🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

(الثالثة) :

(يجوز أن يتقبّل أحد الشريكين بحصّة صاحبه من الثمرة) بخرص معلوم وإن كان منها (ولا يكون) ذلك (بيعاً) ومن ثمّ لم يشترط فيه شروط البيع، بل معاملة مستقلّة، وفي الدروس أنّه نوع من الصلح (١) (و) يشكل بأ نّه (يلزم بشرط السلامة) فلو كان صلحاً للزم مطلقاً.

وظاهر المصنّف رحمه الله والجماعة: أنّ الصيغة بلفظ القَبالة (٢) وظاهر الأخبار (٣) تأدّيه بما دلّ على ما اتّفقا عليه. ويملك المتقبّل (٤) الزائد ويلزمه لو نقص. وأمّا الحكم بأنّ قراره مشروط بالسلامة فوجهه غير واضح، والنصّ خال عنه. وتوجيهه بأنّ المتقبّل (٥) لمّا رضي بحصّة معيّنة في العين صار بمنزلة الشريك، فيه: أنّ العوض غير لازم كونه منها، وإن جاز ذلك فالرضا بالقدر، لا به مشتركاً، إلّاأن ينزّل على الإشاعة كما تقدّم (٦) ولو كان النقصان لا بآفة بل لخلل في الخرص لم ينقص شيء، كما لا ينقص لو كان بتفريط المتقبّل. وبعض الأصحاب سدّ باب هذه المعاملة، لمخالفتها للاُصول الشرعيّة (٧).

والحقّ أنّ أصلها ثابت، ولزومها مقتضى العقد، وباقي فروعها لا دليل عليه.

__________________

(١) الدروس ٣:٢٣٨.

(٢) منهم المحقّق في الشرائع ٢:٥٥، ويحيى بن سعيد الحلّي في الجامع للشرائع:٢٦٥، والعلّامة في القواعد ٢:٣٦.

(٣) الوسائل ١٣:١٨ ـ ٢٠، الباب ١٠ من أبواب بيع الثمار.

(٤) و (٥) في (ش) و (ف) : المقبّل.

(٦) تقدّم في الصفحة ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

(٧) اُنظر السرائر ٢:٤٥٠ ـ ٤٥١.

٢٦١

(الرابعة) :

(يجوز الأكل ممّا يمرّ به من ثمر النخل والفواكه والزرع، بشرط عدم القصد وعدم الإفساد) أمّا أصل الجواز فعليه الأكثر (١) ورواه ابن أبي عمير مرسلاً عن الصادق عليه السلام (٢) ورواه غيره (٣).

وأمّا اشتراط عدم القصد فلدلالة ظاهر «المرور عليه» والمراد كون الطريق قريبة منها بحيث يصدق «المرور عليها» عرفاً، لا أن يكون طريقه على نفس الشجرة.

وأمّا الشرط الثاني فرواه عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: «يأكل منها ولا يفسد» (٤) والمراد به أن يأكل كثيراً بحيث يؤثّر فيها أثراً بيّناً ويصدق معه «الإفساد» عرفاً، ويختلف ذلك بكثرة الثمرة والمارّة وقلّتهما.

وزاد بعضهم عدم علم الكراهة ولا ظنّها، وكون الثمرة على الشجرة (٥).

(ولا يجوز أن يحمل) معه شيئاً منها وإن قلّ؛ للنهي عنه صريحاً في الأخبار (٦) ومثله أن يطعم أصحابه، وقوفاً فيما خالف الأصل على موضع الرخصة، وهو أكله بالشرط.

__________________

(١) منهم الشيخ في الخلاف ٦:٩٨، المسألة ٢٨، وابن إدريس في السرائر ٢:٣٧١، والمحقّق في الشرائع ٢:٥٥.

(٢) الوسائل ١٣:١٤، الباب ٨ من أبواب بيع الثمار، الحديث ٣.

(٣) المصدر المتقدم، أحاديث الباب نفسه.

(٤) الوسائل ١٣:١٧، الباب ٨ من أبواب بيع الثمار، الحديث ١٢.

(٥) اُنظر المهذّب البارع ٢:٤٤٦، والدروس ٣:٢١.

(٦) الوسائل ١٣:١٤ ـ ١٦، الباب ٨ من أبواب بيع الثمار، الأحاديث ٤ و ٥ و ٨ و ٩.

