🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

كتاب المضاربة

٤٦١
٤٦٢

(كتاب المضاربة)

(وهي أن يدفع مالاً إلى غيره لِيَعمَلَ فيه بحصّة معيّنة من ربحه) مأخوذةٌ من الضرب في الأرض؛ لأنّ العامل يضرب فيها للسعي على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال، فكأنّ الضرب مسبَّب عنهما فتحقّقت المفاعلة لذلك، أو من ضرب كلّ منهما في الربح بسهم، أو لما فيه من الضرب بالمال وتقليبه.

وأهل الحجاز يسمّونها قراضاً من القَرْض وهو القطع، كأنّ صاحب المال اقتطع منه قِطعة وسلّمها إلى العامل، أو اقتطع له قطعة من الربح في مقابلة عمله، أو من المقارضة، وهي المساواة، ومنه: «قارض الناس ما قارضوك، فإن تركتهم لم يتركوك» (١).

ووجه التساوي هنا: أنّ المال من جهة والعمل من اُخرى، والربح في مقابلهما، فقد تساويا في قوام العقد أو أصل استحقاق الربح، وإن اختلفا في كمّيّته.

(وهي جائزة من الطرفين) سواء نضّ المال (٢) أم كان به عروض، يجوز لكلّ منهما فسخها. ومن لوازم جوازها منهما وقوع العقد بكلّ لفظٍ يدلّ عليه.

__________________

(١) غريب الحديث ٤:١٤٩، في حديث أبي الدرداء.

(٢) والمراد بإنضاض المال صيرورته دراهم أو دنانير كما كان أوّلاً.

٤٦٣

وفي اشتراط وقوع قبوله لفظيّاً أو جوازه بالفعل أيضاً قولان (١) لا يخلو ثانيهما من قوّة.

(ولا يصحّ اشتراط اللزوم أو الأجل فيها) بمعنى أنّه لا يجب الوفاء بالشرط ولا تصير لازمة بذلك ولا في الأجل، بل يجوز فسخها فيه عملاً بالأصل و (لكن) اشتراط الأجل (يثمر المنع من التصرّف بعد الأجل إلّابإذن جديد) لأنّ التصرّف تابع للإذن ولا إذن بعدَه. وكذا لو أجّل بعضَ التصرّفات، كالبيع أو الشراء خاصّة أو نوعاً خاصّاً.

ويفهم من تشريكه بين اشتراط اللزوم والأجل تساويهما في الصحّة وعدم لزوم الشرط.

والمشهور: أنّ اشتراط اللزوم مبطل؛ لأنّه منافٍ لمقتضى العقد، فإذا فسد الشرط تبعه العقد، بخلاف شرط الأجل، فإنّ مرجعه إلى تقييد التصرّف بوقت خاصّ وهو غير منافٍ. ويمكن أن يريد المصنّف ذلك، وإنّما شرّك بينهما في عدم صحّة الشرط مطلقاً وإن افترقا في أمر آخر.

(ويقتصر) العامل (من التصرّف على ما أذن المالك له) من نوع التجارة ومكانها وزمانها ومن يشتري منه ويبيع عليه، وغير ذلك. فإن خالف ما عيّن له ضمن المال، لكن لو ربح كان بينهما بمقتضى الشرط؛ للأخبار الصحيحة (٢) ولولاها لكان التصرّف باطلاً أو موقوفاً على الإجازة.

__________________

(١) القول بالاشتراط منسوب في المناهل:١٩٧ إلى العلّامة في القواعد ٢:٣٣١، والتحرير ٣:٢٤٤، وهو الظاهر من الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:٢١٥. والقول بالعدم للعلّامة أيضاً في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٢٩، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٥٣.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:١٨١ ـ ١٨٣، الباب الأوّل من المضاربة، الأحاديث ١ و ٢ و ٥ و ٦ و ٩ ـ ١١.

٤٦٤

(ولو أطلق) له الإذن (تصرّف بالاسترباح) في كلّ ما يظنّ فيه حصول الربح من غير أن يتقيّد بنوع أو زمان أو مكان. ويتولّى أيضاً بالإطلاق ما يتولّاه المالك في التجارة بنفسه: من عرض القماش على المشتري ونشره وطيِّه وإحرازه وبيعه وقبض ثمنه، ولا اُجرة له على مثل ذلك، حملاً للإطلاق على المتعارف. وله الاستئجار على ما جرت العادة به، كالدلالة ووزن الأمتعة الثقيلة التي لم تجر عادته بمباشرة مثلها.

(وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال) والمراد بالنفقة ما يحتاج فيه إليه من مأكول وملبوس ومشروب ومركوب، وآلات ذلك، واُجرة المسكن ونحوها. ويراعي فيها ما يليق به عادة مقتصداً، فإن أسرف حُسب عليه، وإن قتر لم يحسب له. وإذا عاد من السفر فما بقي من أعيانها ـ ولو من الزاد ـ يجب ردّه إلى التجارة أو تركُه إلى أن يسافر إن كان ممّن يعود إليه قبل فساده.

ولو شرط عدمها لزم، ولو أذن له بعده فهو تبرّع محض، ولو شرطها فهو تأكيد، ويشترط حينئذٍ تعيينها لئلّا يتجهّل الشرط، بخلاف ما ثبت بأصل الشرع. ولا يعتبر في ثبوتها حصول ربح، بل ينفق ولو من الأصل إن لم يربح، وإلّا كانت منه.

ومؤونة المرض في السفر على العامل، وكذا سفر لم يؤذَن فيه وإن استحقّ الحصّة (١) والمراد بالسفر: العرفي، لا الشرعي ـ وهو ما اشتمل على المسافة ـ فينفق وإن كان قصيراً أو أتمّ الصلاة، إلّاأن يخرج عن اسم المسافر، أو يزيد عمّا تحتاج التجارة إليه فينفق من ماله إلى أن يصدق الوصف.

واحترز بكمال النفقة عن القدر الزائد عن نفقة الحضر، فقد قيل: إنّه لا ينفق

__________________

(١) أي حصّته من الربح.

٤٦٥

فيه سواه (١) ونبّه بأصل المال على أنّه لا يشترط حصول ربح، كما مرّ.

(وليشتر نقداً بنقد البلد، بثمن المثل فما دون) فلو اشترى نسيئة، أو بغير نقد البلد، أو بأزيد من ثمن المثل كان فضوليّاً، فإن أجازه المالك صحّ، وإلّا بطل؛ لما في النسيئة من احتمال الضرر بتلف رأس المال فيبقى عهدة الثمن متعلّقة بالمالك وقد لا يقدر عليه، أو لا يكون له غرض في غير ما دفع، وحملاً في الأخيرين على المتعارف وما فيه الغبطة، كالوكيل.

(وليبع كذلك) بنقد البلد نقداً (بثمن المثل فما فوقه) لما في النسيئة من التغرير بمال المالك، وحملاً للإطلاق على المتعارف وهو نقد البلد، كالوكالة.

وقيل: يجوز بغيره وبالعَرْض مع كونه مظنّة للربح؛ لأنّ الغرض الأقصى منها ذلك، بخلاف الوكالة (٢) وفيه قوّة.

ولو أذن المالك في شيءٍ من ذلك خصوصاً أو عموماً ك‍ (تصرّف برأيك) أو (كيف شئت) جاز بالعَرْض قطعاً، أمّا النقد وثمن المثل فلا يخالفهما إلّامع التصريح. نعم يُستثنى من ثمن المثل نقصان يتسامح به عادةً.

(وليشتر بعين المال) لا بالذمّة (إلّامع الإذن في الذمّة) ولو بالإجازة، فإن اشترى فيها بدونه ولم يذكر المالك لفظاً ولا نيّةً وقع له ولو ذكره لفظاً فهو فضوليّ، ونيّةً خاصّة للعامل ظاهراً وموقوفاً باطناً، فيجب التخلّص من حقّ البائع.

(ولو تجاوز ما حدّ له المالكُ) من الزمان والمكان والصنف (ضمن،

__________________

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٣:١٧٢.

(٢) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٣٦، وتبعه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٩٣ ـ ٩٤.

٤٦٦

والربح على الشرط) كما مرّ. أمّا لو تجاوز بالعين (١) والمثل والنقد وقف على الإجازة، فإن لم يُجز بطل.

