🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٢

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-46-X
🚘 نسخة غير مصححة

(ولو أتلف عليه ثوباً يساوي درهمين فصالح على أكثر أو أقلّ فالمشهور الصحّة) لأنّ مورد الصلح الثوب، لا الدرهمان.

وهذا إنّما يتمّ على القول بضمان القيمي بمثله، ليكون الثابت في الذّمة ثوباً فيكون هو متعلّق الصلح. أمّا على القول الأصحّ من ضمانه بقيمته فاللازم لذمّته إنّما هو الدرهمان، فلا يصحّ الصلح عليهما بزيادة عنهما ولا نقصان مع اتّفاق الجنس، ولو قلنا باختصاص الربا بالبيع توجّه الجواز أيضاً، لكن المجوّز لا يقول به.

(ولو صالح منكر الدار على سكنى المدّعي سنةً فيها صحّ) للأصل، ويكون هنا مفيداً فائدة العارية (ولو أقرّ بها ثمّ صالحه على سكنى المقرّ صحّ) أيضاً (ولا رجوع) في الصورتين؛ لما تقدّم من أنّه عقد لازم وليس فرعاً على غيره (وعلى القول بفرعية العارية (١) له الرجوع) في الصورتين؛ لأنّ متعلّقه المنفعة بغير عوض فيهما، والعين الخارجة من يد المقرّ ليست عوضاً من المنفعة الراجعة إليه، لثبوتها للمقرّ له بالإقرار قبل أن يقع الصلح، فلا يكون في مقابلة المنفعة عوض (٢) فيكون عارية يلزمه حكمها من جواز الرجوع فيه عند القائل بها.

(ولمّا كان الصلح مشروعاً لقطع التجاذب) والتنازع بين المتخاصمين بحسب أصله وإن صار بعد ذلك أصلاً مستقلّاً بنفسه لا يتوقّف على سبق خصومة (ذُكر فيه أحكام من التنازع) بحسب ما اعتاده المصنّفون.

__________________

(١) كذا، والأولى في التعبير: بفرعيّته للعارية.

(٢) في (ع) : عوضاً.

٤٤١

(ولنُشِر) في هذا المختصر (إلى بعضها في مسائل) :

(الاُولى) :

(لو كان بيدهما درهمان فادّعاهما أحدهما، وادّعى الآخر أحدهما) خاصّة (فللثاني نصف درهم) لاعترافه باختصاص غريمه بأحدهما ووقوع النزاع في الآخر مع تساويهما فيه يداً، فيُقسَّم بينهما بعد حلف كلّ منهما لصاحبه على استحقاق النصف، ومن نكل منهما قُضي به للآخر. ولو نكلا معاً أو حلفا قُسّم بينهما نصفين (وللأوّل الباقي) قال المصنّف في الدروس: ويشكل إذا ادّعى الثاني النصف مشاعاً، فإنّه تقوى القسمة نصفين، ويحلف الثاني للأوّل، وكذا في كلّ مشاع، وذكر فيها أنّ الأصحاب لم يذكروا هنا يميناً، وذكروا المسألة في باب الصلح، فجاز أن يكون الصلح قهريّاً، وجاز أن يكون اختياريّاً، فإن امتنعا فاليمين (١) وما حكيناه نحن من اليمين ذكره في التذكرة أيضاً (٢) فلعلّ المصنّف يريد أنّ الكثير لم يذكره.

(وكذا لو أودعه رجل درهمين وآخرُ درهماً وامتزجا لا بتفريط وتلف أحدُهما) فإنّه يختصّ ذو الدرهمين بواحد، ويقسّم الآخر بينهما.

هذا هو المشهور بين الأصحاب، ورواه السكوني عن الصادق عليه السلام (٣).

ويشكل هنا ـ مع ضعف المستند (٤) ـ بأنّ التالف لا يحتمل كونه لهما، بل من أحدهما خاصّة؛ لامتناع الإشاعة هنا، فكيف يقسَّم الدرهم بينهما مع أنّه

__________________

(١) الدروس ٣:٣٣٣.

(٢) التذكرة (الحجريّة) ٢:١٩٥.

(٣) الوسائل ١٣:١٧١، الباب ١٢ من أبواب الصلح، الحديث الأوّل.

(٤) والظاهر أنّ ضعفه بالسكوني، راجع المسالك ١:٩٩.

