🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

(القول في التعارض)

أي تعارض الدعوى في الأموال.

(لو تداعيا ما في أيديهما) فادّعى كلّ منهما المجموع ولا بيّنة (حلفا) كلّ منهما على نفي استحقاق الآخر (واقتسماه) بالسويّة، وكذا لو نكلا عن اليمين. ولو حلف أحدهما ونكل الآخر فهو للحالف، فإن كانت يمينه بعد نكول صاحبه حلف يميناً واحدة تجمع النفي والإثبات، وإلّا افتقر إلى يمين اُخرى للإثبات (وكذا) يقتسمانه (إن أقاما بيّنة ويُقضى لكلّ منهما بما في يد صاحبه) بناءً على ترجيح بيّنة الخارج. ولا فرق هنا بين تساوي البيّنتين عدداً وعدالةً واختلافهما.

(ولو خرجا) فذو اليد من صدّقه من هي بيده مع اليمين وعلى المصدِّق اليمين للآخر، فإن امتنع حلف الآخر واُغرم له؛ لحيلولته بينه وبينها بإقراره الأوّل. ولو صدّقهما فهي لهما بعد حلفهما أو نكولهما، ولهما إحلافه إن ادّعيا علمه. ولو أنكرهما قدّم قوله بيمينه.

ولو كان لأحدهما بيّنة في جميع هذه الصور (فهي لذي البيّنة) مع يمينه.

(ولو أقاماها رجّح الأعدل) شهوداً، فإن تساووا في العدالة (فالأكثر) شهوداً، فإن تساووا فيهما (فالقرعة) فمن خرج اسمه حلف واُعطي الجميع، فإن نكل اُحلف الآخر وأخذ، فإن امتنعا قسّمت نصفين. وكذا يجب اليمين على من رجّحت بيّنته. وظاهر العبارة عدم اليمين فيهما، والأوّل مختاره في الدروس (١) في الثاني قطعاً وفي الأوّل ميلاً.

(ولو تشبّث أحدهما) أي تعلّق بها، بأن كان ذا يدٍ عليها (فاليمين عليه)

__________________

(١) الدروس ٢:١٠١.

١٠١

إن لم يكن للآخر بيّنة، سواء كان للمتشبّث بيّنة أم لا (ولا يكفي بيّنته عنها) أي عن اليمين؛ لأنّه منكر فيدخل في عموم «اليمين على من أنكر» (١) وإن كان له بيّنة، فلو نكل عنها حلف الآخر وأخذ، فإن نكل اُقرّت في يد المتشبّث.

(ولو أقاما) أي المتشبّث والخارج (بيّنة ففي الحكم لأيّهما خلاف) فقيل: تقدّم بيّنة الداخل مطلقاً (٢) لما روي أنّ عليّاً عليه السلام قضى بذلك (٣) ولتعارض البيّنتين فيرجع إلى تقديم ذي اليد، وقيل: الخارج مطلقاً (٤) عملاً بظاهر الخبر المستفيض، من أنّ القول قول ذي اليد، والبيّنة بيّنة المدعي (٥) الشامل لموضع النزاع. وقيل: تقدّم بيّنة الخارج إن شهدتا بالملك المطلق أو المسبّب أو بيّنته خاصّة بالسبب، ولو انفردت به بيّنة الداخل قدّم (٦) وقيل: مع تسبّبهما تقدّم بيّنة الداخل أيضاً (٧) وتوقّف المصنّف هنا وفي الدروس (٨) مقتصراً على نقل الخلاف،

__________________

(١) الوسائل ١٨:٢١٥، الباب ٢٥ من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الحديث ٣.

(٢) هو قول الشيخ في كتاب الدعاوي من الخلاف ٦:٣٤٢، المسألة ١٥.

(٣) الوسائل ١٨:١٨٢، الباب ١٢ من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الحديث ٣.

(٤) ذهب إلى ذلك الصدوق في المقنع:٣٩٩، وسلّار في المراسم:٢٣٦، وابن زهرة في الغنية:٤٤٣، وابن إدريس في السرائر ٢:١٦٨.

(٥) راجع الوسائل ١٨:١٧٠، الباب ٣ من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى.

(٦) قال في المسالك: وهذا هو الّذي اختاره المصنّف رحمه الله وقبله الشيخ في النهاية وكتابي الأخبار وتلميذه القاضي وجماعة، راجع المسالك ١٤:٨٤، وانظر النهاية:٣٤٤، والتهذيب ٦:٢٣٧ ذيل الحديث ٥٨٣، والاستبصار ٣:٤٢، ذيل الحديث ١٤٢، والمهذّب ٢:٥٧٨.

