🚘

شرح الحلقة الثّالثة - ج ١

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي

شرح الحلقة الثّالثة - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٢٨
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ ـ ٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

الإهداء

إلى سيّدي ومولاي الحجّة الغائب ( عجّل الله فرجه ) أهدي ثواب هذا العمل ، راجيا منه القبول وأعتذر إليه عن كلّ تقصير أو نقص فيه ، وأرجوه أن ينظر إليّ نظرة يتطلّع إليها كلّ محبّ.

٥
٦

المقدمة

تعتبر حلقات الأصول خطوة انتقالية في الدراسة الأصولية على مختلف المستويات ، فمن الناحية العلمية حافظت الحلقات بسلسلتها الثلاثية ـ مضافا إلى التدرّج وعرض الفكرة وتعميقها ـ على مضمونها العلمي المتين الذي تميّز بالدقة والتحقيق وقوّة الاستدلال ، بل والتجديد في تقديم أفكار علمية مبنية على أسس ثابتة.

وخير دليل على ذلك استناده في كثير من المسائل الأصولية وبنائها بناء جديدا على أسس علمية جديدة ، من قبيل التواتر والإجماع والشهرة والسيرة ، حيث أقام صرحها وشيدها على أساس المبنى العلمي المسمّى بـ : ( حساب الاحتمالات ). وهذا لا يعني أنّه ألغى أو لا يعتقد بالمبنى الذي كانت قائمة عليه ومؤسّسة على طبقه ، بل بمعنى أنّه يمكن بناؤها على ركائز أخرى أيضا لتقديمها أكثر قوّة ومتانة ودقة ، على أنّه توجد آثار وفوارق بين المبنيين إن من ناحية عملية وإن من ناحية علمية كما هو مبين في محله.

ومن الناحية المنهجية فإنّ الحلقات تتميّز عن غيرها بالترتيب في المسائل الأصولية ترتيبا يختلف بعض الشيء ـ أو كثيرا ـ عن غيرها ، بحيث إنّ بعض المسائل قد أدرجت فيها تحت عنوان بينما هي كانت مدرجة فى غيرها من الكتب تحت عنوان آخر. والملاحظ هنا يجد أنّ الترتيب الذي جاء به السيد الشهيد رحمه‌الله أفضل وأنسب.

وكذلك الأسلوب الذي أسمح لنفسي أن أطلق عليه السهل الممتنع ، فإنّ سهولة التعبير والصياغة والعرض واستعمال الكلمات والعبارات المتداولة والواضحة يتضمّن العمق العلمي والدقة الاستدلالية وقوّة الفكرة.

٧

ومن هنا كانت الحلقات لطالب العلم ضرورية لدراسة علم الأصول واستيعاب ما يحتويه من قواعد ومسائل ، فإنّها تؤمّن له هذه الحاجة وتختصر له الطريق للوصول إلى الهدف.

ولذلك كان لا بدّ من الاعتناء بها دراسة وشرحا وتعليقا ، وإعطائها المكانة التي تستحقها في هذا الفنّ.

وقد قام بعض الفضلاء من العلماء ـ جزاهم الله خيرا ـ بتقديم شروحات لها ، وخاصة الحلقة الثالثة منها التي تمثل المرحلة الأخيرة من هذه الحلقات والتي تتميّز بالشمولية والدقة أكثر ، وهذه الشروحات ركز كل واحد منها على جهة ما.

ووجدت أنّ الطالب الدارس لهذه الحلقات يحتاج أيضا إلى الشرح المقطعي الذي اعتيد عليه في كثير من الكتب الدراسية ، وهذا الشرح يمتاز عن غيره بأنّه يتناول كل فقرة وكل عبارة بالشرح والتوضيح ، ويزيل كل الغموض والخفاء الذي قد يكون موجودا ، ويبرز النكات والفكرة التي يريدها الكاتب من وراء كلماته أو من خلال تعبيراته.

وإن كان قد يؤاخذ على الشرح المقطعي بأمور لعلها صحيحة أيضا ولكنّها لا تشكّل مانعا من القيام به وتقديمه للقارئ سواء كان طالبا أم أستاذا لهذه المادة ، فإنّ الفائدة المرجوّة تشملهما معا.

