تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المولى علي الروزدري

تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي - ج ١

المؤلف:

المولى علي الروزدري


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ثابتة في الشرائع السابقة ، وهي معلومة عند العرب ، وربما يعبرون عن كثير منها بالألفاظ الشرعية أيضا ، إلا أنه حصل هناك اختلاف في مصاديق تلك المفاهيم بحسب اختلاف الشرائع ، كاختلاف كثير منها في هذه الشريعة بحسب اختلاف الأحوال والمفهوم العام متحد في الكل فما لا يكون معروفا أصلا مندرج في الدّينيّة.

وفيه بعد الغضّ عن صحّة الوجه المذكور انه لا ينطبق عليه ظاهر كلماتهم حيث نصّوا على حدوث المعاني الشرعية ومع ذلك فمع البناء على كون النزاع في المسألة في الإيجاب والسلب الكليين كما سيجيء بيانه لا يتحقق وجه لما ذكره أيضا لاندراج الدينية إذن في الشرعية ، فيقول بها من يقول بها كليّا وينفيها من ينفيها كذلك ، إلا أن تخصّ الشرعية بما يقابل الدّينيّة ، وهو خلاف ظاهر كلماتهم في حدود الشرعيّة.

ثم إنه قد حكي عن المعتزلة أيضا : أن ما كان من أسماء الذوات ـ كالمؤمن والكافر ، والإيمان ، والكفر ، ونحوها ـ حقيقة دينية ، بخلاف ما كان من أسماء الأفعال ، كالصلاة ، والزكاة ، والمصلي ، والمزكي ، ونحوها.

والظاهر بقرينة الأمثلة المذكورة أنّهم أرادوا بأسماء الذوات ما كان متعلقا بأصول الدين ، وما يتبعها مما لا يتعلق بالأعمال ، وبأسماء الأفعال ما كان متعلقا بفروعه مما يتعلق بأفعال الجوارح ونحوها.

وفيه حينئذ ـ مع ما فيه من ركاكة التعبير ـ أنّ دعوى الفرق بين ما كان متعلقا بأصول الدين ، وما يتعلق بالفروع ، بكون الأول مما لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه ، بخلاف ما تعلق بالثاني من وضوح الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان.

وكيف كان ، فالمحصل من هذا الكلام : أنّ الحقيقة الدينية عندهم ما تعلق بأصول الدين ، بخلاف ما تعلق بالثاني ، ويكون الشرعية أعم من ذلك ، أو خصوص ما تعلق بأفعال الجوارح ـ بناء على الاحتمال المتقدم ـ فتكون مباينة ، لها فتعبيرهم عنها ـ بأنها ما لا يعرف أهل اللغة لفظها أو معناها أو كلاهما ـ فاسد كما عرفت.

المقام الأول ـ في تحرير محل النزاع في المسألة.

فنقول : ظاهر بعضهم كصاحب المعالم (١) وغيره : أن الألفاظ المتداولة في ألسنة المتشرعة الصائرة حقيقة في خلاف معانيها اللغوية ، ومنقولة في هذا الزمان بأسرها محل النزاع.

__________________

(١) انظر المعالم : ٢٦.

٢٤١

وهو من الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان ، ضرورة أن بعض هذه الألفاظ سيما في ألفاظ المعاملات ، من المصطلحات الجديدة الحادثة من الفقهاء المتأخرين عن زمن الأئمة عليهم السلام ، وبعضها محل الشك في أن الشارع استعمله ولو مجازا أولا؟ فضلا عن بلوغه حد الحقيقة في لسانه ، وبعضها مما يشك في بلوغه في الاستعمال إلى حد يمكن معه النقل بعد إحراز استعمال الشارع له في الجملة ، فكيف يمكن دعوى ان جميعها محل النزاع ، مع أن ظاهر كلام القائلين بالثبوت هو الثبوت مطلقا ولا يلتزم به أحد ، لما عرفت.

وكيف كان ، فلا يمكن جعل النزاع فيها كلية ، فتعين البعض ، لكنه أيضا لا يكاد يتبين أنه أي بعض من أبعاضها ، فإنه إما باختصاص خصوصيات ذلك البعض ، وهي الألفاظ الخاصة فردا فردا ، وإما ببيان تلك الخصوصيات بالعنوان الكلي الحاكي عنها ، والأول متعذر أو متعسر غايته ، والثاني لا يكاد يمكن لعدم ضابط وجامع لتلك الخصوصيات ، بحيث يكون مرآة لها حاكية عنها بأسرها.

وقد تصدّى بعض المحققين (١) في حاشيته على المعالم لبيان الضابط بأنّه ما يجمع شروطا ثلاثة :

أحدها : كونه من الألفاظ المتداولة في ألسنة المتشرعة من قديم الزمان أي مبدأ وقوع النزاع في الحقيقة الشرعية ، نظرا إلى انتفاء التفاوت (٢) فيما نحن فيه عن ذلك الزمان إلى الآن.

وثانيها : أن تكون مستعملة في المعاني الجديدة الشرعية بالغة إلى حد الحقيقة عند المتشرعة في ذلك الزمان.

وثالثها : غلبة استعمال تلك الألفاظ في لسان الشارع في المعاني الشرعية بحيث يكون استعماله إياها في غيرها نادرا انتهى.

ولقد أجاد النّظر في فهم محل النزاع ، لكن اشتراطه بكونه جامعا للشرطين الأوّلين ليس بجيد ، لعدم مدخليتهما في محلّ النزاع.

فالحق أنّ مدار البحث على الشرط الثالث الّذي ذكره ، وهو تداول استعمال

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٩٣ ، في تحديد محل النزاع في الحقيقة الشرعية.

(٢) قوله نظرا إلى انتفاء التفاوت : وجه انتفاء التفاوت انّ النزاع في الحقيقة الشرعيّة إنّما هو بالنسبة إلى زمان الشارع وثبوتها يتوقّف على شيوع استعمالها وتداولها في زمان الشارع ، فلازمه تداوله في كلا الزمانين ( منه رحمه الله ).

٢٤٢

الشارع تلك الألفاظ في المعاني الجديدة الشرعية ، وغلبتها بحيث يمكن معها النقل ، والضابط هو هذا ، وأخذ الشرطين الأولين معه كأخذ الحجر مع الإنسان ، ووضعه في جنبه.

ثم إن مراد النفاة للحقيقة الشرعية ، يحتمل وجوها ثلاثة :

أحدها : منع استعمال الشارع تلك الألفاظ في المعاني الجديدة الشرعية رأسا ، وأنها مستعملة في معانيها اللغوية ، والخصوصيات الثابتة اللاحقة لها شروط ثبتت من الخارج ، كما هو ظاهر كلام القاضي الباقلاني.

وثانيها : التزام استعمال الشارع إياها فيها في الجملة ، لكن مع منع بلوغه في الكثرة إلى حد يمكن معه النقل.

وثالثها : التزام أصل الاستعمال مع بلوغه في الكثرة إلى حد يمكن معه النقل ، لكن مع منع شرط النقل ، وهو كون الاستعمالات المذكورة مجردة عن القرائن المتصلة.