٤٤٢

مختص بأحدهما قطعاً؟

والذي يقتضيه النظر وتشهد له الاُصول الشرعيّة: القول بالقرعة في أحد (١) الدرهمين، ومال إليه المصنّف في الدروس (٢) لكنّه لم يجسر على مخالفة الأصحاب.

والقول في اليمين كما مرّ من عدم تعرّض الأصحاب له، وربما امتنع هنا إذا لم يعلم الحالف عين حقّه.

واحترز بالتلف لا عن تفريط عمّا لو كان بتفريط، فإنّ الودعي يضمن التالف فيضمّ إليهما ويقتسمانها من غير كسر، وقد يقع مع ذلك التعاسر على العين فيتّجه القرعة. ولو كان بدل الدراهم مالاً يمتزج أجزاؤُه بحيث لا يتميّز ـ وهو متساويها كالحنطة والشعير ـ وكان لأحدهما قفيزان مثلاً وللآخر قفيز وتلف قفيز بعد امتزاجهما بغير تفريط فالتالف على نسبة المالين وكذا الباقي، فيكون لصاحب القفيزين قفيز وثُلث وللآخر ثُلثا قفيز. والفرق: أنّ الذاهب هنا عليهما معاً، بخلاف الدراهم؛ لأنّه مختصّ بأحدهما قطعاً.

(الثانية) :

(يجوز جعل السقي بالماء عوضاً للصلح) بأن يكون مورده أمراً آخر من عين أو منفعة (و) كذا يجوز كونه (مورداً له) وعوضه أمراً آخر كذلك، وكذا لو كان أحدهما عوضاً والآخر مورداً. كلّ ذلك مع ضبطه بمدّة معلومة. ولو تعلّق بسقي شيء مضبوط دائماً أو بالسقي بالماء أجمع دائماً وإن جُهل المسقى لم يبعد الصحّة.

__________________

(١) في (ع) و (ش) ونسخة بدل (ر) : أخذ.

(٢) الدروس ٣:٣٣٤.

٤٤٣

وخالف الشيخ رحمه الله في الجميع محتجّاً بجهالة الماء (١) مع أنّه جوّز بيع ماء العين والبئر وبيع جزء مشاع منه وجعله عوضاً للصلح (٢) ويمكن تخصيصه المنع هنا بغير المضبوط كما اتّفق مطلقاً (٣) في عبارة كثير (٤).

(وكذا) يصحّ الصلح على (إجراء الماء على سطحه أو ساحته) جاعلاً له عوضاً ومورداً (بعد العلم بالموضع الذي يجري منه الماء) بأن يقدّر مجراه طولاً وعرضاً، لترتفع الجهالة عن المحلّ المصالح عليه. ولا يعتبر تعيين العمق؛ لأنّ من ملك شيئاً ملك إقراره مطلقاً. لكن ينبغي مشاهدة الماء أو وصفه، لاختلاف الحال بقلّته وكثرته. ولو كان ماء مطر اختلف أيضاً بكبر ما يقع عليه وصغره، فمعرفته تحصل بمعرفة محلّه.

ولو سقط السطح بعد الصلح أو احتاجت الساقية إلى إصلاح فعلى مالكهما؛ لتوقّف الحقّ عليه، وليس على المصالح مساعدته.

(الثالثة) :

(لو تنازع صاحب السفل والعلوّ في جدار البيت حلف صاحب السفل) لأنّ جدران البيت كالجزء منه، فيحكم بها لصاحب الجملة. وقيل: تكون بينهما؛ لأنّ حاجتهما إليه واحدة (٥) والأشهر الأوّل.

(و) لو تنازعا (في جدران الغرفة يحلف صاحبها) لما ذكرناه من الجزئيّة، ولا إشكال هنا؛ لأنّ صاحب البيت لا تعلّق له به إلّاكونه موضوعاً على

__________________

(١) و (٢) المبسوط ٢:٣١٠ و ٣١١.

(٣) أي ورد المنع مطلقاً من غير تقييد بعدم المضبوطيّة، مع أنّ المراد هو المقيّد بذلك.

(٤) لم نعثر عليه.

(٥) قاله ابن الجنيد على ما حكاه عنه في المختلف ٦:٢٢٦، وارتضاه العلّامة.

