🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

والأقوى صحّته حبساً يبطل بانقضائها وانقراضه (١) فيرجع إلى الواقف أو وارثه حين انقراض الموقوف عليه كالولاء. ويحتمل إلى وارثه عند موته ويسترسل فيه إلى أن يصادف الانقراض، ويسمّى هذا منقطع الآخر. ولو انقطع أوّله أو وسطه أو طرفاه فالأقوى بطلان ما بعد القطع، فيبطل الأوّل والأخير ويصحّ أوّل الآخر (٢).

(والإقباض) وهو تسليط الواقف للقابض عليه (٣) ورفع يده عنه له، وقد يغاير الإذن في القبض الذي اعتبره سابقاً، بأن يأذن فيه ولا يرفع يده عنه.

(وإخراجه عن نفسه) فلو وقف على نفسه بطل وإن عقّبه بما يصحّ الوقف عليه؛ لأنّه حينئذٍ منقطع الأوّل. وكذا لو شرط لنفسه الخيار في نقضه متى شاء أو في مدّة معيّنة. نعم، لو وقفه على قبيل هو منهم ابتداءً أو صار منهم شارك. أو شرط عوده إليه عند الحاجة فالمرويّ (٤) والمشهور اتّباع شرطه، ويعتبر حينئذٍ قصور ماله عن مؤونة سنته فيعود عندها. ويورث عنه لو مات وإن كان قبلها (٥).

ولو شرط أكل أهله منه صحّ الشرط، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وآله بوقفه وكذلك فاطمة عليها السلام (٦) ولا يقدح كونهم واجبي النفقة، فتسقط نفقتهم إن اكتفوا به.

__________________

(١) يعني بانقضاء المدّة وانقراض الموقوف عليه.

(٢) وهو المنقطع الوسط.

(٣) على المال الموقوف.

(٤) الوسائل ١٣:٢٩٧، الباب ٣ من أبواب أحكام الوقوف، الحديث ٣.

(٥) قال سلطان العلماء قدس سره: أي وإن لم يصر محتاجاً أيضاً يورث لو مات الواقف، بناءً على كون هذا الوقف حبساً حقيقة لا وقفاً (هامش ر).

(٦) اُنظر الكافي ٧:٤٧ باب صدقات النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة والأئمة عليهم السلام، والوسائل ١٣:٣١١، الباب ١٠ من أبواب الوقوف والصدقات.

١٤١

ولو وقف على نفسه وغيره صحّ في نصفه على الأقوى إن اتّحد، وإن تعدّد فبحسبه. فلو كان جمعاً ـ كالفقراء ـ بطل في ربعه، ويحتمل النصف والبطلان رأساً.

(وشرط الموقوف)

(أن يكون عيناً) فلا يصحّ وقف المنفعة ولا الدين ولا المبهم؛ لعدم الانتفاع به مع بقائه، وعدم وجوده خارجاً، والمقبوض والمعيّن بعده غيره (١) (مملوكة) إن اُريد بالمملوكيّة صلاحيّتها له بالنظر إلى الواقف ليحترز عن وقف نحو الخمر والخنزير من المسلم، فهو شرط الصحّة. وإن اُريد به الملك الفعلي ليحترز به عن وقف ما لا يملك وإن صلح له، فهو شرط اللزوم. والأولى أن يراد به الأعمّ وإن ذكر بعض تفصيله بعد.

(ينتفع بها مع بقائها) فلا يصحّ وقف ما لا ينتفع به إلّامع ذهاب عينه كالخبز والطعام والفاكهة. ولا يعتبر في الانتفاع به كونه في الحال، بل يكفي المتوقّع كالعبد والجحش الصغيرين، والزمن الذي يرجى زوال زمانته. وهل يعتبر طول زمان المنفعة؟ إطلاق العبارة والأكثر يقتضي عدمه، فيصحّ وقف ريحانٍ يسرع فساده. ويحتمل اعتباره، لقلّة المنفعة ومنافاتها للتأبيد المطلوب من الوقف. وتوقّف في الدروس (٢) ولو كان مزروعاً صحّ، وكذا ما يطول نفعه كمسكٍ وعنبر.

__________________

(١) أي المقبوض في الدين والمعيّن في المبهم يكون غير الموقوف من الدين والمبهم، وبهما يتغيّر الموضوع.

(٢) الدروس ٢:٢٦٨.

