🚘

شرح الحلقة الثّالثة - ج ٣

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي

شرح الحلقة الثّالثة - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٥٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ ـ ٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

الدليل العقلي

٥

٦

الدليل العقلي

الدليل العقلي : كلّ قضيّة يدركها العقل ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

والبحث عن القضايا العقليّة : تارة يقع صغرويّا في إدراك العقل وعدمه ، وأخرى كبرويّا في حجّيّة الإدراك العقلي.

قبل الدخول في بحث القضايا العقليّة نذكر عدّة أمور ، منها :

الأمر الأوّل : تعريف الدليل العقلي.

بعد الفراغ من الدليل الشرعي بقسميه اللفظي وغير اللفظي ، يقع البحث حول الدليل العقلي :

والمراد بالدليل العقلي : هو حكم العقل بقضيّة يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي ، وتكون تلك القضيّة مدركة للعقل على نحو الاستقلاليّة ، فالحكم الذي يصدره العقل على نحو الجزم والقطع ويكون مستندا إلى العقل نفسه لا إلى الشرع ، وهو المبحوث عنه هنا.

وليس المراد من الدليل العقلي المعنى الفلسفي بمعنى القوّة العاقلة المدركة ، كما أنّه ليس المراد منه الحكم العقلي الذي يقع في كبرى الأقيسة المنطقيّة ، أو التي يرجع إليها بحيث تكون من المبادئ الأوّليّة لكلّ القضايا في مقام التصديق ، فإنّ هذا المعنى لا إشكال في حجّيّته منطقيّا عند الجميع.

وكذلك لا يراد من الحكم العقلي المستلزمات العقليّة ؛ لأنّها وإن كانت أحكاما عقليّة إلا أنّ العقل إنّما يحكم بها في طول ثبوت الحكم الشرعي أوّلا ، فهو حكم عقلي مستند إلى الشرع ؛ كحكم العقل بوجوب الإطاعة أو الامتثال لأحكام الشارع.

وكذا لا يدخل في البحث القضايا العقليّة التي لا يمكن أن يستنبط منها الحكم الشرعي ؛ لأنّها لا تكون حجّة بالمعنى الأصولي.

٧

ثمّ إنّ الأحكام العقليّة : تارة ترجع إلى مدركات العقل النظري ، وأخرى إلى مدركات العقل العملي.

والمراد من العقل النظري : إدراك العقل لما هو كائن وموجود. والمراد من العقل العملي : إدراك ما ينبغي أن يكون ويوجد.

والدليل العقلي المبحوث عنه هنا يشمل كلا القسمين ، فيبحث عن حجّيّة كلّ قضيّة يدركها العقل سواء كان إدراكه لها نظريّا أم عمليّا ، فمثلا مسألة اجتماع الأمر والنهي أو مسألة الترتّب أو وجوب المقدّمة أو مسألة الضدّ كلّها ترجع إلى مدركات العقل النظري ؛ لأنّ البحث ينصبّ حول الإمكان أو الوجوب أو الاستحالة فيها ، بمعنى تحليل هذا الأمر الموجود.

بينما البحث عن حسن العدل وقبح الظلم ومصاديقهما في الخارج كالصدق والكذب ونحوهما ترجع إلى مدركات العقل العملي ، وهو وإن كان يبحث فيه عن الحكم الشرعي إلا أنّه يحتاج إلى ضمّ الملازمة القائلة : ( بأن ما حكم به العقل يحكم به الشرع ) أيضا ؛ دون النحو الأوّل ، ولو لا هذه الملازمة لم يمكن اكتشاف حكم الشرع من خلال إدراك العقل العملي بمجرّده بخلاف مدركات العقل النظري ، فإنّ ما يدركه يكون هو حكم الشرع أيضا ؛ لأنّ حكم العقل بضرورة الاستحالة أو الوجوب لا يمكن أن يكون الشرع مخالفا له.

والبحث عن القضايا العقليّة على قسمين : فتارة يكون بحثا كبرويّا ، وأخرى يكون صغرويّا.

والمراد من البحث الكبروي : هو البحث عن حجّيّة الدليل العقلي ، أي أنّ ما أدركه العقل هل يكون حجّة أم لا؟ والحجّيّة هنا بمعناها الأصولي ، فيكون البحث حول منجّزيّة أو معذّريّة الحكم العقلي شرعا.

بينما المراد من البحث الصغروي : هو البحث عن تحقيق موضوع حكم العقل ، فهل العقل يحكم بكذا أم لا؟ أو هل العقل يدرك هذا الأمر أم لا؟ فيبحث فيه عن إدراك العقل للطريق الموصل للحكم الشرعي ، فهل هذا الأمر طريق إلى الأحكام الشرعيّة وموصل إليها على نحو الجزم واليقين كالتواتر والإجماع والسيرة ، أم أنّه طريق ظنّي لا يوصل إليها إلا ظنّا ، ويحتاج الأخذ به إلى تعبّد شرعي لاحقا كالقياس والاستحسان ونحوهما؟

٨

ولا شكّ في أنّ البحث الكبروي أصولي ، وأمّا البحث الصغروي فهو كذلك إذا كانت القضيّة العقليّة المبحوث عنها تشكّل عنصرا مشتركا في عمليّة الاستنباط.

