تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

الألفاظ أولا في هذه المعاني في حق المستجمع لجميع الشرائط ثم شرع أحكام المعذورين شيئا فشيئا بالتدريج ، فمرة أجاز صلاة ناسي القراءة حتى ركع ، ويوما حكم بإجزاء صلاة المتيمم ، ورخص للمريض الصّلاة قاعدا في قضية وهكذا ، ولم يكن ذلك منه إلا بالأحكام التكليفية ، لا بالأوضاع اللغوية ، ولكن العرف أعني المتشرعة من الأصحاب والتابعين استعملوا هذه الألفاظ في جميع المعاني توسعا ، فلعله صار باستعمال واحد حقيقة ، وإن قلنا ببقاء الألفاظ على معانيها ، للقول بوجود المعاني أو بعضها في الشرائع السابقة ، فالشارع قد وسع في الاستعمال ، ولكن الاستعمال في جميع هذه المعاني لم يكن من (١) سبب الاشتراك اللفظي ، ولا المعنوي ، بل كان شبيها باستعمال أسماء الإشارة والضمائر قد استعملت في معانيها من حيث اجتماعها تحت أمر واحد ، وتحقق حسن مشترك بينها في الجميع ، ولكن هذا الأمر البسيط الجامع من قبيل آلة الملاحظة.

فان قلت : إذا قلنا بوجود الماهيات في الشرائع السابقة ، فالجامع بين ما في أيدينا وما في أيدي الأمم الماضية هو الجامع بين صحيحة العبادات منا وفاسدتها ، لأنّ ما في الشرائع السابقة فاسدة في شريعتنا ، فكيف وسع الشارع في الاستعمال من حيث الجامع.

قلت : إن الشارع لاحظ الجامع من حيث اندراج ما في الأمم السالفة فيه من حيث إنّه صحيح عند الأمم مع قطع النّظر عن فسادها عندنا ، كاندراج الفاسد عند مجتهد الصحيح عند آخر في الجامع في زمان واحد.

وبالجملة : فالصحة الواقعية الأولية لم تؤخذ قيدا للموضوع له اللفظ حتى يكون الشك في حصولها شك في حصول المصداق ، فيوجب الاحتياط ، بل المأخوذ قيدا له إنما هو المقدار المعلوم من الأدلة الخارجية المقتضية لدفع الزائد بالبراءة عند الشك بعد الفحص.

ولا يخفى أنّ هذين الإشكالين اللّذين دفعناهما بحمد الله من عمدة ما حمل بعض الأعلام إلى التفصي عن الصحيحيين بالقول بالأعم فلا تغفل عما قررنا في

__________________

(١) كذا والصحيح ( بسبب ).

٣٢١

دفعهما.

هذا كله في تصويرات القول بالصحيح وتشخيص المراد منها في محل النزاع.

وأمّا القول بالأعم فيتصور أيضا على وجوه :

أحدها : كونها موضوعة للمستجمعة لجميع الأجزاء المعتبرة فيها من غير اعتبار للشرائط في وضعها ، فيكون الجامع بين الأفراد هو الأجزاء المعتبرة دون الشروط ، وهذا الوجه وإن خص مراد الصحيحيين به بعض ، إلا انه لم يخص مراد الأعميين به أحد ، بل ممن أبى عن تخصيص مراد الأعميين به أستاذنا العلامة دام ظله وفاقا للهداية (١) وغيرها.

ثانيها : كونها موضوعة بإزاء الأعم من الصحيحة والفاسدة من غير مراعاة لجميع الأجزاء والشرائط ، بل إنما يعتبر ما يحصل معه التسمية في عرف المتشرعة ، وهو المحكي عن العلامة في غير موضع من النهاية وولده في الإيضاح والعميدي في موضع من المنية والشهيد الثاني في التمهيد والبهائي (قدس سره) والقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري (٢) وغير واحد من فضلاء المتأخرين منهم صاحب القوانين (٣) والضّوابط (٤) والإشارات (٥).

وبالجملة فهذا الوجه مما لا إشكال في تعيين مراد الأعميين به ، بعد تصريح هؤلاء الأجلة من الأعميين بتعيينه فيه ، وإنّما الإشكال فيه من جهتين :

أحدهما : في تعيين معنى اللفظ حينئذ ، حيث أن حوالة تعيينه إلى عرف

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١٠٠ ، ١٠١ ،

(٢) حكاه عنهم المحقق الأصفهاني (ره) في هداية المسترشدين : ١٠٠ ، وانظر نهاية الوصول : ٣٠ في الأمر الخامس من الفرع الثاني من فروع النقل من مباحث الحقيقة الشرعيّة. والإيضاح ٤ : ٥٢ ، والمنية :

مبحث تعارض الأحوال في الدوران بين النقل والاشتراك ، وتمهيد القواعد : قاعدة ٩٦ و ٢٢.

والمعتمد لأبي الحسين البصري ١ : ٢٣ ـ ٢٦. ولاحظنا من كتب البهائي (ره) الوجيزة والزبدة من الأصول والحبل المتين ومشرق الشمسين من الفقه وما عثرنا عليه في مظانّه.

(٣) قوانين الأصول : ٤٤.

(٤) ضوابط الأصول : مبحث الصحيح والأعمّ في مقام بيان أدلّة الأعميين حيث قال : فاعلم أنّ الحق أنها أسام للأعم بوجوه : الأوّل ... إلى أن ينتهى كلامه إلى الوجه الثالث عشر.

(٥) إشارات الأصول ١ : ١٧.

٣٢٢

المتشرعة مستلزم للدور ، لتوقف تعيين ما اعتبره الشارع في التسمية على عرف المتشرعة ، وتوقف عرفهم بمعرفته على بيان الشارع لهم ، إذ لم يكن الأمر موكولا إليهم.

وأجيب عنه في الموائد والضوابط (١) بأنّ الضابط لتعيينه ما يصدق معه الاسم عرفا على أن يكون الصدق العرفي كاشفا لا عنوانا حتى يلزم الدور ، فالحوالة في الحقيقة على الشرع ، نظير حوالة اللغات على العرف مع توقيفيتها ، فكما يكون العرف مرآة للّغة ، كذلك عرف أهل الشرع يكون مرآة لاصطلاح الشارع.

وثانيها : في تعقل الجامع المحصل للصدق العرفي بين الأفراد الصحيحة والفاسدة ، حيث إنّه لا يصح فرض الأركان المخصوصة جامعا :

أمّا أوّلا : فلعدم تحقق صدق الاسم عرفا بمجرد تحقق الأركان الأربعة ، أو الخمسة ، بل يحتاج إلى القدر الزائد المحصل لصدق الاسم عرفا.

