🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

وزمانة واشتغال بعلم، أو نقص المفضّل عليه بسفه أو فسق أو بدعة، ونحو ذلك.

(ويصحّ الرجوع في الهبة بعد الإقباض ما لم يتصرّف) الموهوب تصرّفاً متلفاً للعين، أو ناقلاً للملك، أو مانعاً من الردّ كالاستيلاد، أو مغيّراً للعين كقصارة الثوب ونجارة الخشب وطحن الحنطة، على الأقوى من الأخير. وقيل: مطلق التصرّف (١) وهو ظاهر العبارة. وفي تنزيل موت المتّهب منزلة التصرّف قولان (٢) من عدم وقوعه منه فتتناوله الأدلّة المجوِّزة للرجوع، ومن انتقال الملك عنه بالموت بفعله تعالى وهو أقوى من نقله بفعله وهو أقوى وخيرة المصنّف في الدروس والشرح (٣).

(أو يعوّض) عنها بما يتّفقان عليه أو بمثلها أو قيمتها مع الإطلاق (أو يكن رحماً) قريباً وإن لم يحرم نكاحه، أو يكن زوجاً أو زوجةً على الأقوى؛ لصحيحة زرارة (٤).

(ولو عابت لم يرجع بالأرش على الموهوب) وإن كان بفعله؛ لأنّها غير مضمونة عليه وقد سلّطه على إتلافها مجّاناً، فأبعاضها أولى (ولو زادت زيادة متّصلة) كالسِمَن وإن كان بعلف المتّهب (فللواهب) إن جوّزنا الرجوع حينئذٍ (والمنفصلة) كالولد واللبن (للموهوب له) لأنّه نماء حدث في ملكه

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية:٦٠٣، والقاضي في المهذّب ٢:٩٥، وابن إدريس في السرائر ٣:١٧٣.

(٢) الأوّل ليحيى بن سعيد في الجامع للشرائع:٣٦٦، والعلّامة في القواعد ٢:٤٠٨، والتحرير ٣:٢٨٠، وغيرهما. ولم نعثر على الثاني.

(٣) الدروس ٢:٢٨٨، وغاية المراد ٢:٤١٩.

(٤) الوسائل ١٣:٣٣٩، الباب ٧ من أحكام الهبات، الحديث الأوّل.

١٦١

فيختصّ به سواء كان الرجوع قبل انفصالها بالولادة والحلب (١) أم بعده؛ لأنّه منفصل حكماً. هذا إذا تجدّدت الزيادة بعد ملك المتّهب بالقبض، فلو كان قبله فهي للواهب.

(ولو وهب أو وقف أو تصدّق في مرض موته فهي من الثلث) على أجود القولين (٢) (إلّاأن يجيز الوارث) ومثله ما لو فعل ذلك في حال الصحّة وتأخّر القبض إلى المرض. ولو شرط في الهبة عوضاً يساوي الموهوب نفذت من الأصل؛ لأنّها معاوضة بالمثل كالبيع بثمن المثل.

__________________

(١) لم ترد (والحلب) في (ف) ، ووردت في هامش (ع) تصحيحاً.

(٢) ذهب إليه الشيخ في المبسوط ٤:٤٤، والصدوق وابن الجنيد كما نقل عنهما العلّامة في المختلف ٦:٤٣١، واختاره هو أيضاً، وانظر المقنع:٤٨١ و ٤٨٣ و ٤٨٥. وذهب إلى القول الثاني الشيخان في المقنعة:٦٧١، والنهاية:٦٢٠، والقاضي في المهذّب ١:٤٢٠، وابن إدريس في السرائر ٣:١٩٩ و ٢٢١، والفاضل الآبي في كشف الرموز ٢:٩١.

