🚘

شرح الحلقة الثّالثة - ج ٢

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي

شرح الحلقة الثّالثة - ج ٢

المؤلف:

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ ـ ٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

المفاهيم

٥
٦

المفاهيم

تعريف المفهوم :

لا شكّ في أنّ المفهوم مدلول التزامي للكلام ، ولا شكّ أيضا في أنّه ليس كلّ مدلول التزامي يعتبر مفهوما بالمصطلح الأصولي.

ومن هنا احتجنا إلى تعريف يميّز المفهوم عن بقية المدلولات الالتزاميّة.

المفهوم : هو المدلول الالتزامي للكلام ، بخلاف المنطوق فإنّه المدلول المطابقي للكلام ، وهذا المقدار ممّا لا شكّ فيه. إلا أنّ المداليل الالتزاميّة للكلام كثيرة وليس كلّها تسمّى مفهوما بالمصطلح الأصولي ، بل خصوص واحد منها ، ولذلك تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق.

فمثلا حرمة الضدّ مدلول التزامي لوجوب ضدّه ، فإذا وجبت الصلاة كان مدلولها الالتزامي حرمة تركها أو فعل المنافي لها المؤدّي إلى فواتها. ووجوب المقدّمة مدلول التزامي لوجوب ذيها ، فإذا وجب الحجّ وجب السفر إلى مكّة قبل يوم عرفة للنائي.

وبطلان العبادة مدلول التزامي للنهي عنها ، فإذا قيل : ( لا تصلّ في المغصوب ) كان لازمه بطلان الصلاة فيه. ووجوب صلاة الجمعة يدلّ بالالتزام على عدم وجوب الظهر يوم الجمعة ، وطلوع الفجر يدلّ بالالتزام على ذهاب الليل. ووجود أحد الضدّين يدلّ بالالتزام على انتفاء الضدّ الآخر. ووجود الوصف يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ، وهكذا الشرط والغاية ونحو ذلك.

ومن الواضح أنّ هذه المدلولات الالتزاميّة ليست كلّها مفهوما بالمصطلح الأصولي وإن كانت مفهوما لفظيّا للكلام ، بمعنى أنّها تفهم من وراء هذه الألفاظ ؛ ولأجل ذلك نحتاج في بيان المفهوم بالمصطلح الأصولي إلى تعريف يميّز هذا المدلول الالتزامي الذي يسمّى مفهوما أصوليّا عن سائر المداليل الالتزاميّة الأخرى.

٧

وعليه وجدت عدّة تعريفات للمفهوم ، أهمّها :

وقد ذكر المحقّق النائيني رحمه‌الله بهذا الصدد : أنّ المفهوم هو اللازم البيّن مطلقا أو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ في مصطلح المناطقة (١).

عرّف المحقّق النائيني المفهوم بقوله : ( هو المدلول الالتزامي للجملة على وجه يكون بيّنا بالمعنى الأخصّ ) وفقا لما جاء في تعريف ( فوائد الأصول ) (٢).

إلا أنّ السيّد الخوئي في أجود التقريرات فسّر كلام الميرزا بنحو يتناسب مع اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ أيضا.

ولأجل اختلاف التقريرات ردّد السيّد الشهيد بقوله : ( هو اللازم البيّن مطلقا أو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ ).

والمقصود من هذين المصطلحين هو المصطلح المنطقي لهما.

فاللازم البيّن بالمعنى الأخصّ : هو ما يلزم من تصوّر ملزومه تصوّره بلا حاجة إلى توسّط شيء آخر. كتصوّر الحرارة بمجرّد تصوّر النار ، وكتصوّر البرودة عند تصوّر الثلج.

واللازم البيّن بالمعنى الأعمّ : هو ما يلزم من تصوّره وتصوّر ملزومه وتصوّر النسبة بينهما الجزم بالملازمة. كتصوّر أنّ الاثنين نصف الأربعة ، فإنّه يحتاج إلى تصوّر الاثنين والأربعة والنسبة بينهما.

والحاصل : أنّه يشترط في المفهوم أن يكون لازما بيّنا بالمعنى الأخصّ ، بمعنى أنّ الذهن ينتقل من تصوّر المعنى للّفظ إلى تصوّر معنى آخر خارج عن اللفظ ، بنحو يكون التلازم بينهما عقليّا من دون حاجة إلى توسّط شيء آخر غير تصوّر اللفظ ومعناه.

ونلاحظ على ذلك : أنّ بعض الأدلّة التي تساق لإثبات مفهوم الشرط مثلا تثبت المفهوم كلازم عقلي بحت دون أن يكون مبيّنا على ما يأتي (٣) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) راجع فوائد الأصول ١ : ٤٧٧ ، أجود التقريرات ١ : ٤١٤.

(٢) فوائد الأصول ١ : ٣٧٨.