هذا ، لكن مما ذكرنا من الضابط لمحل النزاع يظهر أن المراد هو الوجه الأخير ، إذ بعد فرض كون محل النزاع ما بيّناه ، فلا بد أن يكون أصل الاستعمال كذا ، وبلوغه في الكثرة في لسان الشارع إلى حد يمكن معه النقل مفروغا عنهما عند الفريقين.

لكن الثمرة التي ذكروها للمسألة ، هي حمل الخطاب المجرد عن القرينة على المعنى اللغوي ، على القول بعدم الثبوت لا تلائمه ، إذ لا ريب أن الاستعمال إذا وصل إلى الحد المذكور في الكثرة ، فاللفظ معه لو لم يكن حقيقة ومتعينة في المعنى المستعمل فيه ، فهو مجاز مشهور لا محالة ، وحكمه كما عرفت عند المشهور ، وعلى المختار الإجمال عند عدم القرينة.

هذا بخلاف أحد الوجهين الأوّلين ، فإنّها ملائمة لكل واحد منهما ، أما على الأول منهما فواضح ، وأما على الثاني ، فلعدم بلوغ الاستعمال إلى حد يوجب كون اللفظ مجازا مشهورا في مورد الاستعمال.

ومن هنا ظهر اختلاف مؤدى الوجهين الأولين مع الأخير هذا.

وكيف كان ، فكأنّ أصل استعمال الشارع تلك الألفاظ في المعاني

٢٤٣

الجديدة إجماعي ، كما هو ظاهر جمع منهم صاحب المعالم (١) (قدس سره) ، فيخرج الوجه الأول عن احتمال كونه محلا للنّزاع ، لكن أحد النقلين عن الباقلاني (٢) إنكار أصل الاستعمال ، وهو ينافي ثبوت الاتفاق المذكور ، فيقع التدافع بين دعوى الاتفاق المذكور ، وبين النقل المزبور.

ويمكن التوفيق بينهما بوجوه :

الأوّل ـ ما ذكره المير السيد شريف (٣) (قدس سره) ، بعد ما التفت إلى التنافي المذكور ، من أنه قد يكون الشخص مدعيا للاتفاق إلزاما لمطلبه على خصمه ، مع مخالفة ما يدعيه من الاتفاق لاعتقاده ، فحينئذ لا منافاة بين نفس دعوى الاتفاق ، مع عدم الاعتقاد بثبوته ، وبين النقل المذكور.

وفيه ما لا يخفى على ذي مسكة.

الثاني : ما ذكره بعض المحققين في حاشيته على المعالم (٤) ، من أنّ عدم التفات المدّعي للإجماع إلى النّقل المذكور ، إمّا لعدم ثبوته عنده ، أو لوهنه أو لوضوح فساده ، فتأمل.

الثالث : ما ذكره بعض المتأخرين من أنّ غرض الباقلاني منع استعمال تلك الألفاظ في المعاني المباينة للمعاني اللغوية ، لكنه لا يمنع من استعمالها في المعاني الشرعية الجديدة بطريق التقييد ، بأن يكون مورد الاستعمال هو المعنى اللغوي مقيّدا بالخصوصيّة التي أضافها الشارع ، بأن يكون تقيدها داخلا في مورد الاستعمال ، ونفسها خارجة ، ولا ريب أن المستعمل فيه حينئذ هو المعاني اللغوية.

نعم لو أخذت هي مركّبة مع تلك الخصوصيات ، بأن يكون مورد الاستعمال

__________________

(١) المعالم : ٢٦.

(٢) وإليك نصّ كلامه ـ على ما ذكره في هامش منية اللبيب ، المخطوط ، في مبحث الحقيقة الشرعية عند قوله وأمّا إمكانها أي الحقيقة الشرعيّة فمتفق عليه بين الأصوليّين ، والخلاف إنما هو في الوقوع ، فمنعه القاضي أبو بكر مطلقا :

( قال إنّ الشرع لم يستعملها إلاّ في الحقائق اللغويّة ، والمراد بالصّلاة المأمور بها هو الدّعاء ، ولكن أقام الشرع أدلّة أخرى على أنّ الدعاء لا يقبل إلاّ بشرائط مضمومة إليه ).

وفي شرح الوافية للسيد الأعرجي هكذا : ( وبالجملة فالنفي انما نسبه الآمدي والرازي وغيرهما إلى القاضي أبي بكر ). ونسبه إليه في تيسر التحرير أيضا الجزء الثاني : ١٥ ـ ١٧. ان شئت فلاحظ.

(٣) مظانه من حاشيته على المختصر خالية من ذلك.

(٤) وهو صاحب هداية المسترشدين : ٩٤ عند قول صاحب المعالم ( وإنّما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز ).

٢٤٤

المجموع منهما ، بحيث يكون كل واحد جزء منه ، فهذا ما أنكره الباقلاني ، حيث إنه مباين للمعنى اللغوي.

وكيف كان فهو لا ينكر أصل الاستعمال المجازي في تلك الألفاظ ، بل يمنع من استعمالها في المجاز المباين للمعاني اللغوية. والّذي ادعى الإجماع عليه ـ أيضا ـ هو مطلق الاستعمال المجازي ، لا خصوص المباين ، فلا منافاة ، وهو حسن ، فتأمل.

ثم إن الوضع المدعى ثبوته لتلك الألفاظ في محل النزاع ، الحق أنه أعمّ من التعييني ، كما سيجيء ، إن شاء الله ، وإن كان ظاهر بعض أدلة النافين خصوصه ، كقولهم لو ثبت لفهمه المخاطبون ، ولو فهم للنقل إلينا.

ثم النزاع لا يختص بألفاظ الكتاب خاصة ، أو بألفاظ الأخبار النبويّة خاصة ، أو بكليهما خاصة ، بل أعم من كل منهما ، بحيث يشمل ما قد صار حقيقة في المعنى الجديد باستعمالات الصحابة ، والتابعين تبعا لاستعمال الشارع المجازي.

المقام الثاني في ثمرة المسألة ، فاعلم أنها على ما ذكره ، إنما هو حمل الخطابات الصادرة من الشارع المجردة عن القرائن على المعاني الجديدة ـ على القول بثبوت الحقيقة الشرعية فيها ـ وحملها على المعنى اللغوي على القول بعدم ثبوتها.

ولا يخفى ما فيها في كل من طرفيها :

أمّا طرفها الثاني ـ وهو حمل الخطابات المذكورة على المعنى اللغوي ـ فقد عرفت ما فيه آنفا ، من عدم انطباقه على محل النزاع حيث إنك عرفت أن الحكم ـ حينئذ ـ هو التوقف والإجمال ـ على المشهور ـ لصيرورة اللفظ حينئذ مجازا مشهورا ، لا محالة ، فتأمل.

وأما طرفها الأول : فلتوقفه على العلم بتأخر صدور الخطاب عن زمان حصول النقل ، ولا يكاد يتمكن من تحصيله في مورد من الموارد ، والا فمع الجهل به ، فالأصل هو التوقف ، والإجمال لتكافؤ أصالة تأخر كل من الأمرين لأصالة تأخر الآخر.

ولو قيل بأن مقتضى الأصلين ـ حينئذ ـ هو التقارن ، ولازمه حمل الخطاب على المعنى الجديد.

ففيه : أنّه بعد تسليم اعتبار هذا الأصل لا يجوز التمسك به.