على أنّه حاولت في هذا الشرح أن تكون الأمثلة التي تحتاجها الفكرة الأصولية المعروضة في هذا الكتاب مستخرجة من واقع الفقه مهما أمكن ؛ لأنّ العلاقة بين الأصول والفقه هي علاقة التطبيق فعند ما عيّنا المثال فقهيا تقترب الفكرة إلى الذهن الفقهي ويعتاد على التطبيق أكثر.

مضافا إلى أنّني قد ذكرت بعض التعليقات على بعض المسائل في الهامش دون إدراجها في الشرح ؛ لئلا يقع الخلط والإيهام بين ما يريده الكاتب وما يراه الشارح. ولذلك كان الترتيب في هذا الشرح هو الاحتفاظ بالمتن ثم عرض الشرح ثم ذكر التعليق في الهامش.

وأخيرا أرجو أن يكون هذا العمل الذي جاء استجابة لدوافع واقعية ونفسية مقبولا عند الله ـ عزّ وجلّ ـ خدمة لدينه ولمن سلك هذا الطريق ، على أنّ النقص وعدم

٨

الكمال والتمام هما من صفات البشر العاديين أمثالي ، فكل نقص وجد فهو منّي ، وكل ما يمكن أن يكون كمالا فهو من الله تعالى.

نسأل الله تعالى القبول والتوفيق

حسن محمّد فياض حسين

٩
١٠

تمهيد

تعريف علم الأصول

موضوع علم الأصول

الحكم الشرعي وتقسيماته

تقسيم بحوث الكتاب

١١
١٢

تعريف علم الأصول

عرّف علم الأصول بأنّه : ( العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ) (١).

المراد من العلم : هو حضور صورة الشيء في الذهن ، أو انطباع نفس ما هو موجود في الواقع الخارجي في الذهن ، بنحو يكون ما في الذهن حاكيا ومطابقا للخارج حكاية ومطابقة تامّة لا يشوبها شكّ ولا يعتريها ريب. ولا يخفى أنّ أخذ العلم في تعريف علم الأصول لا يخلو من مسامحة ؛ وإلا لزم الدور أو أخذ الشيء في تعريف نفسه.

والمراد من القواعد : هي الضوابط العامّة الكليّة التي يوجد تحتها المصاديق والجزئيّات المختلفة والمتنوّعة ؛ وذلك لأنّ القاعدة هي المفهوم الكلّي الذي يستنتج من مجموع المسائل الجزئيّة والمصاديق الخارجيّة.

والمراد من الممهّدة التي هي صفة للقواعد : هو التمهيد والتعبيد وتسهيل العبور إلى المقصود والهدف والغاية ؛ ليصبح الوصول إلى استنباط الحكم الشرعي أمرا سهلا لمن سلك هذه الطرق الممهّدة ، وهي القواعد الكليّة.

والمراد من الاستنباط : هو بذل الجهد واستفراغ الوسع لأجل معرفة ما هو مجهول بمعنى إرادة الاستخراج.

والمراد من الحكم الشرعي : هو التكليف الإلهي الأعمّ من الأحكام الخمسة أي الوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب والإباحة ، فهذا الحكم هو التكليف الذي يريده الشارع ، والذي يحكم العقل بلزوم إطاعته والسير على وفقه ؛ لما فيه من الخير والصلاح للإنسان في الدنيا والآخرة.

__________________

(١) انظر القوانين ١ : ٥ ، وورد ما يقاربه في الفصول : ٩ ، وهداية المسترشدين : ١٢.

١٣

وكلمة ممهّدة في هذا التعريف : إذا قرئت مبنيّة لاسم المفعول ، فهذا يعني أنّ هذه القواعد موصوفة بصفة التمهيد في مرحلة سابقة عن تدوينها في علم الأصول ، مع أنّ المراد من التعريف هو إعطاء الضابطة لمعرفة القاعدة الأصوليّة من غيرها ، والذي على أساسها يمكننا تمييز القواعد الأصوليّة عن غيرها. فإذا كانت هذه القواعد قد اكتسبت صفة التمهيد ، فنسأل عن هذا الضابط الذي بموجبه كانت أصوليّة. فالتعريف قاصر عن أداء ما هو مطلوب منه ، وهذا الإشكال ذكره السيّد الشهيد في الحلقة الثانية.

