🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

كتاب الكفّارات

٤١
٤٢

(كتاب الكفّارات)

(الكفّارات) وهي تنقسم إلى معيّنة كبعض كفّارات الحجّ ـ ولم يذكرها هنا اكتفاءً بما سبق ـ وإلى مرتّبة، ومخيّرة، وما جمعت الوصفين، وكفّارة جمع.

(فالمرتَّبة) ثلاث: (كفّارة الظهار، وقتل الخطأ ـ وخصالها (١)) المرتّبة (خصال كفّارة الإفطار في) شهر (رمضان: العتق) أوّلاً (فالشهران) مع تعذّر العتق (فالسّتون) أي إطعام الستّين لو تعذّر الصيام ـ (و) الثالثة (كفّارة من أفطر في قضاء) شهر (رمضان بعد الزوال، وهي: إطعام عشرة مساكين، ثم صيام ثلاثة أيّام) مع العجز عن الإطعام.

(والمخيَّرة: كفّارة شهر رمضان) في أجود القولين (٢) (و) كفّارة (خُلف النذر والعهد) إن جعلناهما ككفّارة رمضان، كما هو أصحّ الأقوال رواية (٣).

__________________

(١) في (ر) : خصالهما.

(٢) هذا هو المشهور، ويقابله قول ابن عقيل بالتعيين، راجع المختلف ٣:٤٣٨.

(٣) في المسالك ١٠:١٧: اختلف الأصحاب في كفّارة خلف النذر على أقوال:

أحدها : أنّها كفّارة رمضان مطلقاً، ذهب إليه الشيخان، وأتباعهما والمصنّف والعلّامة في

٤٣

(وفي كفّارة جزاء الصيد) وهو الثلاث الاُولى من الثلاثة الاُول (١) ممّا ذكر في الكفّارات، لا مطلق جزائه (خلاف) في أنّه مرتَّب أو مخيَّر. والمصنّف اختار فيما سبق الترتيب (٢) وهو أقوى. ومبنى الخلاف على دلالة ظاهر الآية (٣) العاطفة للخصال ب‍ «أو» الدالّة على التخيير، ودلالة الخبر على أنّ ما في القرآن ب‍ (أو) فهو على التخيير (٤) وعلى ما روي نصّاً من أنّها على الترتيب (٥) وهو مقدّم.

(و) التي جمعت الوصفين (كفّارة اليمين) وهي (إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة) مخيَّر بين الثلاث (فإن عجز فصيام ثلاثة أيّام).

(وكفّارة الجمع لقتل المؤمن عمداً ظلماً، وهي عتق رقبة وصيام شهرين) متتابعين (وإطعام ستّين مسكيناً) وقد تقدّم أنّ الإفطار في شهر

__________________

المختلف وأكثر المتأخّرين؛ لصحيحة عبد الملك بن عمرو ... وثانيها : أنّها كفّارة يمين مطلقاً ، ذهب إليه الصدوق والمصنّف [صاحب الشرائع] في النافع؛ لحسنة الحلبي ... ثالثها: التفصيل، فإن كان النذر لصوم فأفطره فكفّارة رمضان، وإن كان لغير ذلك فكفّارة يمين، ذهب إلى ذلك المرتضى وابن إدريس والعلّامة في غير المختلف.

(١) كذا في (ع) التي قوبلت مع نسخة المؤلّف قدس سره، وفي (ش) و (ر) : (الثلاث الاُول من الثلاثة الاُولى) وفي (ف) : (الثلاث الاُول من الثلاثة الاُول) والمراد من الثلاث الاُولى: البدنة والفضّ والصيام، والبقرة والفضّ والصيام، والشاة والفضّ والصيام. والمراد من الثلاثة الاُول: النعامة، والبقرة ومثله، والظبي ومثله. راجع هامش (ر).

(٢) سبق في كتاب الحجّ، الجزء الأوّل:٥٥٥.

(٣) المائدة:٩٥.

(٤) الوسائل ٩:٢٩٥، الباب ١٤ من أبواب بقيّة الكفّارات، الحديث الأوّل.

(٥) راجع الوسائل ٩:١٨٣، الباب ٢ من أبواب كفّارات الصيد.

٤٤

رمضان على محرّم مطلقاً يوجبها أيضاً (١) فهذه جملة الأقسام.