أما على الوضع التعييني في الحقائق الشرعية ، كما هو ظاهر بعض أدلة المثبتين ، فلا يكاد يعقل التقارن ، لأن الصادر من الشارع في آن واحد فعل واحد ، وهو إما

٢٤٥

الوضع ، بأن يقول : وضعت هذا اللفظ لذلك المعنى ، أو الاستعمال ، بأن يقول : صلوا مثلا مريدا بها الأركان المخصوصة ، ولو بضميمة القرينة.

هذا ، لكن الإنصاف إمكانه ـ حينئذ ـ لما سيجيء إن شاء الله من إمكان إحداث الوضع التعييني بنفس الاستعمال ، نعم يرد عليه ما يرد على الوضع التعييني مما سيجيء.

وأما إذا كان الوضع تعينيا كما هو الظاهر ، على فرض ثبوت الحقيقة الشرعية ، فلأنه إن أمكن بعد التقارن بأن يكون الاستعمال الأخير ـ المجازي المحصل للنقل ـ هو هذا الاستعمال ، لكنه يلزمه تعدد استعمال اللفظ في لسان الشارع ، وإلا لما أمكن النقل ، ومعه لا يجوز الحكم بتقارن هذا الاستعمال للوضع دون غيره ، أو بالعكس للعلم الإجمالي بأن المقارن له هو أحد هذه الاستعمالات ، لاستحالة تقارن الجميع معه عقلا ، مع عدم ما يدل على عدم تعين المقارن فأصالة التقارن في كل استعمال معارضة بمثلها في الآخر ، ولا يجوز العمل بالأصلين معا لمخالفته للعلم الإجمالي.

وهذا الإشكال يتوجّه على تقدير الوضع التعييني ـ أيضا ـ مع العلم بتعدد استعمال اللفظ في لسان الشارع ، وأما مع القطع بوحدته حينئذ ، فلا ، بل يمكن إثبات التقارن ، والأخذ بلازمه ، وأما في صورة الشك في الاتحاد والتعدد ، فلا يبعد الحكم بالتقارن أيضا ، والأخذ بلازمه نظرا إلى إلحاقه بصورة القطع بالاتحاد بمقتضى الأصل.

وربما يقال علي فرض ثبوت الوضع التعيني إن الظاهر من حال الشارع تقدم النقل على جميع الاستعمالات الصادرة منه ، وحصوله من أول الأمر لحصول الداعي إليه من أول الأمر ، فيرتفع الإشكال رأسا.

وفيه أنّ الداعي إليه إنما هو شدة الحاجة إلى استعمال تلك الألفاظ ، وهي لم تكن حاصلة من أول الأمر ، ضرورة أن بناء الشارع على بيان الأحكام تدريجا ، وتكليف الناس بها كذلك ، وشدة الحاجة إنما تحصل إذا أراد بيانها في وقت واحد.

وقد يناقش في المقام : تارة بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مطلقا ، مبني على تقدم عرف المتكلم على المخاطب ، وعلى القول بتقديم عرف المخاطب أو التوقف يشكل الحكم المذكور مع كون المخاطب من أهل العرف واللغة.

وأخرى بأن غاية ما ثبت إنما هي الكبرى ـ أعني صيرورة الألفاظ المتداولة في لسان الشارع حقائق في المعاني الجديدة ـ لكنها لا تكفي في ترتب الثمرة المذكورة ، إلا

٢٤٦

بعد إحراز أن هذا اللفظ الوارد في خطاب الشارع من الألفاظ المتداولة ، وإحراز هذه الصغرى ـ في خصوص الموارد فردا فردا ـ دونه خرط القتاد.

وقد أجيب عن الأولى : بأن الحقيقة الشرعية ليست كغيرها من العرفيات ، بل لا بد من حمل كلام الشارع عليها ـ مع الإطلاق ـ على كل حال إذ هو ثمرة وضعها لذلك ، ولذا لم يتأمل أحد في ذلك مع حصول التأمل في تقديم أحد العرفين. انتهى.

لكنه كما ترى إنما يناسب الوضع التعييني.

والتحقيق في الجواب : الترديد بأن المخاطب إن كان من التابعين والأصحاب ، فهو تابع في المحاورة والخطاب للشارع ، ولا يغاير اصطلاحه في محاورته اصطلاح الشارع ، فحينئذ يدخل المقام في تعارض العرف الخاصّ واللغة بالنسبة إلى شخص واحد ، وهو المتكلم الّذي هو الشارع في المقام ، فانا نشك في أنه هل تكلم على اصطلاحه أو على مقتضى اللغة ، ولا ريب في تقديم العرف الخاصّ كما مر آنفا.

وإن لم يكن المخاطب من التابعين ، بل كان محاورته على طبق اللغة ، فهذا يدخل في تعارض العرف الخاصّ واللغة في شخصين ، وقد عرفت أن الحق فيه التوقف ، لكن هذا لا يوجب المناقشة في ثمرة المسألة إذ يكفي فيها ظهورها في بعض الموارد.

وأما الجواب عن المناقشة الثانية : فبأن إحراز الصغرى في كل من المطالب والمباحث لا بد منه ، بحيث لولاه لا يحصل ثمرة البحث ، لكنه لا يصير مناقشة في الثمرة إذ المفروض حصولها مع إحراز الصغرى ، والمناقشة إنما تتجه إذا لم تظهر الثمرة عند إحرازه الصغرى أيضا.

هذا مع أن دعوى امتناع تمييز الصغريات ـ مطلقا ـ دونها خرط القتاد ، ضرورة إمكان العلم ببعضها ، فتظهر الثمرة في ذلك البعض ، فلا تخلو المسألة عن الثمرة بحيث يكون البحث فيها لغوا.

المقام الثالث : في أقوال المسألة ، فنقول : الموجود عند المتقدمين إلى زمان صاحب المعالم قولان : النفي المطلق ، والإثبات كذلك (١) والمشهور في ذلك الزمان هو الثاني ، بل ادعى اتّفاق المتقدمين عليه مع نسبة القول الأوّل إلى المتأخّرين ، وقد حدثت من المتأخرين تفاصيل عديدة (٢) ، وأقوال شتى غير هذين في بادي الرّأي.

__________________

(١) معالم : ٢٦ ـ ٣٢.

(٢) التفاصيل كلها مذكورة في هداية المسترشدين : ٩٣ عند قوله ولهم في ذلك تفاصيل عديدة.

٢٤٧

منها : التفصيل بين ألفاظ العبادات والمعاملات ، فقيل بالثبوت في الأولى وبالنفي في الثانية.

ومنها : التفصيل بين الألفاظ الكثيرة الدوران كالصلاة ، والزكاة ، والصوم والوضوء والغسل ونحوها ، وبين غيرها مما ليس بتلك المثابة فقيل بالثبوت في الأولى دون الثانية.

ومنها : التفصيل بين عصر النبي صلى الله عليه وآله ، وبين عصر الصادقين عليهما السلام وما بعده فقيل بنفي الحقيقة في الأولى إلى زمان الصادقين ، وثبوتها في زمانهما عليهما السلام وما بعده.

ومنها : التفصيل الملفق من التفصيل في الألفاظ والأزمان ، وهو التفصيل بين الألفاظ الكثيرة الدوران في زمان النبي صلى الله عليه وآله ، وفيما عداها في عصر الصادقين عليهما السلام ، ومن بعدهما فقيل بالثبوت في الأولى دون الثانية.