وأما ثانيا : فلأن فرض الأركان موضوعا للفظ الصلاة يستلزم عدم صحة عدّهم ما عدا الأركان من سائر الأجزاء أجزاء ، لخروجها عن المسمّى كالشرائط ، ومن المعلوم من ملاحظة الشرع تسمية القراءة وأمثالها أجزاء للصلاة.

وأجيب في الهداية (٢) عن الوجه الثّاني :

أوّلا : بمنع كون سائر الأجزاء أجزاء لمطلق الصلاة ، بل القدر الثابت ، كونها أجزاء للصّلاة الصحيحة.

وثانيا : بمنع كونها أجزاء للصلاة مطلقا ، بل يمكن كونها أجزاء ما دامت موجودة ، وإذا انعدمت لا ينعدم الاسم بانعدامها ، نظير ما وقع في كثير من الأوضاع ، كلفظ البيت ، حيث وضع لما قام به الهيئة المخصوصة المعروفة في العادة ، وتلك الهيئة قد تقوم بجميع الأركان والجدران ، وقد تقوم بمجرد الأركان وبعض الجدران ، وقد تقوم بذلك وببعض آخر على اختلاف وجوده ، إلا أن وجود

__________________

(١) ضوابط الأصول : في مبحث الصحيح والأعم عند قوله : وأن يراد الأعم بحسب العرف فالصلاة ما يطلق عليها لفظها عرفا.

(٢) هداية المسترشدين : ١٠٠ ، انظر موردين من كلامه ( قده ) : الأوّل : عند قوله ويمكن الجواب بأنّ القدر الثابت إلخ ، الثاني : عند قوله : قلت إنّما يرد ذلك إذا قلنا بكون ذلك إلخ.

٣٢٣

الأركان ونحوها قد اعتبرت في تحقق مفهومه ، لتقوم الهيئة بها بحيث لا حصول لها بدونها وأما البواقي فغير مأخوذة بالخصوص ، فإن حصلت كانت جزء لقيام الهيئة بها حينئذ أيضا ، وإلا فلا ، واختلاف الهيئة مع زيادة ما تقوم به ونقصه لا توجب اختلاف المعنى ، إلى آخر كلامه.

أقول : أما الجواب الأول ، فيندفع بأن عدم اعتبار تلك الأجزاء في مسمى مطلق الصلاة يستلزم كون استعمالها في المستجمع للأركان وغيرها ـ كما هو الغالب ـ مجازا ، لأنّ أجزاء الصلاة ونحوها أجزاء خارجية متباينة ، وليست من الأجزاء التحليلية المتحدة في المصداق ، فإطلاق اللفظ الموضوع لبعضها على الكل مجاز ، بل قد يكون غلطا ، وليس من قبيل إطلاق الجنس على النوع ، أو النوع على الصنف ، أو الفرد ، كما قد يتوهم.

وأما الجواب الثاني : فهو وإن كان وجيها ، إلاّ أنّ الإيراد الأول ، أعني عدم اتحاد تحقق الأركان مع صدق الصلاة ، كاف في عدم صحة فرض الأركان جامعا.

ولا يصح أيضا فرض معظم الأجزاء المحصلة للصدق جامعا على وجه يكون اللفظ موضوعا للتام ، ويستعمل في الفاسد والناقص حقيقة من باب المسامحة العرفية ، نظير استعمال ألفاظ الموازين والمقادير على الزائد والناقص بيسير ، كما هو معنى قولهم : المسمى شرعي والتسمية عرفية.

ووجه عدم صحة فرض ذلك : أن تحقق مسامحة استعمال التام في الناقص منوط ، أولا : بمعرفة خاصية التام. وثانيا : بتحققها في الناقص ، والمفروض عدم وجود المناط في ألفاظ العبادات ، لأن المسامح في استعمالها ، إن كان هو الشارع ، فالمفروض عدم ترتيبه خاصية التام على الناقص.

وإن كان هو العرف ، فالمفروض عدم معرفتهم بخواص أحكام الشّرع ، وهذا هو السّر فيما اشتهر في ألسنة العلماء من أن الأحكام الشرعية مبتنية على التدقيقات العقلية ، لا على المسامحات العرفية ، وهو لا ينافي قولهم الأخير بأن الأحكام الشرعية مبتنية على حسب متفاهم العرف ، لا على التدقيقات الحكمية.

٣٢٤

وذلك : لأن تشخيص موضوعات الأحكام من وحدة الموضوع وتعدّده ، وبقائه وانعدامه في جريان الاستصحاب وعدمه ، وفي إثبات الحكم وعدمه ، تارة يتوقف على تشخيص صدق الحكم على ذلك الموضوع وعدمه ، بواسطة تشخيص وجود المناط فيه وعدمه ، كموضوع الكرية لحكم الطّهارة ، والنصاب لحكم الزكاة ، والمسافرة لحكم القصر ، وتارة لا يتوقف على تشخيص صدق الحكم والمناط ، كموضوع النجاسة لحكم الاجتناب.

والمراد من الأحكام الشرعية المبتنية على التدقيقات العقلية ، لا على التسامحات العرفية ، إنما هو القسم الأول.

والمراد من الأحكام الشرعية المبتنية على حسب متفاهم العرف ، إما هو القسم الثاني ، فعدم إجراء حكم السفر ، والكر ، والنصاب ، على موضوعاتها الناقصة عن مقاديرها بمقدار شعيرة ليس من جهة مجرّد عدم صدق الموضوع بحسب التدقيق العقلي ، بل إنما هو من جهة ضميمة عدم صدقه العرفي بعد توقف مسامحة العرف على إحرازه تحقق المناط في المسامح فيه ، المفروض قصور فهمهم عن مناط الأحكام الشرعية ، فضلا عن إحرازهم تحقّقه فيه ، وان صدق الموضوع عليه مع الغض عن حكمه الشرعي ، وعدم إجراء حكم النجاسة على الدخان المتصاعد عن النجس والبخار الحاصل منه مع عدم انفكاكها عن اجزاء متصاغرة جدا من العين النجسة ، ليس من جهة مجرد عدم صدق موضوع الحكم والعين النجسة عليها بحسب العرف ، بل إنما هو من جهة ضميمة عدم صدقه العقلي لأجل ترتب حكمه الشرعي بعد قصوره عن مناط ترتبه وان صدق عليه مع الغض عن حكمه الشرعي.