وأمّا القضايا العقليّة التي ترتبط باستنباط أحكام معيّنة ولا تشكّل عنصرا مشتركا فليس البحث عنها أصوليّا.

الأمر الثاني : في كون البحث العقلي أصوليّا أم لا؟

تقدّم أنّ القضايا العقليّة : تارة يكون البحث عنها كبرويّا ، وأخرى يكون البحث عنها صغرويّا.

فإن كان البحث كبرويّا فتكون كلّ القضايا العقليّة المبحوث عنها كبرويّا داخلة في علم الأصول ؛ لأنّ البحث الكبروي هو البحث عن حجّيّة المسألة العقليّة التي أدركها العقل ، فيبحث حول منجّزيّتها أو معذّريّتها ، والبحث عن المنجّزيّة والمعذّريّة بحث أصولي ؛ ولأنّ هذه القضايا العقليّة الكبرويّة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي في مختلف الأبواب ، بمعنى أنّها تشكّل عنصرا مشتركا له القابليّة للتطبيق في مختلف المسائل والأبواب الفقهيّة ، وليس خاصّا في مورد دون آخر.

وأمّا إن كان البحث صغرويّا أي البحث عن كون المسألة داخلة في الإدراك العقلي أو ليست داخلة فيه؟ فهذا يمكن تقسيمه إلى قسمين :

الأوّل : الأبحاث العقليّة الصغرويّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط بحيث يمكن أن تكون جارية في مختلف الأبواب الفقهيّة من دون اختصاصها بمورد دون آخر ، فمثل هذه الأبحاث تدخل في البحث الأصولي أيضا ، وذلك كالمسائل التي يدركها العقل النظري كحكمه باستحالة الترتّب أو وجوب المقدّمة أو إمكان أو استحالة اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ هذه المسائل تقع عنصرا مشتركا في الاستنباط.

الثاني : الأبحاث العقليّة الصغرويّة التي تكون عنصرا خاصّا ، وترتبط بموارد معيّنة بحيث لا يمكن أن تكون شاملة أو قابلة للتطبيق في غير ذاك المورد ، كالبحث عن مسائل العقل العملي كالكذب والصدق ونحوهما ، فإنّ البحث عن مصاديقهما في الخارج صغرويّا يختصّ بمواردهما فقط ، فهذه لا تكون أصوليّة.

٩

ثمّ إنّ القضايا العقليّة التي يتناولها علم الأصول : إمّا أن تكون قضايا فعليّة وإمّا أن تكون قضايا شرطيّة.

فالقضيّة الفعليّة من قبيل إدراك العقل استحالة تكليف العاجز ، والقضيّة الشرطيّة من قبيل إدراك العقل ( أنّ وجوب شيء يستلزم وجوب مقدّمته ) ، فإنّ مردّ هذا إلى إدراكه لقضيّة شرطيّة مؤدّاها ( إذا وجب شيء وجبت مقدّمته ) ، ومن قبيل إدراك العقل ( أنّ قبح فعل يستلزم حرمته ) فإنّ مردّه إلى قضيّة شرطيّة مؤدّاها ( إذا قبح فعل حرم ).

الأمر الثالث : في القضايا الفعليّة والشرطيّة.

تنقسم القضايا العقليّة إلى قسمين باعتبار نفس القضيّة ، فإنّ القضايا إمّا أن تكون فعليّة وإمّا شرطيّة.

والمراد من القضيّة الفعليّة هي الحكم العقلي أو الإدراك العقلي الذي لا يتوقّف على ثبوت شيء في مرتبة سابقة عن نفس القضيّة المدركة ، فالعقل يدرك المطلب ويحكم بحكمه من دون أن يتوقّف على شيء آخر ، فهو حكم منجّز وفعلي من قبيل إدراك العقل لاستحالة تكليف العاجز ، فحكم العقل بالاستحالة هنا لا يتوقّف على ثبوت التكليف أوّلا ، بل إنّ تصوّر العقل لتكليف العاجز في الذهن يكفيه لإقامة البرهان تصديقا على استحالة تكليفه ؛ لكونه تكليفا بغير المقدور أو بما لا يطاق.

وبتعبير آخر : إنّ الحكم العقلي لا يتوقّف على ثبوت الموضوع في الخارج ، بل يكفي فرضه وتصوّره في الذهن.