١٤٢

(ويمكن إقباضها) فلا يصحّ وقف الطير في الهواء، ولا السمك في ماءٍ لا يمكن قبضه عادةً، ولا الآبق والمغصوب، ونحوها. ولو وقفه على من يمكنه قبضه فالظاهر الصحّة؛ لأنّ الإقباض المعتبر من المالك هو الإذن في قبضه وتسليطه عليه، والمعتبر من الموقوف عليه تسلّمه وهو ممكن.

(ولو وقف ما لا يملكه وقف على إجازة المالك) كغيره من العقود؛ لأنّه عقد صدر من صحيح العبارة قابل للنقل وقد أجاز المالك فيصحّ. ويحتمل عدمها هنا وإن قيل به في غيره؛ لأنّ عبارة الفضولي لا أثر لها، وتأثير الإجازة غير معلوم؛ لأنّ الوقف فكّ ملكٍ في كثير من موارده، ولا أثر لعبارة الغير فيه. وتوقّف المصنّف في الدروس (١) لأنّه نسب عدم الصحّة إلى قولٍ ولم يفت بشيءٍ؛ وكذا في التذكرة (٢) وذهب جماعة (٣) إلى المنع هنا. ولو اعتبرنا فيه التقرّب قوي المنع؛ لعدم صحّة التقرّب بملك الغير.

(ووقف المشاع جائز كالمقسوم) لحصول الغاية المطلوبة من الوقف، وهو تحبيس الأصل وإطلاق الثمرة به. وقبضه كقبض المبيع في توقّفه على إذن المالك والشريك عند المصنّف مطلقاً (٤) والأقوى أنّ ذلك في المنقول وغيره لا يتوقّف على إذن الشريك؛ لعدم استلزام التخلية التصرّف في ملك الغير.

__________________

(١) الدروس ٢:٢٦٤.

(٢) التذكرة (الحجريّة) ٢:٤٣١.

(٣) قوّاه فخر المحققين في الإيضاح ٢:٣٨٩، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩:٥٧، وهو ظاهر القاضي في المهذّب ٢:٨٦، وابن حمزة في الوسيلة:٣٦٩، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع:٣٦٩.

(٤) منقولاً كان أو غير منقول.

١٤٣

(وشرط الواقف)

(الكمال) بالبلوغ والعقل والاختيار ورفع الحجر.

(ويجوز أن يجعل النظر) على الموقوف (لنفسه، ولغيره) في متن الصيغة (فإن أطلق) ولم يشرطه (١) لأحد (فالنظر في الوقف العامّ إلى الحاكم) الشرعي (وفي غيره) وهو الوقف على معيّن (إلى الموقوف عليهم) والواقف مع الإطلاق كالأجنبيّ.

ويشترط في المشروط له النظر: العدالة، والاهتداء إلى التصرّف، ولو عرض له الفسق انعزل، فإن عاد عادت (٢) إن كان مشروطاً من الواقف. ولا يجب على المشروط له القبول، ولو قبل لم يجب عليه الاستمرار؛ لأنّه في معنى التوكيل. وحيث يبطل النظر يصير كما لو لم يشرط. ووظيفة الناظر مع الإطلاق العمارة والإجارة، وتحصيل الغلّة وقسمتها على مستحقّها. ولو فوّض إليه بعضها لم يتعدّه. ولو جعله لاثنين وأطلق لم يستقلّ أحدهما بالتصرّف.

وليس للواقف عزل المشروط في العقد، وله عزل المنصوب من قبله لو شرط النظر لنفسه فولّاه؛ لأنّه وكيل. ولو آجر الناظر مدّة فزادت الاُجرة في المدّة أو ظهر طالب بالزيادة لم ينفسخ العقد؛ لأنّه جرى بالغبطة في وقته، إلّاأن يكون في زمن خياره فيتعيّن عليه الفسخ. ثم إن شرط له شيء عوضاً عن عمله لزم وليس له غيره، وإلّا فله اُجرة المثل عن عمله مع قصده الاُجرة به.

__________________

(١) في (ش) و (ر) : لم يشترطه.

(٢) إن عاد الشخص المشروط له النظر إلى العدالة عادت التولية.

١٤٤

(وشرط الموقوف عليه)

(وجوده، وصحّة تملكه، وإباحة الوقف عليه).

