تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤

غيره تعالى ، مع كون غيره أيضا معنى حقيقيا ، وكما في لفظي الفاضل والسخي ، لعدم جواز استعمالهما فيه تعالى ، مع أن استعمالهما فيه حقيقة ، وكما في القارورة لعدم جواز استعماله في غير الزجاج ، مع كونه حقيقة في الغير ، وكذلك لفظ الدابّة لعدم جواز استعماله في غير ذات القوائم ، مع كونه حقيقة فيه أيضا ، فإذن لا يختص عدم الاطراد بالمجاز ، فلا يكون دليلا عليه.

حجة القول الثاني منه ، على عدم كون الاطراد دليلا على الوضع ، لحصوله في بعض المجازات ، كما في استعمال الكليات في الأفراد ، مع كون الأفراد معاني مجازية ، كما في استعمال الأسد في الشجاع ، وأما على كون فقده دليلا على المجاز ، فهو ما يأتي في القول المختار.

حجة القول الثاني : على ما نسبت إلى السيد الكاظمي الشارح للوافية (١) إنّما هو انتقاض كل من العلامتين بما عرفت.

والمختار من الأقوال هو الأوّل ، وفاقا لجمع من أعلام المتأخرين ، ومن المتقدمين على الظاهر ، وأيضا الأقوى أنهما علامتان علميتان لا ظنيتان.

لنا على كون الاطراد علامة قطعية للوضع ، أن ملاك جواز الاستعمال إمّا الوضع ، أو العلاقة ، ولا ريب أنه مع تحقق الوضع ، فهو علة تامة لجواز الاستعمال أينما وجد ، وأما العلاقة لما لم يكن لها انضباط ، بل تختلف باعتبار اختلاف الموارد ، حيث إن المعتبر منها هي العلاقة التي لا يستكثر العرف استعمال اللّفظ في المورد لأجلها ، ولا ريب أن إحراز هذه العلاقة يتوقف على الرجوع إلى أهل اللسان في خصوص كل مورد من الموارد ، لعدم كفاية مطلق العلاقة الموجودة في المقام ، فلا تصلح لكونها ملاكا لاطراد الاستعمال في كل مورد ، فتنحصر علة الاطراد في الوضع ، فحينئذ لو لم يحصل العلم من الاطراد يلزم تخلف المعلول عن العلة ، وهو محال.

ومن هنا ظهر عدم كون الاطراد علامة قطعية لعدم الوضع ، إذ مع وجود

__________________

(١) الوافي في شرح الوافية المخطوط : حيث قال في مبحث الوضع ، وأمّا الاطراد فهو ان يكون المعنى الّذي باعتباره صحّ الاستعمال ، وذلك كالضّارب صح استعماله في زيد الضارب مثلا ، إلى ان قال : ويكفى هذا القدر في نقض طرد هذه العلامة ، فان قلت : ليس نسبة أسد ... قلت : إنّ الذين فردوا هذا الاصطلاح ، وجعلوا الاطراد علامة للحقيقة ، انّما أرادوا به اطّراد المصحّح للاستعمال وليس هو في المجاز إلا نوع العلاقة وهي غير مطردة كما عرفت.

ويمكن ان يكون هذا المطلب أيضا في كتابه المسمى بـ ( المحصول في علم الأصول ) المخطوط.

١٢١

الوضع لا يعقل عدم الاطراد ، كما عرفت ، فيكشف ذلك عن عدم وضع اللّفظ للمورد ، فإنّ انتفاء المعلول يستلزم انتفاء علته عقلا.

وأمّا الجواب عن النقض على عدم الاطراد بلفظ رحمان ، والفاضل ، والسخي ، وغيرها ، مما عرفت ، فما ذكره الآمدي (١) في الإحكام مما حاصله أن عدم الاطراد في الأمثلة المذكورة لأجل المنع الشرعي في الثلاثة الأول ، وللمنع العرفي في الأخيرين.

لكن فيه : أنّه إن كان المراد بالمنع الشرعي حرمة إطلاق رحمان على غيره تعالى ، وحرمة إطلاق الفاضل ، والسخي عليه تعالى ، فلا ريب أنّها لا تمنع من جواز الاستعمال ، وصحته عرفا ، وإن أراد به عدم صحة الاستعمال شرعا ، بمعنى أنّه نقل سبحانه لفظا من معناه اللغوي العام إلى ذاته المقدسة ، وهجر عن معناه الأوّل ، وهذا إنّما يتمّ في لفظ ( رحمان ) دون غيره ، وإن وجه غيره بأنّ إطلاق وصف عليه سبحانه تعالى موقوف على العلم بحصول المبدأ في ذاته المقدسة ، فلما لم يمكن للممكنات العلم بذاته تعالى بما هي عليه ، فلا يجوز لهم إطلاق وصف عليه من دون وصول إطلاقه منه تعالى ، لعدم إحراز المبدأ فيه سبحانه تعالى.

ففيه : أنّ هذا يرجع إلى اشتراط إحراز معنى اللّفظ في مورد الاستعمال ، إذ بدونه يكون الإطلاق كذبا قبيحا ، ومحرّما عقلا وشرعا ، ولا ريب أنّ المنع بهذا الاعتبار لا يختص بما ذكر ، بل يجري في جميع الألفاظ في جميع الموارد ، فإنّ إطلاق الفاضل ، والسخي ، وغيرهما من الألفاظ على أحد من دون العلم بحصول المعنى للمورد يكون ممنوعا بهذا الاعتبار.

وأمّا المراد بالمنع العرفي في الأخيرين ، فإن كان مع فرض بقائهما على معناهما الأصلي ، فلا يعقل كونه مانعا عن صحة الاستعمال ، لأنّ الوضع علّة تامّة لها ، وإن كان مع فرض هجرهما عن المعنى الأصلي ، فهو متّجه ، لكن لا لمنع العرف ، بل لعدم المصحح حينئذ. اللهم إلاّ أن يكون المراد بالمنع العرفي نقلهم اللفظ عن المعنى الأصلي ، فإنه إيجاد للمانع عن صحة الاستعمال ، فيكون منعا بهذا الاعتبار.

هذا ، والتحقيق في الجواب أن يقال : إنّ لفظ ( رحمان ) على وزن فعلان ، وهذا الوزن في الأصل لمن تلبس بالمبدإ ، فالرحمن على هذا معناه الذات المتلبس بالرحمة ، فنقول

__________________

(١) قال في الأحكام : ٣٠ ، قلنا امّا الإشكال الأوّل فقد اندفع بقولنا إذا لم يوجد مانع شرعي ولا لغوي وفيما أورد من الصور قد وجد المنع ولولاه لكان الاسم مطردا فيها.

١٢٢

حينئذ إنّه إن ثبت نقل خصوص لفظ ( رحمان ) عن هذا المعنى الأصلي إلى خصوص ذاته المقدّسة ، بحيث هجر عنه ، فلا ريب حينئذ في عدم جواز استعماله في غيره تعالى ، لعدم المصحح له حينئذ ، فحينئذ نمنع استعماله في غيره تعالى حقيقة ، بل مجازا قطعا ، فعدم الاطراد ـ حينئذ ـ لذلك ، فيكون أمارة على المجاز ، فلا وجه للنقض به ، وإلاّ فلا ريب في صحة استعماله في غيره لوجود علتها ، والمنع الشرعي تعبّدا لا يوجب أن يكون الاستعمال غلطا عند العرف ، فإذن نمنع عدم اطراده في غيره تعالى ، بل نقول باطراده ـ حينئذ ـ فلا نقض.

وأمّا لفظ الفاضل ، والسخي ، فالجواب عن النقض بهما :

أمّا أوّلا : فبمنع المنع الشرعي من استعماله فيه تعالى ، بل وجدنا في بعض الأدعية استعمال الفاضل فيه تعالى ، وكذا وجدنا استعمال ذي السخاء فيه تعالى ، كما في بعض فقرات الأدعية يا ذا الجود والسخاء.

