🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

والأقوى أنّه مع النهي لا يضمن بالترك؛ لأنّ حفظ المال إنّما يجب على مالكه، لا على غيره. نعم يجب في الحيوان مطلقاً؛ لأنّه ذو روح، لكن لا يضمن بتركه كغيره.

واعلم أنّ مستودع الحيوان إن أمره المالك بالإنفاق أنفق ورجع عليه بما غرم، وإن أطلق توصّل إلى استئذانه، فإن تعذّر رفع أمره إلى الحاكم، فإن تعذّر أنفق هو وأشهد عليه ورجع به، ولو تعذّر الإشهاد اقتصر على نيّة الرجوع إن أراده، وقُبِل قوله فيها وفي القدر بالمعروف؛ وكذا القول مع نهي المالك له عنه. وفي حكم النفقة ما تفتقر إليه من الدواء وغيره. وفي حكم الحيوان الشجر المفتقر إلى الحرث والسقي وغيرهما.

(أو تَرَكَ نشر الثوب) الذي يفسده طول مكثه كالصوف والإبريسم (للريح) حتّى لو لم يندفع بنشره وجب لُبسه بمقدار ما يندفع الضرورة عنه، وكذا عرضُه على البرد.

ومثله توقّف نقل الدابّة إلى الحرز أو العلف أو السقي على الركوب والكتاب على تقليبه والنظر فيه، فيجب ذلك كلّه، ويحرم بدونه.

(أو انتفع بها) لا لذلك (أو مزجها) بماله أو بمال غيره بحيث لا يتميّز، سواء مزجها بأجود أم ما دونه، بل لو مزج إحدى الوديعتين بالاُخرى ضمنهما معاً وإن كانا لواحد؛ ومثله خلطها بمالٍ لمالكها (١) غير مودع عنده، للتعدّي في الجميع.

(وليردّ) الوديعة حيث يؤمر به أو يريده هو (إلى المالك أو وكيله)

__________________

(١) في (ر) : لو خلطها بمال مالكها.

٤٨١

المتناول وكالتُه مثلَ ذلك، مخيّر (١) فيهما (فإن تعذّر) المالك أو وكيله (فالحاكم) الشرعيّ (عند الضرورة إلى ردّها) لا بدونه؛ لأنّ الحاكم لا ولاية له على من له وكيل، والودعيّ بمنزلته. وإنّما جاز الدفع إليه عند الضرورة، دفعاً للحرج والإضرار، وتنزيلاً له حينئذٍ منزلةَ من لا وكيل له.

وتتحقّق الضرورة بالعجز عن الحفظ، وعروض خوفٍ يفتقر معه إلى التستّر المنافي لرعايتها، أو الخوف على أخذ المتغلّب لها تبعاً لماله أو استقلالاً، أو الخوف عليها من السرق أو الحرق أو النهب، ونحو ذلك. فإن تعذّر الحاكم حينئذٍ أودعها الثقة. ولو دفعها إلى الحاكم مع القدرة على المالك ضمن، كما يضمن لو دفعها إلى الثقة مع القدرة على الحاكم أو المالك.

(ولو أنكر الوديعة حلف) لأصالة البراءة (ولو أقام) المالك (بها بيّنة قبلَ حلفِه ضمن) لأنّه متعدٍّ بجحوده لها (إلّاأن يكون جوابه: (لا تستحقّ عندي شيئاً) وشبهه) كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها ولا عوضها» فلا يضمن بالإنكار، بل يكون كمدّعي التلف يُقبل قوله بيمينه أيضاً؛ لإمكان تلفها بغير تفريط، فلا تكون مستحقّة عنده، ولا يناقض قولُه البيّنةَ. ولو أظهر لإنكاره الأوّل تأويلاً، كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردُّها، أو ضمانُها» ونحو ذلك، فالأقوى القبول أيضاً، واختاره المصنّف رحمه الله في بعض تحقيقاته (٢).

(والقول قول الودعيّ في القيمة لو فرّط) لأصالة عدم الزيادة

__________________

(١) في (ر) : مخيّراً.