١٦٢

(الثالث: السكنى) وتوابعها

وكان الأولى عقد الباب للعُمرى؛ لأنّها أعمّ موضوعاً كما فعل في الدروس (١) (ولابدّ فيها من إيجاب وقبول) كغيرها من العقود (وقبض) على تقدير لزومها. أمّا لو كانت جائزة كالمطلقة (٢) كان الإقباض شرطاً في جواز التسلّط على الانتفاع. ولمّا كانت الفائدة بدونه منتفية أطلق اشتراطه فيها (٣).

ويفهم من إطلاقه عدم اشتراط التقرّب، وبه صرّح في الدروس (٤) وقيل: يشترط (٥) والأوّل أقوى. نعم حصول الثواب متوقّف على نيّته.

(فإن اُقّتت بأمدٍ) مضبوطٍ (أو عمر أحدهما) المسكن أو الساكن (لزمت) تلك المدّة وما دام العمر باقياً (وإلّا) تؤقّت بأمد ولا عمر أحدهما (جاز * الرجوع فيها) متى شاء (وإن مات أحدهما) مع الإطلاق (بطلت) وإن لم يرجع، كما هو شأن العقود الجائزة، بخلاف الأوّلين (٦).

(ويعبّر عنها) أي عن السكنى (بالعمرى) إن قرنت بعمر أحدهما (والرقبى) إن قرنت بالمدّة. ويفترقان عنها بوقوعهما على ما لا يصلح

__________________

(١) الدروس ٢:٢٨١.

(٢) يعني غير المقيّدة بأمد مضبوط ولا بعمر أحدهما، كما سيأتي.

(٣) يعني اشتراط القبض في السُكنى.

(٤) الدروس ٢:٢٨١.

(٥) قاله ابن حمزة في الوسيلة:٣٨٠، والعلّامة في القواعد ٢:٤٠٢.

(*) في (ق) و (س) زيادة: له.

(٦) يعني المؤقّت بأمدٍ، أو عمر أحدهما.

١٦٣

للسكنى، فيكونان أعمّ منها من هذا الوجه، وإن كانت أعمّ منهما من حيث جواز إطلاقها في المسكون مع اقترانها بالعمر والمدّة والإطلاق، بخلافهما.

(وكلّ ما صحّ وقفه) من أعيان الأموال (صحّ إعماره) وإرقابه وإن لم يكن مسكناً، وبهذا ظهر عموم موضوعهما.

(وإطلاق السُكنى) الشامل للثلاثة حيث يتعلّق بالمسكن (يقتضي سكناه بنفسه ومن جرت عادته) أي عادة الساكن (به) أي بإسكانه معه، كالزوجة والولد والخادم والضيف والدابّة إن كان في المسكن موضع معدّ لمثلها؛ وكذا وضع ما جرت العادة بوضعه فيها (١) من الأمتعة والغلّة بحسب حالها.

(وليس له أن يؤجرها) ولا يعيرها (ولا أن يسكن غيره) وغيرمن جرت عادته به (إلّابإذن المُسكِن) وقيل: يجوزان مطلقاً (٢) والأوّل أشهر. وحيث تجوز الإجارة فالاُجرة للساكن.

__________________

(١) مرجع الضمير (الدار) المفهومة من المقام.

(٢) قاله ابن إدريس في السرائر ٣:١٦٩.

١٦٤

(الرابع: التحبيس)

(وحكمه حكم السكنى في اعتبار العقد والقبض والتقييد بمدّة) والإطلاق. ومحلّه كالوقف (وإذا حبّس عبده أو فرسه) أو غيرهما ممّا يصلح لذلك (في سبيل اللّٰه أو على زيد، لزم ذلك ما دامت العين باقية؛ وكذا لو حبّس عبده أو أمته في خدمة الكعبة أو مسجد أو مشهد *).

وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين إطلاق العقد وتقييده بالدوام، ولكن مع الإطلاق في حبسه على زيد سيأتي ما يخالفه (١) وفي الدروس: أنّ الحبس على هذه القرب غير زيد يخرج عن الملك بالعقد (٢) ولم يذكر هو ولا غيره حكم ذلك لو قرنه بمدّة ولا حكم غير المذكورات؛ وبالجملة فكلامهم في هذا الباب غير منقّح.