(٣) في بحث مفهوم الشرط.

٨

ويرد على هذا التعريف سواء أريد منه اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ أو بالمعنى الأخصّ أو كليهما ، أنّهم قد استدلّوا على ثبوت المفهوم في بعض الجمل بأدلّة عقليّة أو فلسفيّة محضة غير بيّنة ولا واضحة عرفا. من قبيل استدلالهم على ثبوت مفهوم الشرط بالقاعدة الفلسفية القائلة بـ ( أنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد ) ، وهذه القاعدة ليست عرفيّة ولا بيّنة أصلا ، بل هي لازم غير بيّن.

مضافا إلى أنّ بعض اللوازم بالمعنى الأخصّ ليست من المفهوم ، فمثلا إذا قيل : ( إنّ الماء مطهّر ) فلازمه الأخصّ البيّن عرفا أنّه طاهر ، مع أنّ هذا اللازم ليس مفهوما بالمصطلح الأصولي.

فهذا التعريف غير تامّ ؛ لأنّه غير مانع كما في النقض الأوّل ، وغير جامع كما في النقض الثاني.

فالأولى أن يقال : إنّ المدلول الالتزامي تارة يكون متفرّعا على خصوصيّة الموضوع في القضيّة المدلولة للكلام بالمطابقة على نحو يزول باستبداله بموضوع آخر ، وأخرى يكون متفرّعا على خصوصيّة المحمول بهذا النحو ، وثالثة يكون متفرّعا على خصوصيّة الربط القائم بين طرفي القضيّة على نحو يكون محفوظا ولو تبدّل كلا الطرفين.

والتحقيق : أنّ المدلول الالتزامي للكلام على ثلاثة أنحاء :

الأوّل : أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة الموضوع الموجود في الكلام ، بنحو إذا أبدلنا هذا الموضوع بموضوع آخر انتفى المدلول الالتزامي السابق. كما إذا قيل مثلا : ( أكرم ابن العالم ) فإنّه يدلّ التزاما على وجوب إكرام العالم نفسه ، إلا أنّ هذا المدلول الالتزامي مرتبط بهذا الموضوع بخصوصه ؛ وذلك لوجود خصوصيّة وملاك فيه ، فلو أبدل بموضوع آخر كقولنا : ( أكرم اليتيم ) فلا يدلّ التزاما على وجوب إكرام أمّه مثلا.

وهذا النحو من المدلول الالتزامي ليس من المفهوم المصطلح بشيء ، وإن أطلق عليه اسم مفهوم الأولويّة أو مفهوم الموافقة ؛ لأنّ البحث أصوليّا عن مفهوم المخالفة فقط.

الثاني : أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة في المحمول الموجود في

٩

الكلام ، بنحو إذا أبدل هذا المحمول بآخر لم يثبت المدلول الالتزامي الذي كان ثابتا من قبل ، كما إذا قلنا : ( صلّ ) فإنّ وجوب الصلاة يلزم منه وجوب مقدّماتها كالوضوء ونحوه ، إلا أنّ هذا المدلول الالتزامي ينتفي لو كانت الصلاة مباحة ، فإنّه لا يجب تهيئة المقدّمات عندئذ. وهذا ليس من المفهوم المصطلح أيضا.

الثالث : أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة الربط الموجود بين طرفي القضيّة أي بين الموضوع والمحمول ، بأن كان هناك ربط مخصوص بين الموضوع والمحمول وكان المدلول الالتزامي متفرّعا عن هذا الربط ، فهذا إذا أبدلنا الموضوع والمحمول بآخرين مع بقاء خصوصيّة الربط فإنّ المدلول الالتزامي يبقى على حاله ولا ينتفي ؛ من قبيل قولنا : ( صم إلى الليل ) فإنّ الموضوع هو الصيام والمحمول هو الوجوب إلى الليل.

فلأجل الارتباط الخاصّ بين الموضوع والمحمول وهو أنّ وجوب الصوم معلّق على الليل يستلزم انتفاء وجوب الصوم إذا دخل الليل ، وهذا المدلول الالتزامي لا يتغيّر ولا يتبدّل حتّى لو غيّرنا الطرفين بآخرين ما دام الربط المذكور موجودا ؛ لأنّ المدلول الالتزامي كان متفرّعا على هذا الربط وعلى خصوصيّة في الموضوع أو المحمول. وهذا هو المفهوم بالمصطلح الأصولي.

ولتوضح ذلك قال السيّد الشهيد :

فقولنا : ( إذا زارك ابن كريم وجب احترامه ) يدلّ التزاما على وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته ، وعلى وجوب تهيئة المقدّمات التي يتوقّف عليها احترام الابن الزائر ، وعلى أنّه لا يجب الاحترام المذكور في حالة عدم الزيارة.