(وإنّما تجوز) المضاربة (بالدراهم والدنانير) إجماعاً، وليس ثمّة علّة مقنعة غيره، فلا تصحّ بالعروض ولا الفلوس (٢) ولا الدين وغيرها، ولا فرق بين المعيّن والمشاع.

(وتلزم الحصّة بالشرط) دون الاُجرة؛ لأنّها معاملة صحيحة فيلزم مقتضاها، وهو ما شرط للعامل من الحصّة. وفي قول نادر: أنّ اللازم اُجرة المثل، وأنّ المعاملة فاسدة، لجهالة العوض (٣) والنصوص الصحيحة (٤) على صحّتها، بل إجماع المسلمين يدفعه.

(والعامل أمين لا يضمن إلّابتعدّ أو تفريط) ومعهما يبقى العقد ويستحقّ ما شُرط له وإن ضمن المالَ.

(ولو فسخ المالك فللعامل اُجرة مثله إلى ذلك الوقت) الذي فسخ فيه (إن لم يكن) ظهر (ربح) وإلّا فله حصّته من الربح.

وربما اُشكل الحكم بالاُجرة على تقدير عدم الربح (٥) بأنّ مقتضى العقد استحقاق الحصّة إن حصلت لا غيرها، وتسلّط المالك على الفسخ من مقتضياتها، فالعامل قادم على ذلك فلا شيء له سوى ما عُيّن.

__________________

(١) بأن اشترى بالذمّة.

(٢) المسكوكات غير الذهب والفضّة.

(٣) قاله المفيد في المقنعة:٦٣٣، والشيخ في النهاية:٤٢٨، والديلمي في المراسم:١٨٣، والحلبي في الكافي:٣٤٤ و ٣٤٧، وغيرهم.

(٤) اُنظر الوسائل ١٣:١٨٥، الباب ٣ من أبواب المضاربة.

(٥) استشكل به العلّامة في القواعد ٢:٣٤٥، والتحرير ٣:٢٥٦.

٤٦٧

ولو كان المال عروضاً عند الفسخ، فإن كان به ربح فللعامل بيعه إن لم يدفع المالك إليه حقّه منه، وإلّا لم يجز إلّابإذن المالك وإن رجا الربح حيث لايكون بالفعل.

ولو طلب المالك إنضاضه، ففي إجبار العامل عليه قولان (١) أجودهما العدم.

ولو انفسخ العقد من غير المالك إمّا بعارض (٢) يفسد العقد الجائز أو من قبل العامل فلا اُجرة له، بل الحصّة إن ظهر ربح. وقيل: له الاُجرة أيضاً (٣).

(والقول قول العامل في قدر رأس المال) لأنّه منكر للزائد والأصل معه (و) في (قدر الربح) لأنّه أمين فيقبل قوله فيه.

(وينبغي أن يكون رأس المال معلوماً عند العقد) لترتفع الجهالة عنه، ولا يُكتفى بمشاهدته. وقيل (٤) : تكفي المشاهدة وهو ظاهر اختياره هنا، وهو مذهب الشيخ (٥) والعلّامة في المختلف (٦) لزوال معظم الغرر بالمشاهدة، وللأصل، وقوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون عند شروطهم) (٧) فإن قلنا به فاختلفا في قدره فالقول قول

__________________

(١) القول بالإجبار للشيخ في المبسوط ٣:١٧٩، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع:٣١٥، والعلّامة في القواعد ٢:٣٤٥. والقول بالعدم للمحقّق في الشرائع ٢:١٤٣.

(٢) في (ع) و (ف) : لعارض.

(٣) لم نعثر على المصرّح به. نعم، أطلق في التذكرة الحكم بثبوت الاُجرة له لو فسخا العقد أو أحدهما. اُنظر التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٤٦.

(٤) لم نعثر على القائل. نعم، قال الفاضل الآبي في كشف الرموز ٢:١٥: هذا القول حكى شيخنا عن المرتضى في الدرس وما وقفت عليه.

(٥) نسبه غير واحد إلى مبسوطه ولم نعثر عليه. نعم، حكى العلّامة عن الشيخ القول بجواز المضاربة بالجزاف من غير تقييد بالمشاهدة. راجع المختلف ٦:٢٥٣.

(٦) المختلف ٦:٢٥٣.