(فلا يصحّ) الوقف (على المعدوم ابتداءً) بأن يبدأ به ويجعله من الطبقة الاُولى فيوقف على من يتجدّد من ولد شخص ثم عليه مثلاً (ويصحّ تبعاً) بأن يوقف عليه وعلى من يتجدّد من ولده. وإنّما يصحّ تبعيّة المعدوم الممكن وجوده عادةً كالولد. أمّا ما لا يمكن وجوده كذلك ـ كالميّت ـ لم يصحّ مطلقاً فإن ابتدأ به بطل الوقف، وإن أخّره كان منقطع الآخر أو الوسط. وإن ضمّه إلى موجود بطل فيما يخصّه خاصّة على الأقوى.

(ولا على) من لا يصحّ تملّكه شرعاً مثل (العبد) وإن تشبّث بالحريّة كاُمّ الولد (وجبريل) وغيره من الملائكة والجنّ والبهائم. ولا يكون وقفاً على سيّد العبد ومالك الدابّة عندنا. وينبغي أن يستثنى من ذلك العبد المعدّ لخدمة الكعبة والمشهد والمسجد ونحوها من المصالح العامّة، والدابّة المعدّة لنحو ذلك أيضاً؛ لأ نّه كالوقف على تلك المصلحة.

ولمّا كان اشتراط أهليّة الموقوف عليه للملك يوهم عدم صحّته على ما لا يصحّ تملّكه من المصالح العامّة ـ كالمسجد والمشهد والقنطرة ـ نبّه على صحّته وبيان وجهه بقوله: (والوقف على المساجد والقناطر في الحقيقة) وقف (على المسلمين) وإن جعل متعلّقه بحسب اللفظ غيرهم (إذ هو مصروف إلى مصالحهم) وإنّما أفاد تخصيصه بذلك تخصيصه ببعض مصالح المسلمين، وذلك لا ينافي الصحّة.

ولا يرد أنّ ذلك يستلزم جواز الوقف على البيع والكنائس كما يجوز الوقف

١٤٥

على أهل الذمّة؛ لأنّ الوقف على كنائسهم وشبهها وقف على مصالحهم، للفرق؛ فإنّ الوقف على المساجد مصلحة للمسلمين وهي مع ذلك طاعة وقربة، فهي جهة من جهات المصالح المأذون فيها، بخلاف الكنائس، فإنّ الوقف عليها وقف على جهة خاصّة من مصالح أهل الذمّة لكنّها معصية؛ لأنّها إعانة لهم على الاجتماع إليها للعبادات المحرّمة والكفر، بخلاف الوقف عليهم أنفسهم؛ لعدم استلزامه المعصية بذاته؛ إذ نفعهم من حيث الحاجة وأ نّهم عباد اللّٰه ومن جملة بني آدم المكرّمين ومن يجوز أن يتولّد منهم المسلمون لا معصية فيه. وما يترتّب عليه من إعانتهم به على المحرّم ـ كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والذهاب إلى تلك الجهات المحرّمة ـ ليس مقصوداً للواقف، حتى لو فرض قصده له حكمنا ببطلانه. ومثله الوقف عليهم لكونهم كفّاراً، كما لا يصحّ الوقف على فسقة المسلمين من حيث هم فسقة.

(ولا على الزناة والعُصاة) من حيث هم كذلك؛ لأنّه إعانة على الإثم والعدوان فيكون معصية. أمّا لو وقف على شخص متّصف بذلك لا من حيث كون الوصف مناط الوقف صحّ، سواء أطلق أم قصد جهة محلّلة.

(والمسلمون: من صلّى إلى القبلة) أي اعتقد الصلاة إليها وإن لم يصلّ، لا مستحلّاً. وقيل: يشترط الصلاة بالفعل (١) وقيل: يختصّ بالمؤمن (٢) وهما ضعيفان (إلّاالخوارج والغلاة) فلا يدخلون في مفهوم المسلمين وإن صلّوا إليها للحكم بكفرهم. ولا وجه لتخصيصه بهما، بل كلّ من أنكر ما علم من الدين

__________________

(١) وهو المنسوب إلى المفيد اُنظر المختلف ٦:٣٠٩، والمقنعة:٦٥٤.

(٢) قاله ابن إدريس في السرائر ٣:١٦٠ ـ ١٦١.

١٤٦

ضرورةً كذلك عنده (١) والنواصب كالخوارج فلابدّ من استثنائهم أيضاً. وأمّا المجسّمة: فقطع المصنِّف بكفرهم في باب الطهارة من الدروس وغيرها (٢) وفي هذا الباب منها نسب خروج المشبّهة منهم إلى القيل (٣) مشعراً بتوقّفه فيه. والأقوى خروجه.

إلّاأن يكون الواقف من إحدى الفرق فيدخل فيه مطلقاً (٤) نظراً إلى قصده.

ويدخل الإناث تبعاً، وكذا من بحكمهم كالأطفال والمجانين، ولدلالة العرف عليه.

(والشيعة: من شايع عليّاً عليه السلام) أي أتبعه (وقدّمه) على غيره في الإمامة وإن لم يوافق على إمامة باقي الأئمّة بعده، فيدخل فيهم الإماميّة، والجاروديّة من الزيديّة، والإسماعيليّة غير الملاحدة منهم، والواقفيّة، والفطحيّة، وغيرهم. وربما قيل بأنّ ذلك مخصوص بما إذا كان الواقف من غيرهم، أمّا لو كان منهم صرف إلى أهل نحلته خاصّة، نظراً إلى شاهد حاله وفحوى قوله (٥) وهو حسن مع وجود القرينة، وإلّا فحمل اللفظ على عمومه أجود.

(والإماميّة: الاثنا عشريّة) أي القائلون بإمامة الاثني عشر المعتقدون لها، وزاد في الدروس اعتقاد عصمتهم عليهم السلام أيضاً (٦) لأنّه لازم المذهب.

__________________

(١) يعني عند المصنّف، كما صرّح بذلك في الدروس ١:١٢٤، والبيان:٩١.

(٢) الدروس ١:١٢٤، والبيان:٩١.

(٣) الدروس ٢:٢٧٢.

(٤) سواء قلنا بخروج هذه الفِرَق أم لم نقل.

(٥) قاله ابن إدريس في السرائر ٣:١٦٢، ونفى عنه البأس في التذكرة (الحجريّة) ٢:٤٣٠.

(٦) الدروس ٢:٢٧٢.

١٤٧

ولا يشترط هنا اجتناب الكبائر اتّفاقاً وإن قيل به في (المؤمنين) (١) وربما أوهم كلامه في الدروس (٢) ورود الخلاف هنا أيضاً، وليس كذلك، ودليل القائل يرشد إلى اختصاص الخلاف بالمؤمنين.

(والهاشميّة: من وَلَدَه هاشم بأبيه) أي اتصّل إليه بالأب وإن علا، دون الاُمّ على الأقرب (وكذا كلّ قبيلة) ـ كالعلويّة والحسينيّة ـ يدخل فيها من اتصّل بالمنسوب إليه بالأب دون الاُمّ، ويستوى فيه الذكور والإناث.

(وإطلاق الوقف) على متعدّد (يقتضي التسوية) بين أفراده وإن اختلفوا بالذكوريّة والاُنوثيّة؛ لاستواء الإطلاق والاستحقاق بالنسبة إلى الجميع. (ولو فضّل) بعضهم على بعض (لزم) بحسب ما عيّن، عملاً بمقتضى الشرط.

(وهنا مسائل)

الاُولى:

(نفقة العبد الموقوف والحيوان) الموقوف (على الموقوف عليهم) إن كانوا معيّنين؛ لانتقال الملك إليهم وهي تابعة له. ولو كان على غير معيّنين ففي كسبه مقدّمةً على الموقوف عليه. فإن قصر الكسب ففي بيت المال إن كان، وإلّا وجب كفاية على المكلّفين كغيره من المحتاجين إليها. ولو مات العبد فمؤونة تجهيزه كنفقته. ولو كان الموقوف عقاراً فنفقته حيث شرط الواقف، فإن انتفى

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة:٦٥٤، والشيخ في النهاية:٥٩٧، والقاضي في المهذّب ٢:٨٩.

(٢) الدروس ٢:٢٧٢.

١٤٨

الشرط ففي غلّته، فإن قصرت لم يجب الإكمال. ولو عدمت لم تجب عمارته، بخلاف الحيوان، لوجوب صيانة روحه (ولو عمي العبد أو جذم) أو اُقعد (انعتق) كما لو لم يكن موقوفاً (وبطل الوقف) بالعتق (وسقطت النفقة) من حيث الملك (١) لأنّها كانت تابعة له فإذا زال زالت.

(الثانية) :

(لو وقف في سبيل اللّٰه انصرف إلى كلّ قربة) لأنّ المراد من «السبيل» الطريق إلى اللّٰه تعالى أي إلى ثوابه ورضوانه، فيدخل فيه كلّ ما يوجب الثواب: من نفع المحاويج (٢) وعمارة المساجد، وإصلاح الطرقات وتكفين الموتى. وقيل: يختصّ الجهاد (٣) وقيل: بإضافة الحجّ والعمرة إليه (٤) والأوّل أشهر (وكذا) لو وقف في (سبيل الخير، وسبيل الثواب) لاشتراك الثلاثة في هذا المعنى. وقيل: سبيل الثواب: الفقراء والمساكين ويبدأ بأقاربه، وسبيل الخير: الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمون الذين استدانوا لمصلحتهم، والمكاتبون (٥) والأوّل أقوى، إلّاأن يقصد الواقف غيره.

__________________

(١) قيّده بالحيثيّة للتنبيه على أنّ نفقة هذا العبد مع عجزه ـ كما هو الغالب بالنسبة إلى مرضه ـ يجب على المسلمين كفاية مع عدم بيت المال، كغيره من المضطرّين. والموقوف عليهم من الجملة، ما يجب عليهم من هذه الحيثيّة وإن سقطت من حيث الملك. (منه رحمه الله).

(٢) جمع المُحوج، أي المحتاج.

(٣) في (ر) : بالجهاد. والقائل ابن حمزة في الوسيلة:٣٧١.

(٤) قاله الشيخ في الخلاف ٣:٥٤٥، المسألة ١٢ من الوقف.

(٥) قاله الشيخ في المبسوط ٣:٢٩٤.

١٤٩

(الثالثة) :

(إذا وقف على أولاده اشترك أولاد البنين والبنات) لاستعمال «الأولاد» فيما يشمل أولادهم استعمالاً شائعاً لغةً وشرعاً، كقوله تعالى: ( يٰا بَنِي آدَمَ (١) يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ (٢) ويُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ ) (٣) وللإجماع على تحريم حليلة ولد الولد ذكراً واُنثى من قوله تعالى: وَحَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ (٤) وقوله صلى الله عليه وآله: «لا تزرموا ابني» (٥) يعني الحسن، أي لا تقطعوا عليه بولَه لمّا بال في حجره، والأصل في الاستعمال الحقيقة. وهذا الاستعمال كما دلّ على دخول أولاد الأولاد في الأولاد دلّ على دخول أولاد الإناث أيضاً، وهذا أحد القولين في المسألة (٦).

وقيل: لا يدخل أولاد الأولاد مطلقاً في اسم الأولاد، لعدم فهمه عند الاطلاق، ولصحة السلب فيقال في ولد الولد: ليس ولدي بل ولد ولدي (٧) وأجاب

__________________

(١) الأعراف:٢٦،٢٧،٣١،٣٥.

(٢) البقرة:٤٠،٤٧،١٢٢.

(٣) النساء:١١.

(٤) النساء:٢٣.

(٥) الوسائل ٢:١٠٠٨، الباب ٨ من أبواب النجاسات، الحديث ٤.

(٦) قاله المفيد في المقنعة:٦٥٣، والقاضي في المهذّب ٢:٨٩، وابن إدريس في السرائر ٣:١٥٧، وغيرهم.

(٧) وهو قول الإسكافي كما نقل عنه في المختلف ٦:٣٠٦، والشيخ في المبسوط ٣:٢٩٦، والمحقّق في الشرائع ٢:٢١٩ ـ ٢٢٠، والعلّامة في القواعد ٢:٣٩٧، والإرشاد ١:٤٥٥، وتلخيص المرام:١٥٣، والمصنف في غاية المراد ٢:٤٤٦.

١٥٠

المصنّف في الشرح عن الأدلّة الدالّة على الدخول بأنه ثمّ من دليل خارج، وبأنّ اسم الولد لو كان شاملاً للجميع لزم الاشتراك وإن عورض بلزوم المجاز فهو أولى (١) وهذا أظهر. نعم لو دلّت قرينة على دخولهم كقوله: (الأعلى فالأعلى) اتّجه دخول من دلّت عليه. ومن خالف في دخولهم ـ كالفاضلين ـ فرضوا المسألة فيما لو وقف على أولاد أولاده (٢) فإنّه حينئذٍ يدخل أولاد البنين والبنات بغير إشكال. وعلى تقدير دخولهم بوجه فاشتراكهم (بالسويّة) لأنّ ذلك مقتضى الإطلاق، والأصل عدم التفاضل (إلّاأن يفضّل) بالصريح (٣) أو بقوله: «على كتاب اللّٰه» ونحوه (ولو قال: «على من انتسب إليّ» لم يدخل أولاد البنات) على أشهر القولين (٤) عملاً بدلالة اللغة والعرف والاستعمال.

(الرابعة) :

(إذا وقف مسجداً لم ينفكّ وقفه بخراب القرية) للزوم الوقف وعدم صلاحيّة الخراب لزواله، لجواز عودها أو انتفاع المارّة به؛ وكذا لو خرب

__________________

(١) غاية المراد ٢:٤٤٧ ـ ٤٤٨.

(٢) في الدروس لم يذكر هذه المسألة، والظاهر أنّه استضعاف للحكم، وفي شرح الإرشاد مال إلى عدم دخولهم. (منه رحمه الله).

(٣) في (ر) : بالتصريح.

(٤) ذهب إليه المحقّق في الشرائع ٢:٢١٩، والعلّامة في القواعد ٢:٣٩٧، والمختلف ٦:٣٣٠، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩:٩٣، وغيرهم. وذهب إلى غير الأشهر السيد المرتضى وابن إدريس، اُنظر رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الرابعة) :٣٢٨، و (المجموعة الثالثة) :٢٦٢ ـ ٢٦٥، ومسائل الناصريّات:٤١٢، المسألة ١٩٢، والسرائر ٣:١٥٧ ـ ١٥٩.

١٥١

المسجد (١) خلافاً لبعض العامّة (٢) قياساً على عود الكفن إلى الورثة عند اليأس من الميّت، بجامع استغناء المسجد عن المصلّين كاستغناء الميّت عن الكفن. والفرق واضح؛ لأنّ الكفن ملك للوارث وإن وجب بذله في التكفين، بخلاف المسجد، لخروجه بالوقف على وجه فكّ الملك كالتحرير، ولإمكان الحاجة إليه بعمارة القرية، وصلاة المارّ (٣) بخلاف الكفن.

(وإذا وقف على الفقراء أو * العلويّة انصرف إلى من في بلد الواقف منهم ومن حضره **) بمعنى جواز الاقتصار عليهم من غير أن يتتبّع غيرهم ممّن يشمله الوصف، فلو تتبّع جاز. وكذا لا يجب انتظار من غاب منهم عند القسمة.

وهل يجب استيعاب من حضر؟ ظاهر العبارة ذلك، بناءً على أنّ الموقوف عليه يستحقّ على جهة الاشتراك لا على وجه بيان المصرف، بخلاف الزكاة، وفي الرواية (٥) دليل عليه. ويحتمل جواز الاقتصار على بعضهم، نظراً إلى كون الجهة المعيّنة مصرفاً، وعلى القولين (٦) لا يجوز الاقتصار على أقلّ من ثلاثة، مراعاةً

__________________

(١) نعم، لو كان في الأرض المفتوحة عنوةً اتّجه خروجه عن الوقف بالخراب؛ لأنّ صحّة الوقف تابعة لأثر المتصرّف. (منه رحمه الله).

(٢) وهو محمد بن الحسن الشيباني اُنظر المغني ٥:٦٣٢، والمجموع ١٦:٣٣١.

(٣) في (ش) و (ر) : المارّة.

(*) في (ق) : و. وهكذا في (ع) من الشرح.

(**) في (ق) : حضرهم.

(٥) الوسائل ١٣:٣٠٨، الباب ٨ من أبواب الوقوف، وفيه حديث واحد.

(٦) القول بوجوب الاستيعاب هو الظاهر من كلام المحقّق في الشرائع ٢:٢٢١، وصريح الفخر في شرح الإرشاد على ما حكى عنه في الجواهر ٢:١١٥، وأمّا جواز الاقتصار على بعض من حضر فلم نتحقّق قائله.

١٥٢

لصيغة الجمع. نعم لا تجب التسوية بينهم، خصوصاً مع اختلافهم في المزيّة. بخلاف الوقف على المنحصرين فيجب التسوية بينهم والاستيعاب.

واعلم أنّ الموجود في نسخ الكتاب بلد الواقف، والّذي دلت عليه الرواية (١) وذكره الأصحاب (٢) ومنهم المصنّف في الدروس (٣) اعتبار بلد الوقف، لا الواقف. وهو أجود.

(الخامسة) :

(إذا آجر البطن الأوّل الوقف ثم انقرضوا تبيّن بطلان الإجارة في المدّة الباقية) لانتقال الحقّ إلى غيرهم، وحقّهم وإن كان ثابتاً عند الإجارة إلّاأ نّه مقيّد بحياتهم، لا مطلقاً، فكانت الصحّة في جميع المدّة مراعاةً باستحقاقهم لها، حتى لو آجروها مدّة يُقطع فيها بعدم بقائهم إليها عادة فالزائد باطل من الابتداء، ولا يباح لهم أخذ قسطه من الاُجرة، وإنّما اُبيح في الممكن استصحاباً للاستحقاق بحسب الإمكان، ولأصالة البقاء.

وحيث تبطل في بعض المدّة (فيرجع المستأجر على ورثة الآجر (٤)) بقسط المدّة الباقية (إن كان قد قبض الاُجرة وخلّف تركة) فلو لم يخلّف مالاً لم يجب على الوارث الوفاء من ماله كغيرها من الديون.

__________________

(١) المتقدّمة آنفاً.

(٢) اُنظر الشرائع ٢:٢٢١، والقواعد ٢:٣٩٩، وجامع المقاصد ٩:١٠٠، وغيرها.

(٣) الدروس ٢:٢٧٤.

(٤) اسم فاعل بمعنى الموجر من (أجَرَ) بمعنى (آجَرَ) كما ورد في الكتاب العزيز: (على أن تأجرني ثماني حجج). القصص:٢٧.

١٥٣

هذا إذا كان قد آجرها لمصلحته أو لم يكن ناظراً، فلو كان ناظراً وآجرها لمصلحة البطون لم تبطل الإجارة، وكذا لو كان المؤجر هو الناظر في الوقف مع كونه غير مستحقّ.

١٥٤

كتاب العطيّة

١٥٥
١٥٦

(كتاب العطيّة)

(وهي) أي العطيّة باعتبار الجنس (أربعة) :

(الأوّل: الصدقة)

(وهي عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول) إطلاق العقد على نفس العطيّة لا يخلو من تساهل، بل في إطلاقه على جميع المفهومات المشهورة من البيع والإجارة وغيرهما، وإنّما هو دالّ عليها. ويعتبر في إيجاب الصدقة وقبولها ما يعتبر في غيرها من العقود اللازمة (وقبضٍ بإذن الموجب) بل إذن (١) المالك، فإنّه لو وكّل في الإيجاب لم يكن للوكيل الإقباض (ومن شرطها القربة) فلا تصحّ بدونها وإن حصل الإيجاب والقبول والقبض؛ للروايات الصحيحة (٢) الدالّة عليه.

(فلا يجوز الرجوع فيها بعد القبض) لتمام الملك وحصول العوض وهو

__________________

(١) في غير (ع) : بإذن.

(٢) الوسائل ١٣:٣١٩، الباب ١٣ من أبواب الوقوف.

١٥٧

القربة، كما لا يصحّ الرجوع في الهبة مع التعويض. وفي تفريعه بالفاء إشارة إلى أنّ القربة عوض، بل العوض الاُخروي أقوى من العوض الدنيوي.

(ومفروضها محرّم على بني هاشم من غيرهم إلّامع قصور خمسهم) لأنّ اللّٰه تعالى جعل لهم الخمس عوضاً عنها وحرّمها عليهم، معلّلاً بأنّها أوساخ الناس (١) والأقوى اختصاص التحريم بالزكاة المفروضة، دون المنذورة والكفّارة وغيرهما، والتعليل بالأوساخ يرشد إليه.

(وتجوز الصدقة على الذميّ) رحماً كان أم غيره، وعلى المخالف للحقّ (لا الحربي) والناصب. وقيل: بالمنع من غير المؤمن وإن كانت ندباً (٢) وهو بعيد.

(وصدقة السرّ أفضل) إذا كانت مندوبة، للنصّ عليه في الكتاب (٣) والسنّة (٤) (إلّاأن يتّهم بالترك) فالإظهار أفضل، دفعاً لجعل عِرضه عرضةً للتهم، فإنّ ذلك أمر مطلوب شرعاً، حتى للمعصوم، كما ورد في الأخبار (٥) وكذا الأفضل إظهارها لو قصد به متابعة الناس له فيها؛ لما فيه من التحريض (٦) على نفع الفقراء.

__________________

(١) الوسائل ٦:١٨٦، الباب ٢٩ من أبواب المستحقين للزكاة الحديث ٢.

(٢) قاله العماني كما نقل عنه العلّامة في المختلف ٣:٢١١.

(٣) البقرة:٢٧١.

(٤) اُنظر الوسائل ٦:٢٧٥، الباب ١٣ من أبواب الصدقة.

(٥) لم نعثر عليها في المندوبة، نعم وردت في الواجبة، الوسائل ٦:٢١٥ ـ ٢١٦، الباب ٥٤ من أبواب المستحقّين للزكاة.

(٦) في سوى (ش) : التحريص.

