلى توجيهها على هذا النحو نحو المكلف ، فالحب والبغض والإرادة والكراهة الواقعيّات ثابتات في نفس الآمر بالنسبة إلى المصلحة والمفسدة الواقعيتين في تلك الوقائع ، وليس في نفسه حب وبغض [ بالنسبة ] إلى طرف نقيض متعلّق الحب والبغض من حيث المصلحة والمفسدة الواقعيّتين ، وكذا ليس في نفسه إرادة أو كراهة غير اللتين في نفسه بالنسبة إلى المصلحة والمفسدة الواقعيّتين.

نعم الإرادة والكراهة الواقعيّتان ليستا بحيث توجبان استحقاق العقاب على مخالفة الأمر والنهي الواقعيّتين الناشئين منهما ، وإنّما [ توجبانه ](١) إذا علم المكلف بالأمر والنهي الواقعيّتين ، أو قام عنده طريق ظنّي معتبر عليهما.

وبالجملة : المتحقق في نفس المكلف ـ بالكسر ـ في تلك الوقائع ـ زائدا على الإرادة والكراهة بالنسبة إلى الفعل من جهة المفسدة أو المصلحة الواقعيّتين ـ إنّما هو الإرادة [ بالنسبة ] إلى مجرّد توجيه نفس الخطابات الظاهريّة

__________________

(١) في الأصل : توجبان له.

١٠

دون مضامينها ، والمنشأ للتناقض هي الثانية ، لا الأولى.

وهذا الّذي ذكرنا في دفع التناقض ممّا يجده المتأمّل المصنف من نفسه في خطاباته العرفية بالبديهة ، وذلك كما إذا ورد أحد تبغضه على مائدتك ، فيأخذك الحياء من أن لا تأذن [ له ](١) في الأكل منها ، فيدعوك ذلك إلى ترخيصه في الأكل ، مع أنّك في نفسك تكره وتبغض أن يأكل من مائدتك ، بل قد يدعو الحياء إلى إلزامك إيّاه بالأكل ، فهل تجد من نفسك ـ حينئذ ـ إرادة وكراهة وحبّا وبغضا؟ حاشاك ثمّ حاشاك ، بل لم تجد فيها إلاّ الكراهة وحدها والبغض وحده.

وكيف كان ، فاجتماع الأحكام الظاهريّة مع الواقعيّة بالنظر إلى ملزوماتها من قبل المكلّف ـ بالكسر ـ مما يشهد به وجدان كلّ أحد ، وإنّما أردنا بذلك بيان السرّ فيه تفصيلا ، لئلا يبقى مجال لبعض المغالطات المتوهّمة في المقام.

ومن ذلك الّذي ذكرنا في الوجه الأخير ظهر : أنّ المعتمد في دفع التناقض هو دون الأوّلين ، فخذه وكن من الشاكرين ، وقل الحمد لله ربّ العالمين.

ثمّ إنّ تقديم الأدلّة الظنّيّة على الأصول العمليّة بناء على اعتبار تلك الأصول من باب العقل إنّما هو من باب الورود ، فإن العقل على تقدير حكمه باعتبارها فإنّما يحكم به على تقدير عدم قيام حجّة شرعيّة في مواردها ، فبوجود الحجّة يرتفع موضوع حكمه ، ولا ريب أنّ الأدلّة الظنيّة حجّة شرعيّة ، فيرتفع بقيامها في مورد موضوع دليل اعتبار تلك الأصول ، وهو حكم العقل.

وأمّا بناء على اعتبارها من باب الأخبار فهو من باب الحكومة : لأنّ الأخبار ظاهرة في كون الموضوع فيها صفة الشكّ ، ولا ريب أنّها لا ترتفع بقيام الأدلّة الظنّيّة على مواردها ، بل المرتفع بها ـ حينئذ ـ إنّما هو حكمها بمقتضى أدلّة اعتبار تلك الأدلّة الظنّيّة ، ويمكن أن يقال : إنّ التقديم المذكور من باب

__________________

(١) في الأصل : ( من أن لا تؤذنه في الأكل منها ). والصحيح ما أثبتناه.

١١

تخصيص أدلّة اعتبار الأصول بأدلّة اعتبار تلك الطرق الظنّيّة ، بتقريب ما ذكره ـ قدس سرّه ـ ، فراجع (١).

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( وكون دليل تلك الأمارة أعمّ من وجه ... ) إلى قوله : ( لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة حينئذ بين مواردها ) (٢).