وأمّا إذا قرئت مبنيّة لاسم الفاعل فيرد عليه :

وقد لوحظ على هذا التعريف :

أوّلا بأنّه يشمل القواعد الفقهيّة كقاعدة أنّ ( ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ).

الملاحظة الأولى على هذا التعريف : أنّ القواعد الفقهيّة كالقاعدة المذكورة وغيرها تقع في طريق الاستنباط ، وتمهّد الطريق للوصول إلى الحكم الشرعي ؛ إذ قاعدة الضمان مثلا يستخدمها الفقيه في مختلف أبواب المعاملات كالبيع والإجارة ونحوهما ، فهذا التعريف ينطبق على مثل هذه القاعدة فتدخل على هذا في علم الأصول ؛ لأنّها قاعدة مهّدت لاستنباط الحكم الشرعي مع أنّه من المعلوم أنّها قاعدة فقهيّة وليست أصوليّة. وهذا يعني أنّ التعريف غير مانع من دخول الأغيار تحته ؛ لأنّ القاعدة الأصوليّة هي ما كانت لها الصلاحيّة لأن تجري في مختلف الأبواب الفقهيّة من دون استثناء ، وهذه القاعدة وأمثالها مختصّة ببعض الأبواب الفقهيّة ؛ لأنّها لا تجري في مثل باب الصلاة والصوم ونحوهما من أبواب العبادات.

وثانيا بأنّه لا يشمل الأصول العمليّة ؛ لأنّها مجرّد أدلّة عمليّة وليست أدلّة محرزة ، فلا يثبت بها الحكم الشرعي ، وإنّما تحدّد بها الوظيفة العمليّة.

الملاحظة الثانية على هذا التعريف : هي أنّه لا تدخل فيه الأصول العمليّة ؛ لأنّها ليست إلا أدلّة لتحديد الموقف العملي والوظيفة العمليّة للمكلّف اتّجاه الواقع المشكوك ، فالبراءة والاحتياط ونحوهما من الأصول العمليّة يستخدمها الفقيه عند الشكّ في الحكم الشرعي والجهل به ؛ لأجل تحديد الوظيفة والموقف أمام هذا الواقع المجهول ، فلا يستنبط منها حكم شرعي ؛ لأنّه قد أخذ في موضوعها الشكّ في الحكم

١٤

الشرعي فلا يكون الحكم الشرعي محرزا بها. وعلى هذا فينبغي إخراجها عن علم الأصول ؛ لأنّ التعريف غير منطبق عليها ، إلا أنّها بلا شكّ من جملة القواعد الأصوليّة ، وهذا يعني أنّ التعريف غير جامع ؛ لأنّه أخرج من العلم ما كان داخلا فيه.

ومراده من الأدلّة العمليّة تلك القواعد التي تحدّد الموقف العملي اتّجاه الحكم الشرعي المشكوك والمجهول.

ومراده من الأدلّة المحرزة هي القواعد التي توصل وتكشف عن الحكم الشرعي ، فهذه تحدّد الوظيفة والموقف العملي أيضا إلا أنّها تحدّده وفقا للحكم الشرعي ، بينما تلك تحدّد الموقف العملي على أساس طبيعة الشيء المشكوك مع ظرف الشكّ إمّا بنحو الاجتماع أو كلّ واحد على حدة.

وثالثا بأنّه يعمّ المسائل اللغويّة كظهور كلمة ( الصعيد ) مثلا ؛ لدخولها في استنباط الحكم.