٢٦٢

(وتركه بالكلّية أولى) للخلاف فيه، ولما روي أيضاً من المنع منه (١) مع اعتضاده بنصّ الكتاب (٢) الدالّ على النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وبغير تراض، ولقبح التصرّف في مال الغير، وباشتمال أخبار النهي على الحظر، وهو مقدّم على ما تضمّن الإباحة والرخصة، ولمنع كثير من العمل بخبر الواحد فيما وافق الأصل فكيف فيما خالفه (٣).

__________________

(١) الوسائل ١٣:١٥، الباب ٨ من أبواب بيع الثمار، الحديث ٧.

(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ٰ (تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ) النساء:٢٩.

(٣) مثل السيد المرتضى في رسائله ١:٢٠٢، وابن إدريس في السرائر ١:٥٠، وابن زهرة في الغنية ٢:٣٥٦، فإنّهم قالوا بعدم حجّيّة أخبار الآحاد مطلقاً.

٢٦٣
٢٦٤

(الفصل الخامس)

(في الصرف)

(وهو بيع الأثمان) وهي الذهب والفضّة (بمثلها).

(ويشترط فيه) زيادة على غيره من أفراد البيع (التقابض في المجلس) الذي وقع فيه العقد (أو اصطحابهما) في المشي عرفاً وإن فارقاه (إلى) حين (القبض) ويصدق الاصطحاب بعدم زيادة المسافة التي بينهما عنها وقت العقد، فلو زادت ولو خطوة بطل (أو رضاه) أي رضا الغريم الذي هو المشتري ـ كما يدلّ عليه آخر المسألة ـ (بما في ذمّته) أي ذمّة المديون الذي هو البائع (قبضاً) أي مقبوضاً، أقام المصدر مقام المفعول (بوكالته) إيّاه (في القبض) لما في ذمّته. وذلك (فيما إذا اشترى) من له في ذمّته نقد (بما في ذمّته) من النقد (نقداً آخر) فإنّ ذلك يصير بمنزلة المقبوض.

مثاله: أن يكون لزيد في ذمّة عمرو دينار فيشتري زيد من عمرو بالدينار عشرة دراهم في ذمّته ويوكلّه في قبضها في الذمّة بمعنى رضاه بكونها في ذمّته، فإنّ البيع والقبض صحيحان؛ لأنّ ما في الذمّة بمنزلة المقبوض بيد من هو في ذمّته، فإذا جعله وكيلاً في القبض صار كأ نّه قابض لما في ذمّته، فصدق التقابض قبل التفرّق.

والأصل في هذه المسألة ما روي في من قال لمن في ذمّته دراهم: «حوّلها

٢٦٥

إلى دنانير» أنّ ذلك يصحّ وإن لم يتقابضا، معلّلاً بأنّ النقدين من واحد (١) والمصنّف رحمه الله عدل عن ظاهر الرواية إلى الشراء بدل «التحويل» والتوكيل صريحاً (٢) في القبض والرضا فيه بكونه في ذمّة الوكيل القابض؛ لاحتياج الرواية إلى تكلّف إرادة هذه الشروط بجعل الأمر بالتحويل توكيلاً في تولّي طرفي العقد، وبنائه (٣) على صحّته وصحّة القبض إذا توقّف البيع عليه بمجرّد التوكيل في البيع. نظراً إلى أنّ التوكيل في شيء إذن في لوازمه التي يتوقّف عليها. ولمّا كان ذلك أمراً خفيّاً عدل المصنّف رحمه الله إلى التصريح بالشروط.

(ولو قبض البعض) خاصّة قبل التفرّق (صحّ فيه) أي في ذلك البعض المقبوض وبطل في الباقي (وتخيّرا) معاً في إجازة ما صحّ فيه وفسخه؛ لتبّعض الصفقة (إذا لم يكن من أحدهما تفريط) في تأخير القبض، ولو كان تأخيره بتفريطهما فلا خيار لهما. ولو اختصّ أحدهما به سقط خياره، دون الآخر.

(ولابدّ من قبض الوكيل) في القبض عنهما أو عن أحدهما (في مجلس العقد قبل تفرّق المتعاقدين). ولا اعتبار بتفرّق الوكيل وأحدهما أو هما، أو الوكيلين. وفي حكم مجلس العقد ما تقدّم (٤) فكان يغني قوله: (قبل تفرّق المتعاقدين) عنه، لشمول الثاني لما في حكم المجلس. هذا إذا كان وكيلاً في القبض، دون الصرف.

__________________

(١) الوسائل ١٢:٤٦٣ ـ ٤٦٤، الباب ٤ من أبواب الصرف، الحديث الأوّل.