(٧) أدرج في المسالك ١٤:٨٤ هذا القول في القول الثالث السابق بقوله: (سواء انفردت به أم شهدت بيّنة الخارج به أيضاً).

(٨) الدروس ٢:١٠١.

١٠٢

وهو في موضعه؛ لعدم دليل متين في (١) جميع الجهات. وفي شرح الإرشاد رجّح القول الثالث (٢) وهو مذهب الفاضلين (٣) ولا يخلو من رجحان.

(ولو تشبّثا وادّعى أحدهما الجميع والآخر النصف) مشاعاً (ولا بيّنة اقتسماها) نصفين (بعد يمين مدّعي النصف) للآخر من دون العكس، لمصادقته إيّاه على استحقاق النصف الآخر. ولو كان النصف المتنازع معيّناً اقتسماه بالسويّة بعد التحالف فيثبت لمدّعيه الربع، والفرق: أنّ كلّ جزءٍ من العين على تقدير الإشاعة يدّعي كلّ منهما تعلّق حقّه به فلا ترجيح، بخلاف المعيَّن؛ إذ لا نزاع في غيره. ولم يذكروا في هذا الحكم خلافاً، وإلّا فلا يخلو من نظر.

(ولو أقاما بينّة فهي للخارج على القول بترجيح بيّنته، وهو مدّعي‌الكلّ) لأنّ في يد مدّعي النصف النصف، فمدّعي الكلّ خارج عنه (وعلى) القول (الآخر) يقسَّم (بينهما) نصفين كما لو لم يكن بيّنة؛ لما ذكرناه من استقلال يد مدّعي النصف عليه، فإذا رجّحت بيّنته به أخذه. ولو أقام أحدهما خاصّة بيّنة حكم بها.

(ولو كانت في يد ثالث وصدّق أحدهما صار صاحب اليد) فيترتّب عليه ما فصّل (وللآخر إحلافهما) ولو أقاما بيّنة فللمستوعب النصف، وتعارضت البيّنتان في الآخر، فيحكم للأعدل فالأكثر فالقرعة، ويقضى لمن خرج بيمينه، فإن امتنع حلف الآخر، فإن نكلا قسّم بينهما، فللمستوعب ثلاثة أرباع وللآخر الربع. وقيل: يقسّم على ثلاثة، فلمدّعي الكلّ اثنان ولمدّعي النصف واحد (٤) لأنّ

__________________

(١) في سوى (ع) : من.

(٢) غاية المراد ٤:٧٣.

(٣) اُنظر الشرائع ٤:١١١، والإرشاد ٢:١٥٠.

(٤) احتمله العلّامة في القواعد ٣:٤٧١، ولم نظفر بمن قاله جزماً.

١٠٣

المنازعة وقعت في أجزاء غير معيّنة، فيقسّم على طريق العول على حسب سهامهما وهي ثلاثة، كضرب الديّان مع قصور مال المفلس.

وكلّ موضع حكمنا بتكافؤ البيّنات أو ترجيحها بأحد الأسباب إنّما هو مع إطلاقها أو اتّحاد التاريخ (ولو كان تاريخ إحدى البيّنتين أقدم قدّمت) لثبوت الملك بها سابقاً فيستصحب.

هذا إذا شهدتا بالملك المطلق أو المسبّب أو بالتفريق، أمّا لو شهدت إحداهما باليد والاُخرى بالملك، فإن كان المتقدّم هو اليد رجّح الملك؛ لقوّته وتحقّقه الآن. وإن انعكس ففي ترجيح أيّهما قولان للشيخ (١) وتوقّف المصنّف في الدروس (٢) مقتصراً على نقلهما.

__________________

(١) رجّح قديم الملك على اليد في المبسوط ٨:٢٨٠، وعكس في الخلاف ٦:٣٤٢، المسألة ١٥.

(٢) الدروس ٢:١٠١.

١٠٤

(القول في القسمة)

(وهي تمييز) أحد (النصيبين) فصاعداً (عن الآخر، وليست بيعاً) عندنا (وإن كان فيها ردّ) لأنّها لا تفتقر إلى صيغة، ويدخلها الإجبار ويُلزمها، ويتقدّر أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع ليس فيه شيء من ذلك، واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات. واشتراك كلّ جزءٍ يفرض قبلها بينهما واختصاص كلّ واحد بجزء معيّن وإزالة ملك الآخر عنه بعدها بعوض مقدّر بالتراضي ليس حدّاً لبيع حتى يدلّ عليه. وتظهر الفائدة في عدم ثبوت الشفعة للشريك بها (١) وعدم بطلانها بالتفرّق (٢) قبل القبض فيما يعتبر فيه التقابض في البيع، وعدم خيار المجلس، وغير ذلك.

