🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

يستوفي الحساب على معامليهم، أو نحو ذلك، فإن وفى بالأفعال الملائمة فهو رشيد. ومن تضييعه: إنفاقه في المحرّمات، والأطعمة النفسية التي لا تليق بحاله بحسب وقته وبلده وشرفه وضِعَته، والأمتعة واللباس كذلك.

وأمّا صرفه في وجوه الخير من الصدقات وبناء المساجد وإقراء الضيف، فالأقوى أنّه غير قادح مطلقاً؛ إذ لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف (١).

وإن كان اُنثى اختبرت بما يناسبها من الأعمال، كالغزل والخياطة، وشراء آلاتهما المعتادة لأمثالها بغير غبن، وحفظ ما يحصل في يدها من ذلك، والمحافظة على اُجرة مثلها إن عملت للغير، وحفظ ما تليه من أسباب البيت ووضعه على وجهه، وصون أطعمته التي تحت يدها عن مثل الهرّة والفأر ونحو ذلك، فإذا تكرّر ذلك على وجه الملكة ثبت الرشد، وإلّا فلا.

ولا يقدح فيها وقوع ما ينافيها نادراً من الغلط والانخداع في بعض الأحيان؛ لوقوعه كثيراً من الكاملين. ووقت الاختبار قبل البلوغ، عملاً بظاهر الآية (٢).

(ويثبت الرشد) لمن لم يختبر (بشهادة النساء في النساء لا غير) لسهولة اطلاعهنّ عليهنّ غالباً عكس الرجال (وبشهادة الرجال مطلقاً) ذكراً كان المشهود عليه أم اُنثى؛ لأنّ شهادة الرجال غير مقيّدة. والمعتبر في شهادة الرجال اثنان وفي النساء أربع. ويثبت رشد الاُنثى بشهادة رجل وامرأتين أيضاً وبشهادة أربع خناثي.

(ولا يصحّ إقرار السفيه بمال) ويصحّ بغيره كالنسب وإن أوجب النفقة.

__________________

(١) عوالي اللآلئ ٢:٢٩١، مع تفاوت يسير.

(٢) النساء:٦.

٤٠١

وفي الإنفاق عليه (١) من ماله أو بيت المال قولان (٢) أجودهما الثاني، وكالإقرار بالجناية الموجبة للقصاص وإن كان نفساً (ولا تصرّفه في المال) وإن ناسب أفعال العقلاء.

ويصحّ تصرّفه فيما لا يتضمّن إخراج المال كالطلاق والظهار والخلع. (ولا يسلّم عوض الخلع إليه) لأنّه تصرّف ماليّ ممنوع منه.

(ويجوز أن يتوكّل لغيره في سائر العقود) أي جميعها وإن كان قد ضعّف إطلاقه عليه (٣) بعض أهل العربيّة، حتى عدّه في «درّة الغوّاص» من أوهام الخواص (٤) وجعله مختصّاً بالباقي أخذاً له من السؤر وهو البقيّة، وعليه جاء قول النبيّ صلى الله عليه وآله لابن غيلان لمّا أسلم على عشر نسوة: «أمسك عليك أربعاً، وفارق سائرهن» (٥) لكن قد أجازه بعضهم (٦) وإنّما جاز توكيل غيره له؛ لأنّ عبارته ليست مسلوبة مطلقاً، بل ممّا يقتضي التصرّف في ماله.

(ويمتدّ حجر المجنون) في التصرّفات الماليّة وغيرها (حتى يفيق) ويكمل عقله.

(والولاية في مالهما) أي الصغير والمجنون (للأب والجدّ) له

__________________

(١) أي على المقرّ له بالنسب.

(٢) القول بالإنفاق من بيت المال للشيخ في المبسوط ٢:٢٨٧، والعلّامة في القواعد ٢:١٣٨، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥:٢٠١. وأمّا القول بأ نّه من ماله فلم نعثر عليه، نعم نقل في جامع المقاصد ٥:٢٠١ عن حواشي الشهيد: بأنه لو قيل يكون من ماله لكان حسناً.

(٣) يعني إطلاق (سائر) على «جميع».

(٤) اُنظر تاج العروس ٣:٢٥١.

(٥) كنز العمال ١٦:٣٣٠، الحديث ٤٤٧٦٥.

(٦) اُنظر صحاح اللغة ٢:٦٩٢، وتاج العروس ٣:٢٥١.