(٧) الوسائل ١٥:٣٠، الباب ٢٠ من أبواب المهور، الحديث ٤.

٤٦٨

العامل كما تقدّم؛ للأصل. والأقوى المنع.

(وليس للعامل أن يشتري ما فيه ضرر على المالك، كمن ينعتق عليه) أي على المالك؛ لأنّه تخسير محض، والغرض من هذه المعاملة الاسترباح، فإن اشتراه بدون إذنه كان فضوليّاً مع علمه بالنسب والحكم. أمّا مع جهله بهما أو بأحدهما ففي صحّته وعتقه عن المالك أو إلحاقه بالعالم وجهان، مأخذهما : انصراف الإذن إلى ما يمكن بيعه والاسترباح به فلا يدخل هذا فيه مطلقاً، ومن كون الشرط بحسب الظاهر؛ لاستحالة توجّه الخطاب إلى الغافل كما لو اشترى معيباً لا يعلم بعيبه فتلف به (و) كذا (لا يشتري من ربّ المال شيئاً) لأنّ المال له ولا يشترى مال الإنسان بماله.

(ولو أذن في شراء أبيه) وغيره ممّن ينعتق عليه (صحّ وانعتق) كما لو اشتراه بنفسه أو وكيله، وبطلت المضاربة في ثمنه؛ لأنّه بمنزلة التالف، وصار الباقي رأس المال إن كان (وللعامل الاُجرة) سواء ظهر فيه ربح أم لا، أمّا مع عدمه فظاهر إلّاعلى الاحتمال السابق (١) فيما لو فسخ المالك بنفسه، وأمّا مع ظهوره فلبطلان المضاربة بهذا الشراء، لعدم كونه من متعلّق الإذن؛ لأنّ متعلّقه ما فيه ربح ولو بالمظنّة وهو منفيّ هنا، لكونه مستعقباً للعتق، فإذا صرف الثمن فيه بطلت. ويحتمل ثبوت الحصّة إن قلنا بملكها بالظهور؛ لتحقّقه، ولا يقدح عتقه القهري؛ لصدوره بإذن المالك، كما لو استردّ طائفة من المال بعد ظهوره. وحينئذٍ فيسري على العامل مع يسار المالك إن قلنا بالسراية في العتق القهري، أو مع اختيار الشريك السبب.

(ولو اشترى) العامل (أبا نفسه) وغيره ممّن ينعتق عليه (صحّ)

__________________

(١) في قوله: وربما اُشكل الحكم بالاُجرة ....

٤٦٩

إذ لا ضرر على المالك (فإن ظهر فيه ربح) حالَ الشراء أو بعدَه (انعتق نصيبه) أي نصيب العامل؛ لاختياره السبب المفضي إليه كما لو اشتراه بماله (ويسعى المعتَق) وهو الأب (في الباقي) وإن كان الولد موسراً؛ لصحيحة محمّد بن أبي عمير عن الصادق عليه السلام (١) الحاكمة باستسعائه من غير استفصال.

وقيل: يسري على العامل مع يساره (٢) لاختياره السبب، وهو موجب لها كما سيأتي (٣) إن شاء اللّٰه تعالى. وحملت الرواية على إعساره؛ جمعاً بين الأدلّة.

وربما فُرّق بين ظهور الربح حالةَ الشراء وتجدّده، فيسري في الأوّل دون الثاني ويمكن حمل الرواية عليه أيضاً.

وفي وجه ثالث بطلان البيع؛ لأنّه منافٍ لمقصود القراض؛ إذ الغرض هو السعي للتجارة التي تقبل التقليب للاسترباحِ، والشراءُ المتعقّب للعتق ينافيه. والوسط قويّ لولا معارضة إطلاق النصّ الصحيح (٤).

__________________

(١) الوسائل ١٣:١٨٨، الباب ٨ من أبواب المضاربة، الحديث الأوّل.

(٢) قاله الشيخ في المبسوط ٣:١٧٧ ـ ١٧٨، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع:٣١٥، وغيرهما.

(٣) راجع الجزء الثالث: كتاب العتق، السراية.

(٤) صحيحة ابن أبي عمير المتقدّمة.