٤٤٤

ملكه، وذلك لا يقتضي الملكيّة، مع معارضة اليد (وكذا) يقدّم قول صاحب الغرفة لو تنازعا (في سقفها) الذي هو فوقها؛ لاختصاص صاحبها بالانتفاع به كالجدار وأولى.

(ولو تنازعا في سقف البيت) المتوسّط بينهما الحامل للغرفة (اُقرع بينهما) لاستوائهما في الحاجة إليه والانتفاع به، والقرعة لكلّ أمر مشتبه.

ويشكل بأنّ مورد القرعة المحل الذي لا يحتمل اشتراكه بين المتنازعين (١) بل هو حقّ لأحدهما مشتبه، وهنا ليس كذلك؛ لأنّه كما يجوز كونه لأحدهما يجوز كونه لهما معاً، لاستوائهما فيه؛ لأنّه سقف لصاحب البيت وأرض لصاحب الغرفة فكان كالجزء من كلّ منهما. وفي الدروس قوّى اشتراكهما فيه مع حلفهما أو نكولهما، وإلّا اختصّ بالحالف (٢) لما ذكر من الوجه.

وقيل: يقضى به لصاحب الغرفة؛ لأنّها لا تتحقّق بدونه، لكونه أرضها، والبيت يتحقّق بدون السقف، وهما متصادقان على أنّ هنا غرفة فلابدّ من تحقّقها، ولأنّ تصرّفه فيه أغلب من تصرّف الآخر (٣) وليس ببعيد.

وموضع الخلاف في السقف الذي يمكن إحداثه بعد بناء البيت. أمّا ما لا يمكن كالأزَج (٤) الذي لا يعقل إحداثه بعد بناء الجدار الأسفل؛ لاحتياجه إلى إخراج بعض الأجزاء عن سمت وجه الجدار قبل انتهائه ليكون حاملاً للعُقد

__________________

(١) في (ع) : المتقارعين.

(٢) الدروس ٣:٣٥٠.

(٣) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٦٧، وقال العلّامة في المختلف ٦:٢٢١: وهو المعتمد.

(٤) بالتحريك، ضرب من الأبنية يُسمّى سقفه بالفارسيّة (طاق).

٤٤٥

فيحصل به الترصيف (١) بين السقف والجدران، فهو لصاحب السفل بيمينه؛ لدلالة ذلك على جزئيته منه.

(الرابعة) :

(إذا تنازع صاحب غُرَف الخان وصاحب بيوته في المسلك) والمراد به هنا مجموع الصحن بدليل قوله: (حلف صاحب الغُرف في قدر ما يسلكه، وحلف الآخر على الزائد) لأنّ النزاع لو وقع على مسلك في الجملة أو معيّن لا يزيد عن القدر لم يكن على الآخر حلفٌ؛ لعدم منازعته له في الزائد.

ووجه الحكم للأعلى بقدر المسلك كونه من ضرورة الانتفاع بالغرف وله عليه يد في جملة الصحن، وأمّا الزائد عنه فاختصاص صاحب البيوت به أقوى؛ لأ نّه دار لبيوته، فيقدّم قول كلّ منهما فيما يظهر اختصاصه به.

وفي الدروس رجّح كون المسلك بينهما واختصاص الأسفل بالباقي (٢) وعليه جماعة (٣) لأنّ صاحب السفل يشاركه في التصرّف فيه وينفرد بالباقي، فيكون قدر المسلك بينهما. واحتمل الاشتراك في العرصة أجمع؛ لأنّ صاحب الأعلى لا يكلّف المرور على خط مستوٍ ، ولا يمنع من وضع شيءٍ فيها، ولا من الجلوس قليلاً، فله يد على الجميع في الجملة كالأسفل.

__________________

(١) هو ضمّ أجزاء البناء بعضها إلى بعض.

(٢) الدروس ٣:٣٥١.

(٣) مثل المحقّق في الشرائع ٢:١٢٦، والعلّامة في القواعد ٢:١٧٩، والكركي في جامع المقاصد ٥:٤٥٢ ـ ٤٥٣.

٤٤٦

ثم إن كان المرقى في صدر الصحن تشاركا في الممرّ إليه (١) أو اختصّ به الأعلى (٢) وإن كان المرقى في دهليزه خارجاً لم يشارك الأسفل في شيءٍ من الصحن؛ إذ لا يد له على شيء منها، ولو كان المرقى في ظهره اختصّ صاحب السفل بالصحن والدهليز أجمع.