١٥٨

(الثاني: الهبة)

(وتسمّى نحلة وعطيّة، وتفتقر إلى الإيجاب) وهو كلّ لفظ دلّ على تمليك العين من غير عوض، كوهبتك وملّكتك وأعطيتك ونحلتك وأهديت إليك وهذا لك مع نيّتها، ونحو ذلك (والقبول) وهو اللفظ الدالّ على الرضا.

(والقبض بإذن الواهب) إن لم يكن مقبوضاً بيده من قبل (ولو وهبه ما بيده لم يفتقر إلى قبض جديد، ولا إذن) فيه (ولا مضيّ زمان) يمكن فيه قبضه، لحصول القبض المشترط (١) فأغنى عن قبض آخر وعن مضيّ زمان يسعه؛ إذ لا مدخل للزمان في ذلك مع كونه مقبوضاً، وإنّما كان معتبراً مع عدم القبض؛ لضرورة امتناع حصوله بدونه. وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين كونه بيده بإيداع أو عارية أو غصب أو غير ذلك، والوجه واحد. وقيل: بالفرق بين القبض بإذن وغيره (٢) وهو حسن؛ إذ لا يَدَ للغاصب شرعاً (وكذا إذا وهب الوليّ الصبيّ) والصبيّة (ما في يد الوليّ كفى الإيجاب والقبول) من غير تجديد القبض، لحصوله بيده وهي بمنزلة يده، ولا مضيّ زمان. وقيل: يعتبر قصد القبض عن الطفل (٣) لأنّ المال مقبوض بيد الوليّ له فلا ينصرف إلى الطفل إلّابصارف وهو القصد، وكلام الأصحاب مطلق.

(ولا يشترط في الإبراء) وهو إسقاط ما في ذمّة الغير من الحقّ

__________________

(١) في (ر) : المشروط خ ل.

(٢) وهو الظاهر من يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع:٣٦٦.

(٣) قاله المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩:١٥٢.

١٥٩

(القبول) لأنّه إسقاط حقّ، لا نقل ملك. وقيل: يشترط لاشتماله على المنّة ولا يجبر على قبولها كهبة العين (١) والفرق واضح.

(و) كذا (لا) يشترط (في الهبة القربة) للأصل، لكن لا يثاب عليها بدونها، ومعها تصير عوضاً كالصدقة.

(ويكره تفضيل بعض الولد على بعض) وإن اختلفوا في الذكورة والاُنوثة؛ لما فيه من كسر قلب المفضّل عليه وتعريضهم للعداوة. وروي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لمن أعطى بعض أولاده شيئاً: «أكُلّ ولدك أعطيت مثله؟» قال لا، قال: «فاتّقوا اللّٰه واعدلوا بين أولادكم» فرجع في تلك العطيّة (٢) وفي رواية اُخرى (٣) «لا تُشهدني على جور» (٤) وحيث يفعل يستحبّ الفسخ مع إمكانه؛ للخبر (٥). وذهب بعض الأصحاب إلى التحريم (٦) وفي المختلف خصّ الكراهة بالمرض أو (٧) الإعسار (٨) لدلالة بعض الأخبار (٩) عليه. والأقوى الكراهة مطلقاً.

واستثني من ذلك ما لو اشتمل المفضّل على معنى يقتضيه، كحاجة زائدة

__________________

(١) قاله ابن زهرة في الغنية:٣٠١، والحلّي في السرائر ٣:١٧٦.

(٢) راجع السنن الكبرى ٦:١٧٦، وكنز العمال ١٦:٥٨٥، الرقم ٤٥٩٥٧.

(٣) لم ترد (اُخرى) في (ع).

(٤) ((٥) راجع السنن الكبرى ٦:١٧٦، وكنز العمال ١٦:٥٨٥، الرقم ٧ ـ ٤٥٩٥٦.

(٥) راجع السنن الكبرى ٦:١٧٦، وكنز العمال ١٦:٥٨٥، الرقم ٧ ـ ٤٥٩٥٦.

(٦) نسبه المحقّق إلى الإسكافي في جامع المقاصد ٩:١٧٠ بتّاً، وقال الشارح في المسالك (٦:(٢٨) : ويظهر من ابن الجنيد، وانظر كلامه في المختلف ٦:٢٧٧.

(٧) في (ر) : و.

(٨) المختلف ٦:٢٧٨.

(٩) اُنظر الوسائل ١٣:٣٨٤، الباب ١٧ من أبواب الوصايا، الحديثين ١١ و ١٢.

١٦٠