(ولو حبس على رجل ولم يعيّن وقتاً ومات الحابس كان ميراثاً) بمعنى أنّه غير لازم كالسُكنى فتبطل بالموت، ويجوز الرجوع فيه متى شاء. ولو قرن فيه بمدّة لزم فيها ورجع إلى ملكه بعدها.

واعلم أنّ جملة أقسام المسألة كالسكنى، إمّا أن يكون على قربة كالمسجد أو على آدميّ. ثم إمّا أن يطلق أو يقرنه بمدّة أو يصرّح بالدوام. والمحبّس إمّا أن يكون عبداً أو فرساً أو غيرهما من الأموال التي يمكن الانتفاع بها في ذلك الوجه.

__________________

(*) في (ق) و (س) : على خدمة الكعبة أو مشهدٍ أو مسجد.

(١) يأتي في قول الماتن: ولو حبس على رجل ....

(٢) الدروس ٢:٢٨٢.

١٦٥

ففي الآدميّ يمكن فرض سائر الأموال ليستوفي منافعها. وفي سبيل اللّٰه يمكن فرض العبد والفرس والبعير والبغل والحمار وغيرها. وفي خدمة المسجد ونحوه يمكن فرض العبد والأمة والدابّة إذا احتيج إليها في نقل الماء ونحوه، وغيره من الأملاك ليُستوفى منفعتها بالإجارة، ويصرف (١) على مصالحه. وكلامهم في تحقيق أحكام هذه الصور قاصر جدّاً، فينبغي تأمّله.

__________________

(١) كذا في النسخ، والظاهر (تُصرف) لرجوع الضمير على المنفعة.

١٦٦

كتاب المتاجر

١٦٧
١٦٨

(كتاب المتاجر)

المتاجر: جمع مَتجر، وهو مَفعَل من التجارة، إمّا مصدر ميمي بمعناها كالمقتل، وهو هنا نفس التكسّب. أو اسم مكان لمحلّ التجارة، وهي الأعيان المكتسب بها. والأوّل أليق بمقصود العلم، فإنّ الفقه (١) يبحث عن فعل المكلّف والأعيان متعلّقات فعله، وقد أشار المصنّف إلى الأمرين معاً، فإلى الثاني بتقسيمه الأوّل (٢) وإلى الأوّل بقوله أخيراً: «ثم التجارة (٣) تنقسم بأقسام (٤) الأحكام الخمسة» (٥) والمراد بها هنا التكسّب بما هو أعمّ من البيع، فعقد الباب بعد ذكر الأقسام للبيع خاصّة غير جيّد، وكان إفرادها بكتاب ثم ذكر البيع في كتاب كغيره ممّا يحصل به الاكتساب ـ كما صنع في الدروس (٦) ـ أولى.

__________________

(١) كذا في نسخة (ع) التي قوبلت بالأصل، وفي سائر النسخ: الفقيه.

(٢) وهو قوله فيما سيأتي: ينقسم موضوع التجارة.

(٣) في (ع) : التجارات.

(٤) في (ر) : بانقسام.

(٥) يأتي في الصفحة ١٨٢.

(٦) اُنظر الدروس ٣:١٥٩ و ١٩١.

١٦٩
١٧٠

(وفيه فصول) :

(الأوّل)

(ينقسم موضوع التجارة) وهو ما يكتسب به ويبحث فيها عن عوارضه اللاحقة له من حيث الحكم الشرعي (إلى محرّم ومكروه ومباح) ووجه الحصر في الثلاثة: أنّ المكتسب به إمّا أن يتعلّق به نهي أو لا، والثاني المباح. والأوّل إمّا أن يكون النهي عنه مانعاً من النقيض أولا، والأوّل الحرام والثاني المكروه. ولم يذكر الحكمين الآخرين، وهما: الوجوب والاستحباب؛ لأنّهما من عوارض التجارة، كما سيأتي في أقسامها (١).