وبالجملة فتشخيص موضوعات الأحكام الشرعية موكول على حسب متفاهم العرف ومسامحاتهم ، والمراد من قولهم ليست منوطة بالمسامحات العرفية ، إنما هو عدم إناطتها بالمسامحات العرفية التي لا مسرح لتحقّقها في الأحكام الشرعية ، فالمراد من هذا السلب السلب بانتفاء الموضوع لا الحكم ، ولهذا ترى الفقهاء يحكمون باستصحاب حكم الكرية على ما يتناقص من الماء بمقدار ما يتسامح العرف في إطلاق الكرية عليه.

٣٢٥

ومحصّل الكلام أن المراد من ابتناء الأحكام الشرعية على المسامحات العرفية لا التدقيقات العقلية هو ابتناؤها على متفاهم العرف الغير الناشئ عن تنزيلاتهم ، والمراد من عدم ابتنائها على المسامحات العرفيّة هو عدم ابتنائها على متفاهمهم الناشئ عن تنزيلاتهم ، فلا منافاة بين القولين.

ولنرجع إلى ما كنا فيه من الإشكال في صحّة فرض الجامع (١) هو الأركان المخصوصة أو معظم الأجزاء على وجه يكون الوضع للكلّ واستعماله في الناقص من باب المسامحة ، ونقول في رفع الإشكال عن تصحيح فرض الجامع على مذهب الأعمي بإمكان فرضه معظم الاجزاء المحصلة للصدق العرفي ، لكن لا على وجه يكون الوضع للكل واستعماله في الناقص من باب المسامحة حتى يرد الإشكال المذكور ، بل على وجه يكون الوضع للكل من حيث المعظم ، فيكون سائر الأجزاء معتبرة في المسمى لا في التّسمية ، نظير وضع البيت ، والأعلام الشخصية حسب ما مرّ توضيحه بما لا مزيد عليه ، فتعين أن الأقرب إلى قول الأعميين هو الأعم العرفي لا الأركاني ، بحكم العرف الكاشف عن الشرع.

والثمرة ، بين الأعم العرفي والأركاني نظير ثمرة الصحيح والأعم في الإجمال والبيان ، فإنّ اللفظ على الأركاني مبين من جميع الوجوه ، لانحصار الأركان شرعا في النيّة ، والتكبير ، والقيام ، والرّكوع ، والسجود ، بخلافه على الأعم العرفي ، فإنّ اللفظ قد يجمل (٢) عند الشك في محصلية صدق الاسم بمرتبة من مراتب الأجزاء كما يجمل على الصحيحي.

__________________

(١) كذا والصحيح ( وهو الأركان ).

(٢) أي يصير مجملا.

٣٢٦

المقدمة الثالثة : في تأسيس أن الأصل هل هو مع الصحيحي ، أو الأعمي أو مع كليهما ، أولا أصل في البين. لينعرف المرجع مع الغضّ عن الأدلة أو مع فرض تصادمها وعدم المرجح.

فنقول : أما الأصل العملي فإن قلنا بأنه البراءة عند الشك في الجزئية والشرطية الناشئ عن إجمال الخطاب ، فهو مع كل من الصحيحي والأعمي.

وإن قلنا بأنّه الاشتغال ، فان كان إطلاق ألفاظ العبادات واردا مورد حكم آخر فهو أيضا مع كل من الصحيح والأعم ، وإلاّ فالبراءة مع الأعمّي ، والاشتغال مع الصحيحي ، ومن المعلوم أن المجرى مجرى البراءة عند الشك في الاشتغال.

وأمّا الأصل اللفظي ، فأصالة عدم الإجمال ، أعني غلبة البيان في الألفاظ ، وكذا أصالة الحقيقة في الاستعمال ، أعني غلبة الاشتراك المعنوي من الاشتراك اللفظي ومن الحقيقة والمجاز ، فيلحق المشكوك الصالح لكل منهما بالأعم الأغلب مع الأعمي ، لا غير.

وأما ما يتوهم للصحيحي من أصالة عدم الوضع للأعم ، فمعارض بمثله ، ومن أصالة عدم التقييد ، بتقريب أنها لو كانت أسامي للأعم لزم تقييدات كثيرة في الماهيات ، وهو خلاف الأصل ، وعلى الصحيحي لا يلزم تقييد أصلا ، فممنوع بأن مجرى أصالة عدم التقييد إنما هو في تشخيص المرادات ، وكلامنا في تشخيص الأوضاع ، وتشخيص المراد فرع تشخيص الوضع.

ووجه ذلك : أن اعتبار أصالة عدم القرينة وعدم التقييد في إثبات المرادات إنما هو من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وقبح الإغراء بالجهل الّذي لا مسرح لادعائه في إثبات الأوضاع ، ولهذا لم يعدوا أصالة عدم التقييد في جملة علائم الوضع فيما مر.

٣٢٧

المقدمة الرابعة : في بيان الأقوال في المسألة وهي أربعة :

أحدها : القول بظهور ألفاظ العبادات في الصحيح المستجمع لجميع الأجزاء والشروط المعتبرة في الصحة ، وهو المشهور بين الخاصة والعامة.

فمن الخاصة المحكي عنهم السيد ، والشيخ ، والعلامة في النهاية ، والعميدي في المنية ، والشهيد الثاني في المسالك ، والشريف ، والفقيه (١) ، وجماعة من الأساطين ، منهم صاحب الهداية (٢) ، والفصول (٣) ، والموائد (٤) ، وأستاذ أساتيذنا الأعلام (قدس سره).

ومن العامة المحكي عنهم أبو الحسين البصري ، وعبد الجبار ، والآمدي ، والحاجبي والأسنوي ، وغيرهم (٥).

وثانيها : القول بظهورها في الأعم من الصحيح والفاسد من غير مراعاة لجميع الأجزاء والشرائط ، بل المعتبر ما يحصل معه التسمية في عرف المتشرعة ، وهو المحكي عن العلامة في غير موضع من النهاية (٦) ، وولده في الإيضاح (٧) ، والعميدي

__________________

(١) حكاه عنهم المحقق الأصفهاني في هداية المسترشدين : ١٠٠ ، والمحقق النّراقي في مناهج الأحكام والأصول في مبحث الصحيح والأعم ، انظر الذريعة ١ : ٣٥٣ ـ ٣٥٦ ، ١١٨ ـ ١٢١ عدة الأصول ٢ : ١٠ ونهاية الوصول : ١٢٣ ، ١٢٤ ، ومسالك الأفهام ٢ : ١٥٩.