الملاحظة الثالثة : هي شمول هذا التعريف لمثل مسائل اللغة مع أنّها ليست من علم الأصول ، بل ولا علم الفقه أيضا وإنّما هي من مختصّات علوم العربيّة ، ومع ذلك فهذا التعريف ينطبق على بعضها كظهور كلمة الصعيد ونحوها ، فإنّ الفقيه يحتاج إلى تنقيح (١) ظهورها في مرحلة متقدّمة بحيث تكون ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ، فلا بدّ له من البحث عن تحديد مدلولها بنفسه أو الرجوع فيها إلى أهل اللغة ، وهذا يجعلها من القواعد التي مهّدت للاستنباط ووقعت في طريق الوصول إلى الحكم الشرعي. وكذلك الحال بالنسبة لمسائل علم الرجال ، فإنّ الفقيه يحتاج إلى البحث فيها حول التعديل والتوثيق والتضعيف والجرح. وهذان الأمران يجعلان التعريف منطبقا على ما هو خارج عن العلم ؛ لأنّه من الواضح أنّ بحوث اللغة وكذا بحوث علم الرجال علمان مستقلاّن عن الأصول ، بل والفقه وإن احتاج الفقيه إليهما في استنباطه. وهذا يعني أنّ التعريف يشمل الأغيار فهو غير مانع أيضا.

أمّا الملاحظة الأولى فتندفع بأنّ المراد بالحكم الشرعي الذي جاء في التعريف :

__________________

(١) فيبحث في أنّ المدلول لهذه الكلمة ما هو؟ وهذا البحث صغرى لكبرى في مسائل اللغة هي البحث عن ظواهر الألفاظ ، أو البحث عن مدلولات الألفاظ ، فهذه قاعدة كليّة احتاج إليها الفقيه في استنباطه.

١٥

جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلّي ، فالقاعدة الأصوليّة ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل ، والقاعدة الفقهيّة هي بنفسها جعل من هذا القبيل ، ولا يستنتج منها إلا تطبيقات ذلك الجعل وتفصيلاته.

أمّا الملاحظة الأولى فيجاب عنها بأنّ المراد من الحكم الشرعي الذي ورد ذكره في التعريف هو الحكم الكلّي لا الجزئي ، بمعنى أنّ القاعدة الأصوليّة هي التي يستنبط منها جعل كلّي على موضوعه المقدّر الوجود بنحو القضيّة الحقيقيّة.

فالموضوع والمحمول في القضيّة المستنبطة عن القاعدة الأصوليّة كلاهما كلّي ، بينما القاعدة الفقهيّة هي التي يستنبط منها جعل جزئي ، فهي تطبيق لتلك الكليّة التي استنبطت من القاعدة الأصوليّة ، وهذا يعني أنّ القاعدة الفقهيّة لا يستنبط منها إلا مصاديق وتطبيقات لذلك الجعل الكلّي ولا يستنبط منها جعل كلّي ، بل هي بنفسها جعل كلّي.

وبهذا التفسير للحكم الشرعي وهو الجعل الكلّي سوف لا تدخل القواعد الفقهيّة ؛ لأنّه لا يستنبط منها جعل كلّي والذي هو المعنى المصطلح عليه في الأصول للحكم الشرعي ، وإنّما يستنبط منها تطبيقات مصاديق لهذا الجعل الكلّي. وأمّا الجعل الكلّي نفسه فهو نفس وحقيقة القاعدة الفقهيّة ؛ ولأجل زيادة توضيح هذا الفارق نضرب مثالا لذلك وهو قوله :

ففرق كبير بين حجيّة خبر الثقة والقاعدة الفقهيّة المشار إليها ؛ لأنّ الأولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارة وجعل حرمة العصير العنبي أخرى ، وهكذا فهي أصوليّة. وأمّا الثانية فهي جعل شرعي للضمان على موضوع كلّي ، وبتطبيقه على مصاديقه المختلفة كالإجارة والبيع مثلا نثبت ضمانات متعدّدة مجعولة كلّها بذلك الجعل الواحد.

هذا مثال لبيان الفرق بين القاعدة الأصوليّة والفقهيّة ، وهو أنّ مثل حجيّة خبر الثقة والتي هي من القواعد الأصوليّة حيث إنّه بتطبيق هذه الحجيّة على مختلف الأبواب الفقهيّة نستنتج جعلا كليّا كوجوب السورة أو حرمة العصير العنبي ، وهذان الحكمان جعلان كلّيّان على موضوع كلّي ، وهكذا نستطيع أن نثبت بها جعولات كليّة على موضوعات كليّة أخرى ، وفي مختلف الأبواب الفقهيّة. فهي قاعدة أصوليّة لذلك.

