بدأت الحرب واضطررنا تحت وابل القصف العراقي الشديد إلى مغادرة خرّمشهر صوب «سربندر» القريبة من ميناء ماهشهر ، أسكنونا البيوت الجاهزة ، وكنّا نقف في الصفوف الطويلة لاستلام وجبات الغذاء وأصوات القصف والطائرات في مسمعنا ، وذات مرّة تعرّضت «سربندر» إلى قصف شديد ، اُصيبت بسببه اُختنا بحالة مرضيّة تجعلها تختنق اختناقاً شديداً ثم تسقط فجأةً ، واستمرّ معها هذا المرض طويلاً ، ولم تشف منه إلاّ بعد فترة ..
بقينا شهراً أو أكثر في منطقة «سربندر» عانينا خلالها معاناةً شديدة ، غادرنا بعدها إلى مدينة قم المقدّسة ..
حطّ رحلنا في مدينة قم المقدّسة في الشهر الحادي عشر عام ١٩٨٠ م ، واستقرّ بنا المقام في إحدى مقابرها ، نعم سكنّا غرفة تضمّ مجموعة قبور موتى ، وهذه الغرفة واحدة من عشرات غرف الموتى التي تضمّها مقبرة «الحاج حسين» في «شارع أراك» ، كنّا ننام ونأكل ونجلس والموتى أسفلنا .. واجهنا أيّاماً مريرة جدّاً زاد من مرارتها الفقر الذي آلمنا كثيراً وكاد أن يُسقِط شخصيّتنا في مستنقع الذلّة والانحراف .. غالب الناس كانوا ينظرون لنا بعين الشفقة والاستصغار ، وليلة الجمعة كانت ليلة هامّة لأكثرنا ، حيث تأتي العوائل الطهرانيّة لتتصدّق على متضرّري الحرب بالمال والمأكل والملبس!! ولستُ أنسى تلك المرأة التي قصدت والدي وعمّي رحمهما الله لتعطيهما مبلغاً زهيداً ، يا لها من لحظات عجيبة ، فهذا الرجل التاجر ـ والدي ـ الذي كان ينفق أمواله على الفقراء والمحتاجين
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