(ويجبر الشريك) على القسمة (لو التمس شريكه) القسمة (ولا ضرر) ولا ردّ. والمراد بالضرر: نقص قيمة الشقص بها عنه منضمّاً، نقصاً فاحشاً على ما اختاره المصنّف في الدروس (٣) وقيل: مطلق نقص القيمة (٤) وقيل: عدم الانتفاع به منفرداً (٥) وقيل: عدمه على الوجه الذي كان ينتفع به

__________________

(١) يعني بالقسمة.

(٢) في (ع) : بالتفريق.

(٣) الدروس ٢:١١٧.

(٤) قوّاه الشيخ في المبسوط ٨:١٣٥، وقال المحقّق: (وهو أشبه) الشرائع ٤:١٠١، واختاره العلّامة في القواعد ٣:٤٦٢.

(٥) قاله الشيخ في الخلاف ٦:٢٢٩، المسألة ٢٧، وقوّاه في المبسوط ٨:١٣٥.

١٠٥

قبل القسمة (١) والأجود الأوّل.

(ولو تضمّنت ردّاً) أي دفع عوضٍ خارجٍ عن المال المشترك من أحد الجانبين (لم يجبر) الممتنع منهما؛ لاستلزامه المعاوضة على جزءٍ من مقابله صوريٍّ أو معنويٍّ وهو غير لازم (وكذا) لا يجبر الممتنع (لو كان فيها ضرر، كالجواهر والعضائد (٢) الضيّقة والسيف) والضرر في هذه المذكورات يمكن اعتباره بجميع المعاني عدا الثالث في السيف، فإنّه ينتفع بقسمته غالباً في غيره مع نقصٍ فاحش.

(فلو طلب) أحدهما (المهاياة) وهي قسمة المنفعة بالأجزاء أو بالزمان (جاز، ولم يجب) إجابته، سواء كان ممّا يصحّ قسمته إجباراً أم لا. وعلى تقدير الإجابة لا يلزم الوفاء بها، بل يجوز لكلّ منهما فسخها، فلو استوفى أحدهما ففسخ الآخر أو هو كان عليه اُجرة حصّة الشريك.

(وإذا عدّلت السهام) بالأجزاء إن كانت في متساويها كيلاً أو وزناً أو ذرعاً أو عدداً بعدد الأنصباء، أو بالقيمة إن اختلفت، كالأرض والحيوان (واتّفقا على اختصاص كلّ واحد بسهم لزم) من غير قرعة، لصدق «القسمة» مع التراضي الموجبة لتمييز الحقّ، ولا فرق بين قسمة الردّ وغيرها (وإلّا) يتّفقا على الاختصاص (اُقرع) بأن يكتب أسماء الشركاء أو السهام كلٌّ في رقعة وتُصان ويؤمر من لم يطّلع على الصورة بإخراج إحداها (٣) على اسم أحد

__________________

(١) جعله في المسالك ١٤:٣٤ ثالث الأقوال، ولم ينسبه إلى قائل.

(٢) جمع عضادة، عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه. والمراد بها هنا (الدكاكين) كما في هامش النسخ.

(٣) في (ف) و (ر) : إحداهما.

١٠٦

المتقاسمين أو أحد السهام. هذا إذا اتّفقت السهام قدراً.

ولو اختلفت قسّم على أقلّ السهام وجعل لها أوّلٌ يعيّنه المتقاسمون وإلّا الحاكم، وتُكتب أسماؤهم لا أسماء السهام حذراً من التفريق، فمن خرج اسمه أوّلاً أخذ من الأوّل وأكمل نصيبه منها على الترتيب، ثم يخرج الثاني إن كانوا أكثر من اثنين، وهكذا.

ثم إن اشتملت القسمة على ردّ اعتبر رضاهما بعدها، وإلّا فلا.

(ولو ظهر غلط) في القسمة ببيّنة أو باطلاع المتقاسمين (بطلت. ولو ادّعاه) أي الغلط (أحدهما ولا بيّنة حلف الآخر) لأصالة الصحّة (فإن حلف تمّت) القسمة (وإن نكل) عن اليمين (حلف المدّعي) إن لم يقضَ بالنكول (ونُقضت).