بينما المراد من القضيّة الشرطيّة هو الحكم العقلي الذي يكون متوقّفا في رتبة سابقة على وجود حكم شرعي أوّلا ، ففي طول وجود هذا الحكم الشرعي يحكم العقل ، فحكمه إذا معلّق ومنوط بثبوت ذاك الحكم ، ولولاه لم يكن الحكم العقلي ثابتا.

ومثاله : إدراك العقل لوجوب المقدّمة ، فإنّ حكمه بوجوب المقدّمة فرع أن يكون ذو المقدّمة واجبا في رتبة سابقة ، إذ لو لم يكن الشيء واجبا أوّلا لم تكن مقدّماته واجبة على الخلاف الآتي في وجوب مطلق المقدّمة أو خصوص الموصلة.

فالحكم بوجوب تهيئة مقدّمات الحجّ من السفر ونحوه فرع وجوب الحجّ عليه أوّلا ، فلو فرض كون الحجّ مستحبّا لم تكن مقدّماته واجبة ، إذا وجوب المقدّمة إنّما

١٠

يحكم به العقل فيما إذا تحقّق شرطها ، وهو وجوب ذي المقدّمة ، وحينئذ يؤلّف العقل قضيّة شرطيّة مفادها ( إنّه إذا وجب شيء فقد وجبت مقدّماته ).

ومثاله أيضا : حكم العقل بحرمة القبيح ، فإنّ هذا الحكم موقوف مسبقا على أن يكون ما حكم العقل بقبحه قد حكم الشارع بحرمته ، فإذا حكم العقل بقبح الكذب مثلا فالشارع يحكم بحرمته ، فيكون حكم العقل بحرمة الكذب موقوفا على ثبوت الملازمة القائلة بأنّه ( إذا قبح فعل فقد حرم ) ؛ إذ لو لم يكن القبيح عقلا حراما شرعا لم يمكن الحكم بحرمة ما يدركه العقل من قبيح.

والقضايا الفعليّة : إمّا أن تكون تحليليّة أو تركيبيّة.

والمراد بالتحليليّة : ما يكون البحث فيها عن تفسير ظاهرة من الظواهر وتحليلها ؛ كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري ، أو عن حقيقة علاقة الحكم بموضوعه.

والمراد بالتركيبيّة : ما يكون البحث فيها عن استحالة شيء بعد الفراغ عن تصوّره وتحديد معناه ، من قبيل البحث عن استحالة الحكم الذي يؤخذ العلم به في موضوعه مثلا.

الأمر الرابع : في تقسيم القضايا الفعليّة.

بعد أن قسّم القضايا العقليّة إلى فعليّة وشرطيّة ، شرع في تقسيم كلّ واحدة منهما إلى أنواعها ، فقسّم القضيّة الفعليّة إلى نوعين :

الأوّل : القضايا الفعليّة التحليليّة

، والمراد بها أن يقوم العقل بتفسير وتحليل ظاهرة من الظواهر أو حقيقة من الحقائق الموجودة ، بعد الفراغ عن ثبوت ذاك الشيء وعدم توقّفه على شيء آخر ، فإنّه مدرك لدى العقل بوضوح ، ولكن يبحث عنه تحليليّا من أجل أن يستكشف بعض الأمور أو الجزئيّات أو الملاك أيضا.

فمثلا البحث عن حقيقة الوجوب التخييري يعتبر بحثا تحليليّا ؛ لأنّه بحث عن كيفيّة تعلّق الوجوب بالتخيير وكيف يمكن تصوير ذلك ، بعد الفراغ عن إمكانه وثبوته واقعا؟

فإنّ مثل هذا البحث التحليلي ينفع بالنسبة لإجراء الإطلاق وقرينة الحكمة في صيغة الأمر لإثبات الوجوب التعييني مقابل الوجوب التخييري ، فيما إذا ثبت أنّ الأوّل لا يحتاج إلى مئونة زائدة بخلاف الثاني ، فإنّه يحتاج إلى مئونة زائدة ؛ لأنّه

١١

يشتمل في حقيقته على شيء زائد على أصل الوجوب ؛ لأنّه إمّا أن يرجع إلى وجوبات مشروطة ، أو إلى تعلّق الوجوب بالجامع ، وكلاهما يحتاج إلى عناية ومئونة. وهكذا يكون البحث عن الوجوب التخييري مثلا بحثا تحليليّا ، ويكون من جهة أخرى داخلا في القضايا العقليّة الفعليّة ؛ لأنّ إدراك العقل للوجوب التخييري لا يتوقّف على شيء في رتبة سابقة عليه.