(٢) هداية المسترشدين : ١٠١.

(٣) الفصول : ٤٦.

(٤) انظر ص ٣ ه‍ ٣.

(٥) حكاه عنهم المحقق الأصفهاني في هداية المسترشدين : ١٠٠ ، كما حكى عن بعضهم في مناهج الأحكام والأصول انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١ : ٢٣ ـ ٢٦ ، والأحكام للآمدي ١ : ٣٣ ـ ٣٧ ، ٢ : ١٦ ـ ١٨ ، ٢٢ ، ٢٣ ، ومختصر ابن الحاجب : ١٥.

(٦) حكاه عنهم المحقق الأصفهاني في هدايته : ١٠٠ ، وانظر نهاية الوصول : ٣٠ ، مباحث الحقيقة الشرعية ، الأمر الخامس في الفرع الثاني من فروع النقل.

(٧) يمكن الاستفادة من سكوت الشارح عن بيان شيء في قبال ما ذكره الماتن ( قده ) انظر إيضاح الفوائد ٤ : ٥٢.

٣٢٨

في موضع من المنية (١) ، والشهيد الثاني في التمهيد (٢) ، والشيخ البهائي (٣) ، والقاضي أبو بكر ، وأبو عبد الله البصري (٤) ، وغير واحد من فضلاء المتأخرين ، منهم صاحب القوانين (٥) ، والمناهج (٦) ، والضوابط (٧) ، والإشارات (٨) ،

وثالثها : القول بظهورها في الصحيح من حيث الأجزاء دون الشروط وهو المحكي عن المحقق البهبهاني (٩) قدس سره وقد مر بعده.

ورابعها: التفصيل : بين لفظ الحج وسائر ألفاظ العبادات ، كما نسب إلى الشهيد في القواعد (١٠) وشارحها (١١).

وأصحّ الأقوال القول بالصحيح بالمعنى الأخص ، وفاقا لمن ذكر من الأساطين لوجوه :

ومنها : شهادة الوجدان ، والاستغراق على أنّ كل من يخترع ماهيات مركبة ويريد التعبير عنها لبيانها وبيان أجزائها ، وشروطها ، وأحكامها ، وخواصها ، ومطلوبيتها ، نصب على وجه الوضع أو التجوز ألفاظا بإزاء المركب التام من تلك

__________________

(١) انظر منية اللبيب : مبحث تعارض الأحوال في الدوران بين النقل والاشتراك.

(٢) انظر القاعدة ، ٩٦ و ٢٢ من تمهيد القواعد.

(٣) ما عثرنا عليه في مظانّه في كتابيه في الأصول الزبدة والوجيزة وكتابيه في الفقه الحبل المتين ومشرق الشمسين.

(٤) المعتمد لأبي الحسين البصري ١ : ٢٣ ـ ٢٦.

(٥) قوانين الأصول : ٤٤.

(٦) مناهج الأحكام والأصول في مبحث الصحيح والأعم وهذا لفظه : منهاج : قد وقع الخلاف في الألفاظ الموضوعة للمعاني المخترعة من الشارع « إلى أن قال » واختار جماعة أنها أسماء للأعم ... وهو الحق ، لنا الاستقراء المفيد للعلم ، بيانه : أنّا نرى أنّ كلّ من يخترع شيئا مركبا ( إلى ان قال ) فلا يشك أحد في صحة الإطلاق الحقيقي للاسم على الناقص وعدم صحة السلب ، بل لا يشك في الوضع للأعم مع عدم مشاهدته الواضع ولا علمه بكيفيّة الوضع وهذا عادة الناس سلفا وخلفا.

(٧) ضوابط الأصول : في مبحث الصحيح والأعم في مقام بيان أدلّة الأعميّين عند قوله. فاعلم أنّ الحق أنّها أسام للأعم بوجوه : الأوّل : الاستعمال « إلى أن ينتهى كلامه إلى الوجه الثالث عشر ».

(٨) إشارات الأصول ١ : ١٧.

(٩) انظر ص ٤ ه‍ ١.

(١٠) القواعد والفوائد ١ : ١٥٨.

(١١) انظر هامش القواعد والفوائد : ٧٠ عند قول الماتن ( وسائر العقود ) عطف على الماهيات الجعليّة لا على الصلاة والصوم لأنّ العقود ليست من أمثلة الماهيّات الجعليّة ...

٣٢٩

الماهيات اقتصارا على قدر الحاجة ، وإن استعمله في الناقص كان تسامحا منه حقيقيا إذا كان الناقص مما يترتب عليه ثمرة التام وتسامحا مجازيا إذا لم يترتب عليه ثمرة التام.

والفرق بين التّسامحين ، عدم احتياج الأول في الاستعمال إلى ترخيص الواضع ، ولا إلى قرينة ، واحتياج الثاني إليها ، لكون الأول تصرّف معنويّ وهو ادعاء الاتحاد بين المعنيين ، والثّاني تصرف لفظيّ ، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

وقد يورد على الدليل المذكور بأنه أخص من المدعى ، إذ غاية مفاده ثبوت ظهور الألفاظ في الصحيح من حيث الأجزاء ، لا مطلقا من حيث الأجزاء والشروط.

ويمكن دفعه بضميمة وهن القول بالفصل وندوره الملحق بالعدم ، أو بضميمة عدم الفرق بين الأجزاء والشروط في المركبات الشرعية وإن وجد الفرق بينهما في المركبات العرفية في الدخول في التسمية.

ومنها : أن مسير حاجة الشارع إلى بيان الصحيح من العبادات ، وانحصار غرضه وطلبه في الصحيح منها لا غير ، يقتضي انحصار التّسمية في الصّحيح لا غير.

ومنها : تبادر المعاني الصحيحة ، وعدم تبادر المعنى الأعم منها ، وقد بالغ في الضوابط (١) في الإيرادات على التّبادر ، كما بالغ في الهداية (٢) لردها.

والسر في ادعاء الطرفين هو أن المتبادر من ألفاظ العبادات مثلا أمور ثلاثة :

أحدها : التام المستجمع لجميع الأجزاء الواجبة والمندوبة ، وهكذا ، كتبادر الماء الصافي من لفظ الماء ، وهذا تشكيك خطوريّ يزول بأدنى التفات ولا عبرة به.

__________________

(١) ضوابط الأصول في مقام الجواب عن الصحيحي ، عند قوله : والجواب عن الأوّل أوّلا منع تبادر الصحيح من اللفظ مجرّدا عن القرينة ...