فهذه الجملة فيها ثلاثة أنحاء من المداليل الالتزاميّة :

الأول : المدلول الالتزامي المتفرّع على الموضوع لخصوصيّة فيه ، وهو وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته ؛ لأنّه إذا وجب احترام ابنه فمن الأولى احترامه هو نفسه ، وهذا ما يسمّى بمفهوم الموافقة والأولويّة.

الثاني : المدلول الالتزامي المتفرّع على خصوصيّة المحمول ، وهو وجوب تهيئة المقدّمات للاحترام ، فإنّ وجوب المقدّمات لازم لوجوب الاحترام نفسه.

الثالث : المدلول الالتزامي المتفرّع على الربط الخاصّ بين الموضوع والمحمول ، وهو

١٠

عدم وجوب الإكرام إذا انتفت الزيارة ، بمعنى أنّه لا إكرام للكريم إذا لم تتحقّق منه الزيارة.

وحينئذ نقول :

والمدلول الأوّل مرتبط بالموضوع ، فلو بدّلنا ابن الكريم باليتيم مثلا لم يكن له هذا المدلول.

والمدلول الثاني مرتبط بالمحمول وهو الوجوب ، فلو بدّلناه بالإباحة لم يكن له هذا المدلول.

أمّا المدلول الالتزامي الأوّل فهو مرتبط بالموضوع ؛ لأنّ إكرام الكريم نفسه فرع خصوصيّة الموضوع ، وهي أنّه إذا وجب إكرام ابنه فمن الأولى وجوب إكرامه هو. وهذا يعني أنّنا لو أبدلنا ( ابن الكريم ) بـ ( اليتيم ) وقلنا : ( أكرم اليتيم ) لم يكن لهذا الكلام دلالة التزاميّة كالسابق ؛ إذ لا يدلّ على وجوب إكرام أمّه مثلا.

وكذلك الحال في المدلول الالتزامي الثاني ؛ لأنّه مرتبط بالمحمول. فإنّ المقدّمات تجب فيما إذا كان ذو المقدّمة واجبا ، وأمّا إذا كان مستحبّا فإنّه لا تكون مقدّماته مستحبّة أيضا.

والمدلول الثالث متفرّع على الربط الخاصّ بين الجزاء والشرط ، ومهما غيّرنا من الشرط والجزاء يظلّ المدلول الثالث بروحه ثابتا معبّرا عن انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط ، وإن كان التغيير ينعكس عليه فيغيّر من مفرداته تبعا لما يحدث في المنطوق من تغيّر في المفردات. وهذا هو المفهوم.

وأمّا المدلول الثالث وهو انتفاء وجوب الاحترام عند انتفاء الزيارة ، فهذا متفرّع عن الربط المخصوص بين الجزاء والشرط ، وهو كون الجزاء متوقّفا على الشرط ، فإذا انتفى الشرط انتفى الجزاء.

وهذا المدلول الالتزامي يبقى ثابتا حتّى لو تغيّر الشرط والجزاء وأبدلناهما بشرط وجزاء آخرين ، فإنّه يبقى هذا الربط المخصوص بين الشرط والجزاء ـ وهو التوقّف ـ ثابتا لا يتغيّر.

نعم ، تتغيّر المفردات في المفهوم تبعا لتغيّرها في المنطوق ، فقولنا : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) وقولنا : ( إذا زالت الشمس فصلّ ) لا يختلفان من حيث كون الجزاء

١١

متوقّفا على الشرط ، وهو المدلول الالتزامي المسمّى بالمصطلح الأصوليّ مفهوما. نعم ، تتغيّر المفردات من المجيء والإكرام إلى زوال الشمس والصلاة ، وهذا التغيّر في المفردات لا يضرّ في بقاء المدلول الالتزامي المذكور ؛ لأنّه متفرّع على الربط المخصوص فمتى تحقّق هذا الربط تحقّق المفهوم ، ولا ارتباط له بالموضوع أو المحمول لينتفي بانتفائهما.

وهذا هو المفهوم المصطلح عليه أصوليّا ، ولكن بشرط آخر وهو :

لكن على أن يتضمّن انتفاء طبيعي الحكم لا شخص الحكم المدلول عليه بالخطاب ، تمييزا للمفهوم عن قاعدة احترازيّة القيود التي تقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد.

والشرط الآخر في المفهوم هو أن يكون المنتفي طبيعي الحكم لا شخصه ، فقولنا : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) يدلّ على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجيء على أساس الربط المخصوص بين الشرط والجزاء وهو التوقّف ، لكن المنتفي هو كلّي وطبيعي وجوب الإكرام لا وجوب خاصّ ، بمعنى أنّه لا يجب إكرامه مطلقا إذا لم يأت حتّى لو كان عالما أو عادلا أو فقيرا... إلى آخره.

وبهذا اختلف المفهوم في موارد ثبوته عن قاعدة احترازيّة القيود ، فإنّ المنتفي فيها هو شخص الحكم المعلّق على الوصف أو القيد.