ومثاله أيضا : العلاقة بين الحكم والموضوع ، فإنّ كلّ الأحكام الشرعيّة منصبّة على موضوعاتها المفترضة والمقدّرة الوجود ، فالحكم ثابت لثبوت موضوعه في عالم الجعل والاعتبار ، ولكنّه لا يصبح فعليّا وعلى ذمّة المكلّف إلا إذا صار موضوعه فعليّا في الخارج ، فيكون الحكم في طول ثبوت وتحقّق الموضوع في الخارج ، فهل هذه الطوليّة في الرتبة بين الحكم والموضوع مجرّد طوليّة ، أو أنّها راجعة إلى السببيّة والعلّيّة فيكون ثبوت الموضوع سببا وعلّة لثبوت الحكم؟

وهذا البحث وتحليله وتفسيره ينفع في كثير من الموارد التي يثبت فيها الموضوع ثمّ يعصي المكلّف الحكم أو يعجّز نفسه عنه ، فإنّه هل يبقى الحكم ثابتا في حقّه مع انتفاء الموضوع أم لا؟

وينفع أيضا في المسئوليّة تجاه مقدّمات أو قيود الحكم بعد تحقّق موضوعه.

وهذا بحث تحليلي عقلي لاكتشاف هذه العلاقة بعد الفراغ عن ثبوتها والإيمان بها ، وكونها فعليّة وناجزة وغير متوقّفة على ثبوت شيء آخر قبلها ، بل هي مدركة لدى العقل مباشرة وبنفسها.

والآخر : القضايا الفعليّة التركيبيّة : وهي من نوع القضايا العقليّة الفعليّة التي لا تتوقّف على ثبوت شيء مسبقا ، ولكنّها ليست مبحوثة لدى العقل على أساس التحليل فقط ، وإنّما بعد الفراغ عن تحليلها وإدراكها وتصوّر معناها وتحديده من مختلف جوانبه وجهاته يبحث عن إمكان أو استحالة هذه القضيّة ، فتكون مركّبة من شيئين : ثبوت شيء أوّلا وتصوّره في العقل ، ثمّ الحكم عليه بالإمكان أو الاستحالة ثانيا. ولذلك سمّيت تركيبيّة ، من قبيل : أخذ العلم بالحكم قيدا في موضوعه ، فإنّه يبحث عن إمكان أو استحالة مثل هذا التقييد بعد الفراغ عن تصوّره وتحديد معناه.

١٢

وهذا البحث العقلي حول أخذ العلم بالحكم قيدا في موضوعه يعتبر قضيّة عقليّة فعليّة ؛ لأنّ البحث ليس متوقّفا على ثبوت شيء في رتبة سابقة عنه ، ويعتبر قضيّة تركيبيّة ؛ لأنّ البحث فيها عن إثبات حكم تصديقي لهذه القضيّة العقليّة ، أي إثبات شيء لشيء.

وهنا لا ينفع مجرّد التحليل لهذه القضيّة ، بل لا بدّ من إقامة الدليل العقلي والبرهان على الإمكان أو الاستحالة ، فهو بحث تصديقي وليس مجرّد تصوّر وتحليل لظاهرة ما ، بعد الفراغ عن ثبوتها ووقوعها في الخارج.

والقضايا الشرطيّة : إمّا أن يكون الشرط فيها مقدّمة شرعيّة ، من قبيل المثال الأوّل لها ، وإمّا ألاّ يكون كذلك ، من قبيل المثال الثاني لها.

وكلّ القضايا الشرطيّة التي يكون شرطها مقدّمة شرعيّة تسمّى بالدليل العقلي غير المستقلّ ؛ لاحتياجها في مقام استنباط الحكم منها إلى إثبات تلك المقدّمة من قبل الشارع.

وكلّ القضايا الشرطيّة التي يكون شرطها مقدّمة غير شرعيّة تسمّى بـ ( الدليل العقلي المستقلّ ) ؛ لعدم احتياجها إلى ضمّ إثبات شرعي.

الأمر الخامس : في تقسيم القضايا الشرطيّة.

تنقسم القضايا الشرطيّة ـ وهي ما كان الحكم العقلي فيها متوقّفا على ثبوت شيء في رتبة سابقة ـ إلى نوعين :

أحدهما : القضايا الشرطيّة التي يكون الشرط فيها مقدّمة شرعيّة ، وتسمّى بـ ( الدليل العقلي غير المستقلّ ).

مثال ذلك : وجوب المقدّمة ، فإنّ حكم العقل بوجوب المقدّمة كما تقدّم متوقّف على ثبوت وجوب ذي المقدّمة في رتبة سابقة ، وذو المقدّمة هنا حكم شرعي كوجوب الحجّ أو وجوب الصلاة ، فإنّ حكم الشارع بوجوب الحجّ أو الصلاة يعتبر شرطا شرعيّا لحكم العقل بوجوب المقدّمة ، ولو لا ثبوت الحكم الشرعي المذكور لم يحكم العقل بوجوب المقدّمة.

وإنّما سمّي هذا النوع بغير المستقلاّت العقليّة ؛ لأنّ العقل لا يمكنه أن يحكم بوجوب المقدّمة إلا بعد فرض ثبوت وجوب ذيها. فكان حكم العقل متوقّفا على

١٣

ثبوت شيء فهو حكم عقلي على نحو القضيّة الشرطيّة ، ولمّا كان الشرط هو الحكم الشرعي سمّي بالحكم العقلي غير المستقلّ.