٤٠٢

وإن علا (فيشتركان في الولاية) لو اجتمعا، فإن اتّفقا على أمر نفذ، وإن تعارضا قدّم عقد السابق، فإن اتّفقا ففي بطلانه أو ترجيح الأب أو الجدّ أوجه (ثم الوصيّ) لأحدهما مع فقدهما (ثم الحاكم) مع فقد الوصيّ.

(والولاية في مال السفيه الذي لم يسبق رشده كذلك) للأب والجدّ إلى آخر ما ذكر، عملاً بالاستصحاب (فإن * سبق) رشده وارتفع الحجر عنه بالبلوغ معه ثم لحقه السفه (فللحاكم) الولاية دونهم؛ لارتفاع الولاية عنه بالرشد فلا تعود إليهم إلّابدليل، وهو منتفٍ. والحاكم وليّ عام لا يحتاج إلى دليل وإن تخلّف في بعض الموارد. وقيل: الولاية في ماله للحاكم مطلقاً (١) لظهور توقّف الحجر عليه ورفعه على حكمه في كون النظر إليه.

(والعبد ممنوع) من التصرّف (مطلقاً) في المال وغيره سواء أحلنا ملكه أم قلنا به، عدا الطلاق فإنّ له إيقاعه وإن كره المولى.

(والمريض ممنوع ممّا زاد عن الثلث) إذا تبرّع به، أمّا لو عاوض عليه بثمن مثله نفذ (وإن نجّز) ما تبرّع به في مرضه، بأن وهبه أو وقفه أو تصدّق به أو حابى به في بيع أو (٢) إجارة (على الأقوى) للأخبار الكثيرة الدالّة عليه (٣)

__________________

(*) في (ق) و (س) : وإن.

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٢:٢٨٦، والمحقّق في الشرائع ٢:١٠٣، والعلّامة في القواعد ٢:١٣٨ وغيرهم.

(٢) في (ش) و (ف) : بدل «أو» : و.

(٣) اُنظر الوسائل ١٣:١٤٤، الباب ٣ من أحكام الحجر، و ٣٨٤، الباب ١٧ من الوصايا، الحديث ١١ و ١٣ ـ ١٦، و ٣٦٥ ـ ٣٦٧ الباب ١١ من الأبواب الحديث ٦ و ١١، و ٣٦٣، الباب ١٠ من الأبواب، الحديث ٨، و ٤٢٢ ـ ٤٢٣ الباب ٣٩ من الأبواب الأحاديث ١ و ٢ و ٤ وغيرها من الأحاديث.

٤٠٣

منطوقاً ومفهوماً وقيل: يمضي من الأصل (١) للأصل، وعليه شواهد من الأخبار (٢).

(ويثبت الحجر على السفيه بظهور سفهه وإن لم يحكم الحاكم به) لأنّ المقتضي له هو السفه، فيجب تحقّقه بتحقّقه، ولظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ كٰانَ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْحَقُّ سَفِيهاً) (٣) حيث أثبت عليه الولاية بمجرّده (ولا يزول) الحجر عنه (إلّابحكمه) لأنّ زوال السفه يفتقر إلى الإجتهاد وقيام الأمارات؛ لأنّه أمر خفيّ فيناط بنظر الحاكم.

وقيل: يتوقّفان على حكمه (٤) لذلك. وقيل: لا فيهما (٥) وهو الأقوى؛ لأنّ المقتضي للحجر هو السفه فيجب أن يثبت بثبوته ويزول بزواله، ولظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ) (٦) حيث علّق الأمر بالدفع على إيناس الرشد، فلا يتوقّف على أمر آخر.

(ولو عامله العالم بحاله استعاد ماله) مع وجوده؛ لبطلان المعاملة (فإن تلف فلا ضمان) لأنّ المعامل قد ضيّع ماله بيده، حيث سلّمه إلى من نهى اللّٰه تعالى عن إيتائه (٧) ولو كان جاهلاً بحاله فله الرجوع مطلقاً؛ لعدم تقصيره. وقيل:

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة:٦٧١، والشيخ في النهاية ٦١٨ و ٦٢٠، والقاضي في المهذّب ١:٤٢٠، وابن حمزة في الوسيلة:٣٧٢، وابن إدريس في السرائر ٣:١٤ ـ ١٥ و ١٧٦ و ٢٠٠ ـ وفيها وهو الأظهر في المذهب ـ و ٢٢١، وغيرهم.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:٣٨١، الباب ١٧ من أبواب أحكام الوصايا الأحاديث ١ ـ ١٠.