وبقي هنا أنواع اختلف في كفّارتها (٢) أتبعها بها ، فقال: (والحالف بالبراءة من اللّٰه تعالى ورسوله صلّى اللّٰه عليه وآله والأئمّة عليهم السلام) على الاجتماع والانفراد (يأثم) صادقاً كان أم كاذباً، وفي الخبر: أنه يبرأ بذلك منهم صادقاً وكاذباً (٣) واختلف في وجوب الكفّارة به مطلقاً أو مع الحنث فنقل المصنّف هنا قولين من غير ترجيح، وكذا في الدروس (٤) (و) هو أنّه (يكفِّر كفارة ظهار * فإن عجز فكفّارة يمين على قول) الشيخ في النهاية (٥) وجماعة (٦) ولم نقف على مستنده، وظاهرهم وجوب ذلك مع الحنث وعدمه ومع الصدق والكذب.

(وفي توقيع العسكري عليه السلام) إلى محمّد بن الحسن الصفّار الذي رواه محمّد بن يحيى في الصحيح أنّه مع الحنث (يطعم عشرة مساكين) لكلّ مسكين مدّ (ويستغفر اللّٰه تعالى) (٧) والعمل بمضمونها حسن؛ لعدم المعارض مع صحّة الرواية. وكونها مكاتبة ونادرة لا يقدح مع ما ذكرناه. وهو اختيار العلّامة في المختلف (٨).

__________________

(١) تقدّم في كتاب الصوم، الجزء الأوّل:٤٠٨.

(٢) في (ر) : كفّاراتها.

(٣) الوسائل ١٦:١٢٦، الباب ٧ من أبواب الأيمان، الحديث ٢ و ٤.

(٤) الدروس ٢:١٦٣.

(*) في (س) : الظهار، وهكذا في (ع) من نسخ الشرح.

(٥) النهاية:٥٧٠.

(٦) منهم القاضي في المهذّب ٢:٤٢١، ولم نقف على غيره.

(٧) الوسائل ١٦:١٢٦، الباب ٧ من أبواب الأيمان، الحديث ٣.

(٨) المختلف ٨:١٤١.

٤٥

وذهب جماعة إلى عدم وجوب كفّارة مطلقاً (١) لعدم انعقاد اليمين؛ إذ لا حلف إلّاباللّٰه تعالى. واتّفق الجميع على تحريمه مطلقاً.

(وفي جزّ المرأة شَعرها في المصاب كفّارةُ ظهار) على ما اختاره هنا وقبله العلّامة في بعض كتبه (٢) وابن إدريس (٣) ولم نقف على المأخذ. (وقيل) : كبيرة (٤) (مخيّرة) ذهب إليه الشيخ في النهاية (٥) استناداً إلى رواية ضعيفة (٦). وفي الدروس نسب القول الثاني إلى الشيخ ولم يذكر الأوّل (٧).

والأقوى عدم الكفّارة مطلقاً؛ لأصالة البراءة. نعم يستحبّ لصلاحيّة الرواية لأدلّة السنن. ولا فرق في المصاب بين القريب وغيره؛ للإطلاق.

وهل يُفرَّق بين الكلّ والبعض؟ ظاهر الرواية اعتبار الكلّ؛ لإفادة الجمع المعرّف أو المضاف (٨) العموم. واستقرب في الدروس عدم الفرق (٩) لصدق (جزّ

__________________

(١) منهم الشيخ في المبسوط ٦:١٩٤، وابن إدريس في السرائر ٣:٤٠، والعلّامة في القواعد ٣:٢٩٧.

(٢) لم نقف عليه.

(٣) السرائر ٣:٧٨، قال: «عليها كفّارة قتل الخطأ» وقد ساوى بين كفّارة الظهار وكفّارة قتل الخطأ في الصفحة:٦٩.

(٤) يعني كفّارة قتل الخطأ.

(٥) النهاية:٥٧٣.

(٦) الوسائل ١٥:٥٨٣، الباب ٣١ من أبواب الكفّارات، وفيه حديث واحد. ولعلّ ضعفه بخالد بن يزيد. راجع المسالك ١٠:٢٧.

(٧) و (٩) الدروس ٢:١٧٨.

(٨) المراد بالجمع المعرّف أو المضاف ما ورد في الرواية من قوله عليه السلام: «جزّت شعرها ... ففي جزّ الشعر» فإن كلمة (شعر) اسم جنس جمعي.

