🚘

شرح الحلقة الثّالثة

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي

شرح الحلقة الثّالثة

المؤلف:

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤١٣
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ ـ ٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

الوظيفة عند

الشكّ في الأقلّ والأكثر

١ ـ التقسيم الرئيسي للأقلّ والأكثر

٢ ـ الأقلّ والأكثر في الأجزاء

٣ ـ الأقلّ والأكثر في الشرائط

٤ ـ الدوران بين التعيين والتخيير العقلي

٥ ـ الدوران بين التعيين والتخيير الشرعي

٦ ـ ملاحظات عامّة حول الأقلّ والأكثر

٥
٦

التقسيم الرئيسي للأقلّ والأكثر

درسنا فيما سبق حالة الشكّ في أصل الوجوب ، وحالة العلم بالوجوب وتردّد متعلّقه بين أمرين متباينين.

فالأولى هي حالة الشكّ البدوي التي تجري فيها البراءة الشرعيّة.

والثانية هي حالة الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي التي تجري فيها أصالة الاشتغال.

والآن ندرس حالة العلم بالوجوب وتردّد الواجب بين الأقلّ والأكثر ، وهي على قسمين :

القسم الرابع من أقسام الشكّ هو الشكّ في الأقلّ والأكثر.

تقدّم معنا سابقا تقسيم الشكّ إلى أقسام هي :

١ ـ الشكّ البدوي في التكليف ، كالشكّ في الوجوب أو الشكّ في الحرمة ، وهذا الشكّ مجرى لأصالة البراءة العقليّة عند المشهور ، ومجرى لأصالة البراءة الشرعيّة على مسلك حقّ الطاعة.

٢ ـ الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي ، وهذا مجرى لأصالة الاشتغال والاحتياط.

٣ ـ الدوران بين المحذورين ، إمّا بنحو الشكّ البدوي وإمّا بنحو الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي ، كما تقدّم سابقا ، وهذا مجرى لأصالة البراءة عقلا وشرعا في القسم الأوّل ، ومجرى لأصالة التخيير العقلي في الثاني دون البراءة الشرعيّة.

٤ ـ الشكّ في التكليف بين الأقلّ والأكثر ، وذلك بأن يكون نفس التكليف معلوما تفصيلا ولكن يدور أمره بين أجزاء قليلة أو كثيرة.

وهذا النحو من الشكّ في الأقلّ والأكثر على قسمين :

الأوّل : دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين ، وهو يعني أنّ ما يتميّز به

٧

الأكثر على الأقلّ من الزيادة على تقدير وجوبه يكون واجبا مستقلاّ عن وجوب الأقلّ ، كما إذا علم المكلّف بأنّه مدين لغيره بدرهم أو بدرهمين.

القسم الأوّل : دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين.

وهذا يعني أنّ هناك واجبا وهو وجوب الأقلّ ، وهناك واجب آخر وهو وجوب الأكثر ، بحيث يكون كلّ منهما مستقلا عن الآخر ، فإنّه على تقدير كون الواجب هو الأكثر فهذا يعني وجود وجوب آخر غير الأقلّ ؛ لأنّ ما يتميّز به الأكثر عن الأقلّ يجعله وجوبا مستقلا.

كما إذا علم باشتغال ذمّته لشخص وتردّد أمره بين كون الواجب عليه درهما أو درهمين ، فإنّه على تقدير كون الأكثر هو الواجب فهو مستقل عن الأقلّ ؛ لأنّ الدرهمين غير الدرهم وهكذا العكس ، فكلّ واحد مستقلّ عن الآخر.

الثاني : دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، وهو يعني أنّ هناك وجوبا واحدا له امتثال واحد وعصيان واحد ، وهو إمّا متعلّق بالأقلّ أو بالأكثر ، كما إذا علم المكلّف بوجوب الصلاة وتردّدت الصلاة عنده بين تسعة أجزاء وعشرة.

القسم الثاني : دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين :

وهذا يعني أنّ هناك وجوبا واحدا وتكليفا واحدا واجب الامتثال والإطاعة ، بحيث تكون هناك مخالفة واحدة وعصيان واحد ، أو امتثال وإطاعة واحدة.