(٢) أي عدل عن ظاهر الرواية وهو التوكيل ضمناً في القبض إلى التوكيل صريحاً فيه (هامش ر).

(٣) أي التوكيل.

(٤) وهو اصطحابهما في المشي.

٢٦٦

(ولو كان وكيلاً في الصرف) سواء كان مع ذلك وكيلاً في القبض أم لا (فالمعتبر مفارقته) لمن وقع العقد معه، دون المالك. والضابط: أنّ المعتبر التقابض قبل تفرّق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أم وكيلين.

(ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد) لأنّه حينئذ يجمع حكم الربا والصرف، فيعتبر فيه التقابض في المجلس نظراً إلى الصرف، وعدم التفاضل نظراً إلى الربا، سواء اتّفقا في الجودة والرداءة والصفة أم اختلفا، بل (وإن كان أحدهما مكسوراً أو رديئاً) والآخر صحيحاً أو جيّد الجوهر.

(وتراب معدن أحدهما يباع بالآخر أو بجنسٍ غيرهما) لا بجنسه؛ لاحتمال زيادة أحد العوضين عن الآخر، فيدخل الربا. ولو علم زيادة الثمن عمّا في التراب من جنسه لم يصحّ هنا وإن صحّ في المغشوش بغيره؛ لأنّ التراب لا قيمة له ليصلح في مقابلة الزائد.

(وتراباهما) إذا جُمعا أو اُريد بيعهما معاً (يباعان بهما) فينصرف كلّ إلى مخالفه. ويجوز بيعهما بأحدهما مع زيادة الثمن على مجانسه بما يصلح عوضاً في مقابل الآخر، وأولى منهما بيعهما بغيرهما.

(ولا عبرة باليسير من الذهب في النحاس) بضمّ النون (واليسير من الفضّة في الرصاص) بفتح الراء (فلا يمنع من صحّة البيع بذلك الجنس) وإن لم يعلم زيادة الثمن عن ذلك اليسير ولم يقبض في المجلس ما يساويه؛ لأنّه مضمحلّ وتابع غير مقصود بالبيع. ومثله المنقوش منهما على السقوف والجدران بحيث لا يحصل منه شيء يعتدّ به على تقدير نزعه.

ولا فرق في المنع من الزيادة في أحد المتجانسين بين العينيّة ـ وهي

٢٦٧

الزيادة في الوزن ـ والحكميّة كما لو بيع المتساويان وشرط مع أحدهما شرطاً (١) وإن كان صنعة.

(وقيل: يجوز اشتراط صياغة خاتم في شراء درهم بدرهم (٢) للرواية) التي رواها أبو الصباح الكناني رحمه الله عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم، واُبدل لك درهماً طازجيّاً (٣) بدرهم غِلّة؟ قال عليه السلام: لا بأس» (٤) واختلفوا في تنزيل الرواية.

فقيل: إنّ حكمها مستثنى من الزيادة الممنوعة، فيجوز بيع درهم بدرهم مع شرط صياغة الخاتم، ولا يتعدّى إلى غيره، اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع النصّ، وهو القول الذي حكاه المصنّف رحمه الله. وقيل: يتعدّى إلى كلّ شرط؛ لعدم الفرق (٥) وقيل: إلى كلّ شرط حكميّ (٦).

والأقوال كلّها ضعيفة؛ لأنّ بناءها على دلالة الرواية على أصل الحكم (وهي غير صريحة في المطلوب) لأنّها تضمّنت إبدال درهم طازج بدرهم غلّة مع شرط الصياغة من جانب الغِلّة وقد ذكر أهل اللغة أنّ «الطازج» هو الخالص،

__________________

(١) كذا في النسخ، والمناسب لقوله: «بيع» بصيغة المجهول قراءة «شرط» أيضاً بالمجهول ورفع «شرطاً».

(٢) قاله المحقّق في المختصر النافع:١٢٩، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١:٥٠٠، والعلّامة في التحرير ٢:٣١٦.

(٣) سيأتي بيان معنى «طازجيّ» ومعنى «غِلّة» عن أهل اللغة.

(٤) الوسائل ١٢:٤٨٠، الباب ١٣ من أبواب الصرف، وفيه حديث واحد.

(٥) النهاية:٣٨١.

(٦) اُنظر السرائر ٢:٢٦٧.

٢٦٨

و (الغِلّة) غيره وهو المغشوش (١) وحينئذ فالزيادة الحكميّة وهي الصياغة في مقابلة الغشّ، وهذا لا مانع منه مطلقاً وعلى هذا يصحّ الحكم ويتعدّى، لا في مطلق الدرهم كما ذكروه ونقله عنهم المصنّف رحمه الله (مع مخالفتها) أي الرواية (للأصل *) لو حملت على الإطلاق كما ذكروه؛ لأنّ الأصل المطّرد عدم جواز الزيادة من أحد الجانبين، حكميّة كانت أم عينيّة، فلا يجوز الاستناد فيما خالف الأصل إلى هذه الرواية؛ مع أنّ في طريقها من لا يعلم حاله (٢).

(والأواني المصوغة من النقدين إذا بيعت بهما) معاً (جاز) مطلقاً (وإن بيعت بأحدهما) خاصّة (اشترطت زيادته على جنسه) لتكون الزيادة في مقابلة الجنس الآخر، بحيث تصلح ثمناً له وإن قلّ. ولا فرق في الحالين بين العلم بقدر كلّ واحد منهما وعدمه، ولا بين إمكان تخليص أحدهما عن الآخر وعدمه، ولا بين بيعها بالأقلّ ممّا فيها من النقدين والأكثر.

(ويكفي غلبة الظنّ) في زيادة الثمن على مجانسه من الجوهر، لعُسر العلم اليقيني بقدره غالباً، ومشقّة التخليص الموجب له (٣) وفي الدروس اعتبر القطع بزيادة الثمن (٤) وهو أجود.

(وحِلية السيف والمركب يعتبر فيهما العلم إن اُريد بيعها) أي الحلية (بجنسها) والمراد بيع الحِلية والمحلّى، لكن لمّا كان الغرض التخلّص من الربا

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢:١٢٣، ولسان العرب ٨:١٦٠ (طزج) و ١٠:١٠٦ (غلّ).

(*) في (ق) و (س) ونسخة (ف) من الشرح: الأصل.

(٢) وهو محمّد بن فضيل؛ فإنّه مشترك بين الثقة وغيره. المسالك ٧:٤٧٣.

(٣) أي للعلم.

(٤) الدروس ٣:٣٠١.

٢٦٩

والصرف خصّ الحِلية. ويعتبر مع بيعها بجنسها زيادة الثمن عليها، لتكون الزيادة في مقابلة السيف والمركب إن ضمّهما إليها (فإن تعذّر) العلم (كفى الظنّ الغالب بزيادة الثمن عليها).

والأجود اعتبار القطع، وفاقاً للدروس (١) وظاهر الأكثر (٢) فإن تعذّر بيعت بغير جنسها، بل يجوز بيعها بغير الجنس مطلقاً كغيرها، وإنّما خصّ المصنّف موضع الاشتباه (٣).

(ولو باعه بنصف دينار فشِقّ) أي نصف كامل مشاع؛ لأنّ النصف حقيقة في ذلك (إلّاأن يراد) نصف (صحيح عرفاً) بأن يكون هناك نصف مضروب بحيث ينصرف الإطلاق إليه، (أو نطقاً) بأن يصرّح بإرادة الصحيح وإن لم يكن الإطلاق محمولاً عليه فينصرف إليه. وعلى الأوّل فلو باعه بنصف دينار آخر تخيّر بين أن يعطيه شقيّ دينارين ويصير شريكاً فيهما، وبين أن يعطيه ديناراً كاملاً عنهما. وعلى الثاني لا يجب قبول الكامل.

(وكذا) القول في (نصف درهم) وأجزائهما غير النصف.

(وحكم تراب الذهب والفضّة عند الصيّاغة) بفتح الصاد وتشديد الياء جمع صائغ (حكم) تراب (المعدن) في جواز بيعه مع اجتماعهما بهما وبغيرهما، وبأحدهما مع العلم بزيادة الثمن عن مجانسه، ومع الانفراد بغير جنسه.

(ويجب) على الصائغ (الصدقة به مع جهل أربابه) بكلّ وجه.

__________________

(١) الدروس ٣:٣٠١.

(٢) اُنظر النهاية:٣٨٣ ـ ٣٨٤، ونكت النهاية ٢:١٣٣، وكشف الرموز ١:٥٠١، والقواعد ٢:٣٨.

(٣) يعني موضع شبهة الربا.

٢٧٠

ولو علمهم في محصورين وجب التخلّص منهم ولو بالصلح مع جهل حقّ كلّ واحد بخصوصه. ويتخيّر مع الجهل بين الصدقة بعينه وقيمته.