(٣) البقرة:٢٨٢.

(٤) قاله الشيخ في المبسوط ٢:٢٨٦، والعلّامة في القواعد ٢:١٣٧، والإرشاد ١:٣٩٧.

(٥) جامع المقاصد ٥:١٩٦.

(٦) النساء:٦.

(٧) في قوله تعالى (وَلاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ) النساء:٥.

٤٠٤

لا ضمان مع التلف مطلقاً (١) لتقصير من عامله قبل اختباره. وفصّل ثالث فحكم بذلك مع قبض السفيه المال بإذن مالكه، ولو كان بغير إذنه ضمّنه مطلقاً (٢) لأنّ المعاملة الفاسدة لا يترتّب عليها حكم فيكون قابضاً للمال بغير إذن فيضمنه، كما لو أتلف مالاً أو غصبه بغير إذن مالكه. وهو حسن.

(وفي إيداعه أو إعارته أو إجارته فيتلف العين نظر) من تفريطه بتسليمه وقد نهى اللّٰه تعالى عنه بقوله: (وَلاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ) (٣) فيكون بمنزلة من ألقى ماله في البحر، ومن عدم تسليطه على الإتلاف؛ لأنّ المال في هذه المواضع أمانة يجب حفظه، والإتلاف حصل من السفيه بغير إذن، فيضمنه كالغصب والحال أنّه بالغ عاقل. وهذا هو الأقوى.

(ولا يرتفع الحجر عنه ببلوغه خمساً وعشرين سنة) إجماعاً منّا؛ لوجود المقتضي للحجر وعدم صلاحيّة هذا السنّ لرفعه. ونبّه بذلك على خلاف بعض العامة (٤) حيث زعم أنّه متى بلغ خمساً وعشرين سنة يفكّ حجره وإن كان سفهياً.

(ولا يمنع من الحجّ الواجب مطلقاً) سواء زادت نفقته عن نفقة الحضر

__________________

(١) وهو للشيخ في المبسوط ٢:٢٨٥، والمحقّق في الشرائع ٢:١٠٢، والعلّامة في القواعد ٢:١٣٨، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥:١٩٧، وغيرهم.

(٢) الظاهر من العبارة أنّ القائل بهذا التفصيل مقابل للقولين الأوّلين، وليس كذلك، بل يمكن أن يكون القائل بالقول الثاني مفصّلاً هنا. وقد أشار إلى هذا السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٥:٢٧٨ بقوله: وقد جعله في الروضة قولاً ثالثاً مقابلاً للقولين الأولين وليس كذلك، بل لم يخالف فيه أحد منّا ولا من العامة.

(٣) النساء:٥.

(٤) وهو أبو حنيفة كما في بداية المجتهد ٢:٢٧٩، والفتاوى الهندية ٥:٥٦.

٤٠٥

أم لا، وسواء وجب بالأصل أم بالعارض ـ كالمنذور قبل السفه ـ لتعيّنه عليه. ولكن لا يسلّم النفقة، بل يتولّاها الوليّ أو وكيله (ولا من) الحجّ (المندوب إذا * استوت نفقته) حضراً وسفراً. وفي حكم استواء النفقة ما لو تمكّن في السفر من كسب يجبر الزائد بحيث لا يمكن فعله في الحضر.

(وتنعقد يمينه) لو حلف (ويكفّر بالصوم) لو حنث؛ لمنعه من التصرّف المالي. ومثله العهد والنذر، وإنّما ينعقد ذلك حيث لا يكون متعلّقه المال ليمكن الحكم بالصحّة، فلو حلف أو نذر أن يتصدّق بمال لم ينعقد نذره؛ لأنّه تصرّف مالي.

هذا مع تعيّنه، أمّا لو كان مطلقاً لم يبعد أن يراعى في إنفاذه الرشد.

(وله العفو عن القصاص) لأنّه ليس بماليّ (لا الدية) لأنّه تصرّف ماليّ، وله الصلح عن القصاص على مال، لكن لا يسلّم إليه.

__________________

(*) في (ق) و (س) : إن.