وهذا يعني أيضا أنّ وجوب الأكثر ليس مستقلاّ عن وجوب الأقلّ ، بل هو الأقلّ وزيادة ؛ إذ لا معنى لوجوب الزيادة لوحدها مستقلّة عن الأقلّ ، بل وجوبها مرتبط بالأقلّ أيضا.

مثاله : أن يعلم بوجوب الصلاة ولكنّه لا يعلم هل الصلاة مركّبة من تسعة أجزاء فقط أو هي مركّبة من عشرة أجزاء ، فهنا الشكّ في الجزء العاشر لا يعني أنّه هو الواجب دون سائر الأجزاء ؛ لأنّ العشرة مرتبطة بالتسعة إذ لا يتصوّر عشرة من دون تسعة ، فلو كان هذا الجزء دخيلا لم يكف امتثال الأقلّ وإن لم يكن دخيلا كفى امتثاله من دون العاشر.

أمّا القسم الأوّل : فلا شكّ في أنّ وجوب الأقلّ فيه منجّز بالعلم ، وأنّ وجوب

٨

الزائد مشكوك بشكّ بدوي ، فتجري عنه البراءة عقلا وشرعا أو شرعا فقط ، على الخلاف بين المسلكين.

أمّا القسم الأوّل أي الشكّ في الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين ، فهنا يقال : إنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا وعلى كلّ تقدير ؛ لأنّ الواجب لو كان الدرهم فقط فالأقلّ هو الثابت بنحو مستقلّ ، وإن كان الثابت هو الدرهمين فالأقلّ أي الدرهم ثابت أيضا ضمن الدرهمين ؛ إذ لا يعقل وجود درهمين من دون الدرهم ، فيكون الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير للعلم به.

وأمّا وجوب الأكثر فإنّه على تقدير كون الواجب هو الأقلّ فهو غير ثابت ، وعلى تقدير كون الواجب هو الدرهمين فهو ثابت ، وحيث لا يدري ما هو الثابت منهما فيكون الأكثر مشكوكا شكّا بدويّا ، فتجري فيه البراءة العقليّة والشرعيّة على رأي المشهور ، وتجري فيه البراءة الشرعيّة دون العقليّة على مسلك حقّ الطاعة.

وأمّا القسم الثاني : فتندرج فيه عدّة مسائل نذكرها تباعا :

* * *

٩
١٠

الدوران بين

الأقلّ والأكثر في الأجزاء

١١
١٢

١ ـ الدوران بين الأقلّ والأكثر في الأجزاء

وفي مثل ذلك قد يقال : بأنّ حاله حال القسم الأوّل ، فإنّ وجوب الأقلّ منجّز بالعلم ، ووجوب الزيادة ـ أي ما يشكّ في كونه جزءا ـ مشكوك بدوي فتجري عنه البراءة ؛ لأنّ هذا هو ما يقتضيه الدوران بين الأقلّ والأكثر بطبعه ، فإنّ كلّ دوران من هذا القبيل يتعيّن في علم بالأقلّ وشكّ في الزائد.

إذا تردّد أمر الواجب المركّب من أجزاء بين الأقلّ والأكثر كما إذا علم بوجوب الصلاة وشكّ في كونها مركّبة من تسعة أجزاء فقط أو أنّها مركّبة من عشرة أجزاء ، فهنا مرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في دخالة الجزء وعدم دخالته ، كما إذا شكّ في كون السورة جزءا من الصلاة أو ليست بجزء ، فإنّه على تقدير كونها جزءا فتكون الصلاة مركّبة من عشرة أجزاء مثلا ، وأمّا على تقدير كونها ليست جزءا فالصلاة مركّبة من تسعة أجزاء.

فهل هذا الدوران كالدوران بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين يقتصر فيه على وجوب الأقلّ وتجري البراءة عن وجوب الأكثر ، أو أنّه من الدوران بين المتباينين حيث يعلم إجمالا بالجامع بينهما فيجب الاحتياط؟

قد يقال : إنّ حكم هذه المسألة كحكم المسألة السابقة ؛ لأنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا سواء كان الواجب هو الأقلّ أو الأكثر ، فيعلم بوجوب تسعة أجزاء على كلّ حال ، فهو منجّز على كلا التقديرين ولا شكّ فيه.