لا يقال : إنّ إطلاق ذي السخاء عليه تعالى غير إطلاق السخي.

لأنّا نقول : إنّ وجه المنع من إطلاق السخي ليس إطلاقه عليه باعتبار هيئته ، لإطلاق هيئة فعيل عليه تعالى في غير تلك المادة كثيرا ، وإنّما هو من جهة المادة ، فإذا ثبت إطلاق المادة واستعمالها فيه تعالى ، يثبت جواز إطلاقها عليه في ضمن جميع الهيئات.

وأمّا ثانيا فعلى تسليم المنع فنقول : إنّه لا يؤثر في عدم جواز الاستعمال عرفا مع بقاء الوضع الأصلي فيهما فعدم الاطراد ممنوع والاطراد ثابت عرفا ، فيكون أمارة عليه.

وأمّا لفظا القارورة والدابّة ، فالجواب عنهما ، بمنع بقائهما على معناهما الأصلي ، بل هما منقولان عرفا ، ومهجوران عن معناهما الأصلي ، فيكونان في العرف مجازين في غير الزجاج ، وذات القوائم ، فعدم الاطراد مسلّم ويكون دليلا على المجاز.

وأمّا الجواب عن النقض على الاطراد بما عرفت ، فالتحقيق فيه أمّا في الكليات المستعملة في الأفراد :

فأوّلا : بالمنع من جواز استعمال اللّفظ الموضوع للكلي في خصوص فرد منه ، ـ كما عرفت سابقا ـ ، لعدم الفائدة فيه ، فاطراد الاستعمال بهذا المعنى ممنوع الجواز.

نعم المطرد هو إطلاق الكلي على الفرد من باب دالّين ومدلولين ، ولا ريب أن اللّفظ حينئذ مستعمل في نفس الكلي لا الفرد ، فمورد الاطراد نفس المعنى الحقيقي فلا نقض.

١٢٣

وأمّا ثانيا : فبالمنع من وقوع استعمال الكلي في الفرد ، إذ القدر المعلوم من المحاورات العرفية إطلاق الكلي ، وإرادة الفرد عنده ، وأمّا إرادته من خصوص اللّفظ ، فلم يعلم بوقوعها إلى الآن في مورد من المحاورات العرفية ، فإذن كيف يمكن دعوى استعمالها ـ أي الكليات ـ في الأفراد فضلا عن اطرادها.

وأمّا ثالثا : فبالمنع من ثبوت الاطراد على تسليم الجواز والوقوع ، إذ لا ريب أنّ استعمال اللّفظ في خصوص المعنى المجازي يرجع إلى الحمل الذاتي ، وذلك لا يصح في الكل والفرد ، إلاّ إذا كان الفرد ممّا يمكن دعوى انحصار الكلي فيه ادّعاء ، ولا يخفى أنّ تلك الدعوى لا تصحّ إلاّ إذا كان الفرد جامعا لجميع صفات الكلي ، ولا ريب أنّه ليس جميع أفراد الكلي بهذه المثابة ، ففي المثال الأوّل لا يجوز ذلك بالنسبة إلى البليد ، بل ينحصر مورده في الكامل في الإنسانية ، فإذن لا اطّراد ، فلا نقض.

لا يقال : هذا تسليم الاطراد بالنسبة إلى الأفراد الكاملة ، فيرد النقض بالنسبة إليها.

لأنّا نقول : إنّ إرادة الأفراد الكاملة بعنوان الحصر الادّعائي ، ليست من المجاز في شيء ، بل الأفراد حينئذ معان حقيقية للّفظ ، وهو مستعمل في حقيقته ، وإنّما وقع التصرف في أمر عقلي ، وهو دعوى كون الفرد الكامل عين الكلي.

وبعبارة أخرى : إنّ اللّفظ مستعمل في الفرد الكامل بعنوان كونه نفس الكلي ، الّذي هو المعنى الحقيقي لا بعنوان كونه فردا منه فلا مجازية في اللّفظ أصلا ، فالاطراد حينئذ لذلك فلا نقض على ذلك ، لأنه لا ريب في كون الاستعمالات ـ الواقعة عن خطأ في الموضوع له ، كأن رأى شبحا ، فاعتقد أنّه الأسد ، فقال رأيت أسدا ، ثم انكشف أنّه الحمار مثلا ، أو غيره ـ حقيقة ، مع أنّ المستعمل فيه اللّفظ غير الموضوع له ، فإن السّر فيها أيضا أنّه استعمل الأسد مثلا في الحمار ، بعنوان كونه الحيوان المفترس ، لا بعنوان كونه حمارا.

وأمّا في النقض باطراد استعمال الأسد في الشجاع ، فبأن الاطراد ، كما عرفت معناه جواز الاستعمال أينما وجد ملاكه ، ولا ريب أنّ ملاكه في مثل استعمال الأسد في الشجاع هي المشابهة ، لا الشجاعة ، فإنّ الشجاعة ليست من إحدى العلائق المجوزة للاستعمال المجازي ، بل العلاقة المجوزة له في المقام هي المشابهة خاصة ، التي هي من إحدى العلائق المعتبرة المجوزة له ، ولا ريب أنّ استعمال لفظ الأسد لا يطرد في موارد هذا الملاك ، لأن المشابهة لا تنحصر في الشجاعة ، بل لها جهات أخر كضخامة الجثّة ، أو

١٢٤

بخر الفم ، أو غير ذلك ، فلو ثبت الاطراد في موارد ذلك الملاك ، لجاز استعمال لفظ الأسد في كل ما يشابهه من وجه ، ولو باعتبار الجثة ، ولا ريب في انحصار الجواز بمورد خاص فيه وهو الشجاعة.

ولا يخفى أنّ ثبوت الاطراد في هذا المورد الخاصّ ، لا يكون اطراد الاستعمال في موارد ملاكه.

وكيف كان فاستعمال الأسد في هذا المورد الخاصّ بجميع جزئياته وإن بلغت ما بلغت ، استعمال له في أحد موارد الملاك المذكور ، فإنّ هذا المورد بجميع جزئياته مورد واحد منه.

وبعبارة أخرى الشجاع مورد واحد من المشابه ، وتعدّد جزئيات الشجاع لا تحتمله موارد المشابه.

وهذا نظير ما أوردنا على العميدي في تمثيله للاطراد بلفظ العالم ، بناء على كون المراد به استكشاف حال زنة الفاعل ، حيث قلنا : إنّ العالم بجميع أفراده مورد واحد من زنة الفاعل ، لا جميع موارده ، حتى يثبت الاطراد فيها بمجرد اطراد العالم في أفراده.

ومن هنا ظهر ضعف تخيل أنّ المناط في استعمال الأسد في الشجاع هي الشجاعة ، وهو مطّرد في مواردها ، فثبت التلازم والعلّية بين الوضع والاطراد وجودا وعدما ، فوجوده أمارة على وجوده وعدمه أمارة على عدمه.

ثم إنّك عرفت أنّ حاصل ما ذكره الآمدي (١) في الجواب عن الإشكال بمثل رحمان ، والفاضل ، والسخي ، وغيرها ، يرجع إلى أنّ العلاقة المعتبرة في تشخيص المجاز هو عدم الاطراد الناشئ من عدم الوضع ، وأما إذا كان ناشئا عن وجود المانع ، مع وجود المقتضي ، كما في الأمثلة المذكورة ، فلا يكون دليلا عليه ، فحينئذ يرد عليه مضافا إلى ما تقدم ، أنّ كون عدم الاطراد ـ بهذا المعنى ـ علامة للمجاز مستلزم للدور ، إذ المفروض كونه علامة لعدم الوضع المعبر عنه بالمجاز ، ولا تكون علامة إلاّ إذا علم بكونه من جهة عدم الوضع ، فيتوقف معرفة عدم الوضع على معرفة عدم الاطراد بالمعنى المذكور ، ومعرفته كذلك موقوفة على العلم بعدم الوضع ، فيلزم الدور مصرّحا.