٤٠٦

كتاب الضمان

٤٠٧
٤٠٨

(كتاب الضمان)

الضمان بالمعنى الأخصّ قسيم الحوالة والكفالة، لا الأعمّ الشامل لهما (وهو التعهّد بالمال) أي الالتزام به (من البريء) من مال مماثل لما ضمنه للمضمون عنه. وبقيد «المال» خرجت الكفالة فإنّها تعهّد بالنفس، وب‍ «البريء» الحوالة بناءً على اشتراطها بشغل ذمّة المحال عليه للمحيل بما أحال به.

(ويشترط كماله) أي كمال الضامن المدلول عليه بالمصدر (١) أو اسم الفاعل (٢) أو المقام (وحرّيته) فلا يصحّ ضمان العبد في المشهور؛ لأ نّه لا يقدر على شيء. وقيل: يصحّ ويتبع به بعد العتق (٣) (إلّاأن يأذن المولى فيثبت) المال (في ذمّة العبد) لا في مال المولى؛ لأنّ إطلاق الضمان أعمّ من كلّ منهما، فلا يدلّ على الخاصّ. وقيل: يتعلّق

__________________

(١) يعني (الضمان) في قوله: كتاب الضمان.

(٢) يعني (البريء) في كلام الماتن.

(٣) قاله العلّامة في المختلف ٥:٤٦٨.

٤٠٩

بكسبه (١) حملاً على المعهود من الضمان الذي يستعقب الأداء. وربما قيل بتعلّقه بمال المولى مطلقاً، كما لو أمره بالاستدانة (٢) وهو متّجه. (إلّاأن يشترط) كونه (من مال المولى) فيلزم بحسب ما شرط ويكون حينئذٍ كالوكيل. ولو شرطه من كسبه فهو كما لو شرط من مال المولى؛ لأنّه من جملته. ثمّ إن وفى الكسب بالحقّ المضمون، وإلّا ضاع ما قصر. ولو اُعتق العبد قبل إمكان تجدّد شيء من الكسب ففي بطلان الضمان أو بقاء التعلّق به وجهان.

(ولا يشترط علمه بالمستحقّ) للمال المضمون وهو المضمون له بنسبه ووصفه؛ لأن الغرض إيفاؤه (٣) الدين، وهو لا يتوقّف على ذلك. وكذا لا يشترط معرفة قدر الحقّ المضمون. ولم يذكره المصنّف، ويمكن إرادته من العبارة بجعل المستحقّ مبنيّاً للمجهول (٤) فلو ضمن ما في ذمّته صحّ على أصحّ القولين (٥)

__________________

(١) لم نعثر على القائل كما اعترف به السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٥:٣٥٩، نعم نقله الشيخ في المبسوط ٢:٣٣٥ بلفظ «قيل» وجعله العلّامة في القواعد ٢:١٥٦، احتمالاً، ومثله المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥:٣١٣، ونقله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٨٧ عن بعض العامّة.

(٢) قاله الإسكافي على ما نقل عنه العلّامة في المختلف ٥:٤٦٨.

(٣) في (ع) : إيفاء.

(٤) في (ش) و (ر) : للمفعول.

(٥) وهو للشيخ المفيد في المقنعة:٨١٥، والشيخ في النهاية:٣١٥، والسيّد ابن زهرة في الغنية:٢٦٠، والمحقّق في الشرائع ٢:١٠٩، وغيرهم. والقول الآخر أنّه لا يصحّ؛ لأنّه مجهول فيلزم الغرر وهو للشيخ في المبسوط ٢:٣٣٥، والخلاف ٣:٣١٩، المسألة ١٣، وابن إدريس في السرائر ٢:٧٢.

٤١٠

للأصل، وإطلاق النصّ (١) ولأنّ (٢) الضمان لا ينافيه الغرر؛ لأنّه ليس معاوضة، لجوازه من المتبرّع. هذا إذا أمكن العلم به بعد ذلك كالمثال، فلو لم يمكن ك‍ «ضمنت لك شيئاً ممّا في ذمّته» لم يصحّ قطعاً، وعلى تقدير الصحّة يلزمه ما تقوم به البيّنة أن (٣) كان لازماً للمضمون عنه وقت الضمان، لا ما يتجدّد، أو يوجد في دفتر، أو يقرّ به المضمون عنه، أو يحلف عليه المضمون له بردّ اليمين من المضمون عنه؛ لعدم دخول الأوّل في الضمان، وعدم ثبوت الثاني، وعدم نفوذ الإقرار في الثالث على الغير، وكون الخصومة حينئذٍ مع الضامن والمضمون عنه (٤) فلا يلزمه ما يثبت بمنازعة غيره ـ كما لا يثبت ما يقرّ به ـ في الرابع.