٤٦

الشعر) و (شعرها) عرفاً بالبعض. وكذا الإشكال في إلحاق الحلق والإحراق بالجزّ، من مساواته له في المعنى واختاره في الدروس (١) ومن عدم النصّ وأصالة البراءة وبطلان القياس وعدم العلم بالحكمة الموجبة للإلحاق. وكذا في إلحاق جزّه في غير المصاب به من عدم النصّ، واحتمال الأولويّة، وهي ممنوعة.

(وفي نتفه) أي نتف شعرها (أو خدش وجهها أو شقّ الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته كفّارة يمين على قول) الأكثر، ومنهم المصنّف في الدروس (٢) جازماً به من غير نقل خلاف، وكذلك العلّامة في كثير من كتبه (٣) ونسبته هنا إلى القول يشعر بتوقّفه فيه، وهو المناسب؛ لأنّ مستنده الرواية التي دلّت على الحكم السابق، والمصنّف اعترف بضعفها في الدروس (٤) وليس بين المسألتين فرق إلّاتحقّق الخلاف في الاُولى دون هذه. والكلام في نتف بعض الشعر كما سبق (٥).

ولا فرق بين الولد للصلب وولد الولد وإن نزل، ذكراً أو اُنثى لذكرٍ (٦) وفي ولد الاُنثى قولان (٧) أجودهما عدم اللحوق. ولا في الزوجة بين الدائم والمستمتع

__________________

(١) و (٢) الدروس ٢:١٧٨.

(٣) القواعد ٣:٢٩٧، والإرشاد ٢:٩٧، والتبصرة:١٥٩.

(٤) الدروس ٢:١٧٨.

(٥) في جزّ بعض الشعر.

(٦) في مصحّحة (ع) : ذكرٍ أو اُنثى لذكر.

(٧) قول باللحوق للسيّد في رسائله ٤:٣٢٨، وقول بعدم اللحوق لابن إدريس في السرائر ٣:١٥٧، والعلّامة في المختلف ٦:٣٣٠، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩:٩٣، وقد تعرّضوا لذلك في مبحث الوقف.

٤٧

بها (١) والمطلّقة رجعيّاً زوجةٌ، ولا يلحق بها الأمة وإن كانت سُرّيّة أو اُمّ ولد.

ويعتبر في الخدش الإدماء، كما صرّحت به الرواية (٢) وأطلق الأكثر (٣) وصرّح جماعة منهم العلّامة في التحرير (٤) بعدم الاشتراط. والمعتبر منه مسمّاه، فلا يشترط استيعاب الوجه، ولا شقّ جميع الجلد. ولا يلحق به خدش غير الوجه وإن أدمى، ولا لطمه مجرّداً.

ويعتبر في الثوب مسمّاه عرفاً، ولا فرق فيه بين الملبوس وغيره، ولا بين شقّه ملبوساً ومنزوعاً، ولا بين استيعابه بالشقّ وعدمه.

ولا كفّارة بشقّه على غير الولد والزوجة، وأجازه جماعة على الأب والأخ (٥) لما نقل من شقّ بعض الأنبياء والأئمّة عليهم السلام فيهما (٦) ولا في شقّ المرأة على الميّت مطلقاً وإن حرم.

(وقيل: من تزوّج امرأة في عدّتها فارقها وكفّر بخمسة أصوع * دقيقاً) (٨)

__________________

(١) في (ر) : المتمتّع بها.

(٢) الوسائل ١٥:٥٨٣، الباب ٣١ من أبواب الكفّارات، الحديث الأوّل.

(٣) كالمحقّق في الشرائع ٣:٦٨، والعلّامة في الإرشاد ٢:٩٧، والشهيد في الدروس ٢:١٧٨.

(٤) التحرير ٤:٣٦٩ ولم نعثر على التصريح به لغيره، ونسبه ابن فهد الحلّي إلى التحرير فقط، راجع المهذّب البارع ٣:٥٦٩.

(٥) منهم سلّار في المراسم:١٩٠، والقاضي في المهذّب ٢:٤٢٤ بزيادة (الوالدة) وابن سعيد في الجامع للشرائع:٤١٩ بزيادتها والقريب.

(٦) راجع الوسائل ٢:٩١٦، الباب ٨٤ من أبواب الدفن، وج ١٥:٥٨٢، الباب ٣١ من أبواب الكفّارات.

(*) في (ق) : أصواع.

(٧) قاله المفيد في المقنعة:٥٧٢، والشيخ في النهاية:٥٧٢، والقاضي في المهذّب ٢:٤٢٣.