هذا ، ثم إنّ الأقرب عندي في تعريف الاطراد وعدمه ، وبيان موردهما ، هو ما ذكرته نقلا عن الشيخ محمد تقي (٢) (قدس سره) وهو المعتمد لجريان مناط الاعتبار في جميع

__________________

(١) الآمدي في الأحكام : ٣٠ في كلامه السابق في ص ١٢٢.

(٢) هداية المسترشدين : ٥٢ ، ثاني عشرها الاطراد وعدمه إلخ.

١٢٥

مواردهما ، وهو الملازمة بين الاطراد والوضع وتساويهما ، وكذلك تساوي عدمه لعدم الوضع.

وما عرفت من الإشكالات الراجعة إلى نفي التساوي بينهما ، والتّساوي بين عدمه وعدم الوضع ، فقد عرفت الجواب عنها بحذافيرها.

تمّ الكلام في العمدة من علائم الوضع وعدمه ، وبقي الكلام في جملة منها سننبّه إلى بعضها أيضا فيما يأتي.

ومن الطرق العلميّة على ما اختاره ( دام عمره ) اختلاف الجمع ، فإنّه من الأمارات الدالة على نفي الوضع بالنسبة إلى القدر المشترك بين المعنيين ، كما في ( أمر ) فإنّه إذا استعمل في الطلب يجمع على ( أوامر ) وإذا استعمل في الشأن يجمع على ( أمور ) بحيث لا يجوز إرادة عدد بالغ إلى مرتبة من مراتب الجمع ملفق من أفراد كلا المعنيين ، من صيغة أحد الجمعين ، بأن أريد بالأوامر فردان من معنى الطلب ، وفردان أو فرد من الشأن ، فذلك يكون أمارة على نفي وضع اللّفظ للجامع بين المعنيين ، فيدور الأمر فيه بين الاشتراك اللفظي والمجاز ، فيقدم الثاني لكونه أولى.

والدليل على كونه أمارة حينئذ ، أنّ المفروض تساوي نسبة القدر الجامع لجميع الأفراد ، فلو فرض كون اللّفظ موضوعا بإزائه لجاز استعمال أحد لفظي الجمع مطلقا ، وإرادة مرتبة جمع من الأفراد مطلقا ، سواء كانت من أفراد هذا المعنى ، أو من أفراد ذلك ، أو الملفق ، ( كرجل حيث إنّه موضوع لمطلق الرّجل ويجوز إرادة مرتبة من مراتب الجمع منه عند عروض هيئة ( فعال ) عليه مطلقا ، سواء كانت ـ أي تلك المرتبة ـ من أفراد الرّجل الأبيض ، أو الأسود ، أو الملفق ، والدليل على جوازه واضح ، إذ المفروض وضع المادة للقدر الجامع المساوي نسبته لجميع الأفراد ، وأن هيئة الجمع موضوعة للدلالة على إرادة ما فوق الاثنين ـ من مدلول المادة مطلقا ـ من غير تقييد له بكونه من صنف دون آخر ، فاختلاف الجمع يدل على اختلاف مدلول اللّفظ في الموردين ، وإلاّ لجاز التعبير بواحدة من الصيغتين.

والحاصل : أنّ حمل هذه الأمارة ، فيما إذا كان للّفظ مسمّيان حقيقة في أحدهما قطعا في الجملة ، لكن الشك في أنّه موضوع للجامع بينهما ـ فيكون وجه حقيقته في

١٢٦

المسمّى المعلوم كونه حقيقة ، إطلاقه عليه من باب إطلاق الكلي على الفرد أولا ـ فيكون إطلاقه عليه لأجل وضعه لخصوصه ، وأنّه مجاز في المسمى الآخر ، لكونه أولى من الاشتراك ـ أو مشترك لفظا بناء على منع الأولوية ـ فحينئذ إذا جمع اللفظ على صيغة مخالفة لصيغة جمعه لمسمّى آخر هو فيه حقيقة ، فهذا دليل على عدم كون اللّفظ متواطيا ، فهو حينئذ : إمّا مشترك لفظا ، أو حقيقة ومجاز ـ بناء على أولوية المجاز ، إذ لو كان متواطيا لجاز التعبير عن ذلك المسمى بصيغة جمعه للمسمى الآخر المعلوم كونه حقيقة فيه ، لما عرفت من تساوي نسبة أفراد المتواطئ ، بالنسبة إلى القدر الجامع ، وأنّ هيئة الجمع لا تفيد إلاّ تعدد مدلول اللّفظ ، فاختلافها في المسميين دال على كون كل منهما مدلولا مستقلا للّفظ.

أقول : الأقرب عندي منع الملازمة بين كونه متواطيا ، وبين جواز التعبير عن المسمى الآخر بصيغة جمعه للمسمّى المعلوم كونه حقيقة ، إذ من المعلوم أن استعمال الهيئات كاستعمال المواد يتوقف على الوصول من أهل اللغة ، ومن الجائز أيضا تخصيصهم هيئة خاصة من هيئة الجمع بالنسبة إلى اللفظ بما إذا أريد به الفرد الخاصّ من فردي معناه الكلي لا مطلقا ، وتخصيصهم هيئة أخرى بما إذا أريد به المعنى الآخر ، الّذي هو الفرد الآخر من المعنى الكلي.

وكيف كان ، فاختلاف الجمع بنفسه لا دلالة له على المدعى ، ولا يفيد قطعا ، بل ولا ظنا.

اللهم إلاّ أن يتمسك بالغلبة ، بأن يقال : إنّ الغالب في أسماء الأجناس المتواطئة جواز التعبير على النحو المذكور.

وفيه أوّلا : منع الغلبة.

وثانيا : عدم إفادتها القطع ، ولو أفادت ظنّا لتوقف اعتباره على اعتبار مطلق الظن في اللغات ، فيتوقف على مقدمة الانسداد لعدم ثبوت الدليل الخاصّ عليه.

وثالثا : إنّ هذا يكون استدلالا بالغلبة ، لا بالعلامة ، فتسقط العلامة عن كونها علامة ، فافهم.

ثم إنّ اختلاف الجمع على تقدير كونه علامة لا ينعكس ، بمعنى أنّه ليس عدمه علامة لوضع اللّفظ للجامع بين المعنيين ، لأنّه قد يجمع المجاز بصيغة جمع الحقيقة ، كما في الحمر ، والأسد ، إذ لا ريب أنّ الحمار موضوع للحيوان الناهق ، والأسد للمفترس ، بحيث يكون استعمالهما في غيرهما مجازا ، مع أنّه يعبر عن المعنى المجازي فيهما عند إرادة

١٢٧

الجمع ، بما يعبر به عن المعنى الحقيقي ، وهو صيغة الفعل بضمتين في الأوّل ، وصيغة الفعل بضم الأوّل وكسر (١) الثاني في الثاني ، كما إذا أريد بالحمار جمع من البليد ، فيقال رأيت حمرا مثلا ، وكذلك الأسد إذا أريد به جمعا من الرّجل الشجاع ، فيقال رأيت أسدا يرمون مثلا.

ومن الطرق العلمية التزام التقييد : أي لزوم تقييد اللّفظ بقيد عند استعماله في المقيد ، بحيث لا يجوز الاستعمال بدون ذلك القيد ، فذلك علامة كون المطلق أي اللّفظ مجردا عن القيد مجازا في المقيد ، ومورده ما إذا علم بوضع اللفظ المطلق لمعنى ، لكن يشك في أنّ المعنى الموضوع له اللفظ المجرد ، هل هو المعنى المباين للمعنى المبحوث عنه؟ أو هو الأعمّ الشامل له؟ فحينئذ يرجع إلى استعمالات أهل اللسان ومحاوراتهم ، فإذا علم أنّهم لا يستعملونه في المعنى المبحوث عنه ، إلاّ مع اقترانه بذلك القيد ، فيكشف ذلك عن مجازية المطلق في المعنى المذكور ، وأنّ الّذي وضع له هو المعنى المباين له ، ومثّلوا لذلك بجناح الذّل ، ونار الحرب ، وممّن مثّل له بهما العضدي ، والحاجبي ، والعلاّمة في محكي النهاية.

واعترض عليهم بعض المهرة بوجهين :

أحدهما : في التمثيل بالمثالين ، وهو منع التزام التقييد فيهما ، لقوله تعالى « كلما أوقدوا نارا أطفأها الله » (٢) ، فإنّه دليل على جواز قول القائل ، أو قد العدو نارا بحرب ، فأطفأ الله تلك النار ، ولقوله تعالى « واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (٣) ».

وثانيهما : أنّه لا بد في المجاز من القرينة ، وهي لا تسمى قيدا ، وحاصل هذا الوجه أنّ هذا ليس عنوانا آخر غير عنوان الاحتياج إلى القرينة ، فينبغي التعبير حينئذ بالتزام القرينة ، لا التقييد ، لأنّ القرينة لا تسمى قيدا في الاصطلاح.

نقول : الظاهر بقاء الوجه الأوّل من الاعتراض على حاله ، وأنّ التمثيل بهما ليس في محلّه ، لكنه لا يقدح في المدّعى ، وهو كون التزام التقييد علامة المجازية المطلق في المقيد ، حيث أنّ المنع في الوجه المذكور راجع إلى الصغرى ، أي كون المثالين من أفراد تلك الكبرى المدعاة.

وأمّا الوجه الثاني : فيمكن الجواب عنه ، بأنّ الظاهر أنّ المراد بالتقييد التقييد

__________________

(١) لم نعثر على هذا الجمع والّذي عثرنا عليه هو بضم الثاني أو بسكونه.

(٢) سورة المائدة : آية ، ٦٤.

(٣) سورة الشعراء : آية ، ٢١٥.

١٢٨

بالإضافة ، كما يشعر به تمثيلهم بما عرفت ، ولا ريب أنّ المضاف إليه قيد للمضاف حقيقة ، واصطلاحا ، ولا يطلق عليه القرينة ، وأيضا استعمال اللّفظ معه في المقيّد حقيقة فيه على التحقيق عندنا ، وإنّما يكون مجازا إذا استعمل فيه مجردا عنه ، وأيضا المقصود من التزامه لزوم اتصاله باللّفظ عند الإطلاق.

فظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين المجاز ، من وجوه ثلاثة :

الأوّل : أنّ الصارف في المجاز يسمى قرينة ، وفيما نحن فيه قيدا لا غير ، لما بيّنا من أنّ المراد التقييد بالإضافة ، كما عرفت.

الثاني : أنّ اللّفظ مجاز مع القرينة في غير الموضوع له ، بخلاف ما نحن فيه ، فإن اللّفظ مع القيد حقيقة في المقيد ، وإنّما يكون مجازا إذا استعمل مجردا عنه.

الثالث : أنّ القرينة في المجاز ، وإن كانت لازمة إلاّ أنّه لا يجب اتصالها ، واقترانها باللّفظ عند الإطلاق ، بل يجوز انفصالها عنه إذا لم يكن المقام مقام الحاجة ، وكذا يجوز إتيانها بغير اللفظ.

هذا بخلاف ما نحن فيه ، فإن مورده ما إذا كان القيد لازم الاتصال باللّفظ بحيث لا يجوز ذكره منفصلا ، وأيضا لا بد من كونه لفظا ، وكونه مضافا إليه اللّفظ.

أقول : بل يجب أن يكون لفظا خاصّا أيضا ، بمعنى أن يكون لفظا موضوعا لخصوص المعنى المقيد المبحوث عنه ، كنار الحرب مثلا ، حيث أنّ الحرب قيد لفظي متّصل بالنار موضوع للمعنى المبحوث عنه ، أي معنى الحرب الّذي يبحث فيه أنّه من أفراد النار ، أو معنى مباين لها ، فبلزوم كونه قيدا متصلا للنار ـ عند إطلاقه على المقيد ـ يعلم كون النار مجازا فيه لو استعمل فيه مجرّدا عنه ، وأمّا مع اتصاله به فهو حقيقة فيه قطعا ، بمعنى أنّه ـ مقيّدا بذلك القيد ـ موضوع للمعنى المبحوث عنه ، وإلاّ لجاز التفكيك بينهما بأن يستعمل النار فيه مجردا مثلا ، لكن التالي باطل بالفرض ، لأنّا نتكلم على هذا التقدير ، بل موضوع العلامة هذا ، فإنّ هذا معنى التزام القيد فيه ، وبه يخرج عن الفرض ، فالمقدّم مثله ، فيثبت نقيض المقدّم ، وهو المدّعى ، وكيف كان ، فقد عرفت الفرق بين ما نحن فيه وبين المجاز من وجوه.

ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين استعمال الكلي في الفرد ، فإنّ القرينة على تعيين الفرد ، وإن كانت لا بدّ منها ، لكن الحال فيها ما عرفت في قرينة المجاز من عدم لزوم اقترانها باللفظ لا غير.

١٢٩

ثم إنّه يمكن التمسك في مورد العلامة المذكورة بظاهر الإضافة أيضا ، فإنّها ظاهرة في كونها بتقدير اللام ، أعني كون المضاف إليه مباينا للمضاف ، لا بيانية بتقدير ( من ) حتى يكون فردا منه ، فيقال في مثل نار الحرب إنّ الظاهر من الإضافة كون الحرب مباينة للنار ، فيثبت بذلك أيضا كون النار مجازا في الحرب ، فإن ذلك وإن كان ظنا إلاّ أنه من الظنون المعتبرة ببناء العقلاء ، لأنه من الظن الدّلاليّ الناشئ من أصالة عدم القرينة ، المجمع على اعتباره من كافّة العقلاء ، ففي مورد التزام التقييد علامتان لمجازية اللّفظ المطلق في المعنى المبحوث عنه.

إحداهما علميّة ، وهي مجرد التزام القيد ، فإنه بنفسه يفيد العلم بالمطلوب.

والأخرى ظنيّة ، وهي ظاهر الإضافة بناء على أنّها ظاهرة في ذلك الّذي ذكرنا ، أي المباينة بين مسمّى الكلمتين.

ثمّ إنّه جعل من فروع دلالة الإضافة على المباينة ، خروج التكبير والتسليم عن حقيقة الصلاة ، لظهور قوله عليه السلام : ( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) إذ لا ريب أن المراد بالتحريم والتحليل ، المحرم والمحلل ، وحيث أنّ التحريم والتحليل قد حملا عليهما ، فيكونان أي المحرم والمحلل عين التكبير والتسليم ، فإذا فرضنا أنّ الإضافة تفيد المباينة ، فيستفاد من إضافة المحلل والمحرم اللذين هما عين التكبير والتحليل ، خروجهما عن حقيقة الصلاة.

وأورد عليه المحقق (١) ، والعلامة (٢) ، والمحقق الثاني (٣) ـ فيما حكي عنهم ـ بأن الإضافة لا تدل إلاّ على المغايرة ، وهي ثابتة بين الشيئين أو بين الشيء وجزئه ، ولذا صح يد زيد ووجهه.

وفيه نظر : لأنّ إضافة اليد إلى زيد ليس من إضافة الجزء إلى الكل ، لأن زيدا ليس موضوعا للجسم المشتمل على اليد ، بل للذات المشخصة بالوجود الخاصّ الخارجي الممتاز عن سائر الموجودات.

والأولى الاستشهاد بمثل سقف البيت وحائطه ، فإنّ السقف جزء البيت مع جواز إضافته إليه.