نعم، لو كان الحلف بردّ الضامن ثبت ما حلف عليه.

(و) كذا (لا) يشترط علمه ب‍ (الغريم) وهو المضمون عنه؛ لأنّه وفاء دين عنه، وهو جائز عن كلّ مديون. ويمكن أن يريد به الأعمّ منه ومن المضمون له، ويريد بالعلم به الإحاطة بمعرفة حاله من نسب أو وصفٍ بسهولة الاقتضاء وما شاكله؛ لأنّ الغرض إيفاؤه الدين، وذلك لا يتوقّف على معرفته كذلك (بل تميّزهما (٥)) أي المستحقّ والغريم، ليمكن توجّه القصد إليهما. أمّا

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٣:١٥١، الباب ٣ من أبواب الضمان، الحديث الأوّل، و ١٥٣، الباب ٥ من الأبواب، الحديث الأوّل، و ٩٢، الباب ٩ من أبواب الدين، الحديث ٥. والمستدرك ١٣:٤٣٥، الباب الأوّل من أبواب الضمان، الحديث ٢.

(٢) في (ع) و (ش) : وأنّ.

(٣) في (ر) : أنّه.

(٤) كذا في النسخ، ولعلّ الأنسب: المضمون له. راجع هامش (ر).

(٥) يعني يشترط تميّزهما.

٤١١

الحقّ فليمكن أداؤه، وأمّا المضمون له فليمكن إيفاؤه، وأمّا المضمون عنه فليمكن القصد إليه.

ويشكل بأنّ المعتبر القصد إلى الضمان، وهو التزام المال الذي يذكره المضمون له، وذلك غير متوقّف على معرفة من عليه الدين، فلو قال شخص: «إنّي أستحقّ في ذمّة آخر مئة درهم» مثلاً، فقال آخر: «ضمنتها لك» كان قاصداً إلى عقد الضمان عمّن كان عليه الدين مطلقاً، ولا دليل على اعتبار العلم بخصوصيّته (١).

ولابدّ له من إيجاب وقبول مخصوصين؛ لأنّه من العقود اللازمة الناقلة للمال من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن (والإيجاب ضمنت، وتكفّلت) ويتميّز عن مطلق الكفالة بجعل متعلّقها المال (وتقبّلت، وشبهه) من الألفاظ الدالّة عليه صريحاً (ولو قال مالك عندي، أو عليّ، أو ما عليه عليّ، فليس بصريح) لجواز إرادته أنّ للغريم تحت يده مالاً، أو أنّه قادر على تخليصه، أو أنّ عليه السعي أو المساعدة، ونحوه.

وقيل: إنّ «عليّ» ضمان؛ لاقتضاء «عليّ» الالتزام، ومثله «في ذمّتي» (٢). وهو متّجه. أمّا «ضمانه عليّ» فكافٍ؛ لانتفاء الاحتمال مع تصريحه بالمال.

(فيقبل المستحقّ) وهو المضمون له (وقيل: يكفي رضاه) بالضمان وإن لم يصرّح بالقبول (٣) لأنّ حقّه يتحوّل من ذمّة إلى اُخرى، والناس يختلفون في حسن المعاملة وسهولة القضاء، فلابدّ من رضاه به. ولكن لا يعتبر القبول، للأصل؛ لأ نّه وفاء دين.

__________________

(١) في (ف) و (ر) : بخصوصه.

(٢) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٨٥ ولكن ليس فيه (في ذمّتي) ولم نعثر عليه.

(٣) لم نعثر على القائل بتّاً، نعم ذهب فخر المحقّقين في الإيضاح ٢:٨٤ إلى أنّ الأولى عدم اشتراط القبول.

٤١٢

والأقوى الأوّل؛ لأنّه عقد لازم فلابدّ له من إيجاب وقبول لفظيّين (١) صريحين متطابقين عربيّين، فعلى ما اختاره من اشتراطه يعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللازمة. وعلى القول الآخر (فلا يشترط فوريّة القبول) للأصل وحصول الغرض.