فإذا قيل : ( أكرم العالم العادل ) دلّ ذكر قيد العدالة في القضيّة على أنّ الحكم ينتفي عن العالم إذا لم يكن عادلا ، ولكنّه لا يدلّ على انتفاء طبيعي وكلّي وجوب الإكرام عن العالم ، ولذلك لا مانع من إكرامه بوصف آخر كأن يكون فقيرا مثلا.

والحاصل في تعريف المفهوم أن يقال : ( إنّ المفهوم هو المدلول الالتزامي المتفرّع عن خصوصيّة الربط القائم بين طرفي القضيّة بنحو يكون المنتفي هو طبيعي الحكم لا شخصه ).

وبهذا التعريف تخرج المداليل الالتزاميّة المتفرّعة عن خصوصيّة في الموضوع فقط ، أو في المحمول فقط ، ويخرج المدلول الالتزامي المتفرّع على الربط القائم بين طرفي القضيّة إذا لم يكن المنتفي فيه طبيعي الحكم أيضا.

١٢

ضابط المفهوم :

ونريد الآن أن نعرف الربط المخصوص الذي يؤخذ في المنطوق ويكون منتجا للمفهوم.

وتوضيح ذلك : أنّا إذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال للقضايا التي يبحث عن ضابط ثبوت المفهوم لها ، نجد أنّ لها مدلولا تصوّريّا ومدلولا تصديقيّا.

وحينما نفترض المفهوم للجملة الشرطيّة : تارة نفترضه على مستوى مدلولها التصوّري ، بمعنى أنّ الضابط الذي به يثبت المفهوم يكون داخلا في المدلول التصوّري للجملة. وأخرى نفترضه على مستوى مدلولها التصديقي بمعنى أنّ الضابط الذي به يثبت المفهوم لا يكون مدلولا عليه بدلالة تصوّريّة ، بل بدلالة تصديقيّة.

بعد أن عرفنا أنّ المفهوم هو المدلول الالتزامي للكلام على نحو يوجب انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء موضوعه ، لا بدّ أن نعرف النكتة والملاك في كيفيّة اقتناص المفهوم من الجملة ليتمّ تطبيق ذلك على كلّ الجمل التي ادّعي دلالتها على المفهوم لنرى أنّ هذا الضابط هل هو موجود فيها فيثبت لها المفهوم ، أو لا فلا يثبت لها المفهوم؟

فهذا الربط الخاصّ بين طرفي القضيّة متى يتحقّق ، وما هو ملاكه؟

ففي قولنا : ( إذا جاءك زيد أكرمه ) إذا أردنا إثبات المفهوم لهذه القضيّة علينا إثبات وجود الربط الخاصّ فيها الموجب لانتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الموضوع أو الشرط.

وبما أنّ لكلّ جملة مدلولا تصوّريّا ومدلولا تصديقيّا فلا بدّ إذا أن يقع البحث عن اقتناص ضابط المفهوم في مقامين :

المقام الأوّل : في مرحلة المدلول التصوّري للجملة ، وهو المدلول اللفظي والصورة الذهنيّة التي وضعت لها ، فإنّ كلّ لفظ موضوع لمعنى. فالجملة الشرطيّة مثلا ما هو المعنى الذي وضعت له لنرى أنّ هذا المعنى هل يفي بالربط المخصوص لاستفادة المفهوم أو لا؟ فإذا كان وافيا به تصوّرا فهو ثابت استعمالا وتصديقا جدّيّا.

المقام الثاني : في مرحلة المدلول التصديقي للجملة ، وذلك فيما إذا لم يكن المعنى الموضوع للجملة كافيا في الربط المخصوص ، فيبحث عن وجود نكتة إثباتيّة دلاليّة

١٣

على أساسها يثبت هذا الربط الخاصّ ، كالإطلاق وقرينة الحكمة مثلا على ما سيأتي توضيحه.

والحاصل : أنّ البحث عن ضابط المفهوم والربط الخاصّ الموجب للمفهوم يقع في مقامين :

الأوّل : المرحلة الثبوتيّة وهي مرحلة المدلول التصوّري للجملة.

الثاني : المرحلة الإثباتيّة وهي مرحلة المدلول التصديقي والمراد الجدّي للجملة.

وسوف نبحث عن هذين المقامين تباعا ، فنقول :

أمّا الضابط لإفادة المفهوم في مرحلة المدلول التصوّري فهو أن يكون الربط المدلول عليه بالأداة أو الهيئة في هذه المرحلة من النوع الذي يستلزم الانتفاء عند الانتفاء ؛ لأنّ ربط قضيّة أو حادثة بقضيّة أو حادثة أخرى إذا أردنا أن نعبّر عنه بمعنى اسمي وجدنا بالإمكان التعبير عنه بشكلين :

فنقول تارة : ( زيارة شخص للإنسان تستلزم أو توجد وجوب إكرامه ).