(والأقرب الضمان لو ظهروا ولم يرضوا بها) أي بالصدقة؛ لعموم الأدلّة الدالّة على ضمان ما أخذت اليد (١) خرج منه ما إذا رضوا أو استمرّ الاشتباه، فيبقى الباقي. ووجه العدم إذن الشارع له في الصدقة (٢) فلا يتعقّب الضمان. ومصرف هذه الصدقة الفقراء والمساكين.

ويلحق بها ما شابهها من الصنائع الموجبة لتخلّف أثر المال، كالحِدادة والطحن والخِياطة والخِبازة.

(ولو كان بعضهم معلوماً وجب الخروج من حقّه) وعلى هذا يجب التخلّص من كلّ غريم يعلمه، وذلك يتحقّق عند الفراغ من عمل كلّ واحد، فلو أخّر حتى صار مجهولاً أثم بالتأخير ولزمه حكم ما سبق.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٤:٧ ـ ٨، الباب الأوّل من أبواب الوديعة، الحديث ١٢.

(٢) الوسائل ١٢:٤٨٤ ـ ٤٨٥، الباب ١٦ من أبواب الصرف، الحديث ١ و ٢.

٢٧١

(خاتمة)

(الدراهم والدنانير يتعيّنان بالتعيين) عندنا (في الصرف وغيره) لعموم الأدلّة الدالّة على التعيين والوفاء بالعقد، ولقيام المقتضي في غيرها (١) (فلو ظهر عيب في المعيّن) ثمناً كان أم مثمناً (من غير جنسه) بأن ظهرت الدراهم نحاساً أو رصاصاً (بطل) البيع (فيه) لأنّ ما وقع عليه العقد غير مقصود بالشراء والعقد تابع له (فإن كان بإزائه مجانسه * بطل البيع من أصله) إن ظهر الجميع كذلك، وإلّا فبالنسبة (كدراهم بدراهم. وإن كان) [ما] (٢) بإزائه (مخالفاً) في الجنس (صحّ) البيع (في السليم وما قابله، ويجوز) لكلّ منهما (الفسخ مع الجهل) بالعيب؛ لتبعّض الصفقة.

(ولو كان العيب من الجنس) كخشونة الجوهر واضطراب السكّة (وكان بإزائه مجانس، فله الردّ بغير أرش) لئلّا يلزم زيادة جانب المعيب المفضي إلى الربا؛ لأنّ هذا النقص حكميّ فهو في حكم الصحيح.

(وفي المخالف) بإزاء المعيب (إن كان صرفاً) كما لو باعه ذهباً بفضّة فظهر أحدهما معيباً في الجنس (فله الأرش في المجلس والردّ) أمّا ثبوت الأرش فللعيب، ولا يضرّ هنا زيادة عوضه؛ للاختلاف. واعتبر كونه في المجلس؛

__________________

(١) أي في غير الدراهم والدنانير.

(*) في (ق) و (س) : مجانس.

(٢) لم يرد في المخطوطات.

٢٧٢

للصرف. ووجه الردّ ظاهر؛ لأنّه مقتضى خيار العيب بشرطه.

(وبعد التفرّق له الردّ، ولا يجوز أخذ الأرش من النقدين) لئلّا يكون صرفاً بعد التفرّق (ولو أخذ) الأرش (من غيرهما قيل) والقائل العلّامة رحمه الله: (جاز) (١) لأنّه حينئذ كالمعاوضة بغير الأثمان، فيكون جملة العقد بمنزلة بيع وصرف، والبيع ما اُخذ عوضه بعد التفرّق.

ويشكل بأنّ الأرش جزء من الثمن والمعتبر فيه النقد الغالب، فإذا اختار الأرش لزم النقد حينئذ، واتّفاقهما على غيره معاوضة على النقد الثابت في الذمّة أرشاً لا نفس الأرش.

ويمكن دفعه بأنّ الثابت وإن كان هو النقد لكن لمّا لم يتعيّن إلّاباختياره الأرش ـ إذ لو ردّ لم يكن الأرش ثابتاً ـ كان ابتداء تعلّقه بالذمّة الذي هو بمنزلة المعاوضة اختياره، فيعتبر حينئذ قبضه قبل التفرّق مراعاة للصرف، وكما يكفي في لزوم معاوضة الصرف دفع نفس الأثمان قبل التفرّق كذا يكفي دفع عوضها قبله، بل مطلق براءة ذمّة من يُطلب منه منه، فإذا اتّفقا على جعله من غير النقدين جاز وكانت المعاوضة كأ نّها واقعة به.