٤٨

نسب ذلك إلى القول متوقّفاً فيه، وجزم به في الدروس (١) ومستنده رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام (٢) وهي مع تسليم سندها لا تصريح فيها بالوجوب، فالقول بالاستحباب أوجه. وفي الرواية تصريح بالعالم، وأطلق الأكثر. ولا حجّة في لفظ (الكفّارة) على اختصاصها بالعالم. ولا فرق في العدّة بين الرجعيّة والبائن، وعدّة الوفاة وغيرها، وفي حكمها ذات البعل وهو مصرَّح في الرواية، ولا بين المدخول بها وغيرها. والدقيق في الرواية والفتوى مطلق. وربما قيل باختصاصه بنوع يجوز إخراجه كفّارة وهو دقيق الحنطة والشعير (٣).

(ومن نام عن صلاة العشاء حتّى تجاوز نصف الليل أصبح صائماً) ظاهره كون ذلك على وجه الوجوب؛ لأنّه مقتضى الأمر. وفي الدروس نسب القول به إلى الشيخ (٤) وجعل الرواية (٥) به مقطوعة (٦)، وحينئذٍ فالاستحباب أقوى. ولا فرق بين النائم كذلك عمداً وسهواً. وفي إلحاق السكران به قول ضعيف (٧) وكذا من تعمّد تركها أو نسيه من غير نوم. ولا يلحق (٨) ناسي غيرها قطعاً.

ولو أفطر ذلك اليوم ففي وجوب الكفّارة من حيث تعيّنه على القول

__________________

(١) الدروس ٢:١٧٨.

(٢) الوسائل ١٨:٣٩٧، الباب ٢٧ من أبواب حدّ الزنا، الحديث ٥.

(٣) قاله الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٣:٣٩٧.

(٤) الدروس ٢:١٧٨، النهاية:٥٧٢.

(٥) الوسائل ٣:١٥٧، الباب ٢٩ من أبواب المواقيت، الحديث ٨.

(٦) الحقّ أنّها مرسلة لا مقطوعة؛ لأنّ راويها عبد اللّٰه بن مغيرة عمّن حدّثه عن الصادق عليه السلام. (منه رحمه الله).

(٧) لم نظفر بقائله.

(٨) في (ر) زيادة: به.

٤٩

بوجوبه، أو لا، بناءً على أنّه كفّارة فلا كفّارة في تركها، وجهان أجودهما الثاني. ولو سافر فيه مطلقاً أفطره وقضاه. وكذا لو مرض، أو حاضت المرأة، أو وافق العيد أو أيّام التشريق، مع احتمال سقوطه حينئذٍ. ولو صادف صوماً متعيّناً تداخلا مع احتمال قضائه.

(وكفّارة ضرب العبد فوق الحدّ) الذي وجب عليه بسبب ما فعله من الذنب أو مطلقاً (عتقه مستحبّاً) عند الأكثر (١) وقيل: وجوباً (٢) وتردّد المصنّف في الدروس (٣) مقتصراً على نقل الخلاف.

وقيل: المعتبر تجاوز حدّ الحرّ؛ لأنّه المتيقّن والمتبادر عند الإطلاق (٤) ولو قتله فكفّارته كغيره.

(وكفّارة الإيلاء كفّارة اليمين) لأنّه يمين خاصّ.

(ويتعيّن العتق في المرتّبة بوجدان الرقبة ملكاً أو تسبيباً) كما لو ملك الثمن ووجد الباذل لها زيادة على داره وثيابه اللائقين بحاله، وخادمه اللائق به أو المحتاج إليه، وقوت يوم وليلة له ولعياله الواجبي النفقة، ووفاء دينه وإن لم يُطالَب به. نعم لو تكلّف العادمُ العتقَ أجزأه، إلّامع مطالبة الديّان، للنهي عن العتق حينئذٍ (٥) وهو عبادة. والعبرة بالقدرة عند العتق، لا الوجوب.

(ويشترط فيها الإسلام) وهو الإقرار بالشهادتين مطلقاً على الأقوى

__________________

(١) نفى عنه الوجوب ابن إدريس في السرائر ٣:٧٩، وصرّح بالاستحباب المحقّق في الشرائع ٣:٧٧، والعلّامة في القواعد ٣:٢٩٧.

(٢) القائل فخر الدين [في الإيضاح ٤:٨٤] وتردّد والده [في القواعد ٣:٢٩٧]. (منه رحمه الله).

(٣) الدروس ٢:١٧٩.