(ولو ظهر) في المقسوم (استحقاق بعض معيّن بالسويّة) لا يخلّ إخراجه بالتعديل (فلا نقض) لأنّ فائدة القسمة باقية، وهو إفراد كلّ حقّ على حدة (وإلّا) يكن متساوياً في السهام بالنسبة (نُقضت) القسمة؛ لأنّ ما يبقى لكلّ واحد لا يكون بقدر حقّه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة. (وكذا لو كان) المستحقّ (مشاعاً) لأنّ القسمة حينئذٍ لم تقع برضاء جميع الشركاء.

١٠٧
١٠٨

كتاب الشهادات

١٠٩
١١٠

(كتاب الشهادات)

(وفصوله أربعة) :

(الأوّل)

(الشاهد)

(وشرطه: البلوغ، إلّافي) الشهادة على (الجراح) ما لم يبلغ النفس، وقيل: مطلقاً (١) (بشرط بلوغ العشر) سنين (وأن يجتمعوا على مباح، وأن لا يتفرّقوا) بعد الفعل المشهود به إلى أن يؤدّوا الشهادة. والمراد حينئذٍ أنّ شرط البلوغ ينتفي ويبقى ما عداه من الشرائط التي من جملتها العدد ـ وهو اثنان في ذلك ـ والذكوريّة، ومطابقة الشهادة للدعوى وبعض الشهود لبعضٍ، وغيرهما. ولكن روي هنا الأخذ بأوّل قولهم لو اختلف (٢) والتهجّم على الدماء في غير محلّ الوفاق ليس بجيّد. وأ مّا العدالة: فالظاهر أنّها غير متحقّقة؛

__________________

(١) ذهب إليه الشيخ في النهاية:٣٣١.

(٢) اُنظر الوسائل ١٨:٢٥٢ ـ ٢٥٣، الباب ٢٢ من أبواب الشهادات، الأحاديث ١ و ٢ و ٤.

١١١

لعدم التكليف الموجب للقيام بوظيفتها من جهة التقوى. والمروءة غير كافية، واعتبار صورة الأفعال والتروك لا دليل عليه. وفي اشتراط اجتماعهم على المباح تنبيه عليه (١).

(والعقل) فلا تقبل شهادة المجنون حال جنونه، فلو دار جنونه قبلت شهادته مفيقاً بعد العلم باستكمال فطنته في التحمّل والأداء. وفي حكمه الأبله والمغفَّل الذي لا يتفطّن لمزايا الاُمور.

(والإسلام) فلا تقبل شهادة الكافر وإن كان ذمّياً (ولو كان المشهود عليه كافراً على الأصحّ) لاتّصافه بالفسق والظلم المانعين من قبول الشهادة. خلافاً للشيخ رحمه الله حيث قبل شهادة أهل الذمّة لملّتهم وعليهم (٢) استناداً إلى رواية ضعيفة (٣) وللصدوق حيث قبل شهادتهم على مثلهم وإن خالفهم في الملّة (٤) كاليهود على النصارى.

ولا تقبل شهادة غير الذمّي إجماعاً، ولا شهادته على المسلم إجماعاً (إلّا في الوصيّة عند عدم) عدول (المسلمين) فتقبل شهادة الذمّي بها. ويمكن أن يريد اشتراط فقد المسلمين مطلقاً بناءً على تقديم المستورين (٥) والفاسقين الذين لا يستند فسقهما إلى الكذب، وهو قول العلّامة في التذكرة (٦) ويضعَّف باستلزامه

__________________

(١) يعني عدم تحقّق العدالة في غير البالغين.

(٢) النهاية:٣٣٤ والخلاف ٦:٢٧٣، المسألة ٢٢.

(٣) الوسائل ١٨:٢٨٤، الباب ٣٨ من أبواب الشهادات، الحديث ٢. وضعفها لزرعة؛ فإنّه واقفي، وسماعة فإنّه ضعيف. راجع فهارس المسالك ١٦:٢٨٩.

(٤) الفقيه ٣:٤٧، الحديث ٣٢٩٩.

(٥) أي الذين لا يعلم حالهم من العدل والفسق.

(٦) التذكرة (الحجريّة) ٢:٥٢٢.

١١٢

التعميم في غير محلّ الوفاق. وفي اشتراط السفر قولان (١) : أظهرهما العدم. وكذا الخلاف في إحلافهما (٢) بعد العصر، فأوجبه العلّامة (٣) عملاً بظاهر الآية. والأشهر العدم، فإن قلنا به فليكن بصورة الآية بأن يقولا بعد الحلف باللّٰه: لاٰ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَلاٰ نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اَللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ اَلْآثِمِينَ) (٤).