وقيل: لا يشترط رضاه مطلقاً (٢) لما روي من ضمان علي عليه الصلاة والسلام دين الميّت الذي امتنع النبيّ صلى الله عليه وآله من الصلاة عليه؛ لمكان دينه (٣).

(ولا عبرة بالغريم) وهو المضمون عنه؛ لما ذكرناه من أنّه وفاء عنه، وهو غير متوقّف على إذنه (نعم لا يرجع عليه مع عدم إذنه) في الضمان وإن أذن في الأداء؛ لأنّه متبرّع. والضمان هو الناقل للمال من الذمّة (ولو أذن) له في الضمان (رجع) عليه (بأقلّ الأمرين مما أدّاه، ومن الحقّ) فإن أدّى أزيد منه كان متبرّعاً بالزائد، وإن أدّى أقلّ لم يرجع بغيره، سواء أسقط الزائد عنه بصلح أم إبراء. ولو وهبه بعد ما أدّى الجميع البعض أو الجميع جاز رجوعه به. ولو أدّى عرضاً رجع بأقلّ الأمرين من قيمته ومن الحقّ، سواء رضي المضمون له به عن الحقّ من غير عقد، أو بصلح.

(ويشترط فيه) أي في الضامن (الملاءة) بأن يكون مالكاً لما يوفي به الحقّ المضمون فاضلاً عن المستثينات في وفاء الدين (أو علم المستحقّ بإعساره) حين الضمان، فلو لم يعلم به حتى ضمن تخيّر المضمون له في الفسخ. وإنّما تعتبر الملاءة في الابتداء، لا الاستدامة، فلو تجدّد إعساره بعد الضمان

__________________

(١) في (ع) التي قوبلت بالأصل: لفظين.

(٢) قاله الشيخ في الخلاف ٣:٣١٣، المسألة ٢ من كتاب الضمان.

(٣) اُنظر الوسائل ١٣:١٥١، الباب ٢ من أبواب الضمان، الحديث ٢، وسنن النسائي ٤:٦٥، والسنن الكبرى ٦:٧٣.

٤١٣

لم يكن له الفسخ، لتحقّق الشرط حالته. وكما لا يقدح تجدّد إعساره فكذا تعذّر الاستيفاء منه بوجه آخر.

(ويجوز الضمان حالاًّ ومؤجّلاً، عن حالٍّ ومؤجّلٍ) سواء تساوى المؤجّلان في الأجل أم تفاوتا؛ للأصل.

ثمّ إن كان الدين حالاًّ رجع مع الأداء مطلقاً، وإن كان مؤجّلاً فلا رجوع عليه إلّابعد حلوله وأدائه مطلقاً.

(والمال المضمون: ما جاز أخذ الرهن عليه) وهو المال الثابت في الذمّة وإن كان متزلزلاً (ولو ضمن للمشتري عهدة الثمن) أي دركه على تقدير الاحتياج إلى ردّه (لزمه) ضمانه (في كلّ موضع يبطل فيه البيع من رأس كالاستحقاق) للمبيع المعيّن ولم يجز المالك البيع، أو أجازه ولم يجز قبض البائع الثمن. ومثله تبيّن خلل في البيع اقتضى فساده من رأس، كتخلّف شرط أو اقتران شرط فاسد، لا ما تجدّد فيه البطلان كالفسخ بالتقايل والمجلس والحيوان والشرط وتلف المبيع قبل القبض؛ لعدم اشتغال ذمّة المضمون عنه حين الضمان على تقدير طروء الانفساخ. بخلاف الباطل من أصله ولو في نفس الأمر.

(ولو ضمن له) أي للمشتري ضامن عن البائع (درك ما يحدثه) المشتري في الأرض (من بناءٍ أو غرس) على تقدير ظهورها مستحقّة لغير البائع وقلعه لها أو أخذه اُجرة الأرض (فالأقوى جوازه) لوجود سبب الضمان حالة العقد، وهو كون الأرض مستحقّة للغير.

وقيل: لا يصحّ الضمان هنا؛ لأنّه ضمان ما لم يجب (١) لعدم استحقاق المشتري الأرش على البائع حينئذٍ، وإنّما استحقّه بعد القلع.

__________________

(١) قاله المحقّق في الشرائع ٢:١١١، والعلّامة في القواعد ٢:١٦٠.