والآخر : القضايا الشرطيّة التي يكون الشرط فيها مقدّمة غير شرعيّة ، وتسمى بـ ( المستقلاّت العقليّة ) ؛ وذلك لأنّ الشرط لمّا لم يكن شرعيّا فهو شرط عقلي ، فلم يكن حكم العقل محتاجا إلى ضمّ الحكم الشرعي إليه. نعم ، هو محتاج إلى ضمّ حكم عقلي آخر ولذلك كانت القضيّة شرطيّة.

ومثاله : حكم العقل بحرمة الكذب أو الظلم ونحوهما ، فإنّ هذا الحكم متوقّف على أن يكون هناك ملازمة بين حكم العقل بقبح شيء وبين حكم الشرع بحرمته ، فكان حكم العقل بحرمة الكذب مثلا متوقّفا على ثبوت الملازمة المذكورة في رتبة سابقة ، ولذلك فهو من القضايا الشرطيّة ، ولكن الملازمة المذكورة ليست حكما شرعيّا ، وإنّما هي حكم عقلي أيضا ، فمن هنا سمّي بالحكم العقلي المستقلّ.

وكذلك تعتبر القضايا العقليّة الفعليّة التركيبيّة كلّها أدلّة عقليّة مستقلّة ؛ لعدم احتياجها إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة في الاستنباط منها ؛ لأنّ مفادها استحالة أنواع خاصّة من الأحكام ، فتبرهن على نفيها بلا توقّف على شيء أصلا ، ونفي الحكم كثبوته ممّا يطلب استنباطه من القاعدة الأصوليّة.

وأمّا القضايا الفعليّة التحليليّة فهي تقع في طريق الاستنباط عادة عن طريق صيرورتها وسيلة لإثبات قضيّة عقليّة تركيبيّة والبرهنة عليها ، أو عن طريق مساعدتها على تحديد كيفيّة تطبيق القاعدة الأصوليّة.

ومثال الأوّل : تحليل الحكم المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة ، فإنّه يشكّل برهانا على القضيّة العقليّة التركيبيّة القائلة باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

ومثال الثاني : تحليل حقيقة الوجوب التخييري بإرجاعه إلى وجوبين مشروطين ، أو وجوب واحد على الجامع مثلا ، فإنّ ذلك قد يتدخّل في تحديد كيفيّة إجراء الأصل العملي عند الشكّ ، ودوران أمر الواجب بين كونه تعيينيّا لا عدل له ، أو تخييريّا ذا عدل.

الأمر السادس : بعد أن قسّم القضايا العقليّة الشرطيّة إلى المستقلاّت العقليّة وغير

١٤

المستقلاّت العقليّة ، رجع إلى القضايا العقليّة الفعليّة ليبحث عن كونها من أيّ القسمين هي ، فهل هي من المستقلاّت العقليّة أم من غير المستقلاّت؟

فقال : أمّا القضايا الفعليّة التركيبيّة : فهي تعتبر أدلّة عقليّة مستقلّة ؛ وذلك لعدم احتياجها إلى أيّة مقدّمة شرعيّة في عمليّة الاستنباط منها ؛ لأنّ البحث فيها ينصّب حول الإمكان أو الاستحالة ، وهذا بحث عقلي محض ولا يتوقّف على ثبوت شيء آخر من الشارع في مرتبة سابقة ، فاستحالة تكليف العاجز مثلا التي يثبتها العقل لا تتوقّف على كون الصلاة أو الصوم أو الحجّ أو أي حكم شرعي آخر واجبا ، بل بقطع النظر عن حكم الشرع يحكم العقل بالاستحالة.

ولا يقال : إنّ القضايا الفعليّة التركيبيّة لمّا لم تكن محتاجة إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة ، فهي إذا لا يستنبط منها حكم شرعي فلا تدخل في علم الأصول حينئذ ؛ لأنّ ما يستنبط منها هو الاستحالة أو الإمكان فقط.

وهذا ليس حكما شرعيّا ؛ لأنّه يجاب بأنّ هذه القضايا تدخل في علم الأصول ؛ وذلك لأنّ إثبات الاستحالة في مورد يلزم منه نفي الحكم الشرعي في فرضه ، فإنّنا إذا أثبتنا استحالة تكليف العاجز بحكم العقل ، فهذا يطبّق على كلّ مورد كان فيه المكلّف عاجزا لننفي عنه التكليف الشرعي في فرض عجزه عنه ، ونفي التكليف كإثبات التكليف يدخل في علم الأصول ؛ لأنّه متوقّف على استنباطه من القواعد الأصوليّة ؛ إذ القاعدة الأصوليّة ليست مختصّة في إثبات التكليف فقط ، بل نفي التكليف مطلوب أيضا من القاعدة الأصوليّة.