توضيح ذلك : أنّه إذا وقع التعارض بين العامّين من وجه : فإمّا أن يمكن إخراج مورد التعارض عن كلّ واحد منهما وإدخاله في الآخر ، أو لا :

فعلى الأوّل : لا يجوز جعل أحدهما مخصصا للآخر ومخرجا لمورد التعارض عن تحت الآخر ومدخلا إيّاه تحت نفسه إلاّ إذا كان له مرجح على الآخر من المرجحات المعمول بها في تعارض العامّين من وجه ، ومرجعها إلى ما يوجب كون مورده من العامّين أظهر دلالة على مورد التعارض من الآخر ، وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجح.

وأمّا على الثاني : فيتعيّن كون العامّ الّذي لا يمكن إخراج مورد التعارض عنه مخصصا للعام الآخر الّذي يمكن إخراجه عنه بالبديهة ، فنقول ـ حينئذ ـ : إنّ النسبة بين دليل اعتبار الأمارات الظنية وبين دليل اعتبار الأصول العمليّة وان كانت هي العموم من وجه ، إلاّ أنّه لا يمكن إخراج مورد التعارض عن الأوّل ، لقيام الإجماع على عدم الفرق بين موارده ، فيدور الأمر بين طرح الأوّل رأسا حتّى في غير مورد التعارض وهو مورد الافتراق من جهته وبين تخصيص الثاني ، لكن الأوّل باطل جدّاً ، ضرورة أنّه لا يعارض الثاني الأوّل في مورد افتراق الأوّل عنه ، فحينئذ يثبت به اعتبار الأمارة في مورد الافتراق ،

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

١٢

فإذا ثبت اعتبارها فيه بذلك الدليل ثبت اعتبارها في مورد التعارض بالإجماع المركّب ، فيجب إخراجه عن تحت الثاني ، وتخصيصه بغير مورد التعارض ، فافهم.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( توضيح ذلك ... ) (١).

المشار إليه إنّما هو أصل المدّعى ، وهو تصوير كون تقديم الأدلّة على الأصول من باب التخصيص الحقيقي ، لكن العبارة موهمة في بادئ النّظر أنّ المشار إليه هو ما ذكر من عدم نفع كون دليل اعتبار الأمارة أعمّ من وجه.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( وهو الشكّ ... ) (٢).

يعني غير العلم الشامل للظنّ أيضا.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( لا مخصص ... ) (٣).

الفرق بين التخصيص والحكومة : أنّ الحاكم متعرّض لحال المحكوم عليه ومفسّر له ، فلذا لا يفهم التعارض بينهما من أوّل الأمر ، هذا بخلاف المخصص ، فإنّه معارض للمخصص ـ بالفتح ـ من أوّل الأمر ومناف له ، ولذا يعمل بالعلاج بينهما.

قوله ـ قدّس سرّه ـ : ( وأمّا الأصول المشخصة لحكم الشبهة في الموضوع ... ) إلى قوله : ( إلاّ لمناسبة يقتضيها المقام ... ) (٤).

وذلك لأنّ التعرض لحكم الشبهات في الموضوعات الخارجية ـ كاستصحاب الطهارة مع الشك في الحدث أو العكس وكذا سائر الموارد ـ من وظيفة الفقيه ، فمورده الكتب الفقهية.

وأما الأصولي فليس شأنه إلا التعرض للقواعد الكلية التي يستنبط منها

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٣١٠.

(٤) فرائد الأصول ١ : ٣١٠.

١٣

الأحكام الفرعية الكلية الإلهية.

قوله ـ قدس سره ـ : ( ثم إن انحصار موارد الاشتباه في الأصول الأربعة عقلي ... ) (١).

يعني أن انحصار موارد الاشتباه في الموارد الأربعة ـ التي هي مجار للأصول الأربعة ـ عقلي.

لكن لا يخفى أن العبارة ليس لها تمام الانطباق على المقصود.

ثم إنه ـ قدس سره ـ إنما ادعى انحصار موارد الاشتباه عقلا في الأربعة ، ولم يدع انحصار الأصول في الأربعة كذلك ، لأن انحصار الأصول في الأربعة في الموارد الأربعة ليس عقليا كما لا يخفى ، لأنه يمكن أن يجعل الشارع في كل مورد من الموارد الأربعة أزيد من أصل واحد ، بأن يحكم في موارد الاستصحاب ـ مثلا ـ في بعض المقامات بالأخذ على طبق الحالة السابقة ، فيكون الأصل في ذلك المقام الاستصحاب ، وفي بعض المقامات من ذلك المورد بالأخذ على خلاف الحالة السابقة ، فيكون هذا أصلا آخر وراء الأصول الأربعة ويترك الاستصحاب من حيث كون النّظر فيها إلى الحالة السابقة ، وهكذا الكلام في سائر الموارد الأربعة.