__________________

(١) المعتبر : ١٦٨ في كتاب الصّلاة مسألة ولا يكون داخلا في الصلاة إلاّ بإكمال التكبير إلخ.

(٢) منتهى المطلب : ٢٦٨ عند قوله لأنّ الإضافة تقتضي المغايرة ولا ريب في مغايرة الشيء لجزئه إلخ.

(٣) جامع المقاصد : ١٠٧ في الفصل الثالث في تكبيرة الإحرام عند قوله والمضاف مغاير للمضاف إليه إلخ.

١٣٠

لا يقال : إنّ المراد بالبيت حين إضافة السقف إليه ، إمّا أن يكون تمامه بجميع أجزائه التي منها السقف ، وإمّا أن يكون المراد الأجزاء الباقية غير السقف ، لكن الأوّل ممتنع ، للزوم إضافة الشيء إلى نفسه ، فإنّ إضافة السقف إلى جميع أجزاء البيت يلزمه إضافته إلى السقف أيضا ، لأنّ هذا الجزء أعني السقف مباين للأجزاء الباقية ، فيثبت المطلوب ويرتفع الإيراد.

لأنّا نقول : إنّ المحذور مسلم على الفرض الأوّل ، إذا لوحظ جميع أجزاء البيت باللحاظ التفصيليّ ، وأمّا إذا لوحظت على نحو الإجمال فلا ، لتغاير السقف المضاف للسقف المراد حينئذ ، لأنّ الثاني ملحوظ إجمالا ، والأوّل تفصيلا ، ولا ضير.

والحاصل : إنّ البيت موضوع لمعنى بسيط ذهني مركب خارجي ، لأنّ الألفاظ الموضوعة للمركبات الخارجية ، قد وضعت لها بلحاظ وحدتها الاعتبارية ، فحينئذ تكون المعاني المركبة الملحوظة حال الوضع مباينة لأجزائها ، فيصير كل معنى مركب بالنسبة إلى جزئه كالمتباينين ، بل متباينين.

فان قلت : إنّ هذا رجع بالأخرة إلى دفع الإيراد ، وإثبات أن الإضافة تفيد التباين بين المعنيين ، فيكون ذلك دفعا لصورة التوجيه.

قلنا : إنّ الثمرة المذكورة مبنيّة على المغايرة والمباينة الحقيقية ، ولا يجدي فيها المباينة الاعتبارية ، وحاصل ما ذكر في دفع الجواب عن الإيراد على القسم الثاني ، فتأمل حتى تفهم (١).

ومن الطرق العلميّة صحّة التقسيم : فإنّها علامة علميّة على كون القسمين فردين للمقسم ، في مقابل من يزعم اختصاص وضع المقسم بأحدهما ، هذا إذا علمنا بأنّ التقسيم باعتبار المعنى الحقيقي ، كما إذا راجعنا العرف ، فسألناهم عن أقسام الماء حقيقة ، فقسموه إلى ماء سيل ، وإلى غيره ، فنقطع أنّ ماء السيل أيضا من أفراد المعنى الحقيقي للماء.

وأمّا إذا كان إحراز كون التقسيم على وجه الحقيقة بالأصل ، كما إذا رأينا العرف يقسمون الماء إلى ماء السيل وغيره ، ولم نعلم أنّه باعتبار المعنى الحقيقي أو الأعم ، فحينئذ حكمنا بكون التقسيم للحقيقة تمسكا بأصالة الحقيقة الراجعة إلى أصالة عدم

__________________

(١) هكذا ، والظاهر أن في العبارة سقطا.

١٣١

القرينة ، فهي حينئذ لا تكون مفيدة للعلم.

نعم مفيدة للظن المعتبر المستند إلى أصالة عدم القرينة المعتبرة بإجماع العقلاء وأهل اللسان.

وكيف كان فحاصل كون صحة التقسيم علامة ، أنّها علامة للاشتراك المعنوي إذا دار الأمر بينه وبين الحقيقة والمجاز ، وهذا مراد العلامة والفخر وجماعة من الأصوليين ، من كون (١) صحة التقسيم دليلا على وضع اللّفظ للقدر المشترك على ما نسب إليهم.

وتوضيح الحال ، ورفع الإجمال عن المقال : أنّ صحة التقسيم دليل على كون القسمين فردين للمقسم بداهة ، إذ لا يعقل تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره ، فإن علم أنّ التقسيم تقسيم للمعنى الحقيقي دل ذلك على نفي الحقيقة والمجاز ، وإلاّ فلا بد في إثبات كون اللّفظ حقيقة في المقسم من التماس دليل آخر كما ذكرنا ، وحيث خفي المراد على بعض من أنكر عليهم فقال : إنّ صحة التقسيم لا تدل على كون اللّفظ حقيقة في المقسم بنفسها ، بل بعد البناء على مختار السيد ، من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة ، ولم يتفطن إلى أنّ هذا الكلام في مقام رفع احتمال كون اللّفظ حقيقة في هذا القسيم ومجازا في الآخر ، لا في مقام رفع احتمال كون اللّفظ مجازا في المقسم ، فتدبر.

ومن الطرق العلمية الاستقراء : وهو تتبّع موارد الاستعمالات ، كما في استنباط الأوضاع النوعية ، والقواعد الكلية كأوضاع المشتقات ، وأوضاع الأحوال الإعرابية ، مثل الرفع للمسند إليه ، أعني الفاعل ، والنصب للمفعول ، وسائر متعلقات الفعل ، وأمّا الأوضاع الشخصية المتعلقة بالموادّ فلا مسرح له فيها.

وذكر بعض المحققين أنّه يمكن استفادتها أيضا من الاستقراء بملاحظة استعمالات اللفظ في جزئيات معنى ، فيعلم بوضعه لذلك المعنى الكلي الجامع.

وفيه : أنّ مجرد الاستعمالات في جزئيات معنى لا يفيد العلم بوضعه له إلاّ بعد مراعاة قواعد اخر ، مثل أصالة عدم الاشتراك ، ومرجوحية المجاز بالنسبة إلى الاشتراك المعنوي ، فيخرج بذلك عن استناد العلم بالوضع إلى نفس الاستقراء ، كما هو شأن العلامة.

__________________

(١) في الأصل ( عدم صحة التقسيم دليلا ). والصحيح ما أثبتناه في المتن.

١٣٢

لا يقال : إنّ هذا الإيراد مشترك الورود.

لأنّا نقول : أمّا أحكام الإعراب والبناء ، وسائر الأحكام اللّفظية فلا يعقل تطرق الإيراد إليها ، فإنّ معنى الاستقراء فيها تفحص الموارد الجزئية التي ثبتت لها هذه الأحكام فينتقل منها إلى ثبوته لكلّيها ، وأمّا أوضاع المشتقات فلعدم تطرق احتمال المجاز والاشتراك إليها.

أقول : فيه نظر بيّن ، إذ لا ريب أنّ الاستقراء ـ أيضا ـ كسائر العلائم علامة للجاهل ، ولا ريب أنّ احتمال الاشتراك أو المجاز قائم عنده ، لجواز أن يكون زنة الفاعل موضوعة لمعنى آخر غير المتلبس بالمبدإ ، فيكون استعمالها في المتلبس به مجازا ، أو حقيقة بوضع آخر ، وأيضا قد يقوم الاحتمال عنده من وجه آخر ، وهو احتمال كونها حقيقة في المتلبس بالمبدإ حال النطق مثلا ، دون غيره ، أو حقيقة فيمن تلبس به حال النسبة ، ويكون في غيره مجازا ، أو حقيقة بوضع آخر.

وكيف كان فلا أرى مانعا من التمسك بالاستقراء في المواد أيضا ، لعدم ظهور الفرق ، ولو أثّر الاحتمال المذكور لزم أن لا يكون علامة في الأوضاع النّوعية أيضا.