(و) لو تنازعا (في الدرجة يحلف العلوي) لاختصاصه بالتصرّف فيها بالسلوك وإن كانت موضوعة في أرض صاحب السفل، وكما يحكم بها للأعلى يحكم بمحلّها.

(وفي الخزانة تحتها يُقرع) بينهما؛ لاستوائهما فيها بكونها متّصلة بملك الأسفل بل من جملة بيوته، وكونها هواءً لملك الأعلى وهو كالقرار، فيقرع.

ويشكل بما مرّ في السقف، ويقوى استواؤهما فيها مع حلف كلّ لصاحبه، وهو اختياره في الدروس (٣) ولا عبرة بوضع الأسفل آلاته تحتها.

ويشكل أيضاً الحكم في الدرجة مع اختلافهما في الخزانة؛ لأنّه إذا قُضي بالخزانة لهما أو حُكم بها للأسفل بوجه تكون الدرجة كالسقف المتوسّط بين الأعلى والأسفل، لعين ما ذكر ـ خصوصاً مع الحكم بها للأسفل وحده ـ فينبغي حينئذٍ أن يجري فيها الخلاف السابق ومرجّحه. ولو قضينا بالسقف للأعلى زال الإشكال هنا، وإنّما يأتي على مذهب المصنّف هنا وفي الدروس، فإنّه لا يجامع اختصاص العلوي بها مطلقاً (٤).

__________________

(١) على ما رجّحه في الدروس.

(٢) على ما ذكره في الكتاب.

(٣) الدروس ٣:٣٥١.

(٤) بل في بعض الأحوال، أمّا على مذهبه هنا ففيما إذا خرج القرعة باسم العِلوي، وأمّا على مذهبه في الدروس ففيما إذا نكل السفلي وحلف العلوي (هامش ر).

٤٤٧

(الخامسة) :

(لو تنازع راكب الدابّة وقابضُ لجامها) فيها (حلف الراكب) لقوّة يده وشدة تصرّفه بالنسبة إلى القابض.

وقيل: يستويان في الدعوى؛ لاشتراكهما في اليد وقوّتها لا مدخل له في الترجيح، ولهذا لم تؤثّر في ثوبٍ بيد أحدهما أكثرُهُ ـ كما سيأتي ـ وما مع الراكب من زيادة نوع التصرّف لم يثبت شرعاً كونُهُ مرجّحاً، وتعريف (المدّعي) و (المنكر) منطبق عليهما (١) وهو قويّ، فيحلف كلّ منهما لصاحبه إن لم يكن بيّنة. وأمّا اللجام فيُقضى به لمن هو في يده، والسراج لراكبه.

(ولو تنازعا ثوباً في يد أحدهما أكثرُه، فهما سواء) لاشتراكهما في اليد ولا ترجيح لقوّتها، والتصرّف هنا وإن اختلف كثرةً وقلّةً لكنّه من وادٍ واحد، بخلاف الركوب وقبض اللجام. نعم لو كان أحدهما ممسكاً له والآخر لابساً فكمسألة الراكب والقابض، لزيادة تصرّف اللابس على اليد المشتركة.

(وكذا) لو تنازعا (في العبد وعليه ثياب لأحدهما) ويدهما عليه، فلا يرجّح صاحب الثياب كما يرجّح الراكب بزيادة ذلك على يده؛ إذ لا دخل للّبس في الملك بخلاف الركوب، فإنّه قد يلبسها بغير إذن مالكها أو بقوله أو بالعارية. ولا يرد مثلُه في الركوب؛ لأنّ الراكب ذو يدٍ، بخلاف العبد، فإنّ اليد للمدّعي، لا له. ويتفرّع عليه ما لو كان لأحدهما عليه يد وللآخر ثياب خاصّة، فالعبرة بصاحب اليد.

(ويرجّح صاحب الحِمْل في دعوى البهيمة الحاملة) وإن كان للآخر

__________________

(١) قاله الشهيد في غاية المراد ٢:٢٣٥.

٤٤٨

عليها يد أيضاً بقبض زمام ونحوه؛ لدلالة الحِمْل على كمال استيلاء مالكه عليها، فيرجّح.