(فالمحرّم) :

(الأعيان النجسة كالخمر) المتّخذ من العنب (والنبيذ) المتّخذ من التمر، وغيرهما من الأنبذة: كالبتع والمِزْر والجِعَة والفضيخ والنقيع (٢) وضابطها المسكر وإن لم يكن مائعاً كالحشيشة، إن لم يفرض لها نفع آخر وقصد ببيعها

__________________

(١) يأتي في الصفحة ١٨٢.

(٢) البِتع من العسل، والمِزْر من الحنطة، والجِعَة من الشعير، والفضيخ من البُسر، والنَقيع من الزبيب. هامش (ر).

١٧١

المنفعة المحللّة. (والفُقّاع) وإن لم يكن مسكراً؛ لأنّه خمر استصغره الناس (١).

(والمائعِ النجس غير القابل للطهارة) إمّا لكون نجاسته ذاتيّة كأليات الميتة والمبانة من الحيّ، أو عرضيّة كما لو وقع فيه نجاسة وقلنا بعدم قبوله للطهارة كما هو أصحّ القولين (٢) في غير الماء النجس (إلّاالدهن) بجميع أصنافه (للضوء تحت السماء) لا تحت الظلال في المشهور. والنصوص (٣) مطلقة، فجوازه مطلقاً متّجه، والاختصاص بالمشهور تعبّد، لا لنجاسة دخانه، فإنّ دخان النجس عندنا طاهر؛ لاستحالته.

وقد يعلّل بتصاعد شيء من أجزائه مع الدخان قبل إحالة النار له بسبب السخونة إلى أن يلقى الظلال فتتأثّر بنجاسته (٤).

وفيه عدم صلاحيّته ـ مع تسليمه ـ للمنع؛ لأنّ تنجيس مالك العين لها غير محرّم. والمراد الدهن النجس بالعَرَض كالزيت تموت فيه الفأرة ونحوه، لا بالذات كألية الميتة، فإنّ استعماله محرّم مطلقاً؛ للنهي عن استعماله كذلك (٥).

(والميتة) وأجزائها التي تحلّها الحياة، دون ما لا تحلّه مع طهارة أصله

__________________

(١) كما ورد في الخبر الوارد في الوسائل ١٧:٢٩٢، الباب ٢٨ من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأوّل.

(٢) لم نعثر على القائل بعدم قبوله للتطهير حتى بالكثير، نعم يظهر من بعض مثل الشهيد في الدروس ٣:١٨ والبيان:٩٥ والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ١:١٨٣، الميل إلى العدم. وأمّا قبوله للتطهير بالكرّ فقد ذهب إليه العلّامة في التذكرة ١:٨٨.

(٣) اُنظر الوسائل ١٢:٦٦، الباب ٦ من أبواب ما يكتسب به.

(٤) علّل به العلّامة في المختلف ٨:٣٣٣.

(٥) اُنظر الوسائل ١٦:٢٩٥، الباب ٣٠ من أبواب الذبائح الحديث ١، و ٣٦٨، الباب ٣٤ من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديثين ١ و ٢.

١٧٢

بحسب ذاته.

(والدم) وإن فرض له نفعٌ حكميّ كالصبغ.

(وأرواث وأبوال غير المأكول) وإن فرض لهما نفع، أمّا هما ممّا يؤكل لحمه فيجوز مطلقاً؛ لطهارتهما ونفعهما وقيل: بالمنع مطلقاً إلّابول الإبل للاستشفاء به (١).

(والخنزير والكلب) البريّان مطلقاً (إلّاكلب الصيد والماشية والزرع والحائط) ـ كالبستان ـ والجرو (٢) القابل للتعليم. ولو خرجت الماشية عن ملكه أو حصد الزرع أو استغلّ الحائط لم يحرم اقتناؤها رجاءً لغيرها ما لم يطل الزمان بحيث يلحق بالهِراش.