(٢) هداية المسترشدين : ١٠١.

٣٣٠

ثانيها : الصحيح المستجمع للأجزاء والشروط التي لها مدخل في الصحة وترتب الآثار ، وهذا كتبادر المطلق من الماء.

وثالثها : تبادر الجامع بين الفاسد والصحيح ، وهذا عندنا مسامحة صرفة ، وعند الأعمي مسامحة وضعية وإن لم يكن لنا مستند بعد الإنصاف وإمعان النّظر في محاورات أهل الشرع ومقايستها على محاورات العرف.

والفرق بين المسامحتين ، إجراء أصالة عدم الأولى عند الشك دون الثانية.

والقول بأصالة عدم ضم شيء آخر إلى اللفظ في حصول تبادر الأعم ، وأصالة كون تبادره وضعيا معارضة بأصالة عدم استقلال اللفظ في إفادته ، وأصالة كون تبادر الصحيح وضعيا.

مضافا إلى أن الأصل لا يثبت الأوضاع إلا إذا أريد منه الغلبة المحصلة للظن ، ومع تسليم تلك الغلبة فجريان الأصل في تبادر الصحيح مقدم على جريانه في تبادر الأعم ، لأن الشك في تبادر الأعم من قبيل الشك المسبب عن الشك في كيفية تبادر الصحيح ، وقد تقرر في محله أن الأصل في الشك السببي مقدم على الأصل في الشك المسببي.

وفي ذلك كلّه تأمل ، بل الأصل في التبادر المشكوك كونه وضعيا أو إطلاقيا ناشئا عن الانصراف هو الوضعي لأصالة عدم شيء من سببي الانصراف وهما غلبتا الوجود والاستعمال وأصالة عدم بلوغهما الحدّ الموجب للانصراف على تقدير الوجود.

ومنها : أن استعمال ألفاظ العبادة في الصحيحة منها أغلب جدا من استعمالها في الفاسدة إلى الحد الموجب لإلحاق الفاسد بالنادر بأن ندر في الاستعمال وإن كان في الوجود بالعكس ، ولا ريب أنّ أغلبية الاستعمال من علائم الحقيقة غالبا وأندرية الاستعمال من علائم المجاز غالبا ، والظن يلحق المشكوك بالأعم الأغلب وأما أغلبية الفاسد على الصحيح في الوجود فلا يقاوم أغلبية الاستعمال في العكس كما لا يخفى.

ومنها : صحة سلب الاسم عن الفاسدة في عرف المتشرعة ، بل ووقوع

٣٣١

سلبه عنها في لسان الشارع.

أما صحة السلب عرفا فلجواز قول المتعبد عبادة فاسدة من الصلاة ، والصوم ، والوضوء ، والغسل ، والتيمم ، ونحوها ما صليت ولا صمت ، ولا تعبدت ، ولا توضأت ، ولا اغتسلت ، ولا تيممت ، ونحوها ، ولم يكذب في عرف المتشرعة ، وجواز قوله صليت ، ونحوه ، لا ينافي ذلك ، لأن صحة السلب نصّ في الدّلالة على المجازية ، والاستعمال أعم من الحقيقة لجواز تأخير القرينة والبيان عن وقت الخطاب ، والممنوع تأخيرهما عن وقت الحاجة.

وأما وقوع السلب شرعا ، فتارة بالالتزام ، وتارة بالمطابقة ، أما وقوعه التزاما ، فلأن اللازم بطريق عكس النقيض من قوله تعالى ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) (١) ، و ( إن الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) (٢) ومن قوله عليه السلام ( الصلاة عمود الدين (٣) ، والصلاة قربان كل تقي (٤) ، والصوم جنة من النار (٥) إلى غير ذلك من ألفاظ العبادات المعرفة بلام الجنس في الآيات والأخبار المتكثرة جدا في الأبواب المتفرقة هو أن كل ما لم ينه عن الفحشاء ، أو لم يكن كتابا موقوتا ، أو قربان كل تقي ، أو جنة من النار ، فليس بصلاة ولا صوم.

وأما وقوعه مطابقة فكقوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بطهور (٦) ، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٧) ، ولا صلاة لمن لم يقم صلبه (٨) ، ولا صلاة إلا إلى القبلة (٩)

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٤٥.

(٢) سورة النساء : ١٠٣.

(٣) غوالي اللئالي ١ : ٣٢٢ الحديث ٥٥.

(٤) وسائل الشيعة ٣ ، الباب ١٢ من أبواب أعداد الفرائض الحديث ١.

(٥) التهذيب : ٤ كتاب الصيام باب فرض الصيام الحديث ١.

(٦) وسائل الشيعة ١ ، الباب ٤ من أبواب الوضوء الحديث ١.

(٧) صحيح مسلم ١ ، كتاب الصلاة (١١) باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وأنّه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلّمها قرأ ما تيسّر له من غيرها ولفظ الحديث ٣٤ ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ).

(٨) سنن ابن ماجة ١ : ٢٨٢ ح ٨٧١ ، مسند أحمد ٤ : ٢٣ ، وفيها لا يقيم.

(٩) وسائل الشيعة ٣ ، الباب ٢ من أبواب القبلة الحديث ٩.

٣٣٢

وقوله عليه السلام في حد الركوع والسجود ومن لم يسبح فلا صلاة له (١) ولا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل ) (٢) إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في الأخبار الظاهرة في نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء والشرائط ويتم الكلام في البعض الآخر بعدم القول بالفصل.

وأمّا ما أورد على الاستدلال بتلك الروايات من منع دلالتها على نفي الماهية ، وأن مفادها نفي صفة من صفاتها الخارجة عن الماهية ، كالصحة والكمال ، بدعوى نقل تلك التركيب عرفا إلى المعنى الثاني ، أو شهرتها عرفا فيه ، أو اقترانها بما يقتضي حملها عليه من أحد القرائن الحالية ، ككون وظيفة الشارع بيان الأحكام الشرعية ، دون الموضوعات اللفظية ، كما قيل نحوه فيما أثبت فيه ذلك كقوله عليه السلام ( الطّواف في البيت صلاة (٣) ، والاثنان فما فوقهما جماعة ) (٤). حيث حمل على إرادة بيان الفضيلة دون بيان مسمى الموضوعات اللفظية ، أو أحد القرائن العقلية ، كعدم إمكان حمل شيء من الروايات على نفي الماهية ، لاستلزام الدور من توقف القول بالصحيح على نفيها الماهية ، وتوقف نفيها الماهية على القول بالصحيح ، أو كعدم حمل بعضها على نفي الماهية ، لصحة الصلاة في صورة نسيان الفاتحة ، أو عدم التمكن من قراءتها ، أو كون المصلي مأموما ، وكذا الرواية الأخيرة ، إذ قد يصح الصوم مع عدم بيتوتة من الليل ، بتقريب أنه لو بنى على ظاهر العبارة لزم ان لا تكون الصلاة الفاقدة للفاتحة صلاة ، ولو كان الفقد لنسيان ، أو لعذر ، ولا قائل به ، والقول بتقييدها بصورة العمد والقدرة مجاز ليس بأولى من حملها على نفي الكمال ، إذ لا بعد في كون الصلاة الفاقدة للفاتحة نسيانا أو لعذر دون الصلاة المشتملة عليها في الكمال ، بدعوى عدم ترجيح التخصيص على هذا المجاز ، لشيوعه