[وفي الدروس سوّى بين الراكب ولابس الثوب وذي الحمل في الحكم (١) وهو حسن] (٢) (و) كذا يرجّح (صاحب البيت في) دعوى (الغرفة) الكائنة (عليه وإن كان بابها مفتوحاً إلى) المدعي (الآخر) لأنّها موضوعة في ملكه وهو هواء بيته، ومجرّد فتح الباب إلى الغير لا يفيد اليد.

هذا إذا لم يكن من إليه الباب متصرّفاً فيها بسكنى وغيرها، وإلّا قدّم؛ لأنّ يده عليها بالذات لاقتضاء التصرّف له، ويد مالك الهواء بالتبعيّة، والذاتيّة أقوى. مع احتمال التساوي، لثبوت اليد من الجانبين في الجملة وعدم تأثير قوّة اليد.

(السادسة) :

(لو تداعيا جداراً غير متصّل ببناء أحدهما، أو متّصلاً ببنائهما) معاً اتّصال ترصيف ـ وهو تداخل الأحجار ونحوها على وجهٍ يبعد كونه محدثاً بعد وضع الحائط المتصّل به ـ (فإن حلفا أو نكلا فهو لهما، وإلّا) بأن (٣) حلف أحدهما ونكل الآخر (فهو للحالف، ولو اتّصل بأحدهما) خاصّة (حلف) وقُضي له به.

ومثله ما لو كان لأحدهما عليه قبّة، أو غرفة أو سُترة؛ لصيرورته بجميع ذلك ذا يدٍ فعليه اليمين مع فقد البينة.

(وكذا لو كان) لأحدهما خاصّة (عليه جذع) فإنّه يُقضى له به بيمينه،

__________________

(١) الدروس ٣:٣٥٢.

(٢) ما بين المعقوفتين لم يرد في المخطوطات.

(٣) كذا في (ع) التي قوبلت بالأصل ونسخة بدل (ر) ، وفي باقي النسخ: فإن.

٤٤٩

أولهما فلهما. ولو اتّصل بأحدهما وكان للآخر عليه جذع تساويا على الأقوى. وكذا لو كان لأحدهما واحدة من المرجّحات ومع الآخر الباقية؛ إذ لا أثر لزيادة اليد كما سلف.

(أما الخوارج) من أحد الجانبين أو منهما من نقش ووتد ورفّ ونحوها (والروازن) كالطاقات (فلا ترجيح بها) لإمكان إحداثها من جهة واضعها من غير شعور الآخر (إلّامعاقد القِمْط) بالكسر وهو الحبل الذي يشدّ به الخُصّ (١) وبالضمّ جمع قِماط وهي شداد الخصّ من ليف وخوص وغيرها (٢) فإنّه يقضى بها فيرجّح من إليه معاقد القمط لو تنازعا (في الخصّ) بالضمّ وهو البيت الذي يُعمل من القَصَب ونحوه على المشهور بين الأصحاب، ومنهم من جعل حكم الخصّ كالجدار بين الملكين (٣) وهو الموافق للأصل.

__________________

(١) بالضمّ والتشديد: البيت من قصب أو شجر.

(٢) كذا في المخطوطات، وفي (ر) : غيرهما.

(٣) مثل فخر المحققين في الإيضاح ٢:١١٢ وهو الظاهر من الصيمري في غاية المرام ٢:٢٢٨، ومن ابن فهد في المهذّب ٤:٤٨٨، والمقتصر:٣٨٢، وراجع للتفصيل مفتاح الكرامة ٥:٥٠٨.

٤٥٠

كتاب الشركة

٤٥١
٤٥٢

(كتاب الشَرِكة)