(وآلاتُ اللهو) (٣) : من الدفّ والمزمار والقصب وغيرها.

(والصَنَم) المتّخذ لعبادة الكفّار.

(والصليبُ) الذي يبتدعه النصارى.

(وآلات القمار كالنرد) بفتح النون (والشطرنج) بكسر الشين فسكون الطاء ففتح الراء (والبُقّيرىٰ) ـ بضمّ الباء الموحّدة وتشديد القاف مفتوحةً وسكون الياء المثنّاة من تحت وفتح الراء المهملة ـ قال الجوهري: هي لعبة للصبيان وهي كومة من تراب حولها خطوط (٤) وعن المصنّف رحمه الله: أنّها الأربعة عشر (٥).

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة:٥٨٧، والشيخ في النهاية:٣٦٤، والديلمي في المراسم:١٧٢.

(٢) مثلّث الجيم: ولد الكلب والسباع.

(٣) عطف على قوله: الأعيان النجسة.

(٤) الصحاح ٢:٥٩٤، (بقر).

(٥) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه.

١٧٣

(وبيع السلاح) ـ بكسر السين ـ من السيف والرمح والقوس والسهام، ونحوها (لأعداء الدين) مسلمين كانوا أم كفّاراً ـ ومنهم قطّاع الطريق ـ في حال الحرب أو التهيّؤ له، لا مطلقاً. ولو أرادوا الاستعانة به على قتال الكفّار لم يحرم. ولا يلحق بالسلاح ما يعدّ جنّة للقتال كالدرع والبيضة وإن كره.

(وإجارة المساكن والحَمولة) ـ بفتح الحاء ـ وهي الحيوان الذي يصلح للحمل كالإبل والبغال والحمير، والسفن داخلة فيه (١) تبعاً (للمحرّم) كالخمر وركوب الظلمة وإسكانهم لأجله ونحوه.

(وبيع العنب والتمر) وغيرهما ممّا يعمل منه المسكر (ليعمل مسكراً) سواء شرطه في العقد أم حصل الاتّفاق عليه. (والخشب ليصنع * صنماً) أو غيره من الآلات المحرّمة. (ويكره بيعه لمن يعمله) من غير أن يبيعه لذلك إن لم يعلم أنّه يعمله وإلّا فالأجود التحريم، وغلبة الظنّ كالعلم. وقيل: يحرم ممّن يعمله مطلقاً (٢).

(ويحرم عمل الصور المجسّمة) ذوات الأرواح. واحترز بالمجسّمة عن الصور المنقوشة على نحو الوسادة والورق. والأقوى تحريمه مطلقاً. ويمكن أن يريد ذلك بحمل الصفة على الممثّل لا المثال.

(والغناء) ـ بالمدّ ـ وهو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المُطرب، أو ما سمّي في العرف غناءً وإن لم يطرب، سواء كان في شعر أم قرآن أم غيرهما.

__________________

(١) الضمير راجع إلى الحيوان، ووجه التبعيّة أنّها حاملة كالحيوان.

(*) في (ق) : ليُعمل.

(٢) قاله العلّامة في المختلف ٥:٢٢.

١٧٤

واستثنى منه المصنّف (١) وغيره (٢) الحداء للإبل. وآخرون (٣) ومنهم المصنّف في الدروس (٤) فعله للمرأة في الأعراس إذا لم تتكلّم بباطل ولم تعمل بالملاهي ـ ولو بدفّ فيه صَنْج (٥) لا بدونه ـ ولم يسمع صوتها أجانب الرجال. ولا بأس به.

(ومعونة الظالمين بالظلم) كالكتابة لهم وإحضار المظلوم ونحوه، لا معونتهم بالأعمال المحللّة كالخياطة، وإن كره التكسّب بماله.

(والنوح بالباطل) بأن تصف (٦) الميّت بما ليس فيه. ويجوز بالحقّ إذا لم تسمعها الأجانب.

(وهجاء المؤمنين) ـ بكسر الهاء والمدّ ـ وهو ذكر معايبهم بالشعر. ولا فرق في المؤمن بين الفاسق وغيره. ويجوز هجاء غيرهم كما يجوز لعنهم.

(والغيبة) ـ بكسر المعجمة ـ وهو القول وما في حكمه في المؤمن بما يسوؤُه لو سمعه، مع اتّصافه به. وفي حكم القول الإشارة باليد وغيرها من الجوارح، والتحاكي بقول أو فعل كمشية الأعرج، والتعريض كقوله: «أنا لست متّصفاً بكذا» ، أو «الحمد للّٰه‌الذي لم يجعلني كذا» ، معرّضاً بمن يفعله. ولو فعل

__________________

(١) الدروس ٢:١٢٦.

(٢) مثل المحقّق في الشرائع ٤:١٢٨، والعلّامة في القواعد ٣:٤٩٥، وغيرهما.

(٣) مثل الشيخ في النهاية:٣٦٧، والمحقّق في المختصر:١١٦ ـ ١١٧، والعلّامة في القواعد ٢:٨، وغيره، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد ٤:٢٤، وغيرهم.

(٤) الدروس ٣:١٦٢.

(٥) ما يجعل في إطار الدفّ من النحاس المدوّر صغاراً.

(٦) فاعل الفعل (النائحة) واختصاصها بالذكر لورودها في الأخبار، والوجه في ذلك عدم كون النياحة في ذلك الزمن من دأب الرجال.

١٧٥

ذلك بحضوره أو قال فيه ما ليس به فهو أغلظ تحريماً وأعظم تأثيماً وإن لم يكن غيبة اصطلاحاً.

واستثني منها: نصح المستشير، وجرح الشاهد والتظلّم وسماعه، وردّ من ادّعى نسباً ليس له، والقدح في مقالة أو دعوى باطلة في الدين (١) والاستعانة على دفع المنكر، وردّ العاصي إلى الصلاح، وكون المقول فيه مستحقّاً للاستخفاف؛ لتظاهره بالفسق، والشهادة على فاعل المحرّم حسبة. وقد أفردنا لتحقيقها رسالة شريفة (٢) من أراد الإطّلاع على حقائق أحكامها فليقف عليها.

(وحفظ كتب الضلال) عن التلف، أو عن ظهر القلب (ونسخها ودرسها) قراءة ومطالعة ومذاكرة (لغير النقض) لها (أو الحجّة) على أهلها بما اشتملت عليه ممّا يصلح دليلاً لإثبات الحقّ أو نقض الباطل لمن كان من أهلهما (أو التقيّة) وبدون ذلك يجب إتلافها إن لم يمكن إفراد مواضع الضلال، وإلّا اقتصر عليها.

(وتعلّم السحر) وهو كلام أو كتابة يحدث بسببه ضرر على من عمل له في بدنه أو عقله، ومنه عقد الرجل عن حليلته وإلقاء البغضاء بينهما، واستخدام الجنّ والملائكة، واستنزال الشياطين في كشف الغائبات، وعلاج المصاب، وتلبّسهم ببدن صبيّ أو امرأة في كشف أمر على لسانه ونحو ذلك. فتعلّم ذلك كله وتعليمه حرام والتكسّب به سُحت، ويقتل مستحلّه.

والحقّ أنّ له أثراً حقيقيّاً وهو أمر وجدانيّ، لا مجرّد التخييل كما زعم

__________________

(١) لم يرد (في الدين) في (ش).

(٢) المسمّاة ب‍ (كشف الريبة عن أحكام الغيبة).

١٧٦

كثير (١) ولا بأس بتعلّمه ليتوقّى به أو يدفع سحر المتنبّئ به، وربما وجب على الكفاية؛ لذلك، كما اختاره المصنّف في الدروس (٢).