ومنها : التفصيل بين الأزمان والألفاظ أيضا ، فقال : إن الألفاظ المتداولة على السنة المتشرعة مختلفة في القطع بكل من استعمالها ونقلها إلى المعاني الجديدة بحسب اختلاف الألفاظ والأزمنة اختلافا بينا ، فأن منها ما يقطع بحصول الأمرين فيها في زمان النبي صلى الله عليه وآله ، ومنها ما يقطع باستعمال النبي صلى الله عيلة وآله إياه في المعنى الشرعي ، ولا يعلم صيرورته حقيقة إلا في زمان انتشار الشرع وظهور الفقهاء والمتكلمين. ومنها : ما لا يقطع فيها باستعمال الشارع ، فضلا عن نقله ، ومنها ما يقطع فيها بتجدد النقل والاستعمال في أزمنة الفقهاء.

هذا تمام ما نسب إليهم من الأقوال ، لكن المتأمل المدقق يعلم أن تلك التفاصيل ليست تفاصيل في المسألة ، فلا تعد هذه أقوالا مقابلة للقولين الأولين.

وتوضيح ذلك : أنّ محل النزاع على ما عرفت ليس مطلق الألفاظ في مطلق الأزمنة ، بل هي الألفاظ المتداولة في زمان النبي صلى الله عليه وآله ، فحينئذ يصير كل من التفاصيل المذكورة بيانا لمحل النزاع ، وراجعا إلى أحد القولين الأولين.

أما التفصيل الأول ، فلوضوح خروج ألفاظ المعاملات عما حققنا من ميزان محل النزاع ، فأنها ليست الألفاظ المتداولة في ذلك الزمان ، فعلى هذا يرجع هذا القول إلى القول بالإثبات المطلق ، فإن محل النزاع هي الألفاظ المتداولة ، وهي ألفاظ العبادات ، فالقول بصيرورتها حقائق شرعية قول بها مطلقا في محل النزاع.

٢٤٨

وأما التفصيل الثاني ، فانطباقه على القول بالإثبات المطلق أوضح ، فإن الألفاظ الكثيرة الدّوران ، التي ذهب المفصل إلى ثبوت الحقيقة الشرعية فيها ، هي محل النزاع في المسألة وغيرها خارجة عنها.

وأما التفصيل الثالث ، فكذلك أيضا بمعنى أنه راجع إلى القول بالنفي المطلق لأن غير زمان النبي صلى الله عليه وآله خارج عن محل النزاع في مسألتنا هذه ، فيكون إنكار الحقيقة الشرعية في زمانه صلى الله عليه وآله أجمعين ـ نفيا لها مطلقا.

وأما التفصيل الرابع ، فهو أيضا راجع إلى القول بالإثبات المطلق ، كالأول والثاني ، وأما التفصيل الخامس ، فحاصله هو التفصيل الرابع طابق النعل بالنعل.

إلى هنا تمت هذه المسألة.

٢٤٩

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في المشتق ، وهو كما ذكره جماعة اللفظ المأخوذ من لفظ ، ويسمى الأول أصلا ، والثاني فرعا ، ولا بد بينهما من مناسبة في المعنى ، ليصح الأخذ والاشتقاق ، وفي الزبدة (١) : أنّه فرع وافق الأصل بأصول حروفه ، إلى غير ذلك من التعاريف.

لكنها مع عدم سلامة كلها ، أو جلها ، عن المناقشات غير محتاج إليها في المقام ، لأن الغرض من تحديد الشيء هو التوصل به إلى معرفة حال جزئياته ، وجعله مرآة في تميزه عن غيره بواسطة انطباق الحد عليها ، وأقسام المشتق من الأسماء ، والأفعال مما لم يقع الخلاف فيها من أحد ، فلا حاجة إلى التعريف ، والنقض والإبرام ، فينبغي صرف الهمة إلى ما هو الغرض الأصلي في المقام.

فنقول : إن تحقيق المرام ، يتوقف على تقديم أمور :

الأوّل : المقصود بالبحث في المقام ، ليس تحقيق معاني مبادئ المشتقات موادها ، فإن الكافل له إنما هو كتب اللغة ، ولا معرفة كيفية اشتقاقها فان المرجع فيها ، إنّما هو في التصريف ، بل الغرض إنّما هو معرفة معانيها من حيث أوضاعها النوعية ، وهي معاني هيئاتها الكليّة ، الطارئة على مواردها الجزئية ، الموضوعة لمعانيها بالأوضاع الشخصية.

الثاني : النزاع في المقام ليس في مطلق المشتقات ، بل في غير الأفعال ، أما هي ، فلا خلاف في أن الماضي منها لقيام المبدأ بفاعله في الماضي ، وأن إطلاقه على غيره إنما هو تجوّز ، أو تأويل ، كإطلاقه على المستقبل تنزيلا له منزلة الماضي لتيقن وقوعه ، وأن المضارع منها لقيامه به في الحال ، أو الاستقبال ، على سبيل الاشتراك ، وأما الأمر والنهي ، فتحقيق الحال فيهما محول إلى مباحثهما المنفردة لهما.

الثالث : الظاهر عموم الخلاف لا سمي الفاعل ، والمفعول ، والصفة المشبهة ، واسم الفعل ، والأوصاف المشتقة ، كالأصغر والأبيض والأحمر ونحوها ، والمشتقات من أسماء الأعيان ، كلابن ، وتامر ، وتمّار ، وعطّار ، وحائض ، بناء على كونه مشتقا من

__________________

(١) الزبدة في المطلب الثاني فصل : المشتق فرع وافق الأصل بأصول حروفه وأنواعه خمسة عشر ...

٢٥٠

الحيض بمعنى الدم ، لا بمعنى السيلان ، وإلا لدخل في اسم الفاعل المشتق من الأحداث ، واسم المكان ، والآلة ، وصيغ المبالغة ، وأمّا اسم الزمان ، فهو خارج عن محل النزاع قطعا.

فلنا : هنا دعويان :

الأولى : عموم النزاع لغير الأخير.

الثانية : خروج الأخير عنه.

لنا على الأولى عموم وإطلاق الأدلّة ، والعنوانات ، لاقتضاء أدلّتهم عموم الدعوى ، وعدم تقييدهم للعناوين ببعض من الأقسام.

هذا مضافا إلى تصريح جماعة منهم بذلك التعميم.

وربّما يقال : بخروج اسم المفعول ، والصفة المشبهة ، واسم الفعل عن محل البحث لظهور الوضع للأعم في الأوّل ، وبخصوص الحال في الأخيرين.

ويدفعه المحكي عن بعض الأفاضل من ابتناء كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس بعد زوال السخونة على النزاع في المسألة ، مع أنه من اسم المفعول.

وذهب التفتازاني (١) إلى اختصاص النزاع باسم الفاعل الّذي بمعنى الحدوث ، وأمّا الّذي بمعنى الثبوت كالمؤمن ، والكافر ، والنائم ، واليقظان ، والحلو ، والحامض ، والحر ، والعبد ، ونحوها ، فهو خارج عنه لاعتبار الاتّصاف بالمبدإ في الحال فيه في بعض الموارد جدا ، كالأوّلين ، والأخيرين من أمثلته واعتبار الاتّصاف به في البعض الآخر ، مع عدم طرو المنافي على الحمل كالباقي من أمثلته.