بفتح الشين فكسر الراء، وحكي فيها كسرُ الشين فسكون الراء (وسببها قد يكون إرثاً) لعين أو منفعة أو حقّ، بأن يرثا مالاً أو منفعة دار استأجرها مورثهم أو حقّ شفعة وخيار (وعقداً) بأن يشتريا داراً بعقد واحد، أو يشتري كلّ واحد منهما جزءاً مشاعاً منها ولو على التعاقب، أو يستأجراها، أو يشتريا بخيار لهما (وحيازة) لبعض المباحات (دفعةً) بأن يشتركا في نصب حبالة ورمي‌سهم مثبت فيشتركان في ملك الصيد. ولو (١) حاز كلّ واحد شيئاً من المباح منفرداً عن صاحبه اختصّ كلّ بما حازه إن لم يكن عمل كلّ واحد بنيّة الوكالة عن صاحبه في تملّك نصف ما يحوزه، وإلّا اشتركا أيضاً على الأقوى، فالحيازة قد توجب الاشتراك مع التعاقب، وقد لا توجبه في الدفعة (ومزجاً) لأحد ماليهما بالآخر بحيث (لا يتميّز) كلّ منهما عن الآخر بأن يكونا متّفقين جنساً ووصفاً، فلو امتزجا بحيث يمكن التمييز (٢) وإن عسر كالحنطة بالشعير أو الحمراء من الحنطة بغيرها أو الكبيرة الحبّ بالصغيرة ـ ونحو ذلك ـ فلا اشتراك. ولا فرق هنا بين وقوعه اختياراً واتّفاقاً.

__________________

(١) في (ر) : فلو.

(٢) في (ع) و (ش) : التميز.

٤٥٣

(والشَرِكة * قد تكون عيناً) أي في عين، كما لو اتّفق الاشتراك بأحد الوجوه السابقة في شيء من أعيان الأموال (ومنفعة) كالاشتراك في منفعة دار استأجراها أو عبد اُوصي لهما بخدمته (وحقّاً) كشفعة وخيار ورهن. وهذه الثلاثة تجري في الأوّلين، وأمّا الأخيران فلا يتحقّقان إلّافي العين. ويمكن فرض الامتزاج في المنفعة، بأن يستأجر كلّ منهما دراهم للتزيّن بها ـ حيث نجوّزه ـ متميّزة ثم امتزجت بحيث لا تتميّز.

(والمعتبر) من الشركة شرعاً عندنا (شركة العنان) بكسر العين، وهي شركة الأموال، نُسبت إلى العنان ـ وهو سير اللجام الذي يمسك به الدابّة ـ لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرّف، واستحقاق الربح على قدر رأس المال كاستواء طرفي العنان، أو تساوي الفارسين فيه إذا تساويا (١) في السير، أو لأنّ كلّ واحد منهما يمنع الآخر من التصرّف حيث يشاء كما يمنع العِنانُ الدابّةَ، أو لأنّ الأخذ بعنانها يحبس إحدى يديه عليه ويطلق الاُخرى كالشريك يحبس يده عن التصرّف في المشترك مع انطلاق يده في سائر ماله.

وقيل: من «عنّ» إذا ظهر؛ لظهور مال كلّ من الشريكين لصاحبه، أو لأنّها أظهر أنواع الشركة (٢) وقيل: من المعانّة وهي المعارضة؛ لمعارضة كلّ منهما بما أخرجه الآخر (٣).

(لا شركة الأعمال) بأن يتعاقدا على أن يعمل كلّ منهما بنفسه ويشتركا

__________________

(*) في (ق) ونسخة بدل (س) : المشترك.

(١) لم يرد (إذا تساويا) في (ش).

(٢) نقله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢١٩ بلفظ (وقيل) ولكن لم نعثر على القائل.

(٣) اُنظر تاج العروس ٩:٢٨٢، ونقله الشيخ في المبسوط ٢:٣٤٧ بلفظ (وقيل).

٤٥٤

في الحاصل، سواء اتّفق عملهما قدراً ونوعاً أم اختلف فيهما أم في أحدهما، وسواء عملا في مال مملوك أم في تحصيل مباح؛ لأنّ كلّ واحد (١) متميّز ببدنه وعمله فيختصّ بفوائده، كما لو اشتركا في مالين وهما متميّزان.

(و) لا شركة (المفاوضة) * وهي أن يشترك شخصان فصاعداً بعقد لفظيّ على أن يكون بينهما ما يكتسبان ويربحان ويلتزمان من غرم ويحصل لهما من غُنم، فيلتزم كلّ منهما للآخر مثل ما يلتزمه من أرش جناية وضمان غصب وقيمة مُتلف وغرامة ضمان وكفالة، ويقاسمه فيما يحصل له من ميراث أو يجده من رِكاز ولقطة، ويكتسبه في تجارة، ونحو ذلك.