وأمّا القضايا الفعليّة التحليليّة : فهي أيضا داخلة في المستقلاّت العقليّة ؛ لأنّها لا تتوقّف على ضمّ شيء آخر إليها ، وإنّما العقل يبحثها بحثا تحليليّا لكشف بعض الجوانب والحقائق فيها ، كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري ، وأنّه وجوب واحد أو وجوبان مشروطان ، أو كالبحث عن حقيقة العلاقة بين الحكم وموضوعه ، فإنّ هذا البحث التحليلي العقلي لا يحتاج إلى افتراض وجود أو ضمّ الحكم الشرعي ، بل بقطع النظر عن الحكم الشرعي يبحث العقل هذا الأمر.

وهي أيضا داخلة في علم الأصول ؛ وذلك لأنّها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، وذلك عن طريقين :

١٥

الطريق الأوّل : فيما إذا صارت وسيلة لإثبات قضيّة عقليّة والبرهنة عليها ، أي أنّها وقعت موردا للبحث من أجل إثبات إمكان أو استحالة القضيّة الفعليّة التركيبيّة ، والتي هي من القواعد الأصوليّة كما تقدّم آنفا ، وأمّا هي نفسها فمجرّد التحليل والبحث عن تفسير ظاهرة من الظواهر ليس أصوليّا في نفسه ، وإنّما يصبح كذلك فيما إذا أدّى البحث التحليلي إلى إثبات القضيّة التركيبيّة إمكانا أو استحالة ، فتصبح أصوليّة لذلك.

ومثاله : البحث التحليلي عن حقيقة الحكم المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة ، فإنّه يشكّل برهانا على القضيّة العقليّة التركيبيّة القائلة باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

وتوضيح ذلك أن يقال : إنّ الأحكام الشرعيّة منصبّة على موضوعاتها بنحو القضيّة الحقيقيّة ، بمعنى أخذ الموضوع مقدّرا ومفترض الوجود في عالم الجعل والتشريع والاعتبار ، والموضوع هو كلّ المقدّمات والقيود والشروط التي يتوقّف عليها فعليّة الحكم المجعول.

فوجوب الحجّ على المستطيع لا يكون فعليّا إلا إذا تحقّق في الخارج إنسان مستطيع ، وأمّا قبل وجود الإنسان المستطيع فلا يكون الحجّ فعليّا ، وإنّما هو حكم شرعي موجود في عالم الجعل والإنشاء والاعتبار فقط ؛ لأنّ مثل هذا الحكم بالتحليل العقلي يرجع إلى قضيّة حقيقيّة مفادها : أنّه إذا وجد إنسان مستطيع في الخارج فيجب عليه الحج.

ومن هنا لم يكن وجوب الحجّ داعيا إلى إيجاد وتحقيق موضوعه في الخارج ، فوجوب الحجّ لا يسبّب ولا يدعو إلى أن يجعل الإنسان نفسه مستطيعا. نعم ، بعد أن يصبح مستطيعا يدعوه وجوب الحجّ إلى إيجاد الحجّ في الخارج ، فوجوب الحجّ يدعو إلى إيجاد متعلّقه لا إلى إيجاد موضوعه.

وبهذا البحث التحليلي للعلاقة بين الحكم والموضوع نخرج بنتيجة وهي : أنّ وجوب الحجّ لا يدعو إلى إيجاد موضوعه ، بل إلى إيجاد متعلّقه فقط ؛ وذلك لأنّ وجوب الحجّ مسبّب عن الموضوع ، والمسبّب لا يدعو إلى إيجاد السبب. نعم ، وجوب الحجّ يدعو إلى إيجاد متعلّقه وهو الحجّ في الخارج ؛ لأنّه سبب إليه والسبب يدعو إلى إيجاد المسبّب بعد فرض صيرورته فعليّا من جميع الجهات.

١٦

وهذه النتيجة يمكن صياغتها بالنحو التالي : أنّ وجوب الحجّ الفعلي منوط ومتوقّف على وجود الإنسان المستطيع في الخارج ، فإذا وجد مستطيع فعلا في الخارج فقد وجب الحجّ فعلا عليه.

وهذه النتيجة تقع في طريق الاستنباط ؛ وذلك لأنّها ترتبط ببعض القضايا العقليّة التركيبيّة لاستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه ، فإنّ النتيجة السابقة وهي : ( إذا وجد مستطيع فقد وجب الحجّ عليه ) يبحث في أنّ أخذ العلم بالحكم فيها ( أي وجوب الحجّ ) في موضوعه هل هو ممكن أم مستحيل؟ فهل يجب الحجّ على المستطيع إن كان عالما بوجوب الحجّ أم لا؟

والجواب : أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوعه مستحيل لاستلزامه الدور أو الخلف أو التقدّم والتأخّر كما سيأتي في محلّه ؛ لأنّه لو كان وجوب الحجّ منصبّا على المستطيع العالم بوجوب الحجّ في رتبة سابقة ، فهذا معناه أنّ الموضوع صار مركّبا من المستطيع ومن العلم بوجوب الحجّ والمفروض أنّ وجوب الحجّ ، مسبّب عن موضوعه فهو لا وجود له قبل موضوعه ، فإن كان هو نفسه مأخوذا في موضوعه فهذا يعني أنّه موجود من قبل فيصبح متقدّما ومتأخّرا ، ويصبح وجوب الحجّ مسبّبا عن وجوب الحجّ تبعا للعلاقة بين الحكم والموضوع.