ونقول أخرى : ( إنّ وجوب إكرام شخص يتوقّف على زيارته أو هو معلّق على فرض الزيارة وملتصق بها ).

أمّا المقام الأوّل : فإذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) فإثبات المفهوم والربط الخاصّ في مرحلة المدلول التصوّري والوضعي للجملة متوقّف على إثبات أنّ الربط المدلول عليه في هذه الجملة سواء كان الدالّ هو الأداة أي أداة الشرط أو كان الدالّ هو الهيئة أو تفريع الجزاء على الشرط ، وهذا الترديد في العبارة لأجل وجود قولين بينهم ، فبعض يقول : إنّ الدالّ على الربط الخاصّ بين الشرط والجزاء هو الأداة ، بينما يقول البعض الآخر. كالأصفهاني. إنّ الدالّ على الربط الخاصّ هو تفريع الجزاء على الشرط بالفاء الموجودة أو المقدّرة ، وعلى كلّ فالربط الخاصّ المدلول عليه في الجملة لكي يكون وافيا بضابط المفهوم لا بدّ أن يكون هذا الربط بنحو يكون موجبا ومستلزما لانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط.

فارتباط قضيّة بقضيّة أخرى إذا كان دالا على الانتفاء عند الانتفاء كان موجبا لاستفادة المفهوم.

١٤

وحيث إنّ الجملة الشرطيّة الدالّة على الربط الخاصّ بين الشرط والجزاء سواء بالأداة أو بالهيئة من المعاني الحرفيّة ، فهي تدلّ على هذا الربط الخاصّ بنحو المعنى الحرفي ، وهكذا الحال في سائر الجمل التي يبحث حول دلالتها عن المفهوم.

وهذا المعنى الحرفي يوازيه معنى اسمي ؛ لأنّ كلّ معنى حرفي يوجد معنى اسمي مواز له ، فإذا أردنا أن نعبّر عن هذا الربط الخاصّ الذي هو معنى حرفي بالمعنى الاسمي الموازي له وجدنا أنّ هناك نحوين من التعبير :

ففي قولنا : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) تارة نعبّر عن الربط الخاصّ بين الشرط والجزاء بقولنا : ( مجيء زيد مستلزم وموجد لوجوب إكرامه ) بحيث يكون المعنى الحرفي هو النسبة الإيجاديّة أو النسبة الاستلزاميّة.

وأخرى نعبّر عن هذا الربط بقولنا : ( وجوب إكرام زيد متوقّف أو معلّق أو ملتصق بمجيئه ) بحيث يكون المعنى الحرفي هو النسبة التوقّفيّة أو التعليقيّة أو الالتصاقيّة.

فإذا يوجد نحوان من الممكن أن تكون الجملة الشرطيّة موضوعة لهما هما :

١ ـ أن تكون موضوعة للنسبة الإيجاديّة أو الاستلزاميّة.

٢ ـ أن تكون موضوعة للنسبة التوقّفيّة أو الالتصاقيّة أو التعليقيّة.

وحينئذ يأتي البحث التالي :

ففي القول الأوّل استعملنا معنى الاستلزام ، وفي القول الثاني استعملنا معنى التوقّف والتعليق والالتصاق ، والمعنى الأوّل لا يدلّ التزاما على الانتفاء عند الانتفاء ، والثاني يدلّ عليه.

فإذا كانت الجملة الشرطيّة مثلا موضوعة لغة للربط الخاصّ وللنسبة الاستلزاميّة الموازية لمفهوم الاستلزام كمعنى اسمي فلا يمكن استفادة المفهوم للجملة ؛ إذ لا يكون هذا المعنى وافيا ودالا بالالتزام على الانتفاء عند الانتفاء.

وتوضيح ذلك : أنّ النسبة الإيجاديّة أو الاستلزاميّة معناها أنّ هذا موجد لذاك أو سبب وعلّة له ، فإذا وجد الشرط وجد الجزاء ؛ لأنّ الشرط علّة وسبب ومستلزم للجزاء. إلا أنّ هذا لا يعني أنّه إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء أيضا ؛ إذ لعلّ هناك سببا وعلّة وموجدا للجزاء غير هذا الشرط.

فنفس الإيجاد والاستلزام لا يكفي وحده على مستوى المدلول التصوّري الوضعي

١٥

للجملة في اقتناص المفهوم ، وإنّما نحتاج في إثباته إلى الإطلاق وقرينة الحكمة في الشرط لإثبات كونه العلّة الوحيدة المنحصرة للجزاء ، وهذا بحث إثباتي تصديقي لا علاقة له بالمدلول التصوّري للجملة.