(٢) لم نعثر عليه.

٤٨٢

عمّا يعترف به. وقيل: قول المالك؛ لخروجه بالتفريط عن الأمانة (١).

ويضعَّف بأ نّه ليس مأخذ القبول (٢).

(وإذا مات المودع سلّمها) المستودع (إلى وارثه) إن اتّحد (أو إلى من يقوم مقامه) من وكيلٍ ووليّ، فإن تعدّد سلّمها إلى الجميع إن اتّفقوا في الأهليّة، وإلّا فإلى الأهل ووليِّ الناقص (ولو سلّمها إلى البعض) من دون إذن الباقين (ضمن للباقي) بنسبة حصّتهم؛ لتعدّيه فيها بتسليمها إلى غير المالك. وتجب المبادرة إلى ردّها إليهم حينئذٍ كما سلف، سواء علم الوارث بها أم لا.

(ولا يبرأ) المستودع (بإعادتها إلى الحرز لو تعدّى) فأخرجها منه (أو فرّط) بتركه غير مقفل ثمّ قفله ونحوه؛ لأنّه صار بمنزلة الغاصب فيستصحب حكم الضمان إلى أن يحصل من المالك ما يقتضي زواله بردّه عليه ثمّ يجدّد له الوديعة، أو يجدّد له الاستئمان بغير ردّ كأن يقول له: «أودعتكها» أو «استأمنتك عليها» ونحوه على الأقوى. وقيل: لا يعود بذلك (٣) كما لا يزول الضمان عن الغاصب بإيداعه؛ أو يبرئه من الضمان على قول قويّ.

(ويُقبل قوله بيمينه في الردّ) وإن كان مدّعياً بكلّ وجه على المشهور؛ لأ نّه محسن وقابض لمحض مصلحة المالك والأصل براءة ذمّته.

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة:٦٢٦، والشيخ في النهاية:٤٣٧، وابن زهرة في الغنية:٢٨٤.

(٢) يعني أنّ مأخذ قبول قول الودعيّ ليس كونه أميناً ليخرج بالتفريط عن الأمانة، بل كونه منكراً للزائد.

(٣) قاله ابن حمزة في الوسيلة:٢٧٥.

٤٨٣

هذا إذا ادّعى ردّها على من ائتمنه. أمّا لو ادّعاه على غيره ـ كوارثه ـ فكغيره من الاُمناء؛ لأصالة عدمه، وهو لم يأتمنه فلا يكلَّف تصديقه.

ودعوى ردّها على الوكيل كدعواه على الموكل؛ لأنّ يده كيده.

٤٨٤

كتاب العارية

٤٨٥
٤٨٦

(كتاب العارية)

بتشديد الياء، وتخفَّف، نسبة إلى «العار» ؛ لأنّ طلبها عار، أو إلى «العارة» مصدر ثانٍ لأعرته إعارة، كالجابة للإجابة، أو من «عارَ» إذ جاء وذهب لتحوّلها من يد إلى اُخرى، أو من «التعاور» وهو التداول. وهي من العقود الجائزة تثمر جواز التصرّف في العين بالانتفاع مع بقاء الأصل غالباً.

(ولا حصر أيضاً) أي عوداً إلى ما ذُكر في الوديعة (في ألفاظها) إيجاباً وقبولاً، بل كلّ ما دلّ على الإذن من طرف المعير فهو إيجاب. ويكفي الفعل في القبول، بل لو استفيد رضاه من غير الألفاظ ـ كالكتابة والإشارة ـ ولو مع القدرة على النطق كفى.

ومثله ما لو دفع إليه ثوباً حيث وجده عارياً أو محتاجاً إلى لُبسه، أو فرش لضيفه فراشاً، أو ألقى إليه وسادة أو مِخَدّة. واكتفى في التذكرة بحسن الظنّ بالصديق في جواز الانتفاع بمتاعه (١) وينبغي تقييده بكون منفعته ممّا يتناوله الإذن الوارد في الآية بجواز الأكل من بيته (٢) بمفهوم الموافقة، وتعدّيه إلى من تناولته من

__________________

(١) التذكرة (الحجريّة) ٢:٢١١.