(والإيمان) وهو هنا الولاء، فلا تقبل شهادة غير الإمامي مطلقاً مقلّداً كان أم مستدلّاً.

(والعدالة) وهي هيئة نفسانيّة راسخة تبعث على ملازمة التقوى والمروّة (وتزول بالكبيرة) مطلقاً وهي ما توعّد عليها بخصوصها في كتاب أو سنّة، وهي إلى سبعمئة أقرب منها إلى سبعين وسبعة.

ومنها: القتل والربا والزنا واللواط والقيادة والدياثة وشرب المسكر والسرقة والقذف والفرار من الزحف وشهادة الزور وعقوق الوالدين والأمن من مكر اللّٰه واليأس من رَوح اللّٰه والغصب والغيبة والنميمة واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم وخيانة الكيل والوزن وتأخير الصلاة عن وقتها والكذب خصوصاً على رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله (٥) وضرب المسلم بغير حقّ وكتمان الشهادة والرشوة

__________________

(١) القول بالاشتراط للإسكافي كما نقله في المختلف ٨:٥٠٥، وأبي الصلاح في الكافي:٤٣٦، والشيخ في المبسوط ٨:١٨٧. والقول بالعدم للشيخين في المقنعة:٧٢٧، والنهاية:٣٣٤، والمحقّق في الشرائع ٤:١٢٦، والعلّامة في التحرير ٥:٢٤٥، والقواعد ٢:٥٦٨، وغيرهم.

(٢) يعني الشاهدين الذّميّين.

(٣) التحرير ٥:٢٤٦.

(٤) المائدة:١٠٦.

(٥) في (ر) : على اللّٰه ورسول اللّٰه.

١١٣

والسعاية إلى الظالم ومنع الزكاة وتأخير الحجّ عن عام الوجوب اختياراً والظهار وأكل لحم الخنزير والميتة والمحاربة بقطع الطريق والسحر، للتوعّد على ذلك كلّه، وغيره. وقيل: الذنوب كلّها كبائر (١) ونسبه الطبرسي في التفسير إلى أصحابنا (٢) مطلِقاً (٣) نظراً إلى اشتراكها في مخالفة أمر اللّٰه تعالى ونهيه، وتسمية بعضها صغيراً بالإضافة إلى ما هو أعظم منه، كالقُبلة بالإضافة إلى الزنا وإن كانت كبيرة بالإضافة إلى النظرة، وهكذا ....

(والإصرار على الصغيرة) وهي ما دون الكبيرة من الذنب. والإصرار إمّا فعليّ كالمواظبة على نوع أو أنواع من الصغائر، أو حكميّ وهو العزم على فعلها ثانياً بعد وقوعه وإن لم يفعل. ولا يقدح ترك السنن إلّاأن يؤدّي إلى التهاون بها (٤) وهل هذا هو مع ذلك من الذنوب أم مخالفة المروءة؟ كل محتمل وإن كان الثاني أوجه.

(وبترك المروءة) وهي التخلّق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، فالأكل في السوق والشرب فيها لغير سوقي إلّاإذا غلبه العطش، والمشي مكشوف الرأس بين الناس، وكثرة السخريّة والحكايات المضحكة، ولبس الفقيه لباس الجندي وغيره ممّا لا يعتاد لمثله بحيث يسخر منه، وبالعكس ونحو ذلك يسقطها. ويختلف الأمر فيها باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن. ولا يقدح فعل

__________________

(١) قاله جماعة، منهم: المفيد وابن إدريس، اُنظر أوائل المقالات (مصنفات المفيد) ٤:٨٣، والسرائر ٢:١١٨.

(٢) مجمع البيان ٢:٣٨ ذيل الآية ٣١ من سورة النساء.

(٣) أي غير مشير إلى تحقّق الخلاف فيها.

(٤) في (ف) و (ر) : فيها.

١١٤

السنن وإن استهجنها العامّة وهجرها الناس كالكحل والحنّاء والحنك في بعض البلاد، وإنّما العبرة بغير الراجح شرعاً.

(وطهارة المولد) فتردّ شهادة ولد الزنا ولو في اليسير على الأشهر. وإنّما تردّ شهادته مع تحقّق حاله شرعاً، فلا اعتبار بمن تناله الألسن وإن كثرت ما لم يحصل العلم.