ولا يستثنيان من ذلك إلّاقوت اليوم وثياب البدن وجارية يتسرّى بها، فإنّ الآخر لا يشارك فيها. وكذا يستثنى في هذه الشركة من الغرم: الجناية على الحرّ وبذل الخلع والصداق إذا لزم أحدهما.

(و) لا شركة (الوجوه) وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما بعقد لفظيّ ليبتاعا في الذمّة على أنّ ما يبتاعه كلّ منهما يكون بينهما فيبيعان ويؤدّيان الأثمان، وما فضل فهو بينهما. أو أن يبتاع وجيه في الذمّة ويفوّض بيعه إلى خامل، على أن يكون الربح بينهما. أو أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل ويكون المال في يده لا يُسلّمه إلى الوجيه، والربح بينهما. أو أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح، ليكون بعضه له.

وهذه الثلاثة بمعانيها عندنا باطلة.

(و) المشتركان شركة العِنان (يتساويان في الربح والخسران مع

__________________

(١) في (ر) زيادة: منهما.

(*) في (ق) و (س) : والوجوه والمفاوضة.

٤٥٥

تساوي المالين. ولو اختلفا) في مقدار المال (اختلف) الربح بحسبه.

والضابط: أنّ الربح بينهما على نسبة المال متساوياً ومتفاوتاً، فلو عبّر به لكان أخصر وأدلّ على المقصود؛ إذ لا يلزم من اختلاف الربح مع اختلاف المالين كونه على النسبة.

(ولو شرطا غيرهما) أي غير التساوي في الربح على تقدير تساوي المالين ـ بأن شرطا فيه تفاوتاً حينئذٍ ـ أو غير اختلاف استحقاقهما في الربح مع اختلاف المالين كميّةً (فالأظهر البطلان) أي بطلان الشرط، ويتبعه بطلان الشركة بمعنى الإذن في التصرّف، فإن عملا كذلك فالربح تابع للمال وإن خالف الشرط، ويكون لكلّ منهما اُجرة عمله بعد وضع ما قابل عمله في ماله.

ووجه البطلان بهذا الشرط أنّ الزيادة الحاصلة في الربح لأحدهما ليس في مقابلها عوض، ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة لتُضمّ إلى أحد العوضين، ولا اقتضى تملّكها عقدُ هبة، والأسباب المثمرة للملك معدودة وليس هذا أحدها، فيبطل الشرط ويتبعه العقد المتضمنّ للإذن في التصرّف؛ لعدم تراضيهما إلّاعلى ذلك التقدير ولم يحصل. وينبغي تقييده بعدم زيادة عملٍ ممّن شرطت له الزيادة، وإلّا اتّجه الجواز.

وقيل: يجوز مطلقاً؛ لعموم الأمر بالوفاء بالعقود (١) والمؤمنون عند شروطهم (٢) وأصالةِ الإباحة، وبناءِ الشركة على الإرفاق، ومنه موضع النزاع (٣).

__________________

(١) المائدة:١.

(٢) الوسائل ١٥:٣٠، الباب ٢٠ من أبواب المهور، الحديث ٤.

(٣) قاله السيد المرتضى في الانتصار:٤٧٠ ـ ٤٧١، المسألة ٢٦٥، والعلّامة ووالده وولده في المختلف ٦:٢٣١، والإيضاح ٢:٣٠١، وابن فهد في المقتصر:١٩٩، والصيمري في غاية المرام ٢:٢٣٤ ـ ٢٣٥.

٤٥٦

(وليس لأحد الشركاء التصرّف) في المال المشترك (إلّابإذن الجميع) لقبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه عقلاً وشرعاً (ويقتصر من التصرّف على المأذون) على تقدير حصول الإذن (فإن تعدّى) المأذون (ضمن).

واعلم أنّ الشركة كما تُطلق على اجتماع حقوق المُلّاك في المال الواحد على أحد الوجوه السابقة، كذلك تُطلق على العقد المثمر جواز تصرّف المُلّاك في المال المشترك، وبهذا المعنى اندرجت الشركة في قسم العقود وقبلت الحكم بالصحّة والفساد، لا بالمعنى الأوّل. والمصنّف رحمه الله أشار إلى المعنى الأوّل بما افتتح به من الأقسام، وإلى الثاني بالإذن المبحوث عنه هنا.

(ولكلّ) من الشركاء (المطالبة بالقسمة، عرضاً) بالسكون وهو ما عدا النقدين (كان المال، أو نقداً).