وأمّا وجوب الأكثر ( أي الجزء المشكوك دخالته ) فهو على بعض التقادير واجب وعلى التقدير الآخر غير واجب ، فيكون مشكوكا شكّا بدويّا فتجري فيه البراءة.

وبتعبير آخر : أنّ القاعدة الأوّليّة في الأقلّ والأكثر هي كون الأقلّ معلوما تفصيلا ،

١٣

والأكثر مشكوك بدوا وهو مجرى للبراءة ، وهذه القاعدة لا يرفع اليد عنها إلا بوجود مانع يمنع من جريان البراءة.

وعليه ينصبّ البحث هنا في أنّه هل هناك مانع من جريان البراءة أو لا؟

ولكن قد يعترض على إجراء البراءة عن وجوب الزائد في المقام ، ويبرهن على عدم جريانها بعدّة براهين :

وهنا ذكرت عدّة موانع عن جريان البراءة ، وهذا يعني أنّ الحكم في المسألة هو الاحتياط ولزوم الإتيان بالأكثر ، وسوف نستعرض هذه الموانع لنرى مدى مانعيّتها من جريان البراءة ، وهنا ذكرت ستّة براهين للمنع من جريان البراءة ، وهي :

البرهان الأوّل :

وهو يقوم على أساس دعوى وجود العلم الإجمالي المانع عن إجراء البراءة ، وليس هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو وجوب الزائد لينفى ذلك بأنّ وجوب الزائد لا يحتمل كونه بديلا عن الأقلّ ، فكيف يجعل طرفا مقابلا له في العلم الإجمالي؟ بل هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر المشتمل على الزائد ، ومعه لا يمكن إجراء الأصل لنفي وجوب الزائد لكونه جزءا من أحد طرفي العلم الإجمالي.

البرهان الأوّل : أن يقال : إنّه لا يمكن إجراء البراءة هنا ؛ لأنّه يوجد علم إجمالي منجّز ، ومع وجوده لا مجال للبراءة ؛ لأنّ موردها الشكّ البدوي.

وهذا العلم الإجمالي ليس هو العلم الإجمالي الدائر بين وجوب الأقلّ ووجوب العاشر ، أي أنّه ليس دائرا بين التسعة والعاشر ، ليقال بأنّ وجوب الأقلّ معلوم على كلّ حال والعاشر مشكوك فتجري عنه البراءة ؛ لأنّ العاشر لا يمكن أن يقع طرفا مستقلا للعلم الإجمالي بنحو يكون بديلا عن الأقلّ ؛ لأنّ العلم الإجمالي معناه أنّ كلا طرفيه صالح لأن يكون هو التكليف المعلوم بالإجمال ، فإذا علم بنجاسة أحد الإناءين مثلا كان كلّ واحد من الإناءين صالحا لأن يكون هو النجس ، وكذا فيما إذا علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة.

وفي مقامنا لا يعقل أن يكون الجزء العاشر صالحا لأن يكون هو التكليف المعلوم بالإجمال بنحو يجعله بديلا عن وجوب الأقلّ ؛ إذ لا معنى لوجوب العاشر فقط دون الأقلّ.

١٤

وبتعبير آخر : إنّ كون الشيء طرفا للعلم الإجمالي معناه كونه صالحا لأن يكون هو المنجّز بدلا عن الطرف الآخر ، وهنا العاشر لوحده لا يمكن أن يكون هو المنجّز بنحو بديل عن التسعة ؛ إذ لا معنى لوجوب العاشر دون التسعة.

وهكذا نصل إلى أنّ العلم الإجمالي ليس دائرا بين وجوب الأقلّ ووجوب الزائد لوحده ، بل هو دائر بين وجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر ، أي بين وجوب التسعة والتي هي كلّ واحد مترابط ، وبين وجوب العشرة والتي هي كلّ واحد مترابط أيضا ، وهذا يعني الدوران بين متباينين وكلّ واحد منهما صالح لأن يكون هو المنجّز ؛ إذ كما يمكن أن يكون الوجوب متعلّقا بالتسعة كذلك يمكن أن يكون متعلّقا بالعشرة المركّبة من التسعة والزيادة.