٤٧٠

كتاب الوديعة

٤٧١
٤٧٢

(كتاب الوديعة)

(وهي استنابة في الحفظ) أي استنابة فيه بالذات، فلا يرد مثل الوكالة في بيع شيء أو شرائه مع إثبات اليد عليه، فإنّها تستلزم الاستنابة فيه إلّاأ نّها بالعرض، والقصد بالذات الإذن فيما وكّل فيه.

ثمّ الاستنابة إنّما تكون من المودِع. والوديعة لا تتمّ إلّابالمتعاقدين، فلا تكون الوديعة هي الاستنابة، بل هي وقبولها وإن اكتفينا بالقبول الفعلي.

وكأنّ التعريف لمّا كان لعقدها ـ كما علم من مذهب المصنّف (١) ـ وكان المعتبر منه الإيجاب تسامَحَ في إطلاقها عليه، أو لأنّ الاستنابة تستلزم قبولها، فإنّها لو تجرّدت عنه لم تؤثّر.

(وتفتقر إلى إيجاب وقبول) كغيرها من العقود (ولا حصر في الألفاظ الدالّة عليها) كما هو شأن العقود الجائزة من الطرفين، فيكفي كلّ لفظ دلّ عليها، بل التلويح والإشارة المفهمة لمعناها اختياراً.

(ويكفي في القبول الفعل) لأنّ الغرض منه الرضا بها، وربما كان الفعل ـ وهو قبضها ـ أقوى من القول باعتبار دخولها في ضمانه، والتزامُه بحفظها

__________________

(١) مضى في باب البيع أنّه يريد بهذه الألفاظ نفس العقود.

٤٧٣

بواسطة القبض وإن لم يحصل الإيجاب فيه أولى، إلّاأنّ فيه خروجاً عن باب العقود التي لا تتمّ إلّابصيغة من الطرفين. ومن ثَمَّ قيل: إنّها إذن مجرّد لا عقد (١) وكيف كان: لا تجب مقارنة القبول للإيجاب قوليّاً كان أم فعليّاً.

(ولو طرحها عنده) ولم يحصل منه ما يدلّ على الرضا ولا قبضها (أو أكرهه على قبضها لم تصر وديعة) لانتفاء القبول الشرعي فيهما.

وأمّا الإيجاب فقد يحصل بالطرح بأن يضمّ إليه قولاً أو ما في حكمه يفيده، وقد لا يحصل بأن يقتصر على مجرّد الطرح. وفي الثاني لا تصير وديعة وإن قبل قولاً أو فعلاً، لكن في الثاني يجب عليه الحفظ لليد، لا للوديعة. وفي الأوّل تتمّ بالقبول بهما (٢) فيجب عليه الحفظ.

وحيث لا يجب لعدم القبول قد يجب لأمر آخر، كما لو غاب المالك وتركها وخيف عليها الذهاب، فيجب من باب المعاونة على البرّ كفايةً، لكن لا ضمان بتركه.

وأمّا مع الإكراه «فلا يجب حفظها» مطلقاً، بل يجوز تركها وإن قبضها به في حضور المالك وغيبته، إلّاأن يكون المكرِه مضطرّاً إلى الإيداع، فيجب إعانته عليه كالسابق.

فقوله: (فلا يجب حفظها) مطلق في الثاني من حيث الوديعة، ومع عدم القبول أو القبض في الأوّل على ما فُصّل.

(ولو قبل) الوديعة قولاً أو فعلاً (وجب) عليه (الحفظ) ما دام مستودعاً، وكذا بعده إلى أن يؤدّي إلى المالك أو من في حكمه. وبذلك يظهر

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) أي بأحدهما من القول أو الفعل.

٤٧٤

عدم المنافاة بين وجوب الحفظ وعدم وجوب البقاء على الوديعة من حيث إنّها عقد جائز.

(ولا ضمان عليه) لو تلفت أو عابت (إلّابالتعدّي) فيها بأن ركب الدابّة أو لبس الثوب أو فتح الكيس المختوم أو المشدود (أو التفريط) بأن قصّر في الحفظ عادةً (فلو اُخذت منه قهراً فلا ضمان) إن لم يكن سبباً في الأخذ القهري، بأن سعى بها إلى الظالم، أو أظهرها فوصل إليه خبرها مع مظنّته؛ ومثله ما لو أخبر بها اللصَّ فسرقها.