وأمّا إذا كانت الجملة موضوعة لغة بحسب المدلول التصوّري الوضعي للربط الخاصّ وللنسبة التوقّفية أو التعليقية أو الالتصاقيّة كانت استفادة المفهوم والانتفاء عند الانتفاء ثابتة ومتحقّقة في مرحلة المدلول التصوّري للجملة ؛ وذلك لأنّ الجملة الشرطيّة مثلا معناها على هذا الفرض أنّ الجزاء معلّق ومتوقّف وملتصق بالشرط ، فإذا وجد الشرط وجد الجزاء ، وإذا انتفى الشرط انتفى الجزاء أيضا ؛ لأنّ المعيّة والالتصاق فيهما تفترض أنّهما معا دائما وجودا وعدما ، وهذا معناها لانتفاء عند الانتفاء ؛ لأنّ الجزاء يدور مدار الشرط إذ هو معلّق عليه وملتصق به.

وعلى هذا التفسير سوف تكون الجملة الشرطيّة مثلا وغيرها من الجمل أيضا دالّة على المفهوم وضعا وتصوّرا ؛ لأنّها تدلّ على الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء إلا وهو النسبة التوقّفية أو الالتصاقيّة أو التعليقيّة.

وبهذا ظهر أنّ الاستلزام يكون بمثابة الموجبة الجزئيّة التي تسكت عن بقيّة الأفراد ، بينما التوقّف بمثابة الموجبة الكلّيّة التي تتحدّث عن كلّ الأفراد.

فلكي تكون الجملة الشرطيّة مثلا مشتملة في مرحلة المدلول التصوّري على ضابط إفادة المفهوم ، لا بدّ أن تكون دالّة على ربط الجزاء بالشرط بما هو معنى حرفي مواز للمعنى الاسمي للتوقّف والالتصاق ، لا على الربط بما هو معنى حرفي مواز للمعنى الاسمي لاستلزام الشرط للجزاء.

والحاصل : أنّ دلالة الجملة الشرطيّة ـ مثلا ـ وغيرها أيضا على المفهوم في مرحلة المدلول التصوّري الوضعي للجملة متوقّف على أمرين :

الأمر الأوّل : أن تكون دالّة على الربط الخاصّ بين الشرط والجزاء الموجب للانتفاء عند الانتفاء ، وهذا معناه أنّه لا بدّ أن تكون موضوعة لغة لمعنى حرفي وللنسبة الموازية للمعنى الاسمي الذي هو التوقّف أو الالتصاق أو التعليق ، كما تقدّم توضيحه. لا أن تكون موضوعة لغة للمعنى الحرفي والنسبة الموازية لمفهوم الاستلزام والإيجاد الاسمي بين الشرط والجزاء ، فإذا ثبت ذلك كانت الجملة دالّة وضعا على

١٦

المفهوم من دون حاجة إلى أدلّة إثباتيّة تصديقيّة كالإطلاق بقرينة الحكمة ونحو ذلك.

ولا بدّ ـ إضافة إلى ذلك ـ أن يكون المرتبط على نحو التوقّف والالتصاق طبيعي الوجوب لا وجوبا خاصّا ، وإلا لم يقتض التوقّف إلا انتفاء ذلك الوجوب الخاصّ ، وهذا القدر من الانتفاء يتحقّق بنفس قاعدة احترازيّة القيود ولو لم نفترض مفهوما.

والأمر الثاني : أن يكون المرتبط طبيعي الحكم لا شخصه ، ففي الجملة الشرطيّة المذكورة مثلا يكون الربط الخاصّ بين الشرط والجزاء موجبا لانتفاء طبيعي الجزاء عند انتفاء الشرط ، فعندها يتحقّق المفهوم للجملة ، وهو أنّه لا وجوب مطلقا لإكرام زيد عند عدم مجيئه ، وأمّا انتفاء شخص الحكم فقط فهو لا يكفي لإفادة المفهوم ؛ وذلك لأنّ انتفاء شخص الحكم ثابت على أساس قاعدة احترازيّة القيود وإن لم يكن هناك مفهوم أصلا.

توضيح ذلك : أنّ قاعدة احترازيّة القيود توجب أنّ القيد المذكور في الكلام دخيل في موضوع الحكم ، بحيث إنّ الفاقد للوصف والقيد ينتفي عنه هذا الحكم المقيّد به ، فإذا قيل : ( أكرم العالم العادل ) دلّت احترازيّة القيود على أنّ كلّ قيد يقوله في الكلام يكون دخيلا في المراد الجدّي.

وهذا معناه أنّ وجوب إكرام العالم يشترط فيه العدالة ، فإن لم يكن عادلا كان وجوب إكرامه منتفيا إلا أنّ وجوب الإكرام المنتفي عنه من جهة كونه عالما غير عادل ، وهذا لا يمنع ثبوت وجوب الإكرام للعالم غير العادل بقيد وملاك آخر كأن يكون فقيرا أو هاشميّا مثلا.