ثم إنّ الاستقراء إن أفاد القطع بالمطلوب ، كما هو الغالب ولو بضميمة الأصول المذكورة فهو ، وإلاّ فيتوقف التمسك به على اعتبار الظن المطلق في باب اللغات ، كما عرفت سابقا.

هذا ، ثمّ إنّه قد يستدل بالاستقراء على إثبات الوضع ، لا لتعيين الموضوع له ، كما استدل به لإثبات الحقيقة الشرعية ، ومرجع ذلك إلى تتبع أحوال أرباب الحرف والصنائع في مخترعاتهم ، لا إلى تتبع أحوال اللفظ ، لكن ذكر هذا الاستقراء في علائم الحقيقة ، كما صنعه بعض لا يخلو عن مؤاخذة.

ومن الطرق حسن الاستفهام : وقد أكثر السيد (١) من الاستدلال به على الاشتراك اللفظي ، وقد يستدل به على الاشتراك المعنوي إذا كان اللفظ في حيّز الإخبار ، دون الإنشاء.

وأورد عليه بأن الاستفهام يحسن عند مجرد الاحتمال ، ولو كان مخالفا للظاهر ، محتاجا إلى القرينة ، ولو قيل : إنّ المراد بالحسن الحسن الملزم ـ بمعنى أن الدليل على الاشتراك اللفظي أو المعنوي وجوب الاستفهام على السامع ، بمعنى قبح تركه منه

__________________

(١) الذريعة ١ : ٢٠٩ ـ ٢١٤.

١٣٣

عند العقلاء من أهل اللسان ، بحيث يقبح مبادرته إلى حمل الكلام على أحد المعنيين ـ اندفع الإيراد ، كما لا يخفى.

نعم مجرّد الحسن بمعنى الراجح ، ولو مع جواز تركه عند العرف لا يدلّ على شيء من الاشتراكين ، ولعل مراد المستدل هو الأوّل ، دون الثاني.

هذا ، وقد يعرف كل من الحقيقة والمجاز بأمور أخرى غير منضبطة يمكن إرجاعها إلى بعض ما ذكرنا ، فلا نطيل الكلام بذكرها لوضوحها في أفهام الناظرين ، والله الهادي إلى الحق اليقين.

المقام الثاني : في علائم الحقيقة والمجاز عند الشك في المراد مع العلم بالوضع ، والمقصود هنا البحث عما يعوّل عليه في استكشاف مرادات المتكلم من الطرق العلميّة ، أو الظنّية المعتبرة ، لكن الأولى لعدم انضباطها ، واختلافها باختلاف أحوال المتكلم ، مقامات الكلام ، وتفاوت أذهان السامعين ، ونحوها من الخصوصيات التي لا يكاد يعقل دخولها تحت ضابط قانوني ، بخلاف طرق العلم بالأوضاع كما ظهر ، لم يتعرض لها القوم.

وأمّا الثانية أعني الطرق الظنية ، فهي ما بين ما يفيد الظن بأصل الحقيقة ، أو بتعينه ، أو الظن بأصل المجاز ، أو بتعينه بعد العلم به في لفظ واحد ، أو في لفظين ، ويتعلق به كثير من مباحث تعارض الأحوال المشتملة عليها كتب القوم.

والكلام في الكل تارة في الظن الّذي قام القاطع على اعتباره ، وأخرى في كل طريق ظني ، وقد اشتهر في الألسنة ـ حتى كاد أن يلحق بالضروريات ـ اعتبار الظنون اللفظية في جميع المقامات المشار إليها ، وقد يعبّر عنها بالأصول اللفظية وسنشير إليها عن قريب.

وأمّا اعتبار مطلق الظنون لفظية كانت أو غير لفظية ، فلم نقف على قائل به من باب دليل خاص نقلي أو عقلي ، وإن كان بعض عبارات المحقق القمي (قدس سره) ظاهرا في ذلك إلاّ أنّه يمكن تأويله (١).

وكيف كان ، فالظاهر مضافا إلى أنّه يكفي في عدم الاعتبار عدم ثبوته ، انعقاد الإجماع على بطلان ذلك.

نعم القول باعتبار مطلق الظن هو مجد في المقام الأوّل ، أعني تشخيص

__________________

(١) القوانين : ٣٥.

١٣٤

الأوضاع ، لكنه في المقام مجمع على بطلانه ظاهرا.

ويتفرّع على ذلك أن تعيين المراد من المجملات العرفية ـ كالحقائق المحفوفة بالقرائن الصارفة خاصة ، والمشتركات اللفظية العارية عن قرائن التعيين ، أو المطلقات المراد بها مقيدات مخصوصة معينة واقعية ، غير معلومة في الظاهر ـ بمثل الشهرة ، والمناسبات الذوقية ـ على ما هو المعهود المتعارف عند القصار ـ من أهل المكاشفة والاستحسان ، من توجيه الأحاديث المشكلة التي ليست لها متفاهم عرفي ، ببعض الوجودات المبنية على ما عقد عليه قلوبهم جهلا ، أو ظنّا من المبادي الذوقية الفاسدة ، خروج عن المنهج القويم ، وميل عن الصراط المستقيم.

نعم يتّجه القول بحجية مطلق الظنون التي لم يقم دليل على عدم اعتباره ، كالقياس ، بناء على ثبوت انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية ، فإنّ الظن بمرادات الشارع حينئذ حجة ، من حيث كونه ظنّا بالحكم الشرعي ، فيخرج عن المقام الّذي هو الاعتداد بالظن المطلق في المرادات من الحقائق والمجازات وكيف كان ، فالمهم في المقام صرف الكلام إلى الظنون التي قام القاطع على اعتبارها بالخصوص ، وهي منحصرة بحسب الاستقراء في ظنون ترجع جلّها إلى ظواهر الألفاظ في متفاهم أهل اللسان ، وقد تسمّى بالأصول اللفظية ، كما مرّ وهي كثيرة :

منها : أصالة الحقيقة عند عدم القرينة ، ويراد بها وجوب حمل اللفظ على إرادة معناه الحقيقي ، إذا علم بتجرده عن القرائن الصّارفة ، واستدل عليها بوجوه :

الأوّل : ما ذكره العلامة في محكي النهاية (١) والتهذيب (٢) من توقف حصول

__________________

(١) نهاية الوصول مخطوط : ٢٣ ، وإليك نصّه :

البحث التاسع : في أنّ المجاز على خلاف الأصل قد عرفت غير مرّة من أنّ فائدة الوضع إعلام الغير ما في الضمير باللّفظ الموضوع للمعنى فإذن الأصل الحقيقة تحصيلا لفائدة الوضع ، ولأنّها لو لم تكن أصلا لكان إمّا أن يكون المجاز هو الأصل أولا واحد منهما بأصل ، والقسمان باطلان ، أمّا الأوّل فبالإجماع ، وبأنه مناف للحكمة ، فانه من الممتنع أن يضع الواضع لفظا لمعنى ليكتفي به في التعبير عنه ليكون استعماله فيما لم يوضع له أصلا في تلك اللغة ، وأمّا الثاني فلأنّه يحصل حينئذ التردّد ويختلّ الفهم ، ويصير كلام الشرع مجملا بين حقيقته ومجازه ، وكذا جميع ما ينطق به العرب لتردّد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها ، فكان لا يحصل الفهم إلا بعد الاستكشاف.

(٢) تهذيب الأصول للعلامة الحلّي ( قده ) وإليك لفظه :

البحث التاسع في أنه على خلاف الأصل وإلاّ لما حصل التفاهم حالة التخاطب.

١٣٥

التفهيم على ذلك ، بيانه على ما في المنية (١) : أنّ المجاز ليس أصلا ، أي راجحا على الحقيقة إجماعا ، فإذا لم يكن مرجوحا كان مساويا للحقيقة ، فيتردّد السامعون بين المعنى الحقيقي والمجازي ، ولا يفهمون شيئا إلاّ بعد البحث والاستكشاف ، وأمّا بطلان التّالي فبالوجدان.