ومثل هذا العلم الإجمالي منجّز فيجب الاحتياط بالإتيان بالعشرة لكي يعلم ببراءة ذمّته يقينا ، حيث إنّها مشتغلة يقينا بالتكليف ؛ لأنّ الاكتفاء بالأقلّ من دون الإتيان بالجزء العاشر لا يجعل الذمّة بريئة.

ولا يمكن هنا نفي الجزء العاشر الزائد بنحو مستقلّ ؛ لأنّه مرتبط بالأجزاء التسعة المكوّنة لوجوب الأكثر ونفيه ضمن نفي وجوب الأكثر غير ممكن أيضا ؛ لأنّه طرف للعلم الإجمالي والذي يمنع من جريان الأصول الترخيصيّة في طرفيها للتعارض بينهما.

وقد أجيب على هذا البرهان بوجوه :

منها : أنّ العلم الإجمالي المذكور منحلّ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير ؛ لأنّ الواجب إن كان هو الأقلّ فهو واجب نفسي وإن كان الواجب هو الأكثر فالأقلّ واجب غيري ؛ لأنّه جزء الواجب وجزء الواجب مقدّمة له.

ثمّ إنّه قد ذكرت عدّة أجوبة على هذا البرهان نذكر منها ما يلي :

الجواب الأوّل : ما ذكره الشيخ الأنصاري كما هو ظاهر عباراته من أنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي في وجوب الأكثر.

وتوضيحه : أنّ الأقلّ إن كان هو الواجب فالأقلّ واجب نفسي ، وإن كان الواجب هو الأكثر فالأقلّ واجب غيري ؛ لأنّه داخل في الأكثر ؛ إذ هو من المقدّمات الداخليّة

١٥

لتحقّق الأكثر ، وعليه فيكون وجوب الأقلّ معلوما على كلّ تقدير ؛ لأنّه إمّا واجب نفسي ، وإمّا واجب غيري ، فيكون وجوبه معلوما على كلا التقديرين ، فهو منجّز قطعا ، ولا شكّ في ذلك.

وأمّا الأكثر فهو إنّما يكون واجبا على تقدير تعلّق المعلوم بالإجمال به بحيث يكون هو المعلوم إجمالا لا وجوب الأقلّ ، وهذا التقدير غير معلوم فيكون مشكوكا بدوا فتجري عنه البراءة.

ولا مانع من جريان البراءة هنا لانحلال العلم الإجمالي إما حقيقة وإمّا حكما ؛ وذلك لأنّنا إذا قلنا : إنّ الأقلّ معلوم تفصيلا فيسري العلم من الجامع إلى الفرد ، ويكون الفرد الثاني مشكوكا بدوا لزوال العلم الإجمالي فهذا انحلال حقيقي ، وإذا قلنا : إنّ الأصل الترخيصي يجري في وجوب الأكثر دون الأقلّ ؛ لأنّ الأقلّ منجّز على كلّ تقدير فلا مورد لجريان الأصل فيه فيجري الأصل في الأكثر من دون معارض فهذا انحلال حكمي.

ونلاحظ على هذا الوجه : أنّه إن أريد به هدم الركن الثاني من أركان تنجيز العلم الإجمالي.

فالجواب عليه : أنّ الانحلال إنّما يحصل إذا كان المعلوم التفصيلي مصداقا للجامع المعلوم بالإجمال كما تقدّم (١) ، وليس الأمر في المقام كذلك لأنّ الجامع المعلوم بالإجمال هو الوجوب النفسي والمعلوم التفصيلي وجوب الأقلّ ولو غيريّا ، وإن أريد به هدم الركن الثالث بدعوى أنّ وجوب الأقلّ منجّز على أي حال ولا تجري البراءة عنه فتجري البراءة عن الآخر بلا معارض.

فالجواب عليه : أنّ الوجوب الغيري لا يساهم في التنجيز كما تقدّم في مباحث المقدّمة (٢).

ويرد عليه : أنّ الانحلال المذكور تارة يراد به الانحلال الحقيقي ، وأخرى يراد به الانحلال الحكمي.

__________________

(١) تحت عنوان : أركان منجّزيّة العلم الإجمالي ، عند بيان الركن الثاني.