٤١٤

وقيل: إنّما يصحّ هذا الضمان من البائع؛ لأنّه ثابت عليه بنفس العقد (١) وإن لم يضمن، فيكون ضمانه تأكيداً.

وهو ضعيف؛ لأنّه لا يلزم من ضمانه لكونه بائعاً مسلّطاً على الانتفاع مجّاناً ضمانه بعقده مع عدم اجتماع شرائطه التي من جملتها كونه ثابتاً حال الضمان.

وتظهر الفائدة فيما لو أسقط المشتري عنه حقّ الرجوع بسبب البيع، فيبقى له الرجوع بسبب الضمان لو قلنا بصحّته، كما لو كان له خياران فأسقط أحدهما.

ونظير ضمان غير البائع درك الغرس ضمانه عهدة المبيع لو ظهر معيباً فيطالب المشتري بالأرش؛ لأنّه جزء من الثمن ثابت وقت الضمان. ووجه العدم هنا أنّ الاستحقاق له إنّما حصل بعد العلم بالعيب واختيار أخذ الأرش، والموجود من العيب حالة العقد ما كان يلزمه تعيّن الأرش، بل التخيير بينه وبين الردّ، فلم يتعيّن الأرش إلّابعد الضمان.

والحقّ أنّه أحد الفردين الثابتين تخييراً حالة البيع، فيوصف بالثبوت قبل اختياره، كأفراد الواجب المخيّر.

(ولو أنكر المستحقّ القبض) من الضامن (فشهد عليه الغريم) وهو المضمون عنه (قبل) لأنّه إن كان آمراً بالضمان فشهادته عليه شهادة على نفسه باستحقاق الرجوع عليه وشهادة لغيره فتسمع. وإن كان الضامن متبرّعاً عنه فهو أجنبيّ فلا مانع من قبولها؛ لبراءته من الدين أدّى أم لم يؤدّ. لكن إنّما تقبل (مع عدم التهمة) بأن تفيده الشهادة فائدة زائدة على ما يغرمه لو لم يثبت الأداء، فتردّ، وللتهمة صور:

منها: أن يكون الضامن معسراً ولم يعلم المضمون له بإعساره، فإنّ له

__________________

(١) قاله المحقّق في الشرائع ٢:١١١.

٤١٥

الفسخ حيث لا يثبت الأداء، ويرجع على المضمون عنه فيدفع بشهادته عود الحقّ إلى ذمّته.

ومنها: أن يكون الضامن قد تجدّد عليه الحجر للفلس، وللمضمون عنه عليه دين، فإنّه يوفّر بشهادته مال المفلّس فيزداد ما يضرب به.

ولا فرق في هاتين بين كون الضامن متبرّعاً وبسؤال؛ لأنّ فسخ الضمان يوجب العود على المديون على التقديرين، ومع الإفلاس ظاهر.

وجعل بعضهم (١) من صور التهمة: أن يكون الضامن قد صالح على أقلّ من الحقّ، فيكون رجوعه على تقدير كونه بسؤال إنّما هو بالمدفوع، فتجرّ شهادة المضمون عنه تهمة بتخفيف الدين عنه.

وفيه نظر؛ لأنّه يكفي في سقوط الزائد عن المضمون عنه اعتراف الضامن بذلك، فلا يرجع به وإن لم يثبته فتندفع التهمة وتقبل الشهادة كما نبّه عليه المصنّف بقوله: (ومع عدم قبول قوله) للتهمة أو لعدم العدالة (لو غرم الضامن رجع) على المضمون عنه (في موضع الرجوع) وهو ما لو كان ضامناً بإذنه (بما أدّاه أوّلاً) لتصادقهما على كونه هو المستحقّ في ذمّة المضمون عنه واعترافه بأنّ المضمون له ظالم بالأخذ ثانياً. هذا مع مساواة الأوّل للحقّ أو قصوره، وإلّا رجع عليه بأقلّ الأمرين منه ومن الحقّ؛ لأنّه لا يستحقّ الرجوع بالزائد عليه.

ومثله ما لو صدّقه على الدفع وإن لم يشهد، ويمكن دخوله في عدم قبول قوله. (ولو لم يصدّقه على الدفع) الذي ادّعاه (رجع) عليه (بالأقلّ) ممّا ادّعى أداءه أوّلاً وأداءه أخيراً؛ لأنّ الأقلّ إن كان هو الأوّل فهو يعترف بأ نّه لا يستحقّ سواه وأنّ المضمون له ظلمه في الثاني، وإن كان الثاني فلم يثبت ظاهراً سواه، وعلى ما بيّنّاه يرجع بالأقلّ منهما ومن الحقّ.