وبهذا يظهر أنّ البحث التحليلي داخل في علم الأصول نتيجة ارتباطه بالبحث عن القضيّة التركيبيّة.

والطريق الثاني : فيما إذا كانت القضايا الفعليّة التحليليّة عنصرا مساعدا على تحديد كيفيّة تطبيق القاعدة الأصوليّة ، ففي مقام تطبيق القاعدة الأصوليّة على مصاديقها أو على مواردها في الخارج احتاجت إلى التحليل العقلي ، فكان التحليل العقلي عنصرا مساعدا لكيفيّة التطبيق ، بمعنى أنّ القاعدة بعد الاستعانة بالتحليل العقلي قد تطبّق على هذا المورد دون ذاك أو العكس أو لا تطبّق أصلا ، فيستفاد إثبات الحكم الشرعي أو نفيه عن المورد المبحوث عنه.

ومثاله : البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب التخييري ، فإنّه يقع في طريق الاستنباط وذلك على أساس مدخليّته في كيفيّة تطبيق الأصل العملي في بعض موارده ، كما فيما إذا شكّ في واجب أنّه على نحو التخيير بين عدّة بدائل أو أنّه

١٧

تعييني لا بديل ولا عدل له ، فإنّ البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب التخييري تنفع في كيفيّة إجراء الأصل العملي.

وتوضيحه : أنّنا إذا قلنا بأنّ الوجوب التخييري عبارة عن وجوب الجامع ـ لاستحالة الوجوبات المشروطة من جهة كونها تستلزم تعدّد العقاب فيما لو ترك الجميع لفعليّة كلّ منها في هذه الحالة لأنّ ترك الآخر متحقّق ـ فسوف يكون الفرض المذكور من موارد الدوران بين التعيين والتخيير.

ففي كفّارة الصوم مثلا سوف يدور الأمر بين إيجاب واحدة من الخصال الثلاث على سبيل التعيين ، أو إيجابها على سبيل التخيير بينها وبين الأخريين.

وحينئذ سوف يرتبط البحث بمسألة جريان البراءة في موارد التعيين والتخيير عن الحصّتين الأخريين لو امتثل الحصّة الأولى ، فقد يقال بجريانها عنهما ؛ لأنّه شكّ في تكليف زائد وقد يقال بعدم جريانها كما سوف يأتي ، بل يجري الاحتياط فيما لو امتثل غير الحصّة التي يحتمل كون إيجابها تعيينيّا.

وأمّا إن قيل برجوع الوجوب التخييري إلى وجوبات مشروطة ، بحيث تكون كلّ واحدة من خصال الكفّارة واجبة بنفسها وجوبا استقلاليّا بشرط ترك الحصّتين الأخريين ، فسوف يرجع الشكّ في التعيين والتخيير إلى الشكّ في إطلاق الوجوب في كلّ واحدة من الحصص سواء أتى بالحصّتين أم لا ، وفي كونه وجوبا مشروطا بترك الحصّتين ، فإذا امتثل إحدى الحصّتين سوف يشكّ في بقاء الوجوب في الحصص الأخرى ؛ لاحتمال كون وجوبها مطلقا ، وهذا شكّ في تكليف زائد فتجري فيه البراءة.

وبهذا يتّضح أنّ البحث عن حقيقة الوجوب التخييري يرتبط ارتباطا وثيقا بكيفيّة جريان البراءة ، أو الاحتياط عند الشكّ في واجب ما أنّه تعييني أو تخييري.

وكذلك ينفع البحث التحليلي عن الوجوب التخييري في مسألة اجتماع الأمر والنهي ، فإنّه إذا قيل بأنّ الوجوب التخييري يرجع إلى وجوبات مشروطة ولو بلحاظ عالم المبادئ كانت كلّ حصّة واجبة بنفسها ، وحينئذ يمتنع تعلّق النهي بها ولو باختلاف العنوان للتنافي بين الوجوب والحرمة ؛ إذ يستحيل تعلّقهما بعنوان واحد على نحو الاستقلال.

١٨

بينما إذا قيل بأنّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب الجامع فسوف لا تكون كلّ حصّة واجبة بعنوانها ، فحينئذ لا يمتنع تعلّق النهي بها بعنوانها ؛ لأنّ الوجوب لم يتعلّق بها بعنوانها الخاصّ ، بل بالجامع فيكون من موارد النهي عن الجامع والأمر بالحصّة ، وهو ممكن في نفسه.