وفيه: أنّ ذلك يقتضي جواز أخذه في مجلس اختياره من النقدين أيضاً ولا يقولون به. ولزومه وإن كان موقوفاً على اختياره، إلّاأنّ سببه العيب الثابت حالة العقد، فقد صدق التفرّق قبل أخذه وإن لم يكن مستقرّاً.

والحقّ أنّا إن اعتبرنا في ثبوت الأرش السبب لزم بطلان البيع فيما قابله بالتفرّق قبل قبضه مطلقاً (٢) وإن اعتبرنا حالة اختياره أو جعلناه تمام السبب على

__________________

(١) التحرير ٢:٣١٧.

(٢) سواء كان الأرش من النقدين أم من غيرهما.

٢٧٣

وجه النقل لزم جواز أخذه في مجلسه مطلقاً وإن جعلنا ذلك كاشفاً عن ثبوته بالعقد لزم البطلان فيه أيضاً.

وعلى كلّ حال فالمعتبر منه النقد الغالب، وما اتّفقا على أخذه أمر آخر. والوجه الأخير (١) أوضح، فيتّجه مع اختياره البطلان فيما قابله مطلقاً، وإن رضي بالمدفوع لزم.

فإن قيل: المدفوع أرشاً ليس هو أحد عوضي الصرف، وإنّما هو عوض صفة فائتة في أحد العوضين، ويترتّب استحقاقها على صحّة العقد وقد حصل التقابض في كلّ من العوضين فلا مقتضي للبطلان، إذ وجوب التقابض إنّما هو في عوضي الصرف، لا فيما وجب بسببهما.

قلنا: الأرش وإن لم يكن أحد العوضين، لكنّه كالجزء من الناقص منهما، ومن ثمّ حكموا بأ نّه جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمة الصحيح إلى المعيب (٢) والتقابض الحاصل في العوضين وقع متزلزلاً؛ إذ يحتمل ردّه رأساً وأخذ أرش النقصان الذي هو كتتمّة العوض الناقص، فكان بمنزلة بعض العوض، والتخيّر (٣) بين أخذه والعفو عنه وردّ المبيع لا ينافي ثبوته، غايته التخيير بينه وبين أمر آخر، فيكون ثابتاً ثبوتاً تخييريّاً بينه وبين ما ذكر.

(ولو كان) العيب الجنسي في (غير صرف) بأن كان العوض الآخر عرضاً (فلا شكّ في جواز الردّ والأرش) إعطاء للمعيب حكمه شرعاً، ولا مانع

__________________

(١) أي جعله كاشفاً.

(٢) كما في القواعد ٢:٧٤، والدروس ٣:٢٨٧، وجامع المقاصد ٤:٣٣٥، وغيرها.

(٣) في (ر) : التخيير.

٢٧٤

منه هنا (مطلقاً) سواء كان قبل التفرّق أم بعده.

(ولو كانا) أي العوضان (غير معيّنين فله الإبدال) مع ظهور العيب جنسيّاً كان أم خارجيّاً؛ لأنّ العقد وقع على أمر كلّي والمقبوض غيره، فإذا لم يكن مطابقاً لم يتعيّن لوجوده في ضمنه، لكن الإبدال (ما داما في المجلس في الصرف) أمّا بعده فلا؛ لأنّه يقتضي عدم الرضا بالمقبوض قبل التفرّق وأنّ الأمر الكلّي باق في الذمّة فيؤدّي إلى فساد الصرف.

هذا إذا كان العيب من الجنس. أمّا غيره فالمقبوض ليس ما وقع عليه العقد مطلقاً فيبطل بالتفرّق؛ لعدم التقابض في المجلس.

ويحتمل قويّاً مع كون العيب جنسيّاً جواز إبداله بعد التفرّق؛ لصدق التقابض في العوضين قبله، والمقبوض محسوب عوضاً وإن كان معيباً، لكونه من الجنس فلا يخرج عن حقيقة العوض المعيّن، غايته كونه مفوّتاً لبعض الأوصاف فاستدراكه ممكن بالخيار، ومن ثمّ لو رضي به استقرّ ملكه عليه، ونماؤه له على التقديرين، بخلاف غير الجنسي. وحينئذ فإذا فسخ رجع الحقّ إلى الذمّة، فيتعيّن حينئذٍ كونه (١) عوضاً صحيحاً، لكن يجب قبض البدل في مجلس الردّ بناءً على أنّ الفسخ رفع العوض، فإذا لم يقدح في الصحّة سابقاً يتعيّن القبض حينئذٍ ليتحقّق التقابض.