__________________

(١) اُنظر جامع المقاصد ٥:٣٥٠، والمهذّب البارع ٢:٥٢٣.

٤١٦

كتاب الحوالة

٤١٧
٤١٨

(كتاب الحوالة)

(وهي التعهّد بالمال من المشغول بمثله) للمحيل. هذا هو القدر المتّفق عليه من الحوالة، وإلّا فالأقوى جوازها على البريء؛ للأصل لكنّه يكون أشبه بالضمان؛ لاقتضائه نقل المال من ذمّة مشغولة إلى ذمّة بريئة، فكأنّ المحال عليه بقبوله لها ضامن لدين المحتال على المحيل، ولكنّها لا تخرج بهذا الشبه عن أصل الحوالة، فتلحقها أحكامها.

(ويشترط فيها رضى الثلاثة) أمّا رضى المحيل والمحتال فموضع وفاق، ولأنّ من عليه الحقّ مخيّر في جهات القضاء من ماله، ودينه المحال به من جملتها. والمحتال حقّه ثابت في ذمّة المحيل فلا يلزمه نقله إلى ذمّة اُخرى بغير رضاه. وأمّا المحال عليه فاشتراط رضاه هو المشهور؛ ولأ نّه أحد أركان الحوالة، ولاختلاف الناس في الاقتضاء سهولةً وصعوبةً.

وفيه نظر؛ لأنّ المحيل قد أقام المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة، فلا وجه للافتقار إلى رضى مَن عليه الحقّ، كما لو وكّله في القبض منه. واختلاف الناس في الاقتضاء لا يمنع من مطالبة المستحقّ ومن نصبه خصوصاً مع اتّفاق الحقّين جنساً ووصفاً، فعدم اعتباره أقوى.

نعم، لو كانا مختلفين وكان الغرض استيفاء مثل حقّ المحتال توجّه اعتبار

٤١٩

رضى المحال عليه؛ لأنّ ذلك بمنزلة المعاوضة الجديدة فلابدّ من رضى المتعاوضين، ولو رضي المحتال بأخذ جنس ما على المحال عليه زال المحذور أيضاً. وعلى تقدير اعتبار رضاه ليس هو على حدّ رضاهما؛ لأنّ الحوالة عقد لازم لا يتمّ إلّابإيجاب وقبول، فالإيجاب من المحيل والقبول من المحتال. ويعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما: من اللفظ العربي، والمطابقة، وغيرهما.

وأمّا رضى المحال عليه فيكفي كيف اتّفق، متقدّماً ومتأخّراً ومقارناً. ولو جوّزنا الحوالة على البريء اعتبر رضاه قطعاً.

ويُستثنى من اعتبار رضى المحيل ما لو تبرّع المحال عليه بالوفاء، فلا يعتبر رضى المحيل قطعاً؛ لأنّه وفاء دينه بغير إذنه. والعبارة عنه حينئذٍ أن يقول المحال عليه للمحتال: (أحلتك بالدين الذي لك على فلان على نفسي) فيقبل، فيقومان بركن العقد.

وحيث تتمّ الحوالة تلزم (فيتحوّل فيها المال) من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه (كالضمان) عندنا، ويبرأ المحيل من حقّ المحتال بمجرّدها وإن لم يُبرئه المحتال؛ لدلالة التحوّل عليه في المشهور.

(ولا يجب) على المحتال (قبولها على المليء) لأنّ الواجب أداء الدين، والحوالة ليست أداءً وإنّما هي نقل له من ذمّة إلى اُخرى فلا يجب قبولها عندنا. وما ورد من الأمر بقبولها على المليء (١) على تقدير صحّته محمول على الاستحباب.

(ولو ظهر إعساره) حال الحوالة بعدها (فسخ المحتال) إن شاء، سواء شرط يساره أم لا، وسواء تجدّد له اليسار قبل الفسخ أم لا وإن زال الضرر،

__________________

(١) اُنظر سنن الكبرى ٦:٧٠، وكنز العمال ٥:٥٧٥، الرقم ١٤٠١٥.

٤٢٠