(٤) قاله فخر المحقّقين في الإيضاح ٤:٨٤.

(٥) الوسائل ١٣:٩٤، الباب ١١ من أبوال الدين والقرض.

٥٠

وهو المراد من الإيمان المطلوب في الآية (١) ولا يشترط الإيمان الخاصّ ـ وهو الولاء ـ على الأظهر.

وطفل أحد المسلمين بحكمه، وإسلام الأخرس بالإشارة، وإسلام المسبيّ بالغاً بالشهادتين، وقبله بانفراد المسلم به عند المصنّف (٢) وجماعة (٣) وولد الزنا بهما بعد البلوغ، وبتبعيّة السابي على القول. وفي تحقّقه بالولادة من المسلم وجهان: من انتفائه شرعاً، وتولّده منه حقيقة، فلا يقصر عن السابي. والأوّل أقوى.

(والسلامة من) العيوب الموجبة للعتق، وهي: (العمى والإقعاد والجذام والتنكيل) الصادر عن مولاه، وهو أن يفعل به فعلاً فظيعاً، بأن يجدع أنفه، أو يقطع (٤) اُذنيه ونحوه؛ لانعتاقه بمجرّد حصول هذه الأسباب على المشهور، فلا يتصوّر إيقاع العتق عليه ثانياً.

ولا يشترط سلامته من غيرها من العيوب، فيجزئ الأعور، والأعرج، والأقرع، والخصيّ، والأصمّ، ومقطوع أحد الاُذنين واليدين ولو مع إحدى الرجلين، والمريض وإن مات في مرضه، والهَرِم، والعاجز عن تحصيل كفايته. وكذا من تشبّث بالحرّية مع بقائه على الملك، كالمدبَّر واُمّ الولد وإن لم يجز بيعها؛ لجواز تعجيل عتقها. وفي إجزاء المكاتب الذي لم يتحرّر منه شيء قولان (٥)

__________________

(١) النساء:٩٣.

(٢) الدروس ٢:٣٩.

(٣) الشيخ في المبسوط ٢:٢٣، والقاضي في المهذّب ١:٣١٨، وابن الجنيد على ما نقله عنه العلّامة في المختلف ٤:٤٢١.

(٤) في (ر) : يقلع.

(٥) قول بالإجزاء وهو الظاهر من النهاية:٥٦٩ والشرائع ٣:٧١، وقول بعدم الإجزاء وهو للشيخ في الخلاف ٤:٥٤٤، المسألة ٢٩.

٥١

وإجزاؤه لا يخلو من قوّة. دون المرهون إلّامع إجازة المرتهن، والمنذور عتقه، والصدقة به وإن كان معلّقاً بشرطٍ لم يحصل بعدُ على قولٍ رجّحه المصنّف في الدروس (١).

(والخلوّ عن العوض) فلو أعتقه وشرط عليه عوضاً لم يقع عن الكفّارة، لعدم تمحّض القربة. وفي انعتاقه بذلك نظر، وقطع المصنّف في الدروس بوقوعه (٢) وكذا لو قال له غيره: أعتقه عن كفّارتك ولك عليَّ كذا، واعترف المصنّف هنا بعدم وقوع العتق مطلقاً (٣) نعم لو أمره بعتقه عن الآمر بعوض أو غيره أجزأ، والنيّة هنا من الوكيل. ولابدّ من الحكم بانتقاله إلى ملك الآمر ولو لحظة، لقوله صلى الله عليه وآله: «لا عتق إلّا في ملك» (٤) وفي كونه هنا قبل العتق، أو عند الشروع فيه، أو بعد وقوع الصيغة ثم يعتق، أو بكون العتق كاشفاً عن ملكه بالأمر أوجه، والوجه انتقاله بالأمر المقترن بالعتق.

(والنيّة) * المشتملة على قصد الفعل على وجهه متقرّباً، والمقارنة للصيغة.

(والتعيين) للسبب الذي يكفّر عنه، سواء تعدّدت الكفّارة في ذمّته أم لا وسواء تغاير الجنس أم لا، كما يقتضيه الإطلاق وصرّح به في الدروس (٥) ووجهه: أنّ الكفّارة اسم مشترك بين أفراد مختلفة، والمأمور به إنّما يتخصّص بمميّزاته عن غيره ممّا يشاركه.

__________________

(١ ـ ٣) الدروس ٢:١٨٣.

(٤) الوسائل ١٦:٧، الباب ٥ من أبواب العتق، الحديث ٢ و ٦.