الثاني : ما ذكره أيضا فيهما من أنّ حمل اللّفظ على المجاز لا يجوز ، لأنّه يلزم أن يكون حقيقة إذ لا معنى للحقيقة إلاّ ذلك ، وزاد السيّد العميدي ، ولأنّ شرط الحمل على المجاز نصب القرينة والمفروض انتفاؤها.

الثالث : ما ذكره أيضا من أنّ المجاز يتوقف على وضع ، ونقل ، وعلاقة ، ولا تتوقف الحقيقة إلاّ على الأوّل ، فيكون أولى ، وكأنّه أراد أنّ قلة المؤن مما يؤثر في إرادة المتكلم ، فيكون ما يحتاج إلى كثرة المؤن أبعد عن إرادته.

هذا ، وفي الكلّ تأمّل ، لأنّ القدر الثابت بتلك الوجوه بعد تسليمها إنّما هو رجحان الحقيقة ، والكلام في اعتبار هذا الرجحان ، بحيث يوجب حمل اللفظ عليها ، وإلاّ فيرد على الوجه الثاني مضافا إلى ذلك بأنّه مصادرة محضة ، فإنّ كون اللفظ المجرد محمولا على الحقيقة عين المدّعى ، وعلى الوجه الثالث مضافا إلى ما ذكر ـ أيضا ـ أنّ قلة المؤن

__________________

(١) منية اللبيب للعميدي مخطوط ، في البحث التاسع من مباحث الحقيقة والمجاز ، وإليك نصّه :

أقول قد اشتمل هذا البحث على مسائل أربع :

الأوّل في أن المجاز على خلاف الأصل ويدل عليه ثلاثة أوجه.

أوّلها أنه لو لم يكن كذلك لم يحصل التفاهم حال التخاطب بالألفاظ الّتي لها مجازات يمكن إرادتها والتالي باطل فالمقدّم مثله ، أمّا الملازمة فلأنّ المجاز ليس أصلا أي راجحا على الحقيقة إجماعا فإذا لم يكن على خلاف الأصل أي مرجوحا كان مساويا للحقيقة وحينئذ يتردد سامعو اللّفظ بين معناه المجازي والحقيقي فلا يفهمون شيئا منهما إلاّ بعد البحث والاستكشاف وأمّا بطلان التالي فبالوجدان.

وثانيها : أنّ اللّفظ إذا تجرّد عن القرينة فإمّا أن يحمل على حقيقته أو مجازه أو عليهما معا أولا على واحد منها والثلاثة الأخيرة باطلة ، فمقتضى الأوّل إمّا بطلان حمله على المجاز فلأنّ شرطه وجود القرينة وحيث انتفت انتفى ولأنّ الواضع لو أمر بحمل اللفظ عند تجرّده عن القرنية عليها لكان المجاز حقيقة ، إذ لا معنى للحقيقة إلاّ ذلك ، وإمّا بطلان حمله عليهما معا فلأنّ الواضع لو قال احملوه عليهما لكان اللفظ حقيقة في المجموع ، ولو قال احملوه على هذا وذاك كان مشتركا والتقدير خلاف ذلك وأمّا بطلان عدم حمله على شيء منهما فلأنّه يلزم تعطيل اللفظ وإلحاقه بالمهملات فظهر تعيّن حمله على الأوّل وهو المطلوب.

وثالثها : أن المجاز يتوقف على نقل لفظ عن معنى موضوع له إلى غيره لعلاقة بينهما فهو لا محالة يستدعى أمورا ثلاثة ، وضعه أوّلا لمعنى ، ونقله عنه إلى غيره ، وعلاقة بين المعنيين ، والحقيقة إنّما تتوقف على الأوّل خاصّة فكانت أرجح.

١٣٦

كيف يمكن كونها ـ مؤثّرة في الإرادة.

ثمّ إنّ قوله وأمّا بطلان التالي فبالوجدان ، كأنّه إشارة إلى ما ذكر بعض فحول السادات ، وهو الوجه الآتي.

الرابع : ما ذكره بعض فحول السادات ، ولعله السيد الكاظمي (١) (قدس سره) ، من أنّ سد باب التفاهم يوجب انتفاء فائدة البعثة ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وفساد النظام.

أقول : توضيح الاستدلال ، أنه إذا لم يجز حمل الألفاظ على حقائقها عند التجرد ، فيلزم سد باب التفهم ، نظرا إلى قيام احتمال عدم إرادة الحقيقة في جلّ الألفاظ الصادرة إن لم نقل كلها ، إمّا بأن يراد منها المعنى المجازي ، أو لم يرد منها شيء أصلا ، وحصول العلم في بعض المقامات بالمراد لا ينفع في أكثرها ، فإذا انسدّ باب التفهم ، فيخلو البعثة ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب عن الفائدة ، فإن فائدتها تبليغ الأحكام إلى المكلفين ، ومن المعلوم أنّ طريق التبليغ والتفهيم منحصر في الألفاظ وإلقاؤها مجردة عن القرينة ، فإذا فرض انسداد باب التفهّم منها فلا يحصل التبليغ بها.

ولو قيل إنّه مع الشك في المراد يرجع إلى الرسول في بيانه ، فهو مردود بأنّ البيان أيضا بلفظ مثل هذا اللّفظ ، فيتسلسل ، أو يدور ، وأمّا لزوم فساد نظام العالم فواضح.

هذا ، وفيه : أنّ الترديد بين المجاز والحقيقة في الخطابات الشفاهية في غاية القلة والندرة ، بل الغالب فيها كما نجد من أنفسنا حصول العلم بكون الحقيقة مرادة عند تجرد اللّفظ عن القرينة ، وحصول الترديد في بعض المقامات لا يوجب شيئا من المحاذير المذكورة.

الخامس : قوله تعالى « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه » (٢) استدل به غير واحد من أفاضل المتأخرين ، ولم يبيّنوا وجه الدّلالة ، مع أنها بمكان من الخفاء والسقوط ،

__________________

(١) ذكره في الوافي في شرح الوافية للسيد محسن الأعرجي الكاظمي ، مخطوط في مباحث الحقيقة ، والمجاز في تأسيس الأصل عند دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز وإليك نصّه :

وهذا الأصل بالمعنى الأوّل [ أي العلم بالوضع والشك في المراد ] ممّا لا نزاع لأحد فيه ، كيف ولو لا ذلك لامتنعت فائدة الوضع وبطل التفاهم ، بل وانتفت فائدة البعثة وإرسال الرّسل وإنزال الكتب وفسد النّظام.

(٢) إبراهيم : ٤.

١٣٧

مضافا إلى قصوره عن إفادة تمام المدعى ، وهو متابعة أصل الحقيقة مطلقا ، حتى في المحاورات والأقارير والدّعاوي ونحوها ، لأنّ غاية ما يمكن أن يتكلف من دلالته ، أن يجعل معنى الآية أنه وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ، وبلوازم لسان القوم ، من حمل الألفاظ المجردة عن قرينة المجاز على حقائقها ، وهذا يقتضي حمل الخطابات الصادرة من ذلك الرسول المجردة عن قرينة المجاز على حقائقها ، بأن لا يكون للرسول مؤاخذة عليهم لو أخطئوا في المراد ، كما إذا انكشف الخطأ في حملهم ، لا مطلق الخطابات ، كما هو المدّعى.

هذا مع أنّ الظاهر أنّ الآية مسوقة لبيان أنّه تعالى أرسل إلى كل قوم رسولا منهم ، تسهيلا لهم في أخذ معالم دينهم منه ، لكونه نبيّا لهم بلسانهم ، ولاستئناسهم به لكونه منهم.

فحاصلها أنّها في مقام الامتنان عليهم ، حيث لم يحمل عليهم رسولا من غيرهم ليشق عليهم استفادة الأحكام منه ، أو تبعيّتهم له ، لكونه من غيرهم.