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ٩٢٤ ح ٥ و ٧ من باب ٤ من أبواب الركوع.

(٢) سنن الدارقطني ٢ : ١٧٢ ، الحديث ٢.

(٣) سنن الدارمي : ٢ كتاب المناسك باب الكلام في الطواف ولفظ الحديث عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الطواف بالبيت صلاة إلا أنّ الله أباح فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلاّ بخير ).

(٤) وسائل الشيعة ٥ : ٣٨٠ ح ٦ من باب ٤ من أبواب صلاة الجماعة.

٣٣٣

حتى قيل فيه بالنقل ، مضافا إلى كونه تخصيصا بالأكثر ، وعلى فرض جوازه بعيد ، ولا أقل من مساواته لذلك الاحتمال الكافي في هدم الاستدلال.

فقد أجيب عن الأول : بأن دعوى نقلها عرفا في نفي وجود الصفة مع انتفاء القرائن الخاصة ممّا لا شاهد عليه ، والأصل عدمه ، بل ملاحظة فهم العرف المجرّد عن القرائن ـ في مثل قولك : لا وصول إلى الدرجة العالية إلاّ بالتقوى ، ولا روح للعمل إلاّ بالإقبال ، ولا قبول للطاعة إلا بالولاية ، إلى غير ذلك من الأمثلة المتكثّرة ـ شاهد على خلافه ، ومجرد استعمالها في عدة مقامات قضت القرائن الداخلية ، أو الخارجية بإرادة نفي الصفة ، نظرا إلى القطع ببقاء الذات لا يقضي بعدم انصرافها إلى ما وضعت له مع انتفاء القرينة ، كيف وليس بأشيع من تخصيص العام واستعمال الأمر في الندب ولم يقل أحد فيهما بالنقل.

وعن الثاني : بأن دعوى شهرتها عرفا في نفي الصفة على تقدير تسليمها في هذا الزمان غير قادح بالاستدلال ، وفي زمان صدور تلك التراكيب عن الشارع مستلزم لبلوغها مرتبة النقل في هذا الزمان ، لقرب مرتبة الشهرة من مرتبة النقل جدّاً وقد عرفت خلافه.

وعن الثالث : أوّلا بمنع انحصار وظيفة الشارع في بيان الأحكام ، بل بيان الموضوعات المستنبطة أيضا لا تخرج عن وظيفته ، وإنما الخارج عنها هو بيان الموضوعات الصرفة.

وثانيا : سلمنا خروج بيان الموضوعات المستنبطة في الجملة ، لكن لا نسلم خروج الموضوعات المخترعة التي لم يعرفها العرف واللغة ، بل بيان تلك الموضوعات كبيان نفس الأحكام ليس إلا من شأنه ووظيفته.

والفرق بين ما نحن فيه وبين المثالين المذكورين من حيث اللفظ هو الفرق بين النكرة في سياق النفي والإثبات ، ومن حيث الخارج بمانعية القطع من حمل المثالين على بيان الموضوع ، دون مانعيته من حمل ما نحن فيه عليه.

وعن الرابع : بمنع توقف نفي الماهية في تلك الروايات على القول بالصحيح ، بل موقوف على الأخذ بظهور اللفظ ، والبناء على أصالة الحقيقة.

٣٣٤

وعن الخامس : مضافا إلى اختصاصه ببعض الروايات ، وسلامة الاستدلال بالبعض الآخر أنه مدفوع بالإجمال والتفصيل.

أما إجماله فلفهم كافة الأصحاب وغيرهم من الرواية دلالتها على وجوب الفاتحة في الصلاة ، ولو حمل على نفي الكمال لم يكن دالا على وجوب الفاتحة وهو كما ترى إسقاط للرواية عن الإفادة.

وأما تفصيله : فلأنه لا يرفع اليد عن المقتضي إلا بقدر مانعية المانع ، ومع ذلك كيف يصح مانعية الأدلة الدالة على صحة الصلاة الفاقدة للفاتحة نسيانا أو مأموما عن مطلق ظهور الرواية في نفي الماهية حتى في صورة العمد ، بل أقصى مانعيتها هو تقييد إطلاق نفيها الماهية بصورة العمد ، لا صرفها عن مطلق نفي الماهية إلى الحمل على نفي الكمال مطلقا حتى في صورة العمد ، وعلى ذلك فالأمر متعيّن في التقييد ، لا دائر بينه وبين المجاز حتى يحتاج إلى الترجيح ، مع أن الترجيح على تقدير الدوران مع التقييد لا المجاز ، لما عرفت من أن دعوى شيوعه في هذا الزمان غير مرجّح لتقديمه على التقييد في زمان الصدور ، وشيوعه في زمان الصدور مستلزم لحصول نقله في هذا الزمان.

وأما دعوى لزوم التخصيص بالأكثر فناظر إلى فرض المخصّص عنوان ناسي الفاتحة وعنوان صلاة المأموم فلم يبق سوى عنوان العامد ، وأمّا بالنظر إلى فرضه مصاديق الناسي ، والمأموم ، فلا إشكال في أن مصاديق نسيان الفاتحة والمأموم لم يبلغ معشارا من مصاديق غير الناسي لها وغير المأموم وقد تقرر أن الاستهجان العرفي إنما هو في التخصيص بالأكثر من حيث العنوان والمصاديق معا ، وأما من حيث العنوان فقط كما فيما نحن فيه ، فلا استهجان فيه ، كما لا استهجان في التخصيص بالأكثر من حيث المصاديق فقط ، كما لو كان خروج تلك المصاديق بعنوان واحد ، كما إذا قيل أكرم الناس ودل دليل على اعتبار العدالة.