(والشريك أمين) على ما تحت يده من المال المشترك المأذون له في وضع يده عليه (لا يضمن إلّابتعدّ) وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال (أو تفريط) وهو التقصير في حفظه وما يتمّ به صلاحه (ويقبل يمينه في التلف) لو ادّعاه بتفريط وغيره (وإن كان السبب ظاهراً) كالحرق والغَرَق. وإنّما خصّه لإمكان إقامة البيّنة عليه، فربما احتمل عدم قبول قوله فيه كما ذهب إليه بعض العامة (١) أمّا دعوى تلفه بأمر خفيّ كالسَرَق فمقبول إجماعاً.

(ويُكره مشاركة الذمّيّ وإبضاعه) وهو أن يدفع إليه مالاً يتّجر فيه والربح لصاحب المال خاصّة (وإيداعه) لقول الصادق عليه السلام: «لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمّيّ، ولا يُبضعه بضاعة، ولا يُودعه وديعة،

__________________

(١) قاله الشيرازي صاحب المهذّب وشارحه النووي، اُنظر المجموع ١٤:٧٦. وانظر مغني المحتاج ٢:٢١٦.

٤٥٧

ولا يصافيه المودّة» (١).

(ولو باع الشريكان سِلعةً صفقةً، وقبض أحدهما من ثمنها شيئاً شاركه الآخر فيه) على المشهور، وبه أخبار كثيرة (٢) ولأنّ كلّ جزءٍ من الثمن مشترك بينهما، فكلّ ما حصل منه بينهما كذلك.

وقيل: لا يشاركه؛ لجواز أن يبرئ الغريم من حقّه ويصالحه عليه من غير أن يسري إلى الآخر، فكذا الاستيفاء، ولأنّ متعلّق الشركة هو العين وقد ذهبت، والعوض أمر كلّي لا يتعيّن إلّابقبض المالك أو وكيله، ولم يتحقّق هنا بالنسبة إلى الآخر؛ لأنّه إنّما قبضه لنفسه (٣).

وعلى المشهور لا يتعيّن على الشريك غير القابض مشاركته، بل يتخيّر بينها وبين مطالبة الغريم بحقّه، ويكون قدر حصّة الشريك في يد القابض كقبض الفضول (٤) إن أجازه ملكه وتبعه النماء، وإن ردّه ملكه القابض، ويكون مضموناً عليه على التقديرين. ولو أراد الاختصاص بالمقبوض بغير إشكال فليبع حقّه للمديون على وجه يسلم من الربا بثمن معيّن فيختصّ به، وأولى منه الصلح عليه، أو يُبرئه من حقّه ويستوهب عوضه، أو يحيل به على المديون، أو يضمنه له ضامن.

وموضع الخلاف مع حلول الحقّين، فلو كان أحدهما مؤجّلاً لم يشارك

__________________

(١) الوسائل ١٣:١٧٦، الباب ٢ من أحكام الشركة، الحديث الأوّل.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:١٧٩، الباب ٦ من أبواب الشركة، و ١٥٩، الباب من أحكام الضمان، و ١١٦، الباب ٢٩ من أبواب الدين، الحديث الأوّل.

(٣) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٤٠٢ ـ ٤٠٣، وقوّاه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٣٩.

(٤) في (ر) : الفضولي.

٤٥٨

فيما قبضه الآخر قبل حلول الأجل.

واحترز ببيعهما صفقة عمّا لو باع كلّ واحد نصيبه بعقد وإن كان لواحد. كما لا فرق في الصفقة بين كون المشتري واحداً ومتعدّداً؛ لأنّ الموجب للشركة هو العقد الواحد على المال المشترك. وفي حكم الصفقة ما اتّحد سبب شركته، كالميراث والإتلاف والاقتراض من المشترك.

(ولو ادّعى المشتري) من المشتركين المأذونين (شراء شيء لنفسه أولهما حلف) وقُبل بيمينه؛ لأنّ مرجع ذلك إلى قصده وهو أعلم به، والاشتراك لا يعيّن التصرّف بدون القصد، وإنّما لزمه الحلف ـ مع أنّ القصد من الاُمور الباطنة التي لا تُعلم إلّامن قبله ـ لإمكان الاطّلاع عليه بإقراره.

٤٥٩
٤٦٠