نعم لو ثبت أنّ بناء العرف على حمل الألفاظ على حقائقها مجردة عن القرينة الصارفة ، فيمكن الاستدلال بها على إمضاء الشارع هذا البناء ، لكن بعد حملها على أنّ المراد بها إرسال كلّ رسول إلى قومه بلسانهم ، وبلوازم لسانهم الثابت عندهم ، وهو البناء المذكور ، لكنه خارج عن المقام ، لأنّا في مقام إثبات أصل هذا البناء.

السادس : الإجماع القطعي.

وفيه أنّ المسألة في المقام ليست من الأمور التوقيفيّة الموظّفة من الشارع ليدخلها الإجماع ، ويكشف عن قول الإمام عليه السلام ، بل هي ـ على فرض ثبوتها ـ من الأحكام العرفية. وكيف؟ فإجماع العلماء ـ من حيث كونه إجماع العلماء لا يرتبط بالمقام ولا حجيّة فيه ، لعدم كشفه عن قول الإمام عليه السلام ، الّذي هو مناط الحجية ، لعدم كون المسألة من الأمور الموظفة التي يكون بيانها من شأن الإمام عليه السلام.

نعم ، لو أريد به إجماع أهل اللسان ، فهو مع ثبوته يصلح دليلا.

لكن الكلام أوّلا ـ في تحقّقه ، وثانيا ـ في تسميته إجماعا ، فإنّه خلاف الاصطلاح ، فإنّ المصطلح عليه هذا اللفظ إنّما هو اتّفاق العلماء ، من حيث كونه اتّفاقهم.

وأضعف من ذلك ، دعوى الإجماع على العمل بظواهر الكتاب ، والسنّة ، فإنّه مع كونه مردودا بما عرفت في الإجماع القطعي من عدم ارتباطه بالمقام ، يرد عليه أنّ القدر

١٣٨

[ المتيقن من ذلك ](١) على تقدير تسليمه وصلاحيته لكونها دليلا على المدعى ، إنّما هو اعتبار ظواهر الكتاب والسنة فحسب ، فلا يثبت تمام المدعى ، كظواهر المحاورات العرفية والأقارير والدعاوي ونحوها أيضا.

نعم يمكن الاستدلال بالإجماع على تقدير ثبوته ، فيما إذا فرغنا عن اعتبار الظواهر عند العرف والعقلاء ، ثم أردنا اعتبار ذلك شرعا أيضا بدليل الإجماع ، بأن يتمسك به على إمضاء الشارع لطريقهم.

لكن هذا أيضا لا يستقيم للقطع بعدم انفراد الشارع في طريقة محاوراته ، ومخالفة طريقته لطريقة أهل العرف في محاوراتهم ، وهذا ضروري لا حاجة في إثباته إلى الاستدلال.

السابع : ما ذكره الشيخ محمد تقي (٢) (قدس سره) ، مما حاصله أنّ فائدة الوضع في غير المشتركات إنّما هي تأدية المعنى المقصود بسهولة ، وهذا إنّما يحصل إذا جعل الواضع الألفاظ بأنفسهما كافية في تأدية المعاني الموضوع لها تلك الألفاظ ، من غير حاجة إلى ضميمة قرينة ، ولأنّه تطويل بلا طائل ، والغالب في الاستعمالات النّظر إلى تلك الفائدة ومراعاتها ، فإذا صدر اللفظ الموضوع لمعنى مجردا عن القرينة الصارفة ، فمقتضى الغلبة كون المتكلم مريدا للحقيقة فإنّ إرادتها من هذا اللفظ الموضوع لها مجردا عن القرينة هي الفائدة المذكورة ، هذا حاصل ما استفدنا من كلامه قدّس سرّه.

لكن يرد عليه أنّ الغلبة المذكورة إنّما تقتضي كون المتكلم مقتصرا بذلك اللفظ وحده عند إرادة الحقيقة ، وأمّا إذا تعلق غرضه بإرادة المجاز ، فالغلبة لا تنفي احتمالها.

نعم لو ثبت من الواضع أيضا عدم جواز استعمال اللفظ في المعنى المجازي بلا قرينة ، وكان الغالب مراعاة ذلك ، فهذا يفيد أنّ المقصود هو الحقيقة.

والحاصل أن مرجع الغلبة التي ادعاها ، أنّ الغالب ـ فيما إذا كان المتكلم في مقام إرادة الحقيقة ـ إطلاق اللفظ مجردا عن القرينة الكاشفة عن الحقيقة ، ولا ريب أنّ هذه لا تنفع ـ في المقام للشك ـ في كونه مريدا لها ، فيكون الاستدلال بتلك الغلبة على كونه مريدا لها دوريا ، كما لا يخفى.

نعم ، لو ثبت أنّ الغالب ـ فيما إذا أطلق اللفظ مجردا عن القرينة الصارفة ـ

__________________

(١) في الأصل ( القدر بذلك ) وما أثبتناه هو الصحيح.

(٢) هداية المسترشدين : ٣٨.

١٣٩

إرادة الحقيقة ، فهذه تنفع في المقام.

هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو ثبت هنا غلبة تفيد إرادة الحقيقة ، فهي إمّا أن تفيد القطع ، وإمّا أن تفيد الظن.

أمّا على الأوّل : فهي مخرجة لما نحن فيه عن الفرض ، لأنا نتكلم في اعتبار أصالة الحقيقة ، مع كونها من الظنون ، فإذا فرضنا وجود مثل هذه الغلبة ، فالاستدلال بها على اعتبارها ـ مع فرض كونها ظنّية ـ خارج عن طريقة العقلاء ، لعدم الارتباط بين الدليل والمدلول.

وأمّا على الثاني : فلا ريب أنّه لم يقم دليل خاص على اعتبار الظن الحاصل من الغلبة في المقام.

نعم يمكن القول به بناء على ثبوت الانسداد في الأحكام الشرعية ، لكن أصالة الحقيقة ـ حينئذ ـ مستندة إلى هذا الظن ، وليست من الظنون الخاصة ، فتخرج عن مفروض الكلام في المقام ، فإنّ الفرض إثبات اعتبارها بالخصوص ، بحيث لا يتوقف اعتبارها على ملاحظة مقدمة الانسداد ، هذه جملة ما ذكروه من الوجوه ، وقد عرفتها بما فيها.

والتحقيق في الاستدلال أن يقرر هكذا : إنّه إذا أطلق اللفظ مجردا عن القرينة ، كما هو المفروض ، فإن علم بإرادة المتكلم للمعنى الحقيقي فلا كلام ، وهو خارج عن محل البحث ، وإن شك في إرادته له ـ حينئذ ـ فمنشأ الشك أحد الوجوه على سبيل منع الخلو :

الأوّل : احتمال أن لا يكون المتكلم في مقام التفهيم ، وهذا يتصور على وجوه :

الأوّل : أن يتعلق غرضه بنفس اللفظ لغرض من الأغراض العقلائية ، كما في الأوامر الابتلائية.

الثاني : أن لا يكون له غرض صحيح أصلا ، بل إنّما تكلم به عبثا وسفها.

الثالث : أن يكون اللفظ صادرا منه سهوا أو غفلة ومن غير شعور إليه.

الثاني : احتمال أن يتعلق غرضه بتفهيم المعنى المجازي ، بمعنى أنّه في مقام التفهيم ، لكن أراد من اللفظ المجرد المعنى المجازي ، وهذا أيضا يتصور على وجهين :

الأوّل : أن يكون تركه ذكر القرينة لغفلة منه.

الثاني : أن يكون ذلك لتعمّده عليه مع التفاته إلى الاحتياج إلى القرينة.

الثالث : احتمال تعلق غرضه بتفهيم المعنى المجازي في أوّل الأمر ، لكن حصل

١٤٠