وعن ثاني الشهيدين (٢) ( قدّس سرهما ) ، وجماعة من المتأخرين اختصاصه بما إذا لم يطرأ على المحل ضد وجودي بتوصيف الزائل ، وأما مع طروّه ، فلا كلام في عدم صدق المشتق عليه حقيقة.

وعن الشيرازي في المحصول (٣) ، دعوى الاتفاق على المجازية حينئذ ، وحكي

__________________

(١) في شرحه على شرح المختصر والتحقيق ان النزاع حقيقة في اسم الفاعل الّذي بمعنى الحدوث ، لا في مثل المؤمن والكافر والنائم إلخ.

(٢) تمهيد القواعد المذكور في كتاب الذكرى : ١٠ القاعدة التاسعة عشرة قاعدة : إطلاق المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول إلى أن قال : ومحل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي يناقض المعنى الأوّل أو يضادّه كالزّنا والقتل والشّرب.

(٣) مخطوط ، فقد نسب إليه الشهيد في القواعد حيث قال : فانه يكون مجازا اتفاقا على ما ذكره في المحصول.

٢٥١

ارتفاعه عن بعض أفاضل المتأخرين المقارب عصره بعصرنا.

وعن ثاني (١) الشهيدين أيضا ، والغزالي ، والأسنوي (٢) ، اختصاصه بما إذا كان المشتق محكوما به ، وأما إذا كان محكوما عليه ، فلا كلام في صدقه مع الزوال هذا.

وقد عرفت أن هذا كله خلاف التحقيق ، مع أن الاستدلال بعموم آيتي الزنا (٣) ، والسرقة (٤) على عدم اشتراط بقاء المبدأ صريح في عموم النزاع للأخير.

وأما على الثانية فأنّ الذات المعتبر تلبسها بالمبدإ في صدق المشتق حقيقة في اسم الزمان نفس الزمان ، ومن المعلوم عدم قابليته للبقاء حتى يقع النزاع في صدق الاسم عليه حقيقة بعد الانقضاء ، حسب ما هو الشأن في سائر المشتقات فحينئذ ، فإن أريد إطلاق الاسم على الزمان الّذي وقع فيه الفعل ، فهو حقيقة دائما ، ولو بعد انقضائه ، وإن أريد إطلاقه على الزمان الآخر ، فلا شبهة في مغايرته لذلك الزمان ، فلا معنى لاحتمال كون الإطلاق على وجه الحقيقة ، وهذا ظاهر إلى ما لا مزيد عليه.

وكيف كان ، فتعيين محل النزاع من هذه الحيثية ليس بمهم لنا ، إنما المهم تحقيق الحال في كل من الحالات والأقسام ، حسب ما اقتضاه الدليل. وسيأتي التعرض لكل منهما عن قريب إن شاء الله.

الرابع : المراد بالحال في عنوان كلامهم ـ الآتي في المقام ـ ما يقابل الماضي والاستقبال ، ولا يخفى أنه لمقابلته أمر إضافي ، فهو في كلام المطلقين يحتمل وجهين :

أحدهما : حال النطق ـ أعني زمان التكلم ـ كما هو الظاهر منه عند الإطلاق ، فمفهوم المشتق على القول بكونه حقيقة في خصوص ذلك ، هو المتلبس بالمبدإ حال الإطلاق ، بمعنى إضافته حينئذ على الوجه الآتي.

ثانيهما : زمان اتّصاف الذات بالمبدإ على وجه كان مصححا للاشتقاق ، وموجبا لجواز الإطلاق في سائر الصيغ المشتقة منه ، كالماضي والمضارع حقيقة أو مجازا

__________________

(١) تمهيد القواعد : ١٠ عند قوله في القاعدة التاسعة عشرة ، هذا كله إذا كان المشتق محكوما به إلخ.

(٢) ما عثرنا على كتابه ، ولكن عثرنا على مقالته في شرح الوافية للسيد صدر الدين المخطوط في ذيل قول الوافية ( وفي تمهيد الأصول إنّ النزاع إنّما هو فيما إذا كان المشتق ) وإليك نصّه : وفي تمهيد الأصول إلخ ، أقول قال الأسنوي في شرح المنهاج إنّ محلّ الخلاف ما إذا كان المشتق محكوما به ، وأمّا إذا كان متعلّق الحكم كقولك السارق تقطع يده فحقيقة مطلقا.

(٣) النّور : ٢.

(٤) المائدة : ٣٨.

٢٥٢

فمفهوم المشتق على القول بكونه حقيقة في ذلك ، هو المتلبس بالمبدإ في الجملة ، مع قطع النّظر عن حصوله في أحد الأزمنة.

وبهذا الاعتبار يصح تقييده بكل واحد منها ، فيقال زيد ضارب في الحال ، أو الأمس ، أو الغد ، لأن النسبة بين الحال بهذا المعنى ، وبين كل من الحال ، والماضي ، والاستقبال ، بالمعنى الأوّل كنسبة كل من مقابليه مع كل واحد من تلك هي العموم من وجه ، فمعنى القول بكون المشتق حقيقة في خصوص الحال بهذا المعنى ، أن إطلاقه إنما يكون حقيقة ، إذا أريد به صدقه على المتصف بالمبدإ باعتبار الحال الّذي يطلق عليه اللفظ بحسبه ، سواء كان ذلك الحال ماضيا ، أو حالا ، أو مستقبلا بالمعنى الأوّل.

فمدار الحقيقة على هذا ، إنما هو على اتحاد حال قيام المبدأ بما يطلق عليه المشتق ، مع حال إرادة صدقه عليه ، فقولك زيد كان ضاربا أمس أو سيصير ضاربا حقيقة ، إذا كان زيد متصفا بالضرب في الأمس ، أو بعد زمان النطق ، ومجاز إن لم يتصف به في المثال الأول عنه قبل (١) الأمس ، وكذا إن لم يتصف به بعد زمان النطق في الثاني ، سواء اتصف به في زمان النطق ، أو قبله ، أو لا.

وكيف كان ، فالمحكي عن ظاهر أكثر العبارات ، وعن صريح بعض ، مضافا إلى ظهور لفظ الحال ، كما مر ، أن المراد هو حال النطق ، وربما يشعر به ما يأتي من الاحتجاج بقول بعض النحاة لصحة قولنا ضارب أمس ، على كون المشتق حقيقة في الماضي ، وما حكي عن جماعة من كون ضارب ـ في قولنا ضارب غدا ـ مجازا ، بل المحكي عن العضدي (٢) حكاية الاتفاق عليه ، فان هذا كله لا يتم إلاّ على إرادة حال النطق ، إذ الاحتجاج المذكور ، وكذا حكمهم بالمجازية لا ينطبقان إلاّ عليه ، إذ إطلاق الضارب في المثالين ليس إلاّ باعتبار حال التلبس ، فلا يصح جعله من إطلاق المشتق على الماضي بالنسبة إلى حال التلبس في المثال الأول ، ولا يجتمع الحكم بمجازيته في الثاني ، مع إرادة حال التلبس من لفظ الحال المذكور في عنوان المسألة ، لما سيأتي من الاتفاق على كون إطلاق المشتق حقيقة في الحال ، مع إمكان دفع الثاني باحتمال كون المراد إرادة الزمان من نفس اللفظ ، وجعل لفظ الغير قرينة عليه ، لما سيجيء من

__________________

(١) كذا والصحيح ظاهرا هكذا : في المثال الأوّل في الأمس ...

(٢) والحاكي هو صاحب هداية المسترشدين : ٨٤ عند قوله وقد يقرّر الاحتجاج بوجهين آخرين أشار إليهما العضدي إلخ.

٢٥٣

الاتفاق على المجازية ، أو باحتمال كون المراد المجازية فيه من حيث وضعه التركيبي ، لا الأفرادي ، نظرا إلى أن القضية الحملية ـ المجردة عن الرابط الزماني ـ ظاهرة في ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه في حال النطق ، فإرادة ثبوته له في المستقبل في قولنا ( زيد ضارب غدا ) مجاز بالنسبة إلى وضع الكلام ، وان كان المفرد مستعملا في معناه الحقيقي ، والأول أقرب للتّوجيه ، فان الحكم بمجازية ( ضارب في المثال ، ودعوى الاتفاق عليها ، كالصّريح ، بل صريح في مجازيته بالنظر إلى الوضع الأفرادي ، إذ المجازية من جهة التركيب ، إنما هي بالنسبة إلى المركب من الطرفين. فلذا لا تسري إلى أحد الطرفين.

هذا ، والتحقيق : أنّ المراد إنما هو حال التلبس ـ أعني زمان اتصاف الذات بالمبدإ ـ وفاقا لجمع من المحققين من متأخري المتأخرين ، وللمحكي عن جماعة من السابقين.

لنا على ذلك بعد تصريح جماعة به عدم الخلاف ظاهرا في كون المشتق حقيقة في حال التلبس أعم من أن يكون في حال النطق ، بل المحكي عن جماعة من الأصوليين دعوى الاتفاق عليه ، فيكون هذا قرينة على ما قلنا إذ لا ريب أن إطلاق المشتق في غير الحال محل الخلاف ، كما سنتلوا عليك ، وحمله على خصوص حال النطق لا يكاد يجتمع مع عدم ظهور الخلاف في كون المشتق حقيقة في المتلبس في غيره أيضا ، فكيف بالاتفاق عليه ، وقول جماعة منهم بأن إطلاق المشتق باعتبار الاستقبال مجاز ، وإن كان يوهم خلاف ما ذكرنا ، إلا أنه بعد التأمل في كلماتهم بملاحظة ما قلنا يظهر أن مرادهم غير ما يتوهم.

وكيف كان ، فلا بد حينئذ من حمل ما صدر عن بعضهم مما يوهم ذلك على ما لا ينافي ما قلنا ، ومما يمكن حمل القول المذكور عليه هو صورة إرادة الزمان من نفس اللفظ ، ومنه حمله على المجازية في الهيئة التركيبية.

لكن يبعد الأول ، أنه لا يختص المجازية حينئذ بالاستقبال ، بل حال النطق أيضا كذلك ، إذ لا شبهة في أن إطلاق المشتق على المتلبس في حال النطق مع إرادة الزمان من نفس اللفظ مجاز.

وأما الثاني ، وإن كان محتملا إلا أنه ضعيف في نفسه جدا ، لأن الهيئة موضوعة لمجرد نسبة المحمول إلى الموضوع ، وظهور ثبوت الأول للثاني في حال النطق من الهيئة إنما هو لظهور الحمل في ذلك إذا خلت القضية عن الرابط الزماني ، لا لظهور القضية ، وهي الهيئة المركبة.

٢٥٤

ولو سلمنا ذلك ، فنقول : إن المجازية في الهيئة في قولنا ( زيد ضارب غدا ) إنما هي فيما إذا جعل ( غدا ) قيدا ، فلا إشكال في كون الإطلاق حقيقة على تقدير وضع الهيئة بإزاء المتلبس بالمبدإ في حال النطق ، فافهم جيدا.

ومما حققنا ظهر أيضا أن مجمل الاحتجاج المتقدم الدال على كون المراد بالحال هو حال النطق ، إنما هو اشتباه الأمر على المستدل ، نظرا إلى ظهور لفظ الحال ، وظهور بعض العبارات مع الغفلة عما ذكرنا من القرينة الصارفة عنه المعينة للمراد فيما قلنا.

الخامس : لا إشكال في عدم دلالة الاسم المشتق على واحد من الأزمنة ، والا لانتقض حد الفعل والاسم طردا وعكسا ، كما هو ظاهر.

هذا مضافا إلى اتفاق أهل العربية وعلماء الأصول عليه ، وان كان ربما يتوهم من قولهم : المشتق حقيقة في حال النطق أو الماضي؟ وقوع الخلاف فيه من علماء الأصول ، لكنه فاسد ، لأن مورد الخلاف غير صورة إرادة الزمان من نفس اللفظ ، كما حكي التصريح به عن جمع من المحققين.

نعم قد يشكل بما يظهر من عبارات النحاة من أن اسم الفاعل والمفعول يعملان إذا كانا بمعنى الحال والاستقبال ولا يعملان إذا كانا بمعنى الماضي ، وربما يندفع بوجوه مخدوشة كلها.

والأولى في دفعه أيضا ما مر من الحمل على غير إرادة الزمان من نفس اللفظ.

وكيف كان ، فحال الاسم المشتق بالنسبة إلى الزمان ، كحاله بالنسبة إلى المكان في عدم الدلالة عليه ، فيكون الحال فيه نظير الحال في الأسماء والجوامد ، فكما أنها لا تدل إلاّ على الذوات المتصفة بأوصافها العنوانية باعتبار حال إرادة صدقها على تلك الذوات من غير دلالة على الزمان كعدم دلالتها على المكان ، فكذلك هذا ، فانه كما سيأتي لا يدل إلاّ على الذات المتصفة بالمبدإ باعتبار الحال المذكور ، فبذلك يتبين عدم وقوع الخلاف في المشتق المتنازع فيه من جهة اعتبار الزمان في مفهومه وعدمه.

السادس : لا خلاف في المشتق المتنازع فيه في المقام من جهة كونه حقيقة في قيام المبدأ بنفس الذات أو الأعم ، فان هذا النزاع لا يختص بخصوص المقام ، بل إنما هو في مطلق المشتقات ، بحيث يدخل فيه الأفعال أيضا ، ومرجع هذا الخلاف إلى أنه هل يعتبر في إطلاق المشتق مطلقا حقيقة قيام المبدأ حقيقة بالذات المحكوم عليها بالمشتق أولا؟ بل يكفي قيامه بها تسامحا؟ بمعنى أن يكون المورد مما يتسامح فيه عرفا في الحكم بقيام

٢٥٥

المبدأ بها؟ أي يجوز التسامح كذلك؟ فيكون ـ قولنا : زيد أحرق الخشب أو يحرقه أو محرقه ـ مجازا على الأول ، لقيام المبدأ الّذي هو الإحراق بالنار حقيقة ، وحقيقة على الثاني ، لصحة الحكم بقيامه بالذات المحكوم عليها في المثال تسامحا.