(٢) في بحث الدليل العقلي من الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة ، تحت عنوان : خصائص الوجوب الغيري.

١٦

فإن أريد به الانحلال الحقيقي بدعوى أنّ الركن الثاني منهدم وأنّ العلم سرى من الجامع إلى الفرد ، فهذا يتوقّف على إثبات أنّ المعلوم التفصيلي مصداق للمعلوم الإجمالي ، أو على الأقلّ يصلح لأن يكون مصداقا له مع عدم وجود ميزة وخصوصيّة في المعلوم الإجمالي ، وإلا اشترط إحرازها في المعلوم التفصيلي.

وفي مقامنا لا يمكن أن يكون المعلوم التفصيلي مصداقا للمعلوم الإجمالي ؛ وذلك لأنّه يوجد ميزة في المعلوم الإجمالي لا يحرز وجودها في المعلوم التفصيلي فيكون هناك شبهة مصداقيّة للانحلال ، فلا يمكن التمسّك بدليل الانحلال فيها ؛ لأنّه من التمسّك بالعامّ لإثبات مصداقه وهو ممنوع.

والوجه في ذلك : أنّ المعلوم التفصيلي هو وجوب الأقلّ على كلّ تقدير سواء كان نفسيّا أم غيريّا ، بينما المعلوم إجمالا هو وجوب الأقلّ نفسيّا أو وجوب الأكثر نفسيّا ، والأوّل ليس مصداقا للثاني.

نظير ما إذا علم إجمالا بوجود إنسان طويل في المسجد ، ثمّ علم تفصيلا بوجود زيد في المسجد ولكنّه لا يعلم هل هو طويل أو قصير؟ فهذا لا يوجب الانحلال الحقيقي لوجود ميزة وخصوصيّة في المعلوم بالإجمال غير محرزة في المعلوم التفصيلي ، وهنا كذلك فإنّ ميزة النفسيّة المعلومة إجمالا غير محرزة تفصيلا ؛ لأنّ الأمر فيه مردّد بين النفسي والغيري.

وإن أريد به الانحلال الحكمي بدعوى أنّ الركن الثالث منهدم ، أي أنّ الأصول الترخيصيّة تجري لنفي وجوب الأكثر ولا تعارضها الأصول الترخيصيّة في الأقلّ ؛ لأن الأقلّ منجّز على كلّ تقدير ، فلا مورد للأصول الترخيصيّة فيه ، فهذا يتوقّف على إثبات كون الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير ، إلا أنّ هذا لا يمكن إثباته هنا.

والوجه في ذلك : أنّ الأقلّ لو كان واجبا نفسيّا فهو منجّز ، لكنّه لو كان واجبا غيريّا فهو غير منجّز بمنجّز مستقلّ ، بل منجّزيّته ضمن منجّزيّة الأكثر ؛ لأنّ الواجب الغيري لا ينجّز التكليف على ذمّة المكلّف بقطع النظر عن الواجب المرتبط به ، فلا يكون وجوب الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير ، وإنّما يكون منجّزا على تقدير كونه واجبا نفسيّا فقط.

وأمّا على تقدير كونه واجبا غيريّا فالمنجّزيّة لوجوب الأكثر والتي يترشّح منها

١٧

وجوب غيري للمقدّمات والأجزاء ، ولذلك لا يعاقب على ترك المقدّمات زائدا على ترك الواجب.

وبتعبير آخر : إنّ وجوب المقدّمة لا يكون منجّزا إلا بفرض منجّزيّة ذي المقدّمة نفسه ، وهنا إذا فرضنا كون الأقلّ واجبا غيريّا من باب كونه مقدّمة داخليّة للأكثر ، فلا يكون منجّزا إلا بعد إحراز منجّزيّة الأكثر ، والمفروض أنّ وجوب الأكثر ومنجّزيّته مشكوكة للعلم الإجمالي إمّا بوجوبه أو بوجوب الأقلّ ، وحيث إنّه لا يعلم بوجوبه فلا يعلم بوجوب الأقلّ الغيري بل هو مشكوك ، وحينئذ لا يكون وجوب الأقلّ معلوما على كلّ تقدير لكي لا تجري فيه الأصول الترخيصية ، بل هو معلوم على بعض التقادير فقط ، فحاله حال وجوب الأكثر فإنّه معلوم على بعض التقادير أيضا ، ولذلك تكون الأصول الترخيصيّة نسبتها إليهما على حدّ واحد فتجري فيهما معا ، ويقع التعارض بينهما ويحكم بتساقطهما ، فيكون العلم الإجمالي على منجّزيّته ولم ينهدم ركنه الثالث.