(٢) النور:٦١.

٤٨٧

الأرحام، لا مطلق حسن الظنّ؛ لعدم الدليل؛ إذ المساوي قياس والأضعف ممتنع بطريق أولى.

(ويشترط كون المعير كاملاً جائزَ التصرّف، ويجوز إعارة الصبيّ بإذن الوليّ) لمال نفسه ووليّه؛ لأنّ المعتبر إذن الوليّ وهو كافٍ في تحقّق هذا العقد.

هذا إذا علم المستعير بإذن الوليّ، وإلّا لم يُقبل قول الصبيّ في حقّه، إلّاأن تنضمّ إليه قرائن تفيد الظنّ المتاخم للعلم به، كما إذا طلبها من الوليّ فجاء بها الصبيّ وأخبر أنّه أرسله بها، ونحو ذلك؛ كما يُقبل قوله في الهديّة والإذن في دخول الدار بالقرائن.

ولا بدّ مع إذن الوليّ له في إعارة ماله من وجود المصلحة بها بأن تكون يد المستعير أحفظ من يد الوليّ في ذلك الوقت، أو لانتفاع الصبيّ بالمستعير بما يزيد عن منفعة ماله، أو تكون العين ينفعها الاستعمال ويضرّها الإهمال، ونحو ذلك.

(وكون العين ممّا يصحّ الانتفاع بها مع بقائها) فلا يصحّ إعارة ما لا يتمّ الانتفاع به إلّابذهاب عينه كالأطعمة. ويستثنى من ذلك المِنْحة وهي الشاة المستعارة للحلب؛ للنصّ (١) وفي تعدّيه إلى غيرها من الحيوان المتّخذ للحلب وجهان، والاقتصار فيما خالف الأصل على موضع اليقين أجود.

(وللمالك الرجوع فيها متى شاء) لاقتضاء جواز العقد ذلك (إلّافي الإعارة للدفن) أي دفن الميّت المسلم ومن بحكمه (٢) فلا يجوز الرجوع فيه (بعد الطمّ) لتحريم نبشه وهتك حرمته إلى أن تندرس عظامه. ولو رجع قبلَه جاز وإن كان الميّت قد وُضع على الأقوى؛ للأصل.

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٢:٢٦٠، الباب ٩ من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث ١ و ٤، والمستدرك ١٣:٣٩٣، الباب ٤ من أبواب الدين والقرض، الحديث ٤.

(٢) كالطفل والمجنون واللقيط بشرطه.

٤٨٨

فمؤونة الحفر لازمة لوليّ الميّت؛ لقدومه على ذلك، إلّاأن يتعذّر عليه غيره ممّا لا يزيد عوضه عنه، فيقوى كونه من مال الميّت؛ لعدم التقصير، ولا يلزم وليَّه طمُّه؛ للإذن فيه.

ويُستثنى آخران أيضاً :

أحدهما : إذا حصل بالرجوع ضرر على المستعير لا يستدرك، كما لو أعاره لوحاً رقَّع به سفينتَه ولجَّجَ في البحر، فلا رجوع للمعير إلى أن يمكنه الخروج إلى الشاطئ، أو إصلاحها مع نزعه من غير ضرر، ولو رجع قبل دخول السفينة أو بعد خروجها فلا إشكال في الجواز. مع احتمال الجواز مطلقاً وإن وجب الصبر بقبضه إلى أن يزول الضرر.

والثاني: الاستعارة للرهن بعد وقوعه، وقد تقدّم (١).

(وهي أمانة) في يد المستعير (لا يضمن إلّابالتعدّي أو التفريط) إلّا ما سيُستثنى (٢).