ويحتمل قويّاً سقوط اعتباره أيضاً؛ لصدق التقابض في العوضين الذي هو شرط الصحّة، وللحكم بصحّة الصرف بالقبض السابق فيستصحب إلى أن يثبت خلافه. وما وقع غير كافٍ في الحكم بوجوب التقابض؛ لأنّه حكم طارئ

__________________

(١) لم يرد (كونه) في (ع) و (ف).

٢٧٥

بعد ثبوت البيع.

(وفي غيره) أي غير الصرف له الإبدال (وإن تفرّقا) لانتفاء المانع منه مع وجود المقتضي له وهو العيب في عين لم يتعيّن عوضاً.

٢٧٦

(الفصل السادس)

(في السلف)

وهو بيع مضمون في الذمّة مضبوط بمال معلوم مقبوضٍ في المجلس إلى أجل معلوم بصيغة خاصّة (وينعقد بقوله) أي قول المُسلِم وهو المشتري: (أسلمت إليك، أو أسفلتك) أو سلّفتك بالتضعيف، وفي سلّمتك وجه (كذا في كذا إلى كذا، ويقبل المخاطب) وهو المُسلَم إليه وهو البائع بقوله: قبلت وشبهه، ولو جعل الإيجاب منه جاز بلفظ البيع والتمليك واستلمت منك واستلفت وتسلّفت، ونحوه.

(ويشترط فيه) شروط البيع بأسرها و [يختصّ بشروط] (١) (ذكر الجنس) والمراد به هنا (٢) الحقيقة النوعيّة كالحنطة والشعير (والوصف الرافع للجهالة) الفارق بين أصناف ذلك النوع، لا مطلق الوصف، بل (الذي يختلف لأجله الثمن اختلافاً ظاهراً) لا يتسامح بمثله عادةً، فلا يقدح الاختلاف اليسير غير المؤدّي إليه. والمرجع في الأوصاف إلى العرف، وربما كان العامي أعرف بها من الفقيه، وحظّ الفقيه منها الإجمال. والمعتبر من الوصف ما يتناوله الاسم

__________________

(١) لم يرد في (ش) و (ف) وشُطب عليه في (ع).

(٢) في (ع) بدل (به هنا) : بها.

٢٧٧

المزيل لاختلاف أثمان الأفراد الداخلة في المعيّن (ولا يبلغ فيه الغاية) فإن بلغها وأفضى إلى عزّة الوجود بطل، وإلّا صحّ.

(و) اشتراط (الجيّد والرديء جائز) لإمكان تحصيلهما بسهولة، والواجب أقلّ ما يُطلق عليه اسم الجيّد، فإن زاد عنه زاد خيراً، وما يصدق عليه اسم الرديء، وكلّما قلّل الوصف فقد أحسن.

(و) شرط (الأجود والأردأ ممتنع) لعدم الانضباط؛ إذ ما من جيّد إلّا ويمكن وجود أجود منه، وكذا الأردأ، والحكم في الأجود وفاق، وأمّا الأردأ فالأجود أنّه كذلك.

وربما قيل بصحّته والاكتفاء بكونه في المرتبة الثانية من الرديء وبتحقّق (١) الأفضليّة (٢).

ثمّ إذا كان الفرد المدفوع أردأ فهو الحقّ، وإلّا فدفع الجيّد عن الرديء جائز وقبوله لازم، فيمكن التخلّص بخلاف الأجود.

ويشكل بأنّ ضبط المُسلَم فيه معتبر على وجه يمكن الرجوع إليه عند الحاجة مطلقاً، ومن جملتها ما لو امتنع المُسلَمُ إليه من دفعه فيؤخذ من ماله بأمر الحاكم قهراً، وذلك غير ممكن هنا؛ لأنّ الجيّد غير متعيّن عليه فلا يجوز لغيره دفعه فيتعذّر التخلّص، فعدم الصحّة أوضح. وتردّد المصنّف في الدروس (٣).

__________________

(١) كذا في (ع) التي قوبلت بالأصل، وفي سائر النسخ بدل (وبتحقّق) : ليتحقّق.

(٢) قاله العلّامة في الإرشاد ١:٣٧١ واستقربه في التحرير ٢:٤١٦ وقال العاملي في مفتاح الكرامة ٤:٤٤٣: لم أجد قبله [العلّامة] من صحيحه. نعم، قال المحقّق في الشرائع ٢:٦٢: لو قيل به كان حسناً.

(٣) الدروس ٣:٢٤٨.