١٦

وأمّا القاعدة الفقهيّة كالقاعدة المشار إليها في الإشكال وهي قاعدة الضمان ، فهذه نستطيع أن نثبت بها تطبيقات للضمان على مصاديق وموارد خارجيّة في بعض الأبواب الفقهيّة كالبيع والإجارة ونحوهما ، فالمستنتج من هذه القاعدة هو الجعولات الجزئيّة ؛ لأنّها تابعة لمواردها ومصاديقها المشخّصة في الخارج ، ولا يستنتج منها جعل كلّي ، بل هي بنفسها جعل كلّي يوجد تحته مصاديق متعدّدة وجزئيّات مختلفة.

وهذه الضمانات المتعدّدة المستنتجة من قاعدة الضمان تعتبر أحكاما جزئيّة على موضوعها الجزئي. وبهذا ظهر الفرق بين القاعدتين ، مضافا إلى أنّ القاعدة المذكورة مختصّة في بعض الأبواب الفقهيّة ولا تشمل مختلف الأبواب الأخرى كأبواب العبادات مثلا (١).

وأمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها تارة بإضافة قيد إلى التعريف ، وهو ( أو التي ينتهى إليها في مقام العمل ) كما صنع صاحب ( الكفاية ) (٢).

الملاحظة الثانية ـ وهي عدم شمول التعريف للأصول العمليّة ـ فقد أجيب عليها أوّلا بإضافة قيد إلى التعريف المذكور من باب التتميم والإلحاق والاستدراك ، كما صنع صاحب ( الكفاية ) حيث قال في تعريفه لعلم الأصول : ( إنّ علم الأصول صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل ).

__________________

(١) وهذا الكلام تامّ في مثل هذه القاعدة الفقهيّة ، وأمّا غيرها من القواعد كقاعدة الفراغ والصحّة والطهارة والحليّة فلا يتمّ فيها ؛ لأنّ هذه القواعد يستنتج منها جعل كلّي على موضوع كلّي أيضا كالقاعدة الأصوليّة. فتبقى داخلة في التعريف المذكور ولا تخرج من التعريف حتّى على هذا التفسير للحكم الشرعي ، مع أنّها قواعد فقهيّة وليست أصوليّة ؛ لأنّ بعضها مختصّ في الشبهات الموضوعيّة وبعضها في الشبهات الحكميّة ، فلا تجري في مختلف الحالات والشكوك فلذلك لا تكون أصوليّة ؛ لعدم قابليّتها للجريان في مختلف الأبواب والحالات مع أنّ التعريف منطبق عليها ؛ لأنّ مثال قاعدة الطهارة أو الحليّة يستنبط منهما جعل كلّي على موضوع كلّي كقولنا : ( كلّ شيء طاهر ، وكلّ شيء حلال ).

ولعلّ مراد السيّد الشهيد من قوله : ( كالقاعدة المشار إليها ) إشارة إلى ما ذكرناه من أنّ بعض القواعد الفقهيّة يستنبط منها جعل كلّي لا مجرّد تطبيقات ومصاديق للجعل الكلّي.

(٢) كفاية الأصول : ٢٣.

١٧

فعلى هذا سوف تدخل الأصول العمليّة ؛ لأنّها قواعد ينتهى إليها في مقام العمل حيث إنّها تحدّد الوظيفة والموقف العملي اتّجاه الواقع المشكوك ، فيستفاد منها جعل كلّي ينتهي إليه المكلّف في مقام العمل ، وبالتالي تندفع هذه الملاحظة بهذا القيد ، إلا أنّ هذا القيد يؤكّد أنّ التعريف المذكور كان واردا عليه ذلك الإشكال ؛ وإلا لما احتيج إلى هذا التتميم بالقيد المذكور.