(وعدم التُهَمة) بضمّ التاء وفتح الهاء، وهي أن يجرّ إليه بشهادته نفعاً أو يدفع عنه بها ضرراً. (فلا تقبل شهادة الشريك لشريكه في المشترك بينهما) بحيث يقتضي الشهادة المشاركة (و) لا شهادة (الوصيّ في متعلّق وصيّته) ولا يقدح في ذلك مجرّد دعواه الوصاية، ولا مع شهادة من لا تثبت بها؛ لأنّ المانع ثبوت الولاية الموجبة للتهمة بإدخال المال تحتها (و) لا شهادة (الغرماء للمفلّس) والميّت (والسيّد لعبده) على القول بملكه، للانتفاع بالولاية عليه. والشهادة في هذه الفروض جالبة للنفع.

(و) أمّا ما يدفع الضرر: فشهادة (العاقلة بجرح شهود الجناية) خطأً. وغرماء المفلّس بفسق شهود دينٍ آخر؛ لأنّهم يدفعون بها ضرر المزاحمة، ويمكن اعتباره في النفع. وشهادة الوصيّ والوكيل بجرح الشهود على الموصي والموكّل. وشهادة الزوج بزنا زوجته التي قذفها لدفع ضرر الحدّ.

ولا يقدح مطلق التهمة، فإنّ شهادة الصديق لصديقه مقبولة، والوارث لمورّثه بدين وإن كان مشرفاً على التلف ما لم يرثه قبل الحكم بها، وكذا شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين ويتعرّضوا لذكر ما اُخذ لهم (١).

(والمعتبر في الشروط) المعتبرة في الشهادة (وقت الأداء، لا وقت

__________________

(١) اللام بمعنى (من) أي منهم.

١١٥

التحمّل) فلو تحمّلها ناقصاً ثم كمل حين الأداء سمعت. وفي اشتراط استمرارها إلى حين الحكم قولان (١) اختار المصنّف في الدروس ذلك (٢) ويظهر من العبارة عدمه.

(وتمنع العداوة الدنيويّة) وإن لم تتضمّن فسقاً، وتتحقّق (بأن يعلم منه السرور بالمساءة، وبالعكس) أو بالتقاذف. ولو كانت العداوة من أحد الجانبين اختصّ بالقبول الخالي منها، وإلّا لَمَلَك كلّ غريم ردّ شهادة العدل عليه بأن يقذفه ويخاصمه (ولو شهد) العدوّ (لعدوّه قُبل إذا كانت العداوة لا تتضمّن فسقاً) لانتفاء التهمة بالشهادة له. واحترز بالدنيويّة عن الدينيّة فإنّها غير مانعة؛ لقبول شهادة المؤمن على أهل الأديان، دون العكس مطلقاً.

(ولا تقبل شهادة كثير السهو بحيث لا يضبط المشهود به) وإن كان عدلاً، بل ربما كان وليّاً ومن هنا قيل: «نرجو شفاعة من لا تقبل شهادته».

(ولا) شهادة (المتبرّع بإقامتها) قبل استنطاق الحاكم، سواء كان قبل الدعوى أم بعدها؛ للتُهمة بالحرص على الأداء. ولا يصير بالردّ مجروحاً، فلو شهد بعد ذلك غيرها (٣) قبلت. وفي إعادتها في غير ذلك المجلس وجهان.

والتبرّع مانع (إلّاأن يكون في حقّ اللّٰه تعالى) كالصلاة والزكاة والصوم بأن يشهد بتركها ـ ويعبّر عنها ببيّنة الحِسبة ـ فلا يمنع؛ لأنّ اللّٰه أمر بإقامتها، فكان

__________________

(١) القول بالاشتراط للشيخ في موضع من المبسوط ٨:٢٣٣، والعلّامة في المختلف ٨:٥٣٥. والقول بعدم الاشتراط للشيخ في الخلاف ٦:٣٢٠، المسألة ٧٣، وقوّاه في موضع من المبسوط ٨:٢٤٤، وابن إدريس في السرائر ٢:١٧٩، والعلّامة في القواعد ٣:٥١٥.

(٢) الدروس ٢:١٣٣.

(٣) غير هذه الدعوى.

١١٦

في حكم استنطاق الحاكم قبل الشهادة. ولو اشترك الحقّ ـ كالعتق والسرقة والطلاق والخلع والعفو عن القصاص ـ ففي ترجيح حقّ اللّٰه تعالى أو الآدمي، وجهان. أمّا الوقف العامّ فقبولها فيه أقوى، بخلاف الخاصّ على الأقوى.