وهذا البحث التحليلي للوجوب التخييري ينفع في مقام الاستنباط ؛ لأنّه يساعد في كيفيّة تطبيق مسألة الاجتماع على مواردها ومصاديقها. فتارة يجري الإطلاق لإثبات تحقّق المأمور به والإجزاء ، وأخرى يثبت الامتناع ويدخل المورد في بحث التعارض بين الدليلين.

ومن هنا يظهر أنّ البحث التحليلي عن القضايا الفعليّة يمكن أن يدخل في علم الأصول بواسطة أحد هذين الطريقين ، فهي إمّا أن تقع في إثبات إمكان أو استحالة بعض القضايا التركيبيّة والتي هي قواعد أصوليّة ، وإمّا أن تساعد في كيفيّة تطبيق بعض القواعد الأصوليّة على مواردها ، وينتج من ذلك إثبات الحكم أو نفيه وهو المطلوب من القاعدة الأصوليّة.

وسوف نلاحظ أن القضايا العقليّة متفاعلة فيما بينها ومترابطة في بحوثها ، فقد نتناول قضيّة تحليليّة بالتفسير والتحليل فتحصل من خلال الاتّجاهات المتعدّدة في تفسيرها قضايا عقليّة تركيبيّة ؛ إذ قد يدّعي بعض صيغة تشريعيّة معيّنة في تفسيرها فيدّعي الآخر استحالة تلك الصيغة ويبرهن على ذلك ، فتحصل بهذه الاستحالة قضيّة تركيبيّة.

أو قد تطرح قضيّة تحليليّة للتفسير فيضطرّنا تفسيرها إلى تناول قضايا تحليليّة أخرى تساعد على تفسير تلك القضيّة ، وفي مثل ذلك تدرس تلك القضايا الأخرى عادة ضمن إطار تلك القضيّة إذا كان دورها المطلوب مرتبطا بما لها من دخل في تحليل تلك القضيّة وتفسيرها.

الأمر السابع : في التفاعل بين القضايا العقليّة.

وفي ختام البحث عن القضايا العقليّة يذكر السيّد الشهيد أنّ هذه القضايا متفاعلة فيما بينها بمعنى أنّ البحث متداخل في كثير من الأحيان بين هذه القضايا ومترابط أيضا ارتباطا وثيقا في أغلب الموارد.

١٩

ويذكر لهذا التفاعل مثالين من التفاعل بين القضايا الفعليّة التحليليّة مع القضايا التركيبيّة ، ولا يتعرّض للتفاعل بين القضايا الفعليّة والقضايا الشرطيّة ، ولعلّه لعدم وجود مثل هذا التفاعل ؛ لأنّ موضوع كلّ منهما مباين للأخرى ، فالقضايا الفعليّة غير متوقّفة على ضمّ شيء مسبقا إليها ، بل يدركها العقل بنحو الاستقلاليّة.

بينما القضايا الشرطيّة تحتاج إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة أو مقدّمة غير شرعيّة إليها فلم يكن البحث فيها استقلاليّا ، ومن هنا لم يكن بينهما أدنى ترابط بين هذين القسمين.

وأمّا القضايا الفعليّة بنوعيها التحليليّة والتركيبيّة فيمكن أن يكون هناك ترابط فيما بينها في أكثر الأحيان والموارد.

فمثلا يكون البحث في قضيّة تحليليّة فيدخل فيه البحث عن بعض القضايا التركيبيّة ، ففي البحث التحليلي عن الوجوب التخييري قد يدّعي البعض أنّه وجوبات مشروطة ، فيشكل البعض الآخر بأنّ هذا مستحيل ويقيم البرهان على الاستحالة ، وهذا بحث تركيبي. أو يكون البحث عن إثبات كونه من الوجوبات المشروطة ، فيدخل فيه البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب المشروط ، وأنّه كيف يمكن تصوّر الوجوب مع كونه مشروطا ببعض القيود؟ وهذا البحث التحليلي يدخل فيه البحث التركيبي عن إمكانيّة أو استحالة الوجوب المشروط.

وهكذا سوف نلاحظ التفاعل بين البحوث التحليليّة والبحوث التركيبيّة للقضايا العقليّة.

وسنتناول فيما يلي مجموعة من القضايا العقليّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط ، ثمّ نتكلّم بعد ذلك عن حجّيّة الدليل العقلي.

وبعد هذه الدراسة لأقسام القضايا العقليّة ، سوف نقسّم البحث إلى قسمين :

القسم الأوّل : في بحث بعض القضايا العقليّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط ، وهذا يحقّق الصغرى.

والقسم الآخر : في حجّيّة الدليل العقلي بعد الفراغ عن البحث الصغروي.

* * *

٢٠