وأخرى بتفسير الاستنباط بمعنى الإثبات التنجيزي والتعذيري ، وهو إثبات تشترك فيه الأدلّة المحرزة والأصول العمليّة معا (١).

وأجيب ثانيا على الملاحظة الثانية بتفسير الاستنباط الوارد في التعريف بنحو يتلاءم وينسجم مع الأصول العمليّة ، فإنّا إذا فسّرنا الاستنباط بمعناه اللغوي وهو استخراج الحكم الشرعي ، فهذا سوف لا ينعكس على الأصول العمليّة ؛ لأنّه لا يستنبط منها حكم شرعي بهذا التفسير.

وأمّا على التفسير الآخر والذى ذكره السيّد الخوئي فسوف تدخل الأصول العمليّة في التعريف حيث قال : ( علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الكليّة الإلهيّة ... ) ثمّ قال : ( إنّ المراد من الاستنباط هو الاثبات التنجيزي والتعذيري ).

وعلى هذا التفسير الاصطلاحي للاستنباط سوف تندفع الملاحظة الثانية ؛ لأنّ المراد من الاستنباط هو الإثبات سواء كان تنجيزا كالاحتياط ونحوه أو تعذيرا كالبراءة ونحوها ، فالأصول العمليّة كالأدلّة المحرزة من هذه الناحية يشتركان معا في الإثبات ؛ لأنّ الأدلّة المحرزة كالكتاب والسنّة مثلا يثبتان التنجيز والتعذير بواسطة إثباتهما للأحكام التكليفيّة الخمسة مباشرة. وأمّا الأصول العمليّة فهي تثبت التنجيز والتعذير بواسطة القواعد الأصوليّة الجارية في موردها عند ما يتحقّق موضوعها ، فالبراءة مثلا تنفي التكليف فيثبت التعذير والاحتياط يثبت التكليف فيثبت التنجيز ، فالبراءة تؤمّن وتعذّر والاحتياط يثبت وينجّز ، فموارد الأصول العمليّة تثبت أحد أمرين : فهي إمّا أن تنفي لزوم الفعل فتثبت التعذير ، وإمّا أن تثبت لزوم الفعل أو الترك فتثبت التنجيز.

وبأحد هذين الوجهين سوف تنحلّ مشكلة الأصول العمليّة.

__________________

(١) المحاضرات ١ : ٩.

١٨

وأمّا الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولات للجواب عليها :

منها : ما ذكره المحقّق النائيني قدّس الله روحه (١) من إضافة قيد الكبرويّة في التعريف لإخراج ظهور كلمة ( الصعيد ) ، فالقاعدة الأصوليّة يجب أن تقع كبرى في قياس الاستنباط ، وأمّا ظهور كلمة ( الصعيد ) فهو صغرى في القياس وبحاجة إلى كبرى حجيّة الظهور.

تبقى الملاحظة الثالثة : وهي دخول المسائل اللغويّة ومسائل علم الرجال في التعريف المذكور ؛ لأنّها قواعد تقع في طريق الاستنباط للحكم الشرعي ، حيث يحتاج الفقيه إليها في كثير من الموارد والحالات. وللإجابة عن هذا الإشكال وجدت عدّة محاولات أهمّها اثنتان :

المحاولة الأولى : ما ذكره المحقّق النائيني في تعريفه لعلم الأصول حيث قال : ( إنّ علم الأصول عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي ). فهذا التعريف يشتمل على قيد الكبرويّة ، وهذا القيد أضافه الميرزا إلى التعريف بعد أن اعترف بأنّ تعريف المشهور السابق لا يخلو من مناقشات : إمّا من جهة عدم شموله لما هو داخل فيه ، أو عدم طرده لما هو خارج عنه ، فهو يرى أنّ هذا التعريف لا يرد عليه شيء من الإشكالات والملاحظات ، وهذا القيد بالخصوص يحلّ الملاحظة الثالثة ؛ وذلك لأنّ القاعدة الأصوليّة وفقا لهذا القيد هي التي تقع كبرى في القياس الاستنباطي ، وكلّ قاعدة تقع صغرى في هذا القياس فهي ليست قاعدة أصوليّة ، فمثلا إذا أردنا استنباط حكم شرعي فرعي كلّي من آية أو خبر ، فهو يتوقّف على عدّة أمور : منها سند الحديث ، ومنها مدلولات الكلمات الواردة في الخبر ومعرفة معانيها وظواهرها ، ومنها حجيّة الظهور أو حجيّة خبر الثقة. وهنا البحث الأوّل يتكفّل به علم الرجال ، والثاني يتكفّله علم اللغة العربيّة ، والثالث يتكفّله علم الأصول ؛ وذلك لأنّ حجيّة الظهور تقع كبرى في القياس الاستنباطي فيقال مثلا : خبر الثقة دلّ على الوجوب ، وخبر الثقة حجّة. إذا خبر الثقة الدالّ على الوجوب حجّة.