نعم الواقع في الشريعة ليس أزيد من الأصول الأربعة ، فالحصر فيها اتفاقي لا عقلي.

قوله ـ قدس سره ـ : ( لأن الشك إما في نفس التكليف ... إلخ ) (٢).

أقول : الشبهة الحاصلة في مقام الشك والتحير : إما شبهة في الحكم ، وإما شبهة في الموضوع.

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣١٠.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣١٣.

١٤

والأولى تقع من وجوه (١).

الأول : من جهة الاشتباه في موضوع الحكم كالصلاة.

والثاني : من جهة الاشتباه الحاصل في محموله كالوجوب.

والثالث : من جهة الاشتباه الحاصل من الجهتين معا.

وكل هذه داخلة في الشبهة الحكمية ، كما لا يخفى.

وقد يطلق على الشبهة في الحكم الشبهة في المراد ، وعلى الشبهة في الموضوع الشبهة في المصداق.

ثم إن التكليف في كل من الشبهة في الحكم والشبهة في الموضوع : إما معلوم ، أو لا. والمراد بالتكليف نوعه الخاصّ كالوجوب والحرمة والاستحباب ـ مثلا ـ لا جنسه ، وهو القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب ، أو بين أحدهما والحرمة ، أو بين الثلاثة ، وهو الطلب مثلا ، فلو علم جنس التكليف وتردد بين الوجوب والاستحباب فهو شك في التكليف ـ لا المكلف به ـ ، فتحصل من ملاحظة الشق الثاني مع القسمين المذكورين قسمان.

وأما الشق الأول : وهو الّذي علم فيه التكليف ـ وإنما الاشتباه في تعيين المكلف به ـ فيدور الأمر فيه : إما بين المتباينين حقيقة أو حكما ، والثاني كالمطلق والمقيد ، والتعيين والتخيير الشرعي أو العقلي ، وإما بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

وأما الاشتباه فيه مع تردده بين الاستقلاليين فهو داخل في الشك في أصل التكليف ، وخارج عن الشك في المكلف به جدا ، لانحلال العلم الإجمالي فيه إلى العلم التفصيليّ والشك البدوي.

ويتلوه ـ في الخروج عن الشبهة في المكلف به والدخول في الشك في أصل

__________________

(١) كذا في الأصل ، والمناسب : من جهات : الأولى ... والثانية ... والثالثة ..

١٥

التكليف ـ الشبهة التحريمية في الارتباطيين لانحلالها إلى العلم التفصيليّ ، وهو حرمة الأكثر ، وشك بدوي ، وهو حرمة الأقل ، وذلك كالشك في حرمة قراءة سور العزائم (١) في الصلاة هل هو تمام السورة ، أو بعضها المخصوص كآية السجدة أو المطلق؟ فحرمة المجموع متيقنة ، وحرمة البعض ـ معينا أو مطلقا ـ مشكوكة كما لا يخفى ، ويحصل من ملاحظة هذين القسمين في الشق الأول مع القسمين السابقين ـ أعني الشبهة في الموضوع والحكم ـ أربعة أقسام ، ومع كل من ذلك : إما الشك في جميع الأحكام الخمسة ، أو بعضها مع بعض ، ثنائيا ، أو ثلاثيا ، أو رباعيا ، فيكثر صور الاشتباه ، لكن نكتفي بذكر بعض من الثنائيات حتى يظهر منها أحكام سائر الأقسام فنقول :

إنّ الشكّ : إمّا بين التحريم وغير الوجوب وإمّا بين الوجوب وغير التحريم ، أو بين الوجوب والتحريم ، ومع ملاحظة هذه الثلاثة مع الأقسام الأربعة للمكلّف به يحصل اثنا عشر قسما ، ومع القسمين في الشكّ في التكليف ستة أقسام.

ومنشأ الاشتباه في الشبهة الموضوعية هو وقوع الاشتباه في الأمور الخارجيّة ، ورفع الاشتباه فيها ليس من وظيفة الشارع إلاّ بجعل طريق كلّيّ يجعله ميزانا لرفع الاشتباه كالبيّنة واليد والقرعة ونحوها مما يرجع في الحقيقة إلى بيان الحكم الظاهري الكلّيّ في الموضوع الكلّيّ.