(*) في (ق) و (س) زيادة: تجب.

(٥) الدروس ٢:١٨٤

٥٢

ويشكل بأ نّه مع اتّحادها في ذمّته لا اشتراك، فتجزي نيّته عمّا في ذمّته من الكفّارة؛ لأنّ غيره ليس مأموراً به، بل ولا يتصوّر وقوعه منه في تلك الحالة شرعاً، فلا وجه للاحتراز عنه، كالقصر والتمام في غير موضع التخيير.

والأقوى: أنّ المتعدّد في ذمّته مع اتّحاد نوع سببه، كإفطار يومين من شهر رمضان وخلف نذرين كذلك. نعم لو اختلفت أسبابه توجّه ذلك ليحصل التمييز وإن اتّفق مقدار الكفّارة. وقيل: لا يفتقر إليه مطلقاً (١).

وعلى ما اخترناه لو أطلق برئت ذمّته من واحدة لا بعينها، فيتعيّن في الباقي الإطلاق، سواء كان بعتق أم غيره من الخصال المخيّرة أو المرتَّبة على تقدير العجز. ولو شكّ في نوع ما في ذمّته أجزأه الإطلاق عن الكفّارة على القولين، كما يُجزيه العتق عمّا في ذمّته لو شكّ بين كفّارة ونذر. ولا يجزي ذلك في الأوّل كما لا يجزي العتق مطلقاً، ولا بنيّة الوجوب.

(ومع العجز) عن العتق في المرتَّبة (يصوم شهرين متتابعين) هلاليّين وإن نقصا إن ابتدأ من أوّله، ولو ابتدأ من أثنائه أكمل ما بقي منه ثلاثين بعد الثاني، واجزأه الهلالي في الثاني. ولو اقتصر هنا على شهر ويوم تعيّن العددي فيهما. والمراد بالتتابع أن لا يقطعهما ولو في شهر ويوم بالإفطار اختياراً ولو بمسوِّغه كالسفر.

ولا يقطعه غيره كالحيض والمرض والسفر الضروري والواجب، بل يبني على ما مضى عند زوال العذر على الفور.

هذا إذا فاجأه السفر، أمّا لو علم به قبل الشروع لم يُعذر، للقدرة على التتابع في غيره، كما لو علم بدخول العيد. بخلاف الحيض؛ للزومه في الطبيعة عادة،

__________________

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٦:٢٠٩.

٥٣

والصبر إلى سنّ اليأس تغرير بالواجب وإضرار بالمكلَّف.

وتجب فيه النيّة والتعيين، كالعتق وما يعتبر في نيّته. ولو نسيها ليلاً جدّدها إلى الزوال، فإن استمرّ إليه لم يُجزِ، ولم يقطع التتابع على الأقوى.

(ومع العجز) عن الصيام (يطعم ستّين مسكيناً) فيما يجب فيه ذلك، ككفّارة شهر رمضان وقتل الخطأ والظهار والنذر، لا في مطلق المرتَّبة، فإنّه في كفّارة إفطار قضاء رمضان وكفّارة اليمين إطعام عشرة. وأطلق الحكم اتّكالاً على ما علم (إمّا إشباعاً) في أكلة واحدة (أو تسليم مُدّ إلى كلّ واحد) على أصحّ القولين فتوىً (١) وسنداً (٢) وقيل: مُدّان مطلقاً (٣) وقيل: مع القدرة (٤).

ويتساوى في التسليم الصغير والكبير من حيث القدر، وإن كان الواجب في الصغير تسليم الوليّ، وكذا في الإشباع إن اجتمعوا. ولو انفرد الصغار احتُسب الاثنان بواحد، ولا يتوقّف على إذن الوليّ. ولا فرق بين أكل الصغير كالكبير ودونه؛ لإطلاق النصّ (٥) وندوره (٦).

والظاهر أنّ المراد بالصغير غير البالغ، مع احتمال الرجوع إلى العرف.

ولو تعذّر العدد في البلد وجب النقل إلى غيره مع الإمكان، فإن تعذّر كرّر على الموجودين في الأيّام بحسب المتخلّف.

__________________

(١) نسبه في المسالك ١٠:٩١ إلى المشهور خصوصاً بين المتأخّرين.

(٢) وهو صحيح عبد اللّٰه بن سنان، الوسائل ١٥:٥٥٩، الباب ١٠ من أبواب الكفّارات، الحديث الأوّل.