(ولو ظهر للحاكم سبق القادح في الشهادة على حكمه) بأن ثبت كونهما صبيّين أو أحدهما، أو فاسقين أو غير ذلك (نقض) لتبيّن الخطأ فيه.

(ومستند الشهادة العلم القطعي) بالمشهود به (أو رؤيته فيما يكفي فيه) الرؤية، كالأفعال من الغصب والسرقة والقتل والرضاع والولادة والزنا واللواط. وتقبل فيه شهادة الأصمّ؛ لانتفاء الحاجة إلى السمع في الفعل (أو سماعاً في) الأقوال (نحو العقود) والإيقاعات والقذف (مع الرؤية أيضاً) ليحصل العلم بالمتلفّظ، إلّاأن يعرف الصوت قطعاً فيكفي على الأقوى. (ولا يشهد إلّاعلى من يعرفه) بنسبه أو عينه، فلا يكفي انتسابه له، لجواز التزوير. (ويكفي معرّفان عدلان) بالنسب (و) يجوز أن (تسفِر المرأة عن وجهها) ليعرفها الشاهد عند التحمّل والأداء، إلّاأن يعرف صوتها قطعاً.

(ويثبت بالاستفاضة) وهي استفعال من الفيض، وهو الظهور والكثرة، والمراد بها هنا شياع الخبر إلى حدٍّ يفيد السامع الظنّ الغالب المقارب للعلم، ولا تنحصر في عددٍ بل يختلف باختلاف المخبرين. نعم يعتبر أن يزيدوا عن عدد الشهود المعدّلين ليحصل الفرق بين خبر العدل وغيره.

والمشهور أنّه يثبت بها (سبعة: النسب والموت والملك المطلق والوقف والنكاح والعتق وولاية القاضي) لعسر إقامة البيّنة في هذه الأسباب مطلقاً.

(ويكفي) في الخبر بهذه الأسباب (متاخمة العلم) أي مقاربته

١١٧

(على قولٍ) قويّ، وبه جزم في الدروس (١) وقيل: يشترط أن يحصل العلم (٢) وقيل: يكفي مطلق الظنّ حتى لو سمع من شاهدين عدلين صار متحمّلاً؛ لإفادة قولهما الظنّ (٣) وعلى المختار لا يشترط العدالة ولا الحريّة والذكورة؛ لإمكان استفادته من نقائضها. واحترز بالملك المطلق عن المستند إلى سبب كالبيع، فلا يثبت السبب به، بل الملك الموجود في ضمنه، فلو شهد بالملك وأسنده إلى سبب يثبت بالاستفاضة كالإرث قُبل، ولو لم يثبت بها كالبيع قُبل في أصل الملك، لا في السبب.

ومتى اجتمع في ملكٍ استفاضةٌ ويدٌ وتصرّفٌ بلا منازع فهو منتهى الإمكان، فللشاهد القطع بالملك. وفي الاكتفاء بكلّ واحد من الثلاثة في الشهادة بالملك قول (٤) قويّ.

(ويجب التحمّل) للشهادة (على من له أهليّة الشهادة) إذا دعي إليها خصوصاً أو عموماً (على الكفاية) لقوله تعالى: (وَلاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا) (٥) فسّره الصادق عليه السلام بالتحمّل (٦) ويمكن جعله دليلاً عليه وعلى الإقامة، فيأثم الجميع لو أخلّوا به مع القدرة (فلو فقد سواه) فيما يثبت به وحده ولو مع

__________________

(١) الدروس ٢:١٣٤.

(٢) وهو الظاهر من المحقق في الشرائع ٤:١٣٣، والعلّامة في التحرير ٥:٢٦١، وصرّح به الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٤:٣١١.

(٣) قاله الشيخ في المبسوط ٨:١٨١ و ١٨٣.

(٤) قاله الشهيد في الدروس ٢:١٣٤، وقاله العلّامة في القواعد ٣:٥٠٢، في مجرّد اليد.

(٥) البقرة:٢٨٢.

(٦) اُنظر الوسائل ١٨:٢٢٥ ـ ٢٢٧، الباب الأوّل من كتاب الشهادة، الأحاديث ١ و ٢ و ٥ و ١٠.

١١٨

اليمين أو كان تمام العدد (تعيّن) الوجوب كغيره من فروض الكفاية إذا لم يقم به غيره. (ويصحّ تحمّل الأخرس) للشهادة (وأداؤه بعد القطع بمراده) ولو بمترجمين عدلين، وليسا فرعين عليه (١) ولا يكفي الإشارة في شهادة الناطق.