ومنها : أنّ العلم الإجمالي المذكور منحلّ بالعلم التفصيلي بالوجوب النفسي للأقلّ ؛ لأنّه واجب نفسا إمّا وحده أو في ضمن الأكثر ، وهذا المعلوم التفصيلي مصداق للجامع المعلوم بالإجمال فينحلّ العلم الإجمالي به.

الجواب الثاني : ما يستفاد أيضا من كلمات الشيخ الأنصاري من دعوى الانحلال الحقيقي بتقريب : أنّ العلم الإجمالي هو العلم بالتكليف النفسي الدائر بين الأقلّ والأكثر ، وهذا العلم منحلّ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ النفسي ؛ وذلك لأنّ الواجب إمّا أن يكون هو الأقلّ فقط فهذا من الواضح كونه واجبا نفسيّا ؛ لأنّه واجب استقلالي برأسه ، وإمّا أن يكون في ضمن وجوب الأكثر ، وهذا واجب نفسي أيضا ؛ لأنّ الوجوب الضمني واجب نفسي لا غيري ، أي أنّ الوجوب المتعلّق بالمركّب ينحلّ بالتضمّن إلى وجوبات نفسيّة ضمنيّة بعدد الأجزاء ، فوجوب التسعة والتي هي الأقلّ واجبة ضمنا بالوجوب النفسي.

وحينئذ نقول : إنّ الخصوصيّة والميزة الموجودة في المعلوم الإجمالي وهو كون الواجب نفسيّا يعلم بوجودها تفصيلا في الأقلّ ؛ لأنّه واجب نفسيّا إما مستقلاّ وإمّا ضمنا ، ولذلك يسري العلم من الجامع إلى الفرد فيتنجّز ، بينما الفرد الآخر مشكوك بدوا فتجري فيه الأصول الترخيصيّة بلا محذور.

١٨

وقد يجاب على هذا الانحلال بأجوبة نذكر فيما يلي مهمّها :

الجواب الأوّل : أنّ الجامع المعلوم إجمالا هو الوجوب النفسي الاستقلالي إمّا للأقلّ أو للأكثر ، وما هو معلوم بالتفصيل في الأقلّ هو الوجوب النفسي ولو ضمنا ، فلا انحلال.

وأورد على هذا الجواب بإيرادات عديدة نذكر أهمّها :

الأوّل : أنّ المعلوم بالإجمال يشتمل على خصوصيّة وميزة غير محرزة الوجود في المعلوم بالتفصيل ، وذلك لأنّ المعلوم إجمالا هو الوجوب النفسي الاستقلالي إما للأقلّ وإمّا للأكثر ؛ لأنّ الأمر مردّد بين وجوب الأقلّ بحدّه وبين وجوب الأكثر بحدّه ، يعني إمّا هذا بنحو مستقلّ وإمّا ذلك بنحو مستقلّ ، ففي الدقّة يوجد خصوصيّتان معلومتان بالإجمال إحداهما كون الواجب نفسيّا ، والأخرى كونه استقلاليّا.

وأمّا المعلوم بالتفصيل فهو وجوب الأقلّ النفسي المردّد بين الاستقلالي والضمني ؛ لأنّ الواجب النفسي إن كان هو الأقلّ فهو واجب نفسي استقلالي ، وإن كان الواجب النفسي هو الأكثر فالأقلّ واجب نفسي ضمني ، وحينئذ لا تكون خصوصيّة الاستقلاليّة محرزة الوجود في الأقلّ المعلوم تفصيلا مع أنّها محرزة ودخيلة قطعا لكون العلم الإجمالي مشتملا عليها ، وحيث إنّه لا توجد ميزة كذلك فلا يصلح المعلوم التفصيلي للانحلال الحقيقي.