وأمّا منشأ الاشتباه في الشبهة الحكميّة من هذه الأقسام إمّا عدم النصّ في المسألة أصلا ، أو إجماله مع وجوده ، أو تعارض النصين ، وفقد النصّ أعمّ من عدمه مطلقا وبالمرّة بحيث يشمل صورة [ وجود ] أمارة (٢) ضعيفة كخبر ضعيف

__________________

(١) في الأصل : سورة العزائم.

(٢) في الأصل : صورة أمارة له ضعيفة.

١٦

أو فتوى فقيه أو نحو ذلك.

والأوّل خارج عن محلّ النزاع في الجملة ، لكن قبل ورود الشرع ، لعدم وجود احتمال الوجوب من أحد من المتنازعين ، ولعل الوجه في ذلك كون المراد إثبات الإباحة بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب أيضا بإيكال رفع الوجوب إلى مسألة البراءة ، لا أن عدم احتمال الوجوب مسلم منهم بحيث صار خارجا عن محل النزاع بينهم.

وكيف كان فالكلام يقع في أقسام الشك في التكليف لا غير ، وأما الشك في المكلف به فسيجيء الكلام فيه بعد الفراغ عن حكم الشك في التكليف ، كما قال ـ قدس سره ـ : ( والموضوع الأول يقع الكلام فيه في مطالب ... إلخ ) (١).

قوله ـ قدس سره ـ : ( منها : قوله تعالى : ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها )(٢) ) (٣).

تقريب الاستدلال بالآية : أن المراد بالموصولة هو التكليف ، فهي مفعول مطلق لقوله عز اسمه ـ : ( لا يُكَلِّفُ ) ، والمراد بالإيتاء هو الإعلام ، فيكون المراد : لا يكلف الله نفسا إلا تكليفا أعلمها به ، فيشمل الشبهة التحريمية المتنازع فيها ، ويقتضي عدم وجوب الاحتياط لعدم العلم بالتكليف فيها بالفرض ، وإلا لما كانت شبهة.

والجواب عنه : منع ظهور الآية في ذلك ، بل الظاهر خلافه ، فإن حقيقة الإيتاء الإعطاء ، لا الاعلام ، والظاهر من الموصولة : بقرينة اتحاد سياقها

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣١٤.

(٢) الطلاق : ٧.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٣١٦.

١٧

[ مع ](١) الموصولة الواردة في الآية السابقة على هذه الآية ، وهي قوله تعالى : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ )(٢) ، هو المال ، لا الحكم والتكليف ، فتكون الموصولة مفعولا به لقوله : ( لا يُكَلِّفُ ) ، وإرادة ذلك وإن كانت مستلزمة لارتكاب مخالفة الظاهر في الجملة ، نظرا إلى لزوم إضمار الإعطاء أو الإنفاق أو الدفع قبل الموصولة ، ليكون هو المكلف به في الحقيقة ، حيث إنه لا يصح تعلق التكليف بنفس الأعيان ، بل لا بد من تعلقه بالأفعال لكن مخالفة الظاهر على هذا التقدير أقل منها على فرض المستدل ، إذ عليه مخالفتان للظاهر :

إحداهما : حمل الإيتاء على الإعلام.

والأخرى : حمل الموصولة ـ الظاهرة في المال بقرينة اتحاد سياقها [ مع ](٣) ما قبلها ـ على الحكم والتكليف.

هذا مع عدم ملائمة إرادة الحكم منها لمورد الآية ، فإن قوله تعالى : ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها ) تعليل لما في الآية السابقة من وجوب الإنفاق مما آتاه من المال ، ولا ريب أنه ـ على تقدير إرادة الحكم والتكليف من الموصولة فيه ـ مستلزم لكون التعليل أجنبيا عن مورده بالمرة ، لعدم اندراجه تحت موضوع الحكم المعلل به ، كما هو الشأن في مقام التعليل ، فلا بد إذن من حمل الآية على ما ذكرنا مع التزام إضمار فيها بكون المضمر مضافا إلى الموصولة.

ويمكن أن لا يراد بالموصولة المال ، بل يراد منها نفس الفعل من غير حاجة إلى إضمار شيء قبلها ، فإن إرادة ذلك منها وإن كانت مخالفة لظاهرها بالنظر إلى اتحاد سياقها [ مع ](٤) الموصولة في الآية السابقة إلا أنه لا يبعد دعوى

__________________

(١) في الأصل : اتحاد سياقها للموصولة.

(٢) الطلاق : ٧.