(وكذا يجب الأداء) مع القدرة (على الكفاية) إجماعاً، سواء استدعاه ابتداءً أم لا على الأشهر (إلّامع خوف ضررٍ غير مستحقّ) على الشاهد أو بعض المؤمنين. واحترز بغير المستحقّ عن مثل ما لو كان للمشهود عليه حقّ على الشاهد لا يطالبه به فينشأ (٢) من شهادته المطالبة، فلا يكفي ذلك في سقوط الوجوب؛ لأنّه ضرر مستحقّ.

وإنّما يجب الأداء مع ثبوت الحقّ بشهادته لانضمام من يتمّ به العدد، أو حلف المدّعي إن كان ممّا يثبت بشاهد ويمين. فلو طلب من اثنين يثبت بهما، لزمهما. وليس لأحدهما الامتناع بناءً على الاكتفاء بحلف المدّعي مع الآخر؛ لأنّ من مقاصد الإشهاد التورّع عن اليمين.

ولو كان الشهود أزيد من اثنين فيما يثبت بهما وجب على الاثنين (٣) منها كفايةً. ولو لم يكن إلّاواحد لزمه الأداء إن كان ممّا يثبت بشاهد ويمين، وإلّا فلا. ولو لم يعلم صاحب الحقّ بشهادة الشاهد وجب عليه تعريفه إن خاف بطلان الحقّ بدون شهادته.

(ولا يقيمها) الشاهد (إلّامع العلم) القطعي.

__________________

(١) يعني ليست ترجمة عدلين بمنزلة الشهادة على الشهادة، حيث إنّ الثانية فرع على الاُولى، كما يأتي في الفصل الثالث.

(٢) في غير (ع) : وينشأ.

(٣) في غير (ع) : اثنين.

١١٩

(ولا يكفي الخطّ) بها وإن حفظه بنفسه وأمن التزوير (ولو * شهد معه ثقة) على أصحّ القولين (١) لقول النبيّ صلى الله عليه وآله لمن أراه الشمس: «على مثلها فاشهد أو دع» (٢) وقيل (٣) : إذا شهد معه ثقة وكان المدّعي ثقة أقامها بما عرفه من خطّه وخاتمه استناداً إلى روايةٍ شاذّة (٤).

(ومن نقل عن الشيعة جواز الشهادة بقول المدّعي إذا كان أخاً في اللّٰه معهود الصدق (٥) فقد أخطأ في نقله) لإجماعهم على عدم جواز الشهادة بذلك

__________________

(*) في المخطوطتين من المتن: وإن.

(١) قاله الشيخ في الاستبصار ٣:٢٢، ذيل الحديث ٦٨، والحلبي في الكافي:٤٣٦، والعلّامة في المختلف ٨:٥٢٠، وولده في الإيضاح ٤:٤٤٣.

(٢) كنز العمال ٧:٢٣، الحديث ١٧٧٨٢، وعوالي اللآلئ ٣:٥٢٨، الحديث الأوّل.

(٣) قاله الإسكافي وعلي بن بابويه كما نقله عنهما العلّامة في المختلف ٨:٥١٧، والمفيد في المقنعة:٧٢٨، والشيخ في النهاية:٣٢٩ ـ ٣٣٠ وغيرهم.

(٤) هي رواية عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: الرجل يشهدني على الشهادة فأعرف خطّي وخاتمي، ولا أذكر قليلاً ولا كثيراً، قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له [الوسائل ١٨:٢٣٤، الباب ٨ من أبواب الشهادات، الحديث الأوّل مع اختلاف] وهذا الخبر مع شذوذه، في طريقه الحسن بن فضّال [ولكن في طريقه: حسن بن عليّ بن النعمان راجع الوسائل وهامش (ر)] وحمله العلّامة في المختلف [٨:٥٢٠] على ما إذا حصل من القرائن الحاليّة والمقاليّة للشاهد ما استفاد به العلم، فحينئذٍ شهادته مستندة إلى العلم لا إلى خطّه، والشيخ في النهاية [٣٣٠] عمل بإطلاق الخبر ولم يقيّده بالخاتم كما ذكر وكان اللازم ذلك وقوفاً فيما خالف الأصل على مورده مع معارضته بأخبار كثيرة [المصدر المتقدّم، الحديث ٢ و ٣] دلّت على عدم الاكتفاء بذلك مطلقاً. (منه رحمه الله).

(٥) لم نعثر على الناقل.

١٢٠