فهنا وقعت حجيّة خبر الثقة كبرى في القياس الاستنباطي ولذلك فهي قاعدة

__________________

(١) فوائد الأصول ١ : ٢٩.

١٩

أصوليّة ، بينما كلمة الصعيد مثلا فهي لا تقع كبرى في القياس ، بل تقع صغرى حيث يقال : كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض ، وكلّ ظاهر حجّة ، إذا ظهور كلمة الصعيد حجّة. وكذلك الحال بالنسبة للمسائل الرجاليّة ، حيث يقال مثلا : زرارة ثقة وكلّ خبر ثقة حجّة فخبر زرارة حجّة ، فدائما تقع المسائل اللغويّة والرجالية صغرى في القياس الاستنباطي ؛ لاحتياجهما إلى حجيّة الظهور وحجيّة خبر الثقة حيث تقعان كبرى لتلك المسائل.

وبهذا يتّضح أنّ ضابط كون القاعدة أصوليّة هي وقوعها كبرى في قياس الاستنباط للحكم الفرعي الكلّي الإلهي ، وأمّا القاعدة التي تقع صغرى في هذا القياس فهي ليست أصوليّة ، فتخرج مسائل اللغة والرجال لوقوعها صغرى في هذا القياس دائما.

ويرد عليه : أنّ جملة من القواعد الأصوليّة لا تقع كبرى أيضا ، كظهور صيغة الأمر في الوجوب ، وظهور بعض الأدوات (١) في العموم أو في المفهوم ، فإنّها محتاجة إلى كبرى حجيّة الظهور ، فما الفرق بينها وبين المسائل اللغويّة؟!

ما ذكره الميرزا النائيني يرد عليه أوّلا : أنّ قيد الكبروية الذي أضافه إلى التعريف ـ والذي على أساسه تعرف القاعدة الأصوليّة من غيرها ، وهو كونها واقعة كبرى في القياس الاستنباطي ـ وإن استطاع أن يحلّ مشكلة المسائل اللغويّة والرجاليّة وإخراجها من التعريف ؛ لأنّها لا تقع كبرى في القياس بل صغرى دائما ـ ، إلا أنّه يلزم منه إشكال من جهة أخرى ، وهي خروج بعض القواعد الأصوليّة من التعريف ؛ لوقوعها صغرى في قياس الاستنباط. فمثلا ظهور بعض الأدوات في العموم أو المفهوم ، أو ظهور صيغة الأمر في الوجوب تحتاج دائما إلى كبرى حجيّة الظهور ، فيقال مثلا : هذه صيغة أمر وكلّ أمر ظاهر في الوجوب فهذه تقع صغرى لكبرى حجيّة الظهور ، حيث يقال : وكلّ ظاهر حجّة إذن صيغة الأمر الظاهرة في الوجوب حجّة. فوقعت صيغة

__________________

(١) من قبيل أداة الشرط لا الحصر ؛ لأنّ الأولى ظاهرة في المفهوم بخلاف الثانية فهي نصّ فيه ؛ لأنّها موضوعة لغة لذلك. ومن قبيل الإطلاق بالألف واللام والسياق ، فإنّها ظاهرة في العموم والاستيعاب ، بخلاف كلمة كلّ وجميع فإنّها نصّ في ذلك ؛ لكونها موضوعة لغة للاستيعاب والشمول.

٢٠