ولا فرق بين أخذ القاهر لها بيده وأمره له بدفعها إليه كرهاً؛ لانتفاء التفريط فيهما، فينحصر الرجوع على الظالم فيهما على الأقوى.

وقيل: يجوز له الرجوع على المستودع في الثاني وإن استقرّ الضمان على الظالم (١).

(ولو تمكّن) المستودع (من الدفع) عنها بالوسائل الموجبة لسلامتها (وجب ما لم يؤدِّ إلى تحمّل الضرر الكثير، كالجرح وأخذ المال) فيجوز تسليمها حينئذٍ وإن قدر على تحمّله. والمرجع في الكثرة والقلّة إلى حال المكرَه، فقد تُعدّ الكلمة اليسيرة من الأذى كثيراً في حقّه؛ لكونه جليلاً لا يليق بحاله ذلك، ومنهم من لا يعتدّ بمثله.

وأمّا أخذ المال: فإن كان مال المستودع لم يجب بذله مطلقاً، وإن كان من الوديعة فإن لم يستوعبها وجب الدفع عنها ببعضها ما أمكن، فلو ترك مع القدرة على سلامة البعض فأخذ الجميع ضمن ما يمكن سلامته. وإن لم يمكن إلّابأخذها أجمع فلا تقصير. ولو أمكن الدفع عنها بشيء من ماله لا يستوعب قيمتها جاز،

__________________

(١) قاله الحلبي في الكافي:٢٣٠، والعلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٠٥.

٤٧٥

ورجع مع نيّته (١).

ولو أمكن حفظها عنه بالاستتار منه وجب، فيضمن بتركه (نعم يجب عليه اليمين لو قنع بها الظالم فيورّي) بما يخرجه عن الكذب، بأن يحلف أنّه ما استودع من فلان، ويخصّه بوقت أو جنس أو مكان أو نحوها مغايرٍ لما استودعه، وإنّما تجب التورية عليه مع علمه بها، وإلّا سقطت؛ لأنّه كذب مستثنى للضرورة، ترجيحاً لأخفّ القبيحين حيث تعارضا.

(وتبطل) الوديعة (بموت كلّ منهما) المودع والمستودع، كغيرها من العقود الجائزة (وجنونه وإغمائه) وإن قصر وقتهما (فتبقى) في يد المستودع على تقدير عروض ذلك للمودع، أو يد وارثه أو وليّه أو يده بعد صحّته على تقدير عروضه له (أمانة شرعيّة) أي مأذوناً في حفظها من قبل الشارع، لا المالك، لبطلان إذنه بذلك. ومن حكم الأمانة الشرعيّة وجوبُ المبادرة إلى ردّها وإن لم يطلبها المالك.

و (لا يُقبل قول الودعي) وغيره ممّن هي في يده (في ردّها إلّاببيّنة) بخلاف الأمانة المستندة إلى المالك، فإنّه لا يجب ردّها بدون الطلب أو ما في حكمه كانقضاء المدّة المأذون فيها، وقد يقبل قوله في ردّها كالوديعة، وقد لا يقبل كما إذا قبضها لمصلحته كالعارية والمضاربة.

ومن الأمانة الشرعيّة: ما بطل من الأمانة المالكيّة كالشركة والمضاربة بموت ونحوه، وما تُطيره الريح إلى دار الغير من الأمتعة، وما يُنزع من الغاصب بطريق الحسبة، وما يؤخذ من الصبيّ والمجنون من مال الغير وإن كان كسباً من قمار كالجوز والبيض، وما يؤخذ من مالهما وديعة عند خوف تلفه بأيديهما،

__________________

(١) في (ش) زيادة: وفي وجوبه نظر.

٤٧٦

وما يتسلّمه منهما نسياناً، وما يوجَد فيما يشترى من الأمتعة ـ كالصُندوق ـ من مال لا يدخل في المبيع، واللقطة في يد الملتقط مع ظهور المالك. وضابطه: ما اُذن في الاستيلاء عليه شرعاً ولم يأذن فيه المالك.

(ولو عيّن) المودع (موضعاً للحفظ اقتصر) المستودع (عليه) فلا يجوز نقلها إلى غيره وإن كان أحفظ، عملاً بمقتضى التعيين، ولاختلاف الأغراض في ذلك.