٢٧٨

(وكلّ ما لا يضبط وصفه يمتنع السَلَم فيه، كاللحم والخُبز والنبل المنحوت) ويجوز قبلَه؛ لإمكان ضبطها (١) بالعدد والوزن، وما يبقى فيه من الاختلاف غير قادح؛ لعدم اختلاف الثمن بسببه، بخلاف المعمول (والجلود) لتعذّر ضبطها، وبالوزن لا يفيد الوصف المعتبر؛ لأنّ أهمّ أوصافها السَمْك (٢) ولا يحصل به. وقيل: يجوز؛ لإمكان ضبطه بالمشاهدة (٣) ورُدّ بأ نّه خروج عن السَلَم؛ لأنّه دين، ويمكن الجمع بمشاهدة جملة يدخل المسلَم فيه في ضمنها من غير تعيين، وهو غير مُخرِج عن وضعه، كاشتراطه من غلّة قرية معيّنة لا تخيس عادة، وحينئذٍ فيكفي مشاهدة الحيوان عن الإمعان في الوصف. والمشهور المنع مطلقاً.

(والجواهر واللآلئ الكبار؛ لتعذّر ضبطها) على وجهٍ يرفع بسببه اختلاف الثمن (وتفاوت الثمن فيها) تفاوتاً باعتبارات لا تحصل بدون المشاهدة. أمّا اللآلئ الصغار التي لا تشتمل على أوصاف كثيرة تختلف القيمة باختلافها، فيجوز مع ضبط ما يعتبر فيها، سواء في ذلك المتّخذة للدواء وغيرها؛ وكذا القول في بعض الجواهر التي لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتاً بيّناً كبعض العقيق، وهو خيرة الدروس (٤). (ويجوز) السَلَم (في الحبوب والفواكه والخُضَر والشحم والطيب

__________________

(١) مرجع الضمير: النبل، وهي مؤنّثة.

(٢) يعني الثخن، والسميك ضدّ الرقيق.

(٣) قاله الشيخ في النهاية:٣٩٧، والقاضي في الكامل على ما نقل عنه العلّامة في المختلف ٥:١٤٤.

(٤) الدروس ٣:٢٤٨.

٢٧٩

والحيوان كلّه) ناطقاً وصامتاً (حتّى في شاةٍ لبون) لإمكان ضبطها وكثرة وجود مثلها. وجهالةُ مقدار اللبن غيرُ مانعة على تقدير وجوده؛ لأنّه تابع (ويلزم تسليم شاة يمكن أن تُحلب في مقارب* زمان التسليم) فلا يكفي الحامل وإن قرب زمان ولادتها.

(ولا يشترط أن يكون اللبن حاصلاً بالفعل حينئذٍ، فلو حلبها وسلّمها أجزأت **) لصدق اسم الشاة اللبون عليها بعدَه (أمّا الجارية الحامل أو ذات الولد أو *** الشاة كذلك، فالأقرب المنع) لاعتبار وصف كلّ واحد منهما فيعزّ اجتماعهما في واحد، ولجهالة الحمل وعدم إمكان وصفه.

وقيل: يجوز في الجميع (١) لإمكانه من غير عسر واغتفار الجهالة في الحمل؛ لأنّه تابع. وفي الدروس جوّز في الحامل مطلقاً، وفي ذات الولد المقصود بها الخدمة دون التسرّي (٢) والأجود الجواز مطلقاً؛ لأنّ عزّة وجود مثل ذلك غير واضح، وعموم الأمر بالوفاء بالعقد يقتضيه.

(ولا بدّ من قبض الثمن قبل التفرّق أو المحاسبة) به (من دين عليه) أي على المُسلَم (٣) (إذا لم يشترط ذلك في العقد) بأن يجعل الثمن نفس ما في الذمّة (ولو شرطه) كذلك (بطل؛ لأنّه بيع دين بدين) أمّا كون المسلَم فيه

__________________

(*) في (ق) : مقارن. وفي (س) : تقارب، وفي هامشها: مقارب، خ ل.

(**) في (ق) : احتلبها وتسلّمها اجتزأت.

(***) في (ق) بدل «أو» : و.

(١) قاله المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٤:٢١٤ ـ ٢١٥.

(٢) الدروس ٣:٢٤٩.

(٣) الصواب «المُسلَم إليه» بدل «المُسلم» إلّاأن يكون «المُسلَم» بفتح اللام، وهو خلاف الاستعمال (سلطان العلماء ـ هامش ر).

٢٨٠