(والكهانة) ـ بكسر الكاف ـ وهي عمل يوجب طاعة بعض الجانّ له فيما يأمره به، وهو قريب من السحر، أو أخصّ منه.

(والقيافة) وهي الاستناد إلى علامات وأمارات يترتّب عليها إلحاق نسب ونحوه، وإنّما يحرم إذا رتّب عليها محرّم أو جزم بها.

(والشَعْبذة) وهي الأفعال العجيبة المتربَّة (٣) على سرعة اليد بالحركة فيلبّس (٤) على الحسّ. كذا عرّفها المصنّف (٥) (وتعليمها) كغيرها من العلوم والصنائع المحرّمة.

(والقِمار) بالآلات المعدّة له، حتى اللعب بالخاتم والجوز والبيض، ولا يملك ما ترتّب (٦) عليه من الكسب وإن وقع من غير المكلّف، فيجب ردّه على مالكه. ولو قبضه غير مكلّف فالمخاطب بردّه الوليّ، فإن جهل مالكه تصدّق به عنه، ولو انحصر في محصورين وجب التخلّص منهم ولو بالصلح.

(والغِشّ) بكسر الغين (الخفيّ) كشوب اللبن بالماء، ووضع الحرير في البرودة ليكتسب ثقلاً. ويكره بما لا يخفى، كمزج الحنطة بالتراب والتِبن

__________________

(١) منهم الراوندي في الخرائج والجرائح ٣:١٠١٨ ـ ١٠٢١، والعلّامة في القواعد ٢:٩، والمصنّف في الدروس ٣:١٦٤.

(٢) الدروس ٣:١٦٤.

(٣) في (ش) و (ع) : المترتّبة.

(٤) في (ر) : فيلتبس.

(٥) الدروس ٣:١٦٤.

(٦) في (ش) و (ر) : ما يترتّب.

١٧٧

وجيّدها برديئها.

(وتدليس الماشطة) بإظهارها في المرأة محاسن ليست فيها: من تحمير وجهها ووصل شعرها، ونحوه ومثله فعل المرأة له من غير ماشطة. ولو انتفى التدليس ـ كما لو كانت مزوّجة ـ فلا تحريم.

(وتزيين كلّ من الرجل والمرأة بما يحرم عليه) كلبس الرجل السِوار والخلخال والثياب المختصّة بها عادة، ويختلف ذلك باختلاف الأزمان والأصقاع. ومنه تزيّنه بالذهب وإن قلّ والحرير إلّاما استثني. وكلبس المرأة ما يختصّ بالرجل، كالمِنطقة والعِمامة.

(والاُجرةُ على تغسيل الموتى وتكفينهم) وحملهم إلى المغتسل وإلى القبر، وحفر قبورهم (ودفنهم، والصلاة عليهم) وغيرها من الأفعال الواجبة كفاية. ولو اشتملت هذه الأفعال على مندوب ـ كتغسيلهم زيادة على الواجب، وتنظيفهم ووضوئهم، وتكفينهم بالقطع المندوبة، وحفر القبر زيادة على الواجب الجامع لوصفي كتم الريح وحراسة الجثّة إلى أن يبلغ القامة، وشقّ اللحد، ونقله إلى ما يدفن فيه من مكان زائد على ما يمكن دفنه فيه ـ لم يحرم التكسّب به.

(والاُجرة على الأفعال الخالية من غرض حِكمي، كالعبث) مثل الذهاب إلى مكان بعيد أو في الظلمة، أو رفع صخرة، ونحو ذلك ممّا لا يعتدّ بفائدته عند العقلاء.

(والاُجرة على الزنا) واللواط وما شاكلهما.

(ورُشا القاضي) ـ بضمّ أوّله وكسره مقصوراً ـ جمع رشوة بهما وقد تقدّم (١).

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٨٠.