والأشاعرة لما بنوا على القول الأول ، فالتزموا بالكلام النفسيّ لله تبارك وتعالى ، حيث إن كلامه اللفظي ليس قائما بذاته المقدسة ، بل حاصل في غيره كالشجرة وأمثالها ، مع إطلاق الصيغ المشتقة منه عليه تعالى في القرآن وغيره من الأدعية المأثورة ، والاخبار المتواترة ، كقوله تعالى « وكلّم الله موسى تكليما » وكلفظ متكلم في الأدعية ، ومقتضى أصالة الحقيقة في تلك الإطلاقات كون المراد بالكلام غير اللفظي ، وهو ما قام بذاته المقدسة ، فثبت الكلام النفسيّ.

وتحقيق الكلام في هذا النزاع ، وإن كان له مقام آخر ، إلاّ أن الحق هو القول الثاني ، لعدم صحة السلب في المثال المتقدم عرفا ، وكفى بها حجة ودليلا. وأما بطلان الكلام النفسيّ ، فموضع تحقيقه إنما هو علم الكلام ، فراجع مع أنه بديهي بين الإمامية.

مضافا إلى اتفاق المعتزلة من العامة عليه ـ أيضا ـ فحينئذ لو بنينا على القول الأول في الخلاف المذكور ، فيكون هذا قرينة على التجوّز في الإطلاقات المذكورة.

وكيف كان ، فتارة يلاحظ الحقيقية والمجازية في المشتق باعتبار التلبس المأخوذ في مفهومه وضعا. وأخرى من جهة اعتبار حصول هذا التلبس وفعليته لما يطلق عليه باعتبار حال إرادة صدقه عليه كذلك.

ومرجع الخلاف المذكور إنما هو إلى الأول ، وحاصله : ان المعتبر في المشتق وضعا هل هو تلبس الذات المحكوم عليها بالمبدإ بالدقة العقلية؟ بأن يكون عبارة عن قيامه بنفسها أو الأعم من ذلك كما مر؟

والّذي نحن بصدده في المقام هو الثاني ، إذ الكلام في الأول لا يختص بخصوص الاسم المشتق ، بل في مطلق المشتقات ، بخلاف الثاني لعدم الخلاف في اعتبار التلبس في الأفعال ، باعتبار حال إرادة صدق النسبة الحكمية ، فإطلاقها في غير صورة اتحاد حال صدق النسبة ـ مع حال إرادة ذلك الصدق ـ لا يكون إلاّ بتجوز أو تأويل.

وكيف كان ، فلما كان الحيثيتان المذكورتان مختلفتين ، فتحقق كل واحدة من صفتي الحقيقية والمجازية من إحداهما لا يستلزم تحقق مثل هذه الصفة أو ضدها من الأخرى ، فيجوز تحقق إحداهما من كلتيهما ، أو تحقق إحداهما من إحداهما ، والأخرى من

٢٥٦

الأخرى ، فالمجازية في الاسم المشتق من الأولى لا يستلزمها من الثانية ، التي هي محط النّظر في المقام فافهم.

إيقاظ : كما يعتبر تلبس الذات المحكوم عليها بالاسم المشتق بالمبدإ ، باعتبار حال إرادة صدقه عليها على الأقوى ، كما يأتي تحقيقه ، كذلك يعتبر اتصافها به حال إرادة صدق النسبة الحكمية في الأفعال ، بلا خلاف ، كما مرت الإشارة إليه.

ثم إن الزمان المأخوذ في الأفعال من المضيّ والحال والاستقبال ، هل هو بالنظر إلى حال النطق أو إلى الأعم منه الشامل لغيره من الحالات وجهان ، بل قولان :

أولهما : لبعض على ما حكى عنه بعض (١) المحققين من المتأخرين.

وثانيهما : على ما علم لهذا المحقق (٢) ولبعض آخر منهم.

والّذي يمكن الاحتجاج به للأول ظهور هذه الأفعال في المضي ، أو الحال ، أو الاستقبال ، من حيث حال النطق ، وتبادرها منها كذلك عند إطلاقها ، وتجردها عن القرينة.

والّذي يمكن أن يقال للثاني : دعوى تبادر القدر المشترك منها ، مع قطع النّظر عن الخصوصيات اللاحقة لها ، ومنع كون التبادر المذكور وضعيا ، بل يدعى كونه إطلاقيا مسببا عن إطلاقها ، وتجريدها عن القيد ، كما ادّعاه المحقق المذكور وغيره ممّن تبعه.

والأظهر الأول ، فإن التبادر المذكور موجود ، كما اعترف به المحقق المذكور ومن تبعه أيضا ، والظاهر كونه مستندا إلى جوهر اللفظ ، لا إلى شيء آخر ، فيكشف عن الوضع ، لخصوص أحد الأزمنة باعتبار حال النطق.

ودعوى تبادر القدر المشترك منها ـ كدعوى كون التبادر المذكور إطلاقيا ـ في غاية السقوط ، أما الأول فواضح. وأمّا الثاني فلأن منشأ الانصراف ، إمّا غلبة الاستعمال ، أو الوجود ، أو الكمال على ضعف في الأخير ، وتأمل في الثاني ، وإما مجرد تجريد اللفظ عن القيد.

لا معنى لدعوى الثاني والثالث.

__________________

(١) الحاكي صاحب هداية المسترشدين : ٨٢ عند قوله وربما يعزى إلى بعض القول باختصاص الجال هنا بحال النطق.

(٢) وهو صاحب هداية المسترشدين : ٨١.

٢٥٧

وأما الأول ، فلم يعلم بلوغه إلى هذه المثابة ، مع إمكان منع أصله.

وأمّا الأخير فهو إنما يكون منشأ لانصراف اللفظ إلى بعض الأفراد ، إذا كان فصل ذلك البعض ـ ومميزه عما عداه من الأفراد ـ أمرا عدميا ، بخلاف الفرد الآخر ، بأن يكون مميزه أمرا وجوديا زائدا على ما كان عليه الفرد الأول ، وأمّا إذا كان المميز في كل منهما أمرا وجوديا مضادا لما في الآخر ، فلا معنى لانصراف المطلق إلى أحدهما خاصة ، لعدم انطباقه حينئذ على أحدهما بتمام قيوده المعتبرة فيه حتى ينصرف إليه كذلك.

وكيف كان ، فالمتبادر من تلك الأفعال عند إطلاقها وتجريدها عن كافة القرائن هو ما ذكرنا واما إذا قيدت بما لا يمكن معه إرادة الزمان بملاحظة حال النطق كقولنا جاء زيد وهو يتكلم أو سيجيء عمرو وقد أكرمك فينقلب ظهورها في حال النطق إلى الظهور في حال آخر غيره كما يظهر من المثال الأول ان المراد بقوله يتكلم انما هو حال المجيء أو بقوله وقد أكرم الماضي بالنسبة إلى مجيء عمرو الّذي لم يتحقق بعد وهذا الظهور انما هو مستند إلى القرينة وهو قوله جاء في الأول وقوله سيجيء في الثاني.

هذا ، لكن هذا النزاع لا أرى له من ثمرة ، فان ظهورها في الزمان الملحوظ بلحاظ حال النطق عند تجردها مسلم على القولين إلا أنا ندعي استناده إلى وضع اللفظ وهم يدعون استناده إلى القرينة ، وكذا ظهورها في غير حال النطق مع التقيد كما في المثالين إلا أنا نقول : إن القيد المذكور من قبيل قرينة المجاز وهو يقولون : إنه من قرينة تعيين الفرد للمعنى الحقيقي الأعم.