(وإذا استعار أرضاً) صالحة للزرع والغرس والبناء عادة (غرس أو زرع أو بنى) مخيّر (٣) فيها مع الإطلاق أو التصريح بالتعميم. وله الجمع بينها بحسب الإمكان؛ لأنّ ذلك كلّه انتفاع بتلك العين يدخل في الإطلاق أو التعميم، ومثله ما لو استعار دابّة صالحة للركوب والحمل.

(ولو عيّن له جهة لم يتجاوزها) ولو إلى المساوي والأدون عملاً بمقتضى التعيين واقتصاراً على المأذون.

__________________

(١) تقدّم في كتاب الرهن:٣٧٨.

(٢) من الذهب والفضّة، كما سيأتي.

(٣) في (ر) : مخيّراً.

٤٨٩

وقيل: يجوز التخطّي إلى المساوي والأقلّ ضرراً (١) وهو ضعيف. ودخول الأدون بطريق أولى ممنوع؛ لاختلاف الغرض في ذلك. نعم لو علم انتفاء الغرض بالمعيَّن اتّجه جواز التخطّي إلى الأقلّ، أمّا المساوي فلا مطلقاً، كما أنّه مع النهي عن التخطّي يحرم مطلقاً.

وحيث يتعيّن المعيَّن فتعدّى إلى غيره ضمن الأرض ولزمه الاُجرة لمجموع ما فعل من غير أن يسقط [منها] (٢) ما قابل المأذون على الأقوى؛ لكونه تصرّفاً بغير إذن المالك فيوجب الاُجرة، والقدر المأذون فيه لم يفعله فلا معنى لإسقاط قدره.

نعم لو كان المأذون فيه داخلاً في ضمن المنهيّ عنه، كما لو أذن له في تحميل الدابّة قدراً معيّناً فتجاوزه، أو في ركوبها بنفسه فأردف غيره تعيّن إسقاط قدر المأذون؛ لأنّه بعض ما استوفي من المنفعة وإن ضمن الدابّة أجمع.

(ويجوز له بيع غروسه وأبنيته ولو على غير المالك) على المشهور؛ لأ نّه مالك غير ممنوع من التصرّف فيه فيبيعه ممّن شاء.

وقيل: لا يجوز بيعه على غير المعير؛ لعدم استقرار ملكه برجوع المعير (٣) وهو غير مانع من البيع، كما يُباع المشرف على التلف ومستحقّ القتل قصاصاً.

ثمّ إن كان المشتري جاهلاً بحاله فله الفسخ للعيب، لا إن كان عالماً بل ينزّل منزلة المستعير.

ولو اتّفقا على بيع ملكهما معاً بثمن واحد صحّ ووزّع الثمن عليهما، فيقسّط

__________________

(١) قاله العلّامة في التحرير ٣:٢١٢، والتذكرة (الحجريّة) ٢:٢١١، وأجاز الشيخ التخطّي إلى الأقلّ، اُنظر المبسوط ٣:٥٣.

(٢) في المخطوطات: منه.

(٣) قوّاه الشيخ في المبسوط ٣:٥٦.

٤٩٠

على أرضٍ مشغولةٍ به على وجه الإعارة مستحقِّ القلع بالأرش أو الإبقاء بالاُجرة أو التملّك بالقيمة مع التراضي، وعلى ما فيها مستحقٍّ للقلع (١) على أحد الوجوه، فلكلٍّ قسط ما يملكه.

(ولو نقصت) العين المعارة (بالاستعمال لم يضمن) المستعيرُ النقصَ؛ لاستناد التلف إلى فعلٍ مأذونٍ فيه ولو من جهة الإطلاق. وتقييده بالنقص قد يفهم أنّها لو تلفت به ضمنها، وهو أحد القولين (٢) في المسألة؛ لعدم تناول الإذن للاستعمال المتلف عرفاً وإن دخل في الإطلاق، فيضمنها آخِرَ حالات التقويم. وقيل: لا يضمن أيضاً كالنقص (٣) لما ذكر من الوجه، وهو الوجه.

(ويضمن العاريةَ باشتراط الضمان) عملاً بالشرط المأمور بالكون معه (٤) سواء شرط ضمانَ العين أم الأجزاء أم هما، فيتّبع شرطَه.