(٣) في الأصل : اتحاد سياقها للموصولة.

(٤) في الأصل : اتحاد سياقها للموصولة.

١٨

ظهورها بقرينة إيقاع التكليف على نفسها (١) ، فإنها ظاهرة في كون المكلف [ به ](٢) نفسها (٣) ، وهو لا يكون إلا بأن يراد منها ما هو من مقولة الأفعال لا الذوات ، لما مر ، فيكون المفعول به حينئذ هو نفس الموصولة حقيقة ، ويكون المراد بالإيتاء هو الإقرار ، ويكون التعليل على هذا التقدير ـ أيضا ـ في محله ، لدخول الإنفاق من الميسور فيما أقدر الله المكلف عليه من الأفعال.

وبالجملة : إيقاع التكليف على نفس الموصولة قرينة على إرادة الفعل منها ، وعلى إرادة الإقرار من الإيتاء ، فالمراد من الآية حينئذ نفي التكليف عن غير المقدور.

ولعل هذا المعنى أظهر مما ذكر وأشمل ، لما مر من شموله لمورد الآية ولغيره.

لا يقال : إن هنا احتمالا آخر في الآية ، وهو أن يراد بالموصولة الأعم من الفعل الشامل للحكم مع إبقاء الإيتاء على ظاهره ، وهو الإعطاء ، فإنه معنى يصح نسبته إلى الحكم وإلى الفعل على حد سواء ، وإنما الاختلاف في مصاديقه ، حيث إنه بالنسبة إلى الحكم إعلامه ، وبالنسبة إلى الفعل الإقدار عليه ، وهذا الاحتمال ليس أقل مما اخترتم ، فإنه لا يلزم منه محذور إلا مخالفة ظاهر الموصولة من جهة اتحاد سياقها [ مع ](٤) ما قبلها ، وقد التزمتموها أنتم ، فلا يرد علينا شيء أزيد مما يرد عليكم ، فإذا صح إرادة ذلك من الآية صح الاستدلال بها.

لأنا نقول : إن هذا الاحتمال ينفيه لزوم استعمال الموصولة في معنيين على تقديره ، كما ذكره ـ قدس سره ـ بقوله : ( وإرادة الأعم منه ومن المورد يستلزم

__________________

(١) كذا في الأصل ، والصحيح : هي نفسها.

(٢) كذا في الأصل ، والصحيح : ( عليها نفسها ) أي على نفس الموصولة.

(٣) إضافة يقتضيها السياق.

(٤) في الأصل : اتحاد سياقها لما قبلها ...

١٩

استعمال الموصول في معنيين ، إذ لا جامع بين تعلق التكليف بنفس الحكم وبالفعل المحكوم عليه ) (١).

وتوضيحه : أن تعلق التكليف بالحكم إنما يكون من باب تعلق الفعل بالمفعول المطلق ـ كما مرت الإشارة إليه ـ وتعلقه بالفعل المحكوم عليه إنما يكون من باب تعلق الفعل بالمفعول به ـ كما هو واضح ، ومرت الإشارة إليه أيضا ـ ولا ريب أنه لا يمكن اجتماع هاتين الحيثيتين في معنى واحد ، لعدم الجامع بينهما ، فلا يعقل كون لفظ باعتبار معنى واحدا مفعولا مطلقا وبه لفعل واحد في استعمال واحد ، فلا بد ـ حينئذ ـ من إرادة كل من الحكم والفعل من الموصول بطريق الاستقلال والانفراد ، لا الجامع بينهما حتى يكون التكليف متعلقا بالموصول باعتبار الأول من الحيثية الأولى ، وباعتبار الثاني في الحيثية الثانية ، لكن اللازم باطل ، فالملزوم مثله.

قوله ـ قدس سره ـ : ( بغير المستقلات ... ) (٢).

فإن المستقلات العقلية في مخالفتها استحقاق العقاب قطعا من غير توقف على ورود بيان نقلي فيها.

قوله ـ قدس سره ـ : ( أو يلتزم بوجوب التأكيد ... ) (٣).

على تسليم أنه لا عقاب فيها بمجرد حكم العقل ، وإن كان فيها الذم ، بل يتوقف العقاب على تأييد العقل بالنقل.

وكيف كان ، فالكلام فيما نحن فيه في غير المستقلات ، والآية (٤) تدل على نفي العقاب عنها على كل تقدير سواء اختص البيان بالنقلي مع تعميم مورد

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٣١٦.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٣١٧.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٣١٧.

(٤) وهي قوله تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء : ١٥.

٢٠