السابع : لا خلاف في المقام من جهة اعتبار قيام المبدأ بمعناه الحقيقي بالذوات ، أو كفاية قيامه به ، ولو بمعناه المجازي ، وعلى فرضه ، فهو كسابقه ليس مقصورا ومختصا بالاسم المشتق ، بل جار في مطلق المشتقات ، بحيث يدخل فيه الأفعال.

وحاصله : أنّه هل يكفي في صحة الاشتقاق اشتمال المشتق على مبدئه بمطلق معناه ولو مجازيا؟ ليكون هذا المقدار من المناسبة بين الأصل والفرع مصححا للاشتقاق أو يعتبر اشتماله عليه بمعناه الحقيقي فقط ، فلو أريد غيره لم يصح.

وكيف كان ، فالكلام في المقام بعد الفراغ عنه وعن سابقه أو بعد الغض عنهما ، فانا نتكلم في أن مفاد هيئة المشتق المتنازع فيه ما ذا من حيث حصول التلبس

٢٥٨

وفعليته ، ولو مع غلطية استعماله أو المجازية فيه من حيث التلبس لكن الاستعمال على وجه الغلط ، لما لم يكن محلا للغرض ، فلا بد من فرضه صحيحا.

والحاصل أنّه بعد فرض استعمال المشتق على قانون الاشتقاق ـ بأن يكون المراد بالمبدإ فيه معنى مناسبا لمعنى المبدأ مجردا ، ولو مجازيا بالنسبة إليه على القول بكفايته أو خصوص معناه الحقيقي على القول باعتباره ، بعد فرض تلبس الذات المحكوم عليها بالمشتق بالمبدإ ، ولو مع توسع في التلبس ، إذ غايته لزوم المجازية من تلك الجهة ، لا من جهة ما نحن فيه ـ نتكلم في أنه هل يشترط بقاء المبدأ في الذات المطلق عليها المشتق بالنسبة إلى حال إرادة صدقه عليها ـ أي تلبسها به ـ حينئذ بمعناه الّذي اعتبر ثبوته للذات في الأفعال ، وبالتلبس الّذي اعتبر هناك؟ وإلى هذا أشرنا فيما تقدم على وجه كان مصححا للاشتقاق وموجبا لجواز الإطلاق في سائر الصيغ.

ثم إن تحقيق الحال في الخلاف المذكور أيضا ، وإن كان له مقام آخر ، إلا أن الحق كفاية قيام المبدأ بالذات بمعناه المجازي في صحة الاشتقاق ، لأن أدل الدليل على جواز الشيء وقوعه ، وقد وقع ذلك في موارد لا تحصى ، مضافا إلى عدم ظهور الخلاف فيه من أحد.

منها : الأوصاف الموضوعة للحرف والصنائع ، كالخياط والنساج ، والصباغ ، وغيرها ، إذ لا ريب أن أصل المبدأ فيها موضوع لفعل النسج والخياطة والصباغة ، مع أن المراد به في ضمن تلك الصيغ صنعتها.

ومنها : الأوصاف الموضوعة للملكات كالفقيه والمتكلم ونحوهما ، فان المبدأ فيهما لنفس العلم الفعلي ، أو التكلم كذلك ، مع أن المراد به في ضمنهما هو ملكتهما لا غير.

هذا تمام الكلام في تحرير محل النزاع في المقام.

فإذا عرفت ذلك ، فاعلم أنهم اختلفوا في كون المشتقات من الصفات حقيقة في خصوص الحال ، أو في الأعمّ منه ، الشامل للماضي أيضا ، على أقوال ، يأتي تفصيلها ، بعد اتفاقهم ظاهرا على مجازيته في الاستقبال ، عدا ما حكي عن ظاهر الكوكب الدري (١) من احتمال كونها حقيقة في الاستقبال أيضا ، لذكره على ما حكي عنه أنّ إطلاق النحاة يقتضي أنه إطلاق حقيقي.

__________________

(١) في الوافية حسب ما عثرنا في نسخة مشتملة على متن الوافية وشرحها للسيد صدر الدين ، فقد نصّ في المتن بما هذا لفظه : وقال صاحب الكوكب الدّري : إطلاق النحاة يقتضي أنه إطلاق حقيقيّ.

٢٥٩

ولا ريب في ضعفه بعد صدق هذه النسبة إليه ، لأنه إن أراد أنّ الحكم بمجيء المشتق للاستقبال كنصهم بمجيئه للماضي والحال ظاهر في كونه حقيقة فيه.

ففيه أوّلا : أنّ بناءهم على بيان موارد الإطلاقات ، لا الموضوع له ، كما يشهد به تتبّع كلماتهم في بيان معاني غير المشتق المتنازع فيه من الأفعال ، والأسماء ، والحروف ، لوضوح أنّ بعض هذه المعاني ليس مما وضع له اللفظ ، فلا ظهور في حكمهم بما ذكر.

وثانيا : أنّه يحتمل أن يكون المراد إطلاقه على المتلبس في الاستقبال ، باعتبار تلبسه فيه ، بأن يكون المراد بالاستقبال هو بالنظر إلى حال النطق ، إذ قد عرفت أنه لا منافاة بينه وبين الحال بالمعنى المتنازع فيه ، فيدخل ـ حينئذ ـ في المورد المتفق عليه من كون المشتق (١) فيه.

وإن أراد الاستناد إلى إطلاقهم اسم الفاعل على ضارب غدا ، كما قد يحكى فيه.

ففيه أنّ هذا الإطلاق يتصور على وجوه :

الأول : أن يراد به كون الذات المحكوم عليها بضارب ، كونه كذلك في الغد ، باعتبار حصول هذا العنوان له بعد الغد ، إمّا لعلاقة الأول : أو بعنوان مجاز المشارفة.

الثاني : أن يراد به كونه كذلك في الغد ، باعتبار حصول العنوان له في الغد.

الثالث : أن يراد به كونه كذلك حال النطق ، لكن يحتمل [ كون ] الغد قيدا للمحمول لا ظرفا للنسبة ، فيكون المراد زيد الآن هو الضارب في الغد.

الرابع : أن يراد به كونه كذلك حال النطق ، باعتبار حصول العنوان له في الغد وجعل الغد قرينة على تعيين زمان صدق النسبة له لا قيدا للمحمول ولا ظرفا للنسبة الحكمية ، فنقول ، حينئذ : إن إطلاقهم بعد تسليم كونه حجة ، إنما ينهض دليلا له ، لو علم أن إطلاقهم المذكور مبني على الوجه الأول أو الأخير ، وأما الثاني والثالث ، فلا ريب في كونهما حقيقيين لدخولهما في مورد الاتفاق ، حيث إن الإطلاق فيهما إنما هو بالنظر إلى حال التلبس ، أما الثاني فواضح ، وأما الثالث ، فلأنه لا ريب أن زيدا الضارب في الغد يقينا يصدق عليه الآن حقيقة أنه الضارب في الغد ، لكونه متلبسا الآن بهذا العنوان المقيد ، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله.

__________________

(١) كذا ، والصحيح ( المشتق حقيقة فيه ).

٢٦٠