هذا تمام عمدة أدلّة الصحيحيين وأما غير العمدة فوجوه :

منها : أنه لو لم توضع لخصوص الصحيحة لزم ارتكاب التقييد في الأوامر المطلقة ، ضرورة عدم تعلقها بالفاسدة وهو خلاف الأصل.

٣٣٥

وفيه ما مرّ تفصيله في مقدمة تأسيسنا الأصل في المسألة من كونه أولا : معارض بغلبة البيان في الألفاظ وندور الإجمال فيها.

وثانيا : بأن مجرى أصالة عدم التقييد إنما هو في تشخيص المرادات وكلامنا في تشخيص الأوضاع بالتوجيه المتقدم فليراجع.

ومنها أن من البديهي أن الصوم والصلاة ونحوهما ، من العبادات ، وأن الفاسد ليس عبادة ، ينتج بقاعدة الشكل الثاني كون الصوم ، والصلاة ، ونحوهما ليست بفاسدة ، فيختص الاسم بالصحيحة إلى غير ذلك من الوجوه المبسوط ذكرها ، وذكر ما فيها في كتاب الهداية ، وغيرها سيما الضوابط ومن شاء فليراجع.

حجة الأعميين بالمعنى الأعم وجوه :

منها : قضاء الاستقراء في أوضاع الألفاظ العرفية من الدرهم ، والدينار ، والحنطة ، والشعير ، والدار والخان ، والحمّام ، والبيع ، والشراء ، والأكل ، والشرب ، والضرب ، إلى غير ذلك مما لا يحصى من الألفاظ العرفية الموضوعة للأعم من الصحيح والفاسد ، والمؤثر وغيره ، فإذا كان المعيب من كل شيء من تلك المسميات الكثيرة الغالبة داخلا في مصداق الألفاظ الموضوعة بإزائها عرفا كان المعيب من مسميات ألفاظ العبادات المشكوك دخوله في مصداق ألفاظها الموضوعة لها شرعا كذلك إلحاقا للمشكوك بالأعم الأغلب.

والجواب عنه أولا : بمنع أصل الاستقراء ودخول المعيب من كل شيء في مصداق اللفظ عرفا ، بل غاية ما يسلم إنما هو دخول الناقص فيه من باب المسامحة العرفية التي لا مسرح لوجودها في الأمور الشرعية ، لما عرفت من أن مسامحة العرف فرع معرفتهم بوجود خواص المسامح فيه في المسامح له ، ومن المعلوم عدم معرفة العرف بخواص الأحكام الشرعية ومصالحها ، فضلا عن إحرازهم وجودها ، أو من باب المسامحة المجازية بعلاقة المشاكلة التي تنافي المدعى.

وثانيا : بمنع دلالة الاستقراء في الأوضاع العرفية على إلحاق المشكوك من الأوضاع الشرعية بها ، لعدم تجاوز الظن الحاصل من الاستقراء في أحوال نوع إلى إلحاق المشكوك من النوع الآخر به ، ولو سلم تجاوزه سمي بالقياس ، لا

٣٣٦

الاستقراء ، والقياس ليس من علائم الوضع ، لإمكان تخلفه عنه ، بل ولا من دلائله لمنع حصول الظن منه فتأمل.

وثالثا : سلمنا اقتضاء الاستقراء في الأوضاع العرفية إلحاق الألفاظ الشرعية بالألفاظ العرفية ، لكون عرف الشارع نوعا من العرف العام لا نوعا آخر ، لكنه مبني على ثبوت وضع الشارع في تلك الألفاظ ، واما بناء على ثبوت مجرد استعمال الشارع إياها فلا يقتضي الاستقراء في الأوضاع إلحاق الاستعمال بها ، كما لا يخفى.

ومنها : قضاء أمارات الحقيقة به من التبادر ، وعدم صحة السلب ، وصحة التقسيم ، والاستثناء ، وحسن الاستفهام ، وقضاء دلائل الحقيقة به ، من أصالة كون ما يصح استعماله في معنيين ، أو تقييده بكل من المعنيين حقيقة في القدر المشترك بين الأمرين ، حذرا من الاشتراك والمجاز ، ومن مقايسة الألفاظ الشرعية على الأعلام الشخصية ، والماهيات الكلية في الإطلاق وضعا على النواقص ، كإطلاق زيد ونحوه على ناقص بعض الأجزاء الغير الرئيسة ، وإطلاق الناطق والحيوان على ناقص الإدراك والإحساس.

والجواب أما عن التبادر ، وعدم صحة السلب فبمنع كونهما حقيقيين وأن الأمر بالعكس.

وتفصيله : بأن صحة الإخبار بأن فلانا يصلي ، أو يصوم ، أو نحوه ، مع عدم علم المخبر بصحّة الفعل ، بل ومع علمه بفساده :

أوّلا : من جهة رجوع استعمال اللفظ في تلك الإطلاقات إلى الاستعمال في العبادات الصحيحة ، لكون الإطلاق على المصداق المخصوص تبعا لاعتقاد العامل كونه مصداقا للصحيحة ولا تجوز فيه ، كما لا تجوز في استعمال اللفظ في غير الموضوع له عنده تبعا للوضع الثابت في عرف آخر ، نعم فيه مخالفة للظاهر تكفي النسبة المذكورة شاهدة عليه.

وثانيا : سلمنا الاستعمال في الأعم ، وعدم رجوعه إلى الاستعمال في الصحيح ، ولكن لا نسلم كونه من جهة الوضع ، بل من جهة قيام القرينة الحالية

٣٣٧

في مقام الإخبار ، على أن المقصود بالإخبار عنها بيان حال الفاعل لها من تلبسه وتشاغله بها من غير تعرض لبيان الصحة والفساد.

وأما عن صحة التقسيم والاستثناء وحسن الاستفهام ، فبمنع دلالتها على وضع المقسم والمستثنى منه والمستفهم عنه للعموم ، بل غايته الاستعمال وهو أعم من الحقيقة والمجاز.

وأما عن أصالة كون ما يصح استعماله في شيئين ، أو اتصافه بشيئين حقيقة في القدر المشترك فبأنه :

أولا : مشروط بثبوت الاستعمال في القدر المشترك على وجه الغلبة ، أو على قدر المعتدّ به ، ولم يثبت ، والأصل عدمه.

وثانيا : أن الأصل على فرض وجود شرطه لا يقاوم الأدلة المذكورة.