وقيل: يجوز إلى الأحفظ؛ لدلالته عليه بطريق أولى (١) وهو ممنوع. وجوّز آخرون التخطّي إلى المساوي (٢) وهو قياس باطل. وحينئذٍ فيضمن بنقلها عن المعيّن مطلقاً (إلّاأن يخاف تلفها فيه فينقلها) عنه إلى الأحفظ، أو المساوي مع الإمكان، فإن تعذّر فالأدون (ولا ضمان) حينئذٍ؛ للإذن فيه شرعاً، وإنّما جاز المساوي هنا لسقوط حكم المعيّن بتعذّره، فينتقل إلى ما في حكمه وهو المساوي أو ما فوقه. ويمكن شمول كلامه للأدون عند الخوف وإن وُجد المساوي، كما يشمل المنع من الأعلى عند عدمه، ويشمل أيضاً فيهما (٣) ما لو نهاه عن غير المعيّن وعدمه. وهو كذلك.

(ويحفظ الوديعة بما جرت العادة به) في مكان الوديعة وزمانها؛ لأنّ

__________________

(١) قاله جماعة منهم ابن البرّاج في جواهر الفقه:١٠٤، المسألة ٣٨٠، والمهذّب ١:٤٢٦، والمحقّق في الشرائع ٢:١٦٤، والعلّامة في القواعد ٢:١٨٦، والإرشاد ١:٤٣٧، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٦:٢٩.

(٢) جوّزه الشيخ في المبسوط ٤:١٤٠، والعلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٠٢، وهو الظاهر من الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:٢٣٩.

(٣) جواز النقل عند الخوف، وعدم جوازه عند عدمه.

٤٧٧

الشارع لم يحدّ لها حدّاً، فيرجع إلى العادة (كالثوب والنقد في الصندوق) المقفَّل أو الموضوع في بيت محرز عن الغير (والدابّة في الاصطبل) المضبوط بالغلق (والشاة في المُراح) كذلك أو المحفوظ بنظر المستودع.

هذه الثلاثة ممّا جرت العادة بكونها حرزاً لما ذكر. وقد يفتقر إلى أمر آخر أو يقوم غيرها مقامها عادة.

ولا فرق في وجوب الحرز على المستودع بين من يملكه وغيره، ولا بين من يعلم أنّه لا حرز له وغيره.

(ولو استودع من طفل أو مجنون ضمن) لأنّهما ليسا أهلاً للإذن، فيكون وضع يده على مالهما بغير إذن شرعي، فيضمن. إلّاأن يخاف تلفها في أيديهما فيقبضها بنيّة الحِسبة، فالأقوى عدم الضمان، لكن يجب مراجعة الوليّ ما أمكن. ولا فرق بين كون المال لهما و (١) لغيرهما وإن ادّعيا إذنه لهما في الإيداع.

(و) حيث يقبض الوديعة منهما مع جوازه أو لا معه (يبرأ بالردّ إلى وليّهما) الخاصّ أو العامّ مع تعذّره، لا إليهما.

(ويجب إعادة الوديعة على المودع) مع المطالبة في أوّل وقت الإمكان، بمعنى رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها، فلو كانت في صُندوق مقفَّل ففتحه عليه، أو بيت محرز فكذلك، لا نقلها إلى المالك زيادةً على ذلك.

والعذر الشرعي كإكمال الصلاة وإن كانت نفلاً على الأقوى ما لم يتضرّر المالك بالتأخير، والعادي كانتظار انقطاع المطر ونحوه، كالعقلي. وفي إكمال الطعام والحمّام وجهان. والمعتبر في السعي القصد وإن قدر على الزيادة.

__________________

(١) في (ر) : أو.

٤٧٨

والحكم ثابت كذلك (وإن كان) المودع (كافراً) مباح المال كالحربي؛ للأمر بأداء الأمانة إلى أهلها (١) من غير قيد. وروى الفضيل عن الرضا عليه السلام قال: «سألته عن رجل استودع رجلاً من مواليك مالاً له قيمة، والرجل الذي عليه المال رجل من العرب يقدر أن لا يُعطيه شيئاً، والمودع رجل خارجي شيطان، فلم أدع شيئاً، فقال عليه السلام: قل له: يردّ عليه، فإنّه ائتمنه عليه بأمانة اللّٰه» (٢) وعن الصادق عليه السلام «أدّوا الأمانات إلى أهلها وإن كانوا مجوساً» (٣).