١٧٨

(والاُجرة على الأذان والإقامة) على أشهر القولين (١) ولا بأس بالرزق بالرزق من بيت المال. والفرق بينهما أنّ الاُجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض والمدّة والصيغة الخاصّة، والرزق منوط بنظر الحاكم. ولا فرق في تحريم الاُجرة بين كونها من معيّن ومن أهل البلد والمحلّة وبيت المال. ولا يلحق بها أخذ ما اُعدّ للمؤذّنين من أوقاف مصالح المسجد وإن كان مقدّراً وباعثاً على الأذان. نعم لا يثاب فاعله إلّامع تمحّض الإخلاص به كغيره من العبادات.

(والقضاء) بين الناس؛ لوجوبه، سواء احتاج إليها أم لا، وسواء تعيّن عليه القضاء أم لا (ويجوز الرزق من بيت المال) وقد تقدّم في القضاء (٢) أنّه من جملة المرتزقة منه.

(والاُجرة على تعليم الواجب من التكليف *) سواء وجب عيناً كالفاتحة والسورة وأحكام العبادات العينيّة، أم كفاية كالتفقّه في الدين وما يتوقّف عليه من المقدّمات علماً وعملاً، وتعليم المكلّفين صيغ العقود والإيقاعات، ونحو ذلك.

__________________

(١) ذهب إلى الأشهر الشيخ في النهاية:٣٦٥، والخلاف ١:٢٩٠، المسألة ٣٦ من كتاب الصلاة، وابن إدريس في السرائر ٢:٢١٧، والمحقّق في المختصر:١١٧، والعلّامة في المختلف ٢:١٣٤، والقواعد ٢:١٠، وغيرهم. وأما غير الأشهر وهو كراهة أخذ الاُجرة على الأذان فقد نسبه المحقّق في المعتبر:١١٧ والعلّامة في المختلف ٢:١٣٤ إلى السيّد المرتضى في المصباح.

(٢) تقدّم في الصفحة ٧٨.

(*) في (ق) : التكاليف.

١٧٩

(وأمّا المكروه) :

(فكالصرف) وعلّل في الأخبار بأ نّه لا يسلم فاعله من الربا (١).

(وبيع الأكفان) لأنّه يتمنّى كثرة الموت والوباء (٢) (والرقيق) (٣) فشرّ الناس من باع الناس (٤).

(واحتكار الطعام) وهو حبسه بتوقّع زيادة السعر. والأقوى تحريمه مع استغنائه عنه وحاجة الناس إليه، وهو اختياره في الدروس (٥) وقد قال صلى الله عليه وآله: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) (٦) وسيأتي الكلام في بقيّة أحكامه (٧).

(والذباحة) لإفضائها إلى قسوة القلب وسلب الرحمة (٨).

وإنّما تكره إذا اتّخذها حرفة وصنعة، لا مجرّد فعلها، كما لو احتاج إلى صرف دينار أو بيع كفن أو ذبح شاة، ونحو ذلك، والتعليل بما ذكرناه في الأخبار يرشد إليه.

(والنِساجة) والمراد بها ما يعمّ الحياكة، والأخبار متضافرة بالنهي عنها والمبالغة في ضعتها ونقصان فاعلها حتى نهي عن الصلاة خلفه (٩) والظاهر

__________________

(١) و (٢) راجع الوسائل ١٢:٩٧ ـ ٩٨، الباب ٢١ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ١ و ٤.

(٣) في (ر) زيادة: قوله صلى الله عليه وآله.

(٤) راجع الحديث الأوّل من التخريج المتقدّم آنفاً.

(٥) الدروس ٣:١٨٠، ولكن خالياً عن قيد الاستغناء.

(٦) الوسائل ١٢:٣١٣، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة، الحديث ٣.

(٧) في الصفحة ٢٢٦.

(٨) راجع الوسائل ١٢:٩٨، الباب ٢١ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ٤.

(٩) اُنظر الوسائل ١٢:١٠٠، الباب ٢٣ من أبواب ما يكتسب به، والمستدرك ١٣:٩٧، الباب ٢٠ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ٥.

١٨٠