(وبكونها ذهباً أو فضّة) سواء كانا دنانيرَ ودراهمَ أم لا على أصحّ القولين (٥) لأنّ فيه جمعاً بين النصوص (٦) المختلفة.

__________________

(١) في (ش) : القلع.

(٢) لم نعثر عليه.

(٣) وهو المشهور كما قال الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:٢٤٩، وراجع الشرائع ٢:١٧٢، والمختصر:١٥١، والقواعد ٢:١٩٧ وغيرها.

(٤) في قوله عليه السلام: (المؤمنون عند شروطهم). الوسائل ١٥:٣٠، الباب ٢٠ من أبواب المهور، الحديث ٤.

(٥) القول بالضمان هو المعروف المصرّح به في كلام بعض مثل المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٦:٨٠، وغيره، وهو الظاهر من المبسوط ٣:٤٩، والشرائع ٢:١٧٤، والتحرير ٣:٢١٧، وغيره. وراجع للتفصيل مفتاح الكرامة ٦:٧٠.

(٦) اُنظر الوسائل ١٣:٢٣٥ و ٢٣٩، الباب ١ و ٣ من أحكام العارية.

٤٩١

وقيل: يختصّ بالنقدين (١) استناداً إلى الجمع أيضاً، وإلى الحكمة الباعثة على الحكم، وهي ضعف المنفعة المطلوبة منهما بدون الإنفاق، فكانت عاريتهما موجبةً بالذات لما يوجب التلف، فيضمنان بها.

ويضعَّف بأنّ الشرط الانتفاع بهما مع بقائهما، وضعف المنفعة حينئذٍ لا مدخل له في اختلاف الحكم، وتقدير منفعة الإنفاق حكم بغير الواقع.

(ولو ادّعى) المستعير (التلفَ حلف) لأنّه أمين فيقبل قوله فيه كغيره سواء ادّعاه بأمر ظاهر أم خفيّ، ولإمكان صدقه، فلو لم يُقبل قوله لزم تخليده الحبسَ.

(ولو ادّعى الردّ حلف المالك) لأصالة عدمه وقد قبضه لمصلحة نفسه فلا يقبل قوله فيه، بخلاف الوَدَعيّ.

ومعنى عدم قبول قوله فيه: الحكمُ بضَمانه للمثل أو القيمة حيث يتعذّر العين، لا الحكم بالعين مطلقاً، لما تقدّم في دعوى التلف.

(وللمستعير الاستظلال بالشجر) الذي غرسه في الأرض المعارةِ للغرس وإن استلزم التصرّف في الأرض بغير الغرس، لقضاء العادة به. كما يجوز له الدخول إليها لسقيه وحرثه وحراسته، وغيرها. وليس له الدخول لغير غرض يتعلّق بالشجر كالتفرّج.

(وكذا) يجوز (للمعير) الاستظلال بالشجر المذكور وإن كان ملكاً لغيره؛ لأنّه جالس في ملكه كما لو جلس في غيره من أملاكه فاتّفق له التظلّل بشجر غيره، أو في المباح كذلك؛ وكذا يجوز له الانتفاع بكلّ ما لا يستلزم التصرّف في الشجر.

__________________

(١) قاله فخر المحقّقين في الإيضاح ٢:١٣٠.

٤٩٢

(ولا يجوز) للمستعير (إعارة العين المستعارة إلّابإذن المالك) لأنّ الإعارة إنّما تناولت الإذن له خاصّة. نعم يجوز له استيفاء المنفعة بنفسه ووكيله، لكن لا يُعدّ ذلك إعارة؛ لعود المنفعة إليه، لا إلى الوكيل.

وحيث يعير يضمن العين والمنفعة، ويرجع المالك على من شاء منهما، فإن رجع على المستعير الأوّل لم يرجع على الثاني الجاهل، إلّاأن تكون العارية مضمونة فيرجع عليه ببدل العين خاصّة، ولو كان عالماً استقرّ الضمان عليه كالغاصب. وإن رجع على الثاني رجع على الأوّل بما لا يرجع عليه به لو رجع عليه؛ لغروره (ولو شرط سقوط الضمان في الذهب والفضّة صحّ) عملاً بالشرط.

(ولو شرط سقوطه مع التعدّي أو التفريط احتمل الجواز) لأنّه في قوّة الإذن له في الإتلاف فلا يستعقب الضمان (كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر) ويحتمل عدم صحّة الشرط؛ لأنّهما من أسباب الضمان، فلا يعقل إسقاطه قبل وقوعه؛ لأنّه كالبراءة ممّا لم يجب. والأوّل أقوى.

(ولو قال الراكب: أعرتنيها، وقال المالك: آجرتكها حلف الراكب) لاتّفاقهما على أنّ تلف المنافع وقع على ملك المستعير، وإنّما يختلفان في الاُجرة، والأصل براءة ذمّته منها.

(وقيل) : يحلف (المالك) لأنّ المنافع أموال كالأعيان فهي بالأصالة لمالك العين، فادّعاء الراكب ملكيّتها بغير عوض على خلاف الأصل، وأصالة براءة ذمّته إنّما تصحّ من خصوص ما ادّعاه المالك، لا من مطلق الحقّ بعد استيفائه منفعة ملك غيره (١) (وهو أقوى، ولكن) لا يقبل قوله فيما يدّعيه من الاُجرة؛

__________________

(١) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٤٣١، والمحقّق في الشرائع ٢:١٧٥، والعلّامة في التحرير ٣:٢١٩.

٤٩٣

لأنّه فيها مدّعٍ، كما أنّ الراكب بالنسبة إلى العارية مدّعٍ، بل يحلف على نفي العارية و (يثبت له اُجرة المثل) لثبوت أنّ الراكب تصرّف في ملك غيره بغير تبرّع منه (إلّاأن تزيد) اُجرة المثل (على ما ادّعاه) المالك (من المسمّى) فيثبت المسمّى؛ لاعترافه بعدم استحقاقه سواه.

ويشكل بأنّ المالك يدّعي الزائد من الاُجرة على تقدير زيادة ما يدّعيه عن اُجرة المثل، والراكب ينفيه، فلا بدّ من وجهٍ شرعيّ يقتضي نفيَه، وحلفه على نفي الإعارة لم يدلّ على نفي الإجارة كما لم يدلّ على إثباتها، وإثبات أقلّ الأمرين باليمين مسلّم، لكن يبقى النزاع في الزائد على تقديره، لا يندفع إلّابحلف الراكب على نفي الإجارة أو نكوله، فيحلف المالك عليها ويأخذ الزيادة.

فالأقوى حينئذٍ أنّهما يتحالفان؛ لأنّ كلّاً منهما مدّعٍ ومدّعى عليه، فيحلف المالك على نفي الإعارة والراكب على نفي الإجارة، ويثبت أقلّ الأمرين؛ لانتفاء الزائد من المسمّى بيمين المستعير والزائد من اُجرة المثل باعتراف المالك. وهذا هو الذي اختاره المصنّف في بعض تحقيقاته (١).

هذا إذا وقع الاختلاف بعد انقضاء مدّة لها اُجرة عادةً، أو ما يدّعى كونها مدّةَ الإجارة، أمّا قبله فالقول قول الراكب في نفي الإجارة، وتُستردّ العين.

__________________

(١) الظاهر أنّه اختاره في حواشيه على القواعد حسب ما نقل عنه في مفتاح الكرامة ٦:٨٣، وفي مبحث المزارعة من غاية المراد ٢:٣٣٢ ما يؤيّد المنقول المختار.

٤٩٤

كتاب المزارعة

٤٩٥
٤٩٦

(كتاب المزارعة)

(وهي) لغة مفاعَلَة من الزرع، وهي تقتضي وقوعه منهما معاً، لكنّها في الشرع صارت (معامَلة على الأرض بحصّة من حاصلها إلى أجل معلوم) ونُسب الفعل إليهما بفعل أحدهما مع طلب الآخر فكأ نّه لذلك فاعل كالمضاربة. وخرج بالمعاملة على الأرض المساقاةُ، فإنّها بالذات على الاُصول. وبالحصّة إجارةُ الأرض للزراعة أو الأعمّ؛ إذ لا تصحّ بحصّة من الحاصل. وقيدُ الأجَل لبيان الواقع أو تخصيصٌ للصحيحة، أو استطراد لبعض الشرائط التي يحصل بها الكشف عن الماهيّة وإن لم يكن ذكرها من وظائف التعريف.

(وعبارتها : زارعتك أو عاملتك أو سلّمتها إليك، وشبهه) كقبّلتك هذه الأرض، ونحوه من صيغ الماضي الدالّة على إنشاء العقد صريحاً.

والمشهور جوازها بصيغة «ازرع هذه الأرض» استناداً إلى رواية (١) قاصرة الدلالة عن إخراج هذا العقد اللازم عن نظائره، فالمنع أوجه (فيقبل) الزارع (لفظاً) على الأقوى كغيره.

__________________

(١) الوسائل ١٣:٢٠٠ ـ ٢٠١، الباب ٨ من كتاب المزارعة، الحديثان ٥ و ١٠.

٤٩٧

(وعقدها لازم) لعموم الأمر بالوفاء بالعقود (١) إلّاما أخرجه الدليل، وليس هذا منه إجماعاً.

(ويصحّ التقايل) فيه؛ لأنّه معاوضة محضة، فيقبلها كالبيع (ولا تبطل بموت أحدهما) لأنّ ذلك من مقتضى اللزوم.

ثمّ إن كان الميّت العاملَ قام وارثه مقامَه في العمل، وإلّا استأجر الحاكم عليه من ماله أو على ما يخرج من حصّته. وإن كان المالكَ بقيت بحالها، وعلى العامل القيام بتمام العمل. واستثني من الأوّل ما لو شُرط عليه العمل بنفسه فمات قبله.

ويشكل لو مات بعده خصوصاً بعد ظهور الثمرة وقبل تمام العمل؛ لأنّه قد ملك الحصّة.

(ولا بدّ من كون النماء مشاعاً) بينهما (تساويا فيه، أو تفاضلا) فلو شرط لأحدهما شيء معيّن وإن كان البذر وللآخر الباقي أو لهما بطل سواء كان الغالب أن يخرج منها ما يزيد على المشروط وعدمه (ولو شرط أحدهما على الآخر شيئاً يضمنه * مضافاً إلى الحصّة) من ذهبٍ أو فضّة أو غيرهما (صحّ) على المشهور ويكون قراره مشروطاً بالسلامة، كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع. ولو تلف البعض سقط من الشرط بحسابه؛ لأنّه كالشريك وإن كانت حصّته معيّنة مع احتمال أن لا يسقط شيء بذلك؛ عملاً بإطلاق الشرط.

(ولو مضت المدّة والزرع باقٍ، فعلى العامل الاُجرة) لما بقي من المدّة

__________________

(١) المائدة:١.

(*) في (س) ونسخة (ع) من الشرح: يضمّه، وفي (ق) : بضميمة.

٤٩٨

(وللمالك قلعه) إذ لا حقّ للزارع بعدها، فيتخيّر المالك بين القلع والإبقاء بالاُجرة إن رضي العامل بها، وإلّا قلع. ولا اُجرة للمالك على ما مضى من المدّة لو لم ينتفع بالمقلوع؛ لأنّ مقتضى العقد قصر الحقّ على الحصّة مع احتمال وجوبها على الزارع لو كان التأخير بتفريطه؛ لتضييعه منفعة الأرض بتأخيره. ولا فرق في كون المقلوع بينهما بين كون البذر من مالك الأرض والزارع.

وهل يستحقّ المالك قلعه بالأرش، أو مجّاناً؟ قولان (١) وظاهر العبارة ككثيرٍ عدمُه. وعلى القول به، فطريق معرفته: أن يقوَّم الزرع قائماً بالاُجرة إلى أوان حصاده ومقلوعاً.