وأما عن المقايسة فأولا : بمنع حصول الظن منه ، فإن العقل لا مسرح له في إثبات التوقيفيات وهو معنى قولهم لا يثبت اللغات بالترجيح.

وثانيا : بأن مقايسة وضع المركبات الشرعية على وضع الأعلام الشخصية ليس بأولى من مقايسته على وضع سائر المركبات العرفية الموضوعة بإزاء التام وما يحذو حذوه في الخواصّ والمنفعة.

وثالثا : سلمنا ، لكن القياس كالأصول لا يقاوم أدلتنا المذكورة.

ومنها : أنها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم أن يكون متعلق النذر واليمين ، فيما لو نذر أو حلف أن لا يصلّي في مكان مرجوحه ، هو الصلاة الصحيحة ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله.

أما الملازمة فلأن التقدير وضعها للصحيحة ، وأما بطلان اللازم ، فلأن تعلق النذر واليمين بها يستلزم النهي عنها ، وهو يستلزم فسادها ، يستلزم عدم تعلق النذر واليمين بها ، وعدم الحنث بفعلها ، إذ التقدير تعلّقها بالصحيحة لا غير ، وهو باطل بالاتفاق ، وما يلزم من وجوده عدمه فهو محال.

والجواب عنه أولا : بالنقض بما لو قيد مورد النذر واليمين بالصحّة ، مع أن

٣٣٨

مجرد عدم انعقاد النذر واليمين إلا برجحان المتعلق ، وكون المقصود الانعتاق (١) ، قرينة كافية في انصراف إطلاق موردهما إلى الصحة.

ووجه نقضه به ، أنه لو التزم حينئذ بعدم صحتها فيه ، نظرا إلى انعقاد النذر أوردنا عليه ما أورد علينا من أنه كيف يتحقق الحنث بإيقاع ما ليس من أفراد المحلوف بتركه ، ولو التزام بحصتها ومنع انعقاد النذر لاتجه لنا الالتزام به على التقدير الأول أيضا.

وثانيا : بالحل وهو أنه إن أريد من الصلاة الصحيحة اللازمة في مورد النذر واليمين تام الأجزاء والشرائط الأصلية ، فبطلان التالي ممنوع ، وإن أريد الأعم منه ومن المستجمع حتى للشّروط اللاحقة من طرو النذر واليمين ، فالملازمة ممنوعة ، لأن المراد من الصحة المأخوذة قيدا في ألفاظ العبادات هي الحسن والمصلحة الواقعية الملزومة للأمر والمساوية له لو لا المانع الاختياري من النذر وشبهه ، فالمراد من الصحيح في محل النزاع هو تام الأجزاء والشروط الأصلية ، دون المستجمع حتى للشروط اللاحقة المنتزعة من طرو الموانع الاختيارية من النذر وشبهه ، وعلى ذلك فيحنث الناذر بترك الصلاة في مكان مرجوح بفعله فيه وإن وقع فاسدا من جهة خصوص طرو النذر ، لكونه من أفراد الصحيح المحلوف على تركه قبل طرو تلك الجهة الخاصة ، كما يحنث الناذر بترك المكروهات ، أو المباحات في يوم معلوم بإتيانه في ذلك اليوم مكروها ، أو مباحا قبل النذر والحلف ، مع أن المأتي به ليس من المكروهات والمباحات ، ومع ذلك لا تجوز في لفظ المكروه ولا المباح المتعلق للنذر والحلف المفروضين ، فكذا الحال فيما نحن فيه من العبادة المحلوف على تركها في المكان المرجوح.

نعم لو لم يتمكن الحالف من قصد القربة في إتيان العبادة المحلوف على تركها إلا مع زعمه عدم الفساد كان أثر النذر والحلف فيه مجرد الفساد من غير حنث ، كما زعمه الفصول (٢) رحمه الله.

__________________

(١) كذا والصحيح : الانعقاد.

(٢) الفصول : ٤٨.

٣٣٩

ولكنه مدفوع بإمكان تحقق نية القربة من العالم بالفساد أيضا ، كما لا يخفى.

وثالثا : سلمنا استعمال مورد النذر واليمين في الأعم من الصحيح والفاسد ، ولكن الاستعمال أعم من الحقيقة ، بل الدعوى المذكورة من بطلان اللازم واستحالة استعمال موردهما في الصحيح ـ على فرض تسليمها ـ قرينة تعيين المجازية فيه ، على أنّ استعمال مورد النذر واليمين في الأعم يستلزم تعلقهما بقسميه من الصحيح والفاسد ، فيعود الإشكال المذكور بالنسبة إلى تعلقهما بالصحيح إلا أن يقيد بالفاسد حذرا من التناقض.

ومنها : أنها لو كانت أسامي للصحيح للزم التفتيش عن صحة صلاة المصلي في إبراء الذّمّة بإعطائه شيئا من حقوق المصلين بالنذر وشبهه ، وفي جواز الاقتداء به ، ولو كان المصلي في أعلى مراتب العدالة.

أما الملازمة فلأن عدالة المصلي إنما تعصم من تعمده الإتيان بالفاسد.

وأما إتيانه بما يحكم المقتدي والناذر بصحته فلا.

وأما بطلان اللازم فلأنا لم نقف إلى الآن على من التزم بهذه التصفحات والتفتيشات وقال بتوقف البراءة عليها.

والجواب عنه أما إجمالا : فبأنّ اللازم المذكور مشترك الورود بين الصحيحي والأعمي ، أما وروده على الصحيحي فلوضع مورد النذر واليمين لخصوص الصحيح ، وأما على الأعمي فلانصراف مورد النذر إليه بقرينة عدم انعقاد النذر إلا بالراجح ، ولا رجحان في غير الصحيح ، وثبوت الإطلاق للأعمي لا يشخص موضوع صحة مورد النذر حتى يختص الصحيحي بالتفتيش في تشخيصه ، بل الإطلاق الثابت للأعمي مستلزم لإبراء النّذر بإعطاء المنذور لكل من صلى ، ولو تبين فساد صلاته قبل الإعطاء ، وهو من أقبح المفاسد اللازمة عليه.

والقول بأن القدر المعلوم خروجه عن مورد النذر ـ بقرينة عدم انعقاد النذر بغير الرّاجح ـ هو معلوم الفساد ، فيبقى غيره تحت الإطلاق ، مدفوع بأن الباعث على خروج ذلك إنما هو فساده من غير مدخلية لنفس العلم فيه ، وإنما العلم به طريق

٣٤٠