(٣) قاله الشيخ في الخلاف ٤:٥٦٠، لكنّه لم يصرّح بالإطلاق، بل أطلق.

(٤) قاله الشيخ في النهاية:٥٦٩، والمبسوط ٥:١٧٧.

(٥) الوسائل ١٥:٥٧٠، الباب ١٧ من أبواب الكفّارات، الحديث ٣.

(٦) يعني ندور أكل الصغير كالكبير.

٥٤

والمراد بالمسكين هنا: من لا يقدر على تحصيل قوت سنته فعلاً وقوّةً، فيشمل الفقير. ولا يدخل الغارم وإن استوعب دينُه مالَه. ويعتبر فيه الإيمان، وعدم وجوب نفقته على المعطي، أمّا على غيره فهو غنيّ مع بذل المنفق، وإلّا فلا.

وبالطعام: مسمّاه كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما وما يغلب على قوت البلد، ويجزي التمر والزبيب مطلقاً (١).

ويعتبر كونه سليماً من العيب والمزج بغيره، فلا يجزي المسوس (٢) والممتزج بزوان (٣) وتراب غير معتادين.

والنيّة مقارنة للتسليم إلى المستحقّ أو وكيله أو وليّه، أو بعد وصوله إليه قبل إتلافه أو نقله عن ملكه، أو للشروع في الأكل. ولو اجتمعوا فيه ففي الاكتفاء بشروع واحد أو وجوب تعدّدها مع اختلافهم فيه وجهان.

(وإذا كسا الفقير فثوب) في الأصحّ (٤) والمعتبر مسمّاه من إزار ورداء وسراويل وقميص (ولو غسيلاً إذا لم ينخرق) أو ينسحق جدّاً بحيث لا ينتفع به إلّا قليلاً، وفاقاً للدروس (٥).

__________________

(١) سواء كان غالباً على قوت البلد أم لا.

(٢) يعني ما وقع فيه السوس، وهو دود يقع في الصوف والثياب والطعام. تاج العروس: (سوس).

(٣) الزوان: حبّ يخالط البُرّ. الصحاح: (زون).

(٤) قاله الشيخ في المبسوط ٦:٢١١ وابن إدريس في السرائر ٣:٧٠ والعلّامة في الإرشاد ٢:١٠٠، وفي مقابله القول بوجوب الثوبين، قاله المفيد في المقنعة:٥٦٨، وسلّار في المراسم:١٨٩. ومنهم من فصّل فاعتبر الثوبين مع القدرة واكتفى بالثوب مع العجز، كالشيخ في النهاية:٥٧٠، وابن البرّاج في المهذّب ٢:٤١٥، وأبي الصلاح في الكافي:٢٢٧، والعلّامة في القواعد ٣:٣٠٥.

(٥) الدروس ٢:١٨٨.

٥٥

وجنسه القطن والكتّان والصوف والحرير الممتزج، والخالص للنساء وغير البالغين دون الرجال والخناثى، والفرو والجلد المعتاد لُبسه، والقُنّب والشعر كذلك. ويكفي ما يُسمّى ثوباً للصغير وإن كانوا منفردين. ولا يتكرّر على الموجود لو (١) عذّر العدد مطلقاً (٢)لعدم النصّ، مع احتماله.

(وكلّ من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فعجز) عن صومهما أجمع (صام ثمانية عشر يوماً) وإن قدر على صوم أزيد منها (فإن عجز) عن صوم الثمانية عشر أجمع (تصدّق عن كلّ يوم) من الثمانية عشر (بمدّ) من طعام. وقيل: عن الستّين (٣) ويضعَّف بسقوط حكمها (٤) قبل ذلك، وكونه خلاف المتبادر، وعدم صحّته في الكفّارة المخيَّرة؛ لأنّ القادر على إطعام الستّين يجعله أصلاً لا بدلاً، بل لا يُجزيه الثمانية عشر مع قدرته على إطعام الستّين؛ لأنّها بدل اضطراريّ، وهو بدل اختياريّ (فإن عجز) عن إطعام القدر المذكور وإن قدر على بعضه (استغفر اللّٰه تعالى) ولو مرّةً بنيّة الكفّارة.

__________________

(١) في (ع) : ولو.

(٢) سواء كان الجنس متّفقاً كإزارين، أم لا، كإزار وقميص.