(ولا بدّ من إمكان الانتفاع بالأرض) في الزراعة المقصودة منها، أو في نوعٍ منها مع الإطلاق (بأن يكون لها ماء من نهر أو بئر أو مصنع، أو تسقيها الغيوث غالباً) أو الزيادة كالنيل. والضابط: إمكان الانتفاع بزرعها المقصود عادةً، فإن لم يمكن بطلت المزارعة وإن رضي العامل.

(ولو انقطع) الماء (في جميع المدّة) مع كونه معتاداً لها قبلَ ذلك (انفسخت) المزارعة (وفي الأثناء يتخيّر العامل) لطروّ العيب. ولا يبطل العقد؛ لسبق الحكم بصحّته فيستصحب، والضرر يندفع بالخيار (فإن فسخ فعليه) من الاُجرة (بنسبة ما سلف) من المدّة؛ لانتفاعه بأرض الغير بعوضٍ لم يسلم له وزواله باختياره الفسخَ.

__________________

(١) القول بالأرش للعلّامة في القواعد ٢:٣١٢، والصيمري في غاية المرام ٢:٢٦٨. وأمّا القول الآخر فلم نعثر على المصرّح به. نعم، نسب في مفتاح الكرامة ٧:٣١٠ إلى ظاهر المقنعة والشرائع والتحرير والإرشاد وغيرها، اُنظر المقنعة:٦٣٦، والشرائع ٢:١٥٠، والتحرير ٣:١٣٩، والإرشاد ١:٤٢٧.

٤٩٩

ويشكل بأنّ فسخه لعدم إمكان الإكمال، وعمله الماضي مشروط بالحصّة لا بالاُجرة، فإذا فاتت بالانقطاع ينبغي أن لا يلزمه شيء آخر. نعم لو كان قد استأجرها للزراعة توجّه ذلك.

(وإذا أطلق المزارعةَ زرع) العامل (ما شاء) إن كان البذر منه ـ كما هو الغالب ـ أو بذل المالك ما شاء إن شرط عليه. وإنّما تخيّر مع الإطلاق؛ لدلالة المطلق على الماهيّة من حيث هي، وكلّ فرد من أفراد الزرع يصلح أن يُوجد المطلق في ضمنه. وأولى منه لو عمّم الإذن؛ لدلالته على كلّ فردٍ فردٍ.

وربما فُرّق (١) بين الإطلاق والتعميم؛ بناءً على أنّ الإطلاق إنّما يقتضي تجويز القدر المشترك بين الأفراد، ولا يلزم من الرضا بالقدر المشترك الرضا بالأقوى، بخلاف التعميم. وممّا ذكرناه (٢) يظهر ضعفه.

(ولو عيّن) شيئاً من الزرع (لم يتجاوز) ما عيّن له، سواء كان المعيَّن شخصيّاً كهذا الحبّ، أم صنفيّاً كالحنطة الفلانيّة، أم نوعيّاً، أم غيره، لاختلاف الأغراض باختلافه، فيتعيّن ما تعلّق به (فلو) خالف و (زَرَع الأضرّ قيل: تخيّر المالك بين الفسخ، فله اُجرة المثل) عمّا زرعه (وبين الإبقاء، فله المسمّى مع الأرش) (٣).

ووجه التخيير: أنّ مقدار المنفعة المعقود عليها قد استوفي بزيادة في ضمن

__________________

(١) قوّاه في التذكرة (الحجريّة) ٢:٣٤٠، وتبعه في جامع المقاصد ٧:٣٢٧، وقال: والأصحّ وجوب التعيين إن لم يعمّم.

(٢) وهو قوله: لدلالة المطلق على الماهيّة من حيث هي.

(٣) قاله المحقّق في الشرائع ٢:١٥١، والعلّامة في القواعد ٢:٣١٣، والتحرير ٣:١٤٠، والإرشاد ١:٤٢٧، وغيرها.

٥٠٠