(ويضمن لو أهمل) الردّ (بعد المطالبة) وإمكان الردّ على الوجه السابق؛ لأنّه من أسباب التقصير، ولو كان التأخير لعذر وجب في أوّل أوقات إمكانه (أو أودعها) لغيره ولو لزوجته أو ثقة (من غير ضرورة) إلى الإيداع. فلو اضطرّ إليه ـ بأن خاف عليها من حرق أو سرق أو نهب لو بقيت في يده وتعذّر ردّها إلى المالك والحاكم ـ أودعها العدلَ. وفي حكم إيداعها اختياراً إشراك (٤) الغير في اليد ـ ولو زوجةً وولداً ـ ووَضعُها في محلّ مشترك في التصرّف بحيث لا يلاحظها في سائر الأوقات (أو سافر بها كذلك) أي من غير ضرورة إلى استصحابها في السفر، بأن أمكنه عند إرادة السفر إيصالها إلى المالك أو وكيله عامّاً أو خاصّاً أو إيداعها العدل، فترك وأخذها معه فيضمن.

__________________

(١) كما في الآية ٥٨ من سورة النساء.

(٢) التهذيب ٧:١٨١، الحديث ٧٩٥، والوسائل ١٣:٢٢٣ ـ ٢٢٤، الباب ٢ من أحكام الوديعة، الحديث ٩.

(٣) الوسائل ١٣:٢٢٣، الباب ٢ من أبواب أحكام الوديعة، الحديث ٥.

(٤) في سوى (ف) : اشتراك.

٤٧٩

أمّا مع الضرورة، بأن تعذّر جميع ما تقدّم وخاف عليها في البلد، أو اضطرّ إلى السفر فلا ضمان، بل قد يجب؛ لأنّه من ضروب الحفظ.

والمعتبر في تعذّر التوصّل إلى المالك ومن بحكمه المشقّةُ الكثيرة عرفاً، وفي السفر العرفيُّ أيضاً، فما قصر عنه كالتردّد إلى حدود البلد وقرى لا يطلق على الذهاب إليها السفر يجوز فيه مصاحبتها مع أمن الطريق. ولا يجوز إيداعها في مثله مع إمكان استصحابها.

واستثني منه ما لو أودعه مسافراً، أو كان المستودع منتجعاً فإنّه يسافر بها من غير ضمان؛ لقدوم المالك عليه.

(أو طَرَحَها في موضع تتعفّن فيه) وإن كان حرزاً لمثلها؛ لما عرفت من أنّ الحرز مشروط باُمور اُخر هذا منها. وفي حكم العفن الموضع المفسد كالندى للكتب. وضابطه: ما لا يصلح لتلك الوديعة عرفاً بحسب مدّة إقامتها فيه.

(أو تَرَكَ سقيَ الدابّة أو علفها ما لا تصبر عليه عادةً) ومثلها المملوك. والمعتبر السقي والعلف بحسب المعتاد لأمثالها، فالنقصان عنه تفريط، وهو المعبّر عنه بعدم صبرها عليه، فيضمنها حينئذٍ وإن ماتت بغيره.

ولا فرق في ذلك بين أن يأمره بهما ويطلق وينهاه؛ لوجوب حفظ المال عن التلف. هذا هو الذي يقتضيه إطلاق العبارة، وهو أحد القولين في المسألة (١).

__________________

(١) لم نعثر على القول بالضمان، حتى في صورة نهي المالك، وقال العلّامة في التذكرة (الحجرية) ٢:٢٠٣: وقال بعضهم يجب عليه الضمان، وظاهره أنّ القائل هو بعض العامّة، ونقله في المجموع ١٥:٢٨. وأمّا القول بعدم الضمان فهو المعروف، وقد ذهب إليه الشيخ في المبسوط ٤:١٣٩، والمحقّق في الشرائع ٢:١٦٤، والعلّامة في التحرير ٣:١٩٨، والقواعد ٢:١٨٦.

٤٨٠