وعلى هذا فنقول : إنّ المفهوم كمصطلح أصولي هو انتفاء طبيعىّ الحكم لا شخصه ؛ لأنّه لو أريد انتفاء الشخص فقط كان البحث عن المفهوم للجملة لغوا ؛ لأنّه تحصيل للحاصل ، إذ انتفاء شخص الحكم ثابت بقاعدة الاحترازيّة ، فما الحاجة لإثبات انتفاء هذا الشخص ثانيا على أساس المفهوم؟!

وأمّا لو كان المنتفي هو الطبيعي والكلّي لكان للمفهوم معنى تأسيسيّ جديد لم يكن موجودا من قبل ، وهذا معناه أنّ المنتفي هو طبيعي الحكم بما هو هو من دون نظر إلى الأفراد وليس المنتفي هو صرف الطبيعة ؛ لأنّ الطبيعة الصرفة تتحقّق بفرد من أفرادها ، فلو

١٧

كان المنتفي هو الصرف لكان معناه أنّ المنتفي هو فرد من أفرادها وهذا لا فائدة منه كما تقدّم ، بل المراد انتفاء الطبيعة بما هي هي من دون لحاظ شيء آخر عليها.

وإذا ثبتت دلالة الجملة في مرحلة المدلول التصوّري على النسبة التوقّفية والالتصاقيّة ثبت المفهوم ، ولو لم يثبت كون الشرط علّة للجزاء أو جزء علّة له ، بل ولو لم يثبت اللزوم إطلاقا وكان التوقّف لمجرّد صدفة.

فإذا تمّ هذان الأمران كان للجملة مفهوم على مستوى المدلول التصوّري الوضعي ، ولا نحتاج إلى المرحلة الإثباتيّة لإثبات أنّ الشرط علّة تامّة أو جزء العلّة التامّة للجزاء كما هو مسلك المشهور ، بل ما دامت الجملة دالّة تصوّرا على التوقّف والالتصاق بنحو المعنى الحرفي يثبت المفهوم ، وإن كان الجزاء متفرّعا على الشرط لمجرّد الصدفة المحضة ولم يكن بينهما علّة انحصاريّة أو علّة تامّة أو جزء علّة أو حتّى لزوم أيضا. فإذا قيل : ( إذا جاء الأستاذ كانت الساعة التاسعة ) وكان هناك توقّف بينهما ولو صدفة كفى ذلك في استفادة المفهوم وأنّه لا تكون الساعة التاسعة إذا لم يأت.

وأمّا على مستوى المدلول التصديقي للجملة ، فقد تكشف الجملة في هذه المرحلة عن معنى يبرهن على أنّ الشرط علّة منحصرة أو جزء علّة منحصرة للجزاء ، وبذلك يثبت المفهوم.

وأمّا المقام الثاني : وهو إثبات المفهوم على مستوى المدلول التصديقي للجملة في المراد الجدّي ، فإذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) ، وقلنا : إنّ المدلول التصوّري الوضعي ليس هو النسبة التوقّفية ، بل كان النسبة الاستلزاميّة أو الإيجاديّة ، فمع ذلك يمكن أن يدّعى استفادة المفهوم أي الانتفاء عند الانتفاء على أساس وجود دلالة إثباتيّة تصديقيّة كما سيأتي بيانه مفصّلا عند الكلام في الجمل

الشرطيّة ، وإن كان الصحيح عدم تماميّة شيء ممّا ذكر ، ولكن مع ذلك نقول : قد يدّعى وجود دلالة إثباتيّة لإفادة أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء أو جزء علّة منحصرة ، فإذا ثبت كون الجزاء علّة تامّة منحصرة مثلا كان معنى ذلك أنّ الجزاء يتوقّف وجوده على الشرط ، فإذا عدم الشرط انعدم الجزاء أيضا ، فثبت المفهوم.

وإثبات العلّيّة الانحصاريّة في الشرط يتوقّف على أدلّة وبراهين منها :

وهذا من قبيل المحاولة الهادفة لإثبات المفهوم تمسّكا بالإطلاق الأحوالي للشرط

١٨

لإثبات كونه مؤثّرا على أي حال ، سواء سبقه شيء آخر أم لا ، ثمّ لاستنتاج انحصار العلّة بالشرط من ذلك ، إذ لو كانت للجزاء علّة أخرى لما كان الشرط مؤثّرا في حال سبق تلك العلّة.

من الأدلّة الإثباتيّة على وجود الربط الخاصّ في الجملة الشرطيّة مثلا وهو الانتفاء عند الانتفاء الإطلاق وقرينة الحكمة.