(٣) لم نظفر بالقائل. قال في المسالك ١٠:١٢٠: وفهم بعضهم أنّ الصدقة بعد العجز عن صوم الثمانية عشر عن كلّ يوم من أيّام الستّين، لا الثمانية عشر.

(٤) في (ف) : حكم الستّين.

٥٦

كتاب النذر وتوابعه

٥٧
٥٨

(كتاب النذر وتوابعه)

من العهد واليمين

(وشرط الناذر : الكمال) بالبلوغ والعقل (والاختيار، والقصد) إلى مدلول الصيغة (والإسلام، والحريّة) فلا ينعقد نذر الصبيّ والمجنون مطلقاً، ولا المكرَه، ولا غير القاصد كمُوقع صيغته عابثاً أو لاعباً أو سكران (١) أو غاضباً غضباً يرفع قصده إليه، ولا الكافر مطلقاً؛ لتعذّر القربة على وجهها منه وإن استحبّ له الوفاء به لو أسلم، ولا نذر المملوك (إلّاأن يجيز المالك) قبلَ إيقاع صيغته، أو بعدَه على المختار عند المصنّف (٢) (أو تزول الرقيّة) قبلَ الحلّ؛ لزوال المانع.

والأقوى وقوعه بدون الإذن باطلاً؛ لنفي ماهيّته في الخبر (٣) المحمول على نفي الصحّة؛ لأنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة حيث لا يراد نفيها. وعموم الأمر بالوفاء بالنذر (٤) مخصوص بنذر المذكور (٥) كما دلّ عليه الخبر، لا بنذره مع النهي.

__________________

(١) في (ف) : سكراناً.

(٢) راجع غاية المراد ٣:٤٣٦.

(٣) الوسائل ١٦:١٩٨، الباب ١٥ من أبواب النذر والعهد، الحديث ٢.

(٤) مثل قوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) الحجّ:٢٩.

(٥) أي أنّ عموم الأمر بالوفاء مخصّص بنذر العبد غير المأذون لا نذر العبد المنهي، فإنّه خارج عن العموم قطعاً.

٥٩

(وإذن الزوج كإذن السيّد) في اعتبار توقّفه عليها سابقاً، أو لحوقها له قبل الحلّ، أو ارتفاع الزوجيّة قبله. ولم يذكر توقّف نذر الولد على إذن الوالد؛ لعدم النصّ الدالّ عليه هنا، وإنّما ورد في اليمين (١) فيبقى على أصالة الصحّة.

وفي الدروس ألحقه بهما (٢) لإطلاق اليمين في بعض الأخبار على النذر، كقول الكاظم عليه السلام لمّا سئل عن جارية حلف منها بيمين، فقال: للّٰه‌عليَّ أن لا أبيعها، فقال: «فِ للّٰه‌بنذرك» (٣) والإطلاق وإن كان من كلام السائل، إلّاأنّ تقرير الإمام له عليه كتلفّظه به، ولتساويهما (٤) في المعنى.

وعلى هذا لا وجه لاختصاص الحكم بالولد، بل يجب في الزوجة مثله؛ لاشتراكهما في الدليل نفياً وإثباتاً. أمّا المملوك فيمكن اختصاصه بسبب الحجر عليه، والعلّامة اقتصر عليه هنا (٥) وهو أنسب، والمحقّق شرّك بينه وبين الزوجة في الحكم كما هنا وترك الولد (٦) وليس بوجه.

(والصيغة: إن كان كذا فللّه عليّ كذا) هذه صيغة النذر المتّفق عليه بواسطة الشرط. ويستفاد من الصيغة أنّ القربة المعتبرة في النذر إجماعاً لا يشترط كونها غاية للفعل كغيره من العبادات، بل يكفي تضمّن الصيغة لها، وهو هنا موجود

__________________

(١) الوسائل ١٦:١٢٨، الباب ١٠ من أبواب الأيمان، الحديث ١ و ٢ و ٣.

(٢) استظهر إلحاقه بهما في حلّ النذر، لا في توقّف النذر على الإذن، راجع الدروس ٢:١٤٩.

(٣) الوسائل ١٦:٢٠١، الباب ١٧ من أبواب النذر، الحديث ١١.

(٤) عطف على قوله: لإطلاق اليمين.

(٥) بل شرّك بينه وبين الزوجة ـ مثل المحقّق ـ في القواعد ٣:٢٨٤، والتبصرة:١٥٨. وفي الإرشاد ٢:٩٠ شرّك الولد أيضاً.

(٦) الشرائع ٣:١٨٥.

٦٠