وبتعبير آخر : إنّ حدّ الاستقلاليّة دخيل في المعلوم الإجمالي ، وهذا الحدّ لا بدّ من إحرازه تفصيلا لكي يحصل الانحلال الحقيقي.

وفي مقامنا لا يحرز وجود هذا الحدّ تفصيلا للتردّد بين الاستقلاليّة والضمنيّة فلا انحلال إذن.

ويلاحظ : أنّ الاستقلاليّة معنى منتزع من حدّ الوجوب وعدم شموله لغير ما تعلّق به ، والحدّ لا يقبل التنجّز ولا يدخل في العهدة ، وإنّما يدخل فيها ويتنجّز ذات الوجوب المحدود ، فالعلم الإجمالي بالوجوب النفسي الاستقلالي وإن لم يكن منحلاّ ، ولكنّ معلوم هذا العلم لا يصلح للدخول في العهدة لعدم قابليّة حدّ الوجوب للتنجّز ، والعلم الإجمالي بذات الوجوب المحدود بقطع النظر عن حدّ

١٩

الاستقلاليّة هو الذي ينجّز معلومه ويدخله في العهدة ، وهذا العلم منحلّ بالعلم التفصيلي المشار إليه.

ويرد عليه : أنّ حدّ الاستقلاليّة منتزع من الوجوب ، ومعناها أنّ هذا الوجوب لا يتعدّى إلى أكثر ممّا تعلّق به ولا يشمل غيره ، وليست حدّا لمتعلّق الوجوب أي للأقلّ أو للأكثر ، فهنا أمران :

١ ـ أن نقول : إنّ حدّ الاستقلاليّة حدّ لنفس الأقلّ ولنفس الأكثر ، فيكون المراد أنّ الأقلّ بهذا الحدّ هو الواجب فيكون الإتيان بالجزء العاشر مخلاّ بتحقّق الأقلّ ؛ لعدم الحفاظ على استقلاليّته ، وإمّا من جهة الأكثر فيكون حدّ الاستقلاليّة أنّه يجب الإتيان بالعشرة لا أقلّ فيكون العاشر جزءا دخيلا وعدم وجوده يخلّ بالأكثر.

وحينئذ يكون الأمر دائرا بين كون العاشر مانعا أو جزءا ، وهذا خروج عن محلّ الكلام ؛ لأنّه إن كان الواجب هو الأقلّ بحدّه الاستقلالي فالعاشر مانع وإن كان الواجب هو الأكثر بحدّه الاستقلالي فالعاشر جزء.

٢ ـ أن نقول : إنّ حدّ الاستقلاليّة حدّ لنفس الوجوب ، أي أنّه منتزع من وجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر ، بمعنى أنّ وجوب الأقلّ أو الأكثر واجب لنفسه لا لغيره ، فهذا صحيح ، إلا أنّ حدّ الاستقلاليّة وإن كان معلوما بالإجمال ولكنّه لا يدخل في العهدة ولا تشتغل به الذمّة ؛ لأنّه وصف ينتزع من وجود الأقلّ أو الأكثر ، فوجوده في طول وجودهما ، وهذا يعني أنّ الذمّة تشتغل بذات الوجوب لا بحدّه.

وحينئذ نقول : إنّ العلم الإجمالي المتعلّق بالوجوب النفسي الاستقلالي للأقلّ أو للأكثر ، غير منحلّ حقيقة بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ إمّا استقلاليّا وإمّا ضمنيّا ؛ لعدم إحراز الميزة الموجودة في العلم الإجمالي.

إلا أنّ المقصود من العلم الإجمالي كونه منجّزا ومدخلا للعهدة والذمّة ، فإذا لم يكن منجّزا لمعلومه فلا أثر له ، وحيث إنّ حدّ الاستقلاليّة غير قابل للتنجيز والدخول في العهدة فلا أثر للعلم الإجمالي به ، وعليه فيكون العلم الإجمالي منجّزا للوجوب النفسي دون الاستقلاليّة ، وهذا العلم الإجمالي منحلّ حقيقة للعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ النفسي على كلّ تقدير ، أي سواء كان استقلاليّا أم ضمنيّا.

والحاصل : أنّ حدّ الاستقلاليّة حيث لا يمكن دخوله في العهدة فوجوده وعدمه

٢٠