وتقريب ذلك : إذا قيل : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) ثبت بالإطلاق الأحوالي للشرط أنّه علّة تامّة منحصرة للجزاء ، بمعنى أنّ المجيء علّة لإكرام زيد في جميع حالاته وهي ما إذا ( جاء زيد ) من دون وجود شيء آخر مع هذا المجيء ، وفيما إذا ( جاء زيد ) وكان مسبوقا أو ملحوقا بشيء آخر كالفقر أو العدالة أو العلم أو المرض ونحو ذلك من قيود وأوصاف أخرى.

فبالإطلاق الأحوالي للشرط نثبت أنّه لو كان هناك شيء آخر مقارن لهذا الشرط أو بديل عنه أو لاحق له للزم ذكره في الكلام بالعطف بـ ( الواو ) أو بـ ( أو ) ، وبما أنّه لم يقل ذلك فهو لا يريده ، فيثبت أنّ المجيء شرط وحيد وعلّة تامّة منحصرة ، للجزاء ، فيكون مؤثّرا مطلقا وفي كلّ الحالات سواء كان معه شيء أو لا ، أو سبقه شيء أو لا ، أو لحقه شيء أو لا.

وهذا معناه أنّه لو كان هناك وصف آخر كالعدالة مثلا موجودة ومتحقّقة في زيد ، وكان هناك علّة أخرى للجزاء تقدّمت أو قارنت المجيء لكان معنى ذلك أنّ الشرط المؤثّر في الجزاء هو هذه العلّة لا المجيء ، فيكون ذكر المجيء لغوا وتحصيلا للحاصل.

وهذا معناه أنّ المجيء لم يكن علّة مؤثّرة في الجزاء ، وهذا مخالف للإطلاق الأحوالي للمجيء الذي ذكر شرطا.

فعلى أساس هذه القرينة ومقدّمات الحكمة والإطلاق الأحوالي نثبت كون الشرط علّة منحصرة للجزاء فنثبت المفهوم.

ومن الأدلّة أيضا التمسّك بالإطلاق وقرينة الحكمة في الجزاء.

ومن الأدلّة التمسّك بالقاعدة الفلسفيّة القائلة : إنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد ، وسيأتي تفصيل ذلك.

فإنّ هذا انتزاع للمفهوم من المدلول التصديقي ؛ لأنّ الإطلاق الأحوالي للشرط

١٩

مدلول لقرينة الحكمة ، وقد تقدّم سابقا أنّ قرينة الحكمة ذات مدلول تصديقي ولا تساهم في تكوين المدلول التصوّري.

هذا ما ينبغي أن يقال في تحديد الضابط.

فاستفادة المفهوم من هذه الأدلّة الإثباتيّة معناه أنّ المفهوم ثابت في مرحلة المدلول التصديقي للكلام لا في المدلول التصوّري ؛ وذلك لأنّ الإطلاق الأحوالي في الشرط مرجعه إلى قرينة الحكمة ، وهي ظهور حال المتكلّم أنّه في مقام البيان لتمام موضوع حكمه ، فلو كان يريد القيد لذكر ما يدلّ عليه فما دام لم يذكره فهو لا يريده.

وهنا لو كان يريد علّة أخرى جزءا أو بدلا عن المجيء لذكر ذلك ، فما لم يذكر يثبت أنّ المجيء هو تمام الشرط المؤثّر في الجزاء. ومن الواضح أنّ قرينة الحكمة إنّما تجري لإثبات المدلول التصديقي الثاني وهو المراد الجدّي للمتكلّم ، وليس لها علاقة في تكوين المدلول التصوّري للكلام ؛ لأنّ مرجعها إلى ظهور حال المتكلّم وظهور حاله لا علاقة له بمدلول اللفظ الوضعي والتصوّري.

ولذلك قلنا : إنّ هذه الأدلّة على فرض تماميّة شيء منها فهي تثبت المفهوم على مستوى المدلول التصديقي لا التصوّري.

هذا تمام الكلام في تحديد ضابط المفهوم على ضوء تصوّرات السيّد الشهيد.

وأمّا المشهور فقد اتّجهوا إلى تحديد الضابط للمفهوم في ركنين ، كما مرّ بنا في الحلقة السابقة (١) :

أحدهما : استفادة اللزوم العلّي الانحصاري.

والآخر : كون المعلّق مطلق الحكم لا شخصه.

وأمّا المشهور فقد سلكوا في تحديد ضابط المفهوم مسلكا آخر وهو أنّ ثبوت المفهوم للجملة يتوقّف على ركنين إذا تحقّقا تمّ المفهوم ، وإذا انتفى أحدهما على الأقلّ فلا مفهوم للجملة ، وهذان الركنان هما :

الأوّل : استفادة اللزوم العلّي الانحصاري ، فمثلا إذا قيل : ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) كانت الجملة دالّة على المفهوم إذا كان الشرط فيها

__________________

(١) في بحث المفاهيم ، تحت عنوان : ضابط المفهوم.

٢٠