الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

نعم قد يستفاد من دليل الحكم ترتّبه على العنوان الملازم أو المنتزع عمّا يمكن إحرازه بضمّ الوجدان بالأصل ، لا على نفسه (١) ، فلا يترتّب على مؤدّى الأصل حينئذ أثر شرعي أصلا ، إذ ليس هو حينئذ إلاّ جزءا من العنوان الملازم تحقّقه لتحقّق الموضوع ، دون نفس الموضوع (٢).

وهذا نظير (٣) ما ذكروه من جريان استصحاب الشهر السابق بالنسبة إلى يوم الشكّ ، ومنع ترتّب أحكام أوّل الشهر على ما بعده (٤) ، نظرا إلى عدم كون الأوّليّة عنوانا مركّبا من * العدم‌

__________________

(١) أي : على نفس ما يمكن إحرازه بالضمّ المذكور.

(٢) أي : ليس مؤدّى الأصل جزءا من نفس الموضوع ، لأنّ الموضوع ـ حسب الفرض ـ عنوان بسيط لا جزء له ، وإنّما هو جزء من العنوان المركّب الملازم للموضوع ، فلا يجدي الأصل لإحرازه إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت.

(٣) لا يخفى مغايرة كلّ من الأمثلة الثلاثة للآخر في نوعه ، وانحصار الأنواع فيها (٢) ( منه قدس‌سره ).

(٤) أي : بعد يوم الشكّ ، فلا يترتّب على هذا الاستصحاب سوى آثار الشهر السابق من وجوب الصوم ونحوه.

__________________

(١) الموجود في الطبعة الأولى ( عن ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٨١

السابق والوجود اللاحق (١) ، كي يندرج فيما يحرز أحد جزءيه بالوجدان والآخر بالأصل (٢) وإنّما هو عنوان ثانويّ ينتزع عن الوجود المسبوق بالعدم (٣) ، فليس مؤدّى الأصل ـ حينئذ ـ إلاّ جزءا من العنوان الملازم للموضوع (٤) دون نفسه (٥) ـ كما لا يخفى.

وما ذكروه من عدم كفاية استصحاب رطوبة أحد المتلاقيين إذا كان نجسا في تنجّس الآخر ، نظرا إلى عدم ترتّب التنجيس على نفس تماسّ الجسمين عند رطوبة أحدهما ، كي تكون نفس الرطوبة ـ حينئذ ـ جزءا من موضوع الحكم فيجري فيه ما تقدّم (٦) ، وإنّما‌

__________________

(١) أي : من عدم كون اليوم السابق من الشهر وكون اليوم اللاحق منه.

(٢) إذ يحرز كون اليوم اللاحق من الشهر الجديد بالوجدان ، للعلم بعدم زيادة الشهر على ثلاثين ، كما ويحرز عدم كون اليوم السابق من هذا الشهر بالاستصحاب.

(٣) فهو عنوان بسيط منتزع من المركّب المتقدّم ذكره ، وليس هو نفس المركّب ، هذا. والوجود المسبوق بالعدم عبارة أخرى عمّا ذكر آنفا من العدم السابق والوجود اللاحق ، وليس مغايرا له.

(٤) أي : جزءا من العنوان المركّب المذكور الملازم للعنوان الانتزاعيّ المفروض موضوعيّته للحكم ، والمنشأ لانتزاعه.

(٥) أي : ليس جزءا لنفس الموضوع.

(٦) من اندراجه في الموضوع المركّب المحرز أحد جزءيه ـ وهو تماسّ‌

٣٨٢

يترتّب هو على تأثّر أحدهما عن الآخر وسراية رطوبته إليه ، وهو مسبّب عمّا يمكن إحرازه بضمّ الوجدان بالأصل (١) ، لا نفسه (٢) ـ كما قد عرفت.

وما ذكروه في باب الجماعة من ترتّب إدراك الركعة على إدراك (١) الإمام في الركوع ، ومنع كفاية الأصل في إحرازه (٣) ، نظرا إلى ترتّبه في لسان الدليل على ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه (٤) ، لا‌

__________________

الجسمين ـ بالوجدان ، والآخر ـ وهو رطوبة أحدهما ـ بالأصل ، هذا.

وترتّب التنجيس على ما ذكر هو أحد القولين في المسألة وفي قبالة القول الآخر ـ الآتي.

(١) فإنّ التماسّ مع الرطوبة سبب تكوينيّ للتأثّر والسراية ، واستصحاب السبب التكويني أو جزئه لا يكفي في إحراز مسبّبه إلاّ على الأصل المثبت.

(٢) أي : وليس هو نفس ما يمكن إحرازه بالضمّ المذكور ـ كما على الوجه الأوّل.

(٣) أي : في إحراز إدراك الإمام في الركوع ، والأصل هنا هو استصحاب بقاء الإمام راكعا إلى حين وصول المأموم إلى حدّ الركوع.

(٤) ففي صحيحة الحلبي : « إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبّرت وركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة ـ الحديث ـ » ، ونحوها غيرها ، راجع الباب ٤٥ من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل ، وظاهرها أنّ‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( ترتب إدراك الركعة بإدراك ) والصحيح إمّا ( تحقّق ) بدل ( ترتب ) أو ( على ) بدل الباء.

٣٨٣

على الركوع في ظرف ركوعه كي يندرج فيما يحرز أحد جزءيه بالوجدان والآخر بالأصل.

لكن لا يخفى ابتناء ذلك على ظهور القبليّة في لسان الدليل في كونها عنوانا للموضوع (١) ، لا تحديدا له ، وإلاّ فيندرج فيما ذكرنا ، ويجري فيه ما تقرّر في حكم الحادثين اللذين يشكّ في بقاء أحدهما عند تحقّق الآخر ، أو عدم تحقّقه إلاّ بعد ارتفاعه (٢) ،

__________________

إدراك الإمام في الركوع الذي به يتحقّق إدراك الركعة إنّما يتحقّق بركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه ، لا بمجرّد ركوعه في ظرف ركوعه ـ نظير الصلاة في ظرف الطهارة ـ كي يندرج فيما يحرز أحد جزءيه ـ وهو ركوع المأموم ـ بالوجدان والآخر ـ وهو بقاء ركوع الإمام إلى حين ركوع المأموم ـ بالأصل. فالقبليّة مأخوذة في موضوع الحكم وهي كالتقدّم والتأخّر والتقارن عنوان بسيط ينبئ عن الإضافة الخاصّة الحاصلة بين ركوع المأموم ورفع الإمام رأسه ، وليس لها حالة سابقة لتستصحب ، وأصالة بقاء الإمام راكعا إلى حين ركوع المأموم إنما تجدي ـ كما عرفت ـ لإحراز ركوع المأموم في ظرف ركوع الإمام ، والمفروض أنّه ليس هو موضوع الحكم بل ملازم لموضوعه ، فلا يثبت بها إلاّ على القول بحجيّة الأصول المثبتة.

(١) بأن تكون بعنوانها مأخوذة في الموضوع ، أمّا إذا كانت معرّفة له مسوقة لتحديده وبيان أنّ إدراك الركعة إنما يتحقّق بإدراك الإمام في الركوع واجتماعهما في هذا الحال ـ الحاصل بركوع المأموم قبل رفع الإمام رأسه ـ خرج عنوان القبليّة عن الموضوعيّة ، واندرج المورد في الموضوعات المركّبة الممكن إحراز بعض أجزائها بالوجدان والآخر بالأصل.

(٢) أي : عدم تحقّق الآخر إلاّ بعد ارتفاع الأوّل ، وإنّما عبّر قدس‌سره كذلك ولم‌

٣٨٤

ويختلف مجرى الأصل ـ حينئذ ـ باختلاف حال المأموم (١) وإحرازه لأيّ الأمرين من ركوعه أو آخر جزء من ركوع الإمام في زمان خاص وشكّه في الآخر * ، وعدم إحرازه لشي‌ء منهما إلاّ بعد حين ـ حسبما حرّر في محلّه.

وبالجملة : فالضابط الذي يدور جريان الأصل لإحراز بعض‌

__________________

يقل : ( أو عدم بقائه عند تحقّقه ) رعاية للتعبير بالحالة السابقة التي يجري فيها الاستصحاب من الجانبين وهما : استصحاب بقاء أحد الحادثين عند تحقّق الآخر ، واستصحاب عدم تحقّق الآخر إلاّ بعد ارتفاع الأوّل.

(١) فإنّ المختار في هذا الباب ـ على ما حقّق في محلّه ـ جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ دون معلومة ، فإذا علم زمان موت المورّث دون زمان إسلام وارثه فشكّ في بقاء كفره إلى زمان الموت أو عدم بقائه ـ بأن أسلم قبل الموت ـ استصحب البقاء فلا يرث ، وإذا انعكس الأمر فعلم زمان الإسلام دون زمان الموت فشكّ في تحقّق الموت حال الكفر أو عدم تحقّقه إلاّ بعد الإسلام استصحب عدم تحقّقه فيرث. والمقام ـ بناء على المعرفيّة وتركّب الموضوع ـ من هذا القبيل ، فإذا علم المأموم زمان ركوعه وشكّ في زمان آخر جزء من ركوع الإمام ـ كما هو الغالب ـ جرى استصحاب بقاء ركوع الإمام إلى زمان ركوعه وترتّب عليه إدراكه للركعة ، وإذا علم زمان آخر جزء من ركوع الإمام وشكّ في زمان ركوع نفسه جرى استصحاب عدم ركوعه إلى آخر زمان ركوع إمامه وترتّب عليه عدم إدراكه للركعة ، وإذا جهل الزمانين جرى الاستصحابان وتساقطا بالمعارضة ويحكم عليه حينئذ أيضا بعدم إدراك الركعة.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( الإحراز ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٨٥

الموضوع مداره إنّما هو تركّبه من مؤدّى الأصل وغيره ، ودخله ـ بما هو كذلك ـ فيه بأحد أنحائه (١) ، فلو لم يكن كذلك كأن يكون الموضوع من أصله عنوانا بسيطا ملازما لما يمكن إحرازه بضمّ الوجدان بالأصل ، أو كان مركّبا ولكن لا من نفس مؤدّى الأصل بل من العنوان الملازم له ولغيره ، لم يكن الأصل ـ حينئذ ـ مجديا ـ كما لا يخفى.

بل حيث قد عرفت من مطاوي ما حرّرنا أنّ غاية ما يمكن إحرازه بالأصل إنّما هو بقاء المستصحب إلى منتهى ما يشكّ بقاؤه فيه من زمانه ، دون العناوين الملازمة لذلك ، فالمركّب من العناوين المتباينة التي لا رابط بينها (٢) من غير جهة الزمان إنّما يجدي الأصل في إحرازها مع رجوع الوحدة الاعتباريّة الملحوظة فيها ـ لا محالة (٣) ـ إلى مجرّد اعتبار التحقّق في جزء خاصّ من الزمان (٤) ،

__________________

(١) أي : دخل مؤدّى الأصل بما هو جزء الموضوع في الموضوع بأحد أنحاء الدخل على نحو الجزئيّة ، فإنّ أنحاء تركّب الموضوع مختلفة ، فإمّا مركّب من العرض ومحلّه ، أو من عرضين لمحلّ واحد ، أو لمحلّين ، أو من جوهرين ، أو من جوهر وعرض غير قائم به.

(٢) لا واقعا ولا اعتبارا سوى الرابط الاعتباريّ الزمانيّ ـ وهو الاجتماع في الزمان.

(٣) قيد للملحوظة ، إذ لا مناص من لحاظ الوحدة بين أجزاء المركّب.

(٤) محصّله : أنّ الوحدة الاعتباريّة الملحوظة بين أجزاء الموضوع المركّب ـ التي يجدي الأصل في إحرازها ـ لا بدّ أن ترجع إلى مجرّد الوحدة‌

٣٨٦

دون ما إذا رجع هو إلى اعتبار الربط الثانويّ الحاصل بين نفس الحادثين من جهة الاجتماع في زمان واحد ـ كما لعلّ أن يكون هيئة الحال حكاية عنه (١) ـ ، فإنّه لا سبيل إلى إحرازه بالأصل إلاّ مع سبق تحقّق مجموع العنوان ، ولا يجديه إحراز أحد الأمرين بالأصل ـ مثلا ـ والآخر بالوجدان ، إذ غاية ما يثبت بذلك إنّما هو العنوان الملازم تحقّقه لتحقّق الموضوع ، دون نفسه. ولك إلحاق الموضوع في هذا القسم (٢) أيضا بالعناوين البسيطة الملازمة للمركّبات الممكن (٣) إحرازها‌

__________________

الاعتبارية الزمانيّة بأن يكون مصحّح اعتبار الوحدة بينها هو تحقّق الجميع في زمان واحد ، لا إلى اعتبار أزيد من ذلك كاعتبار ربط خاصّ ثانويّ بينها وراء الربط الزمانيّ العامّ ، وإلاّ فلا مجال لإحرازه بالأصل إلاّ إذا كان لنفس الربط الخاصّ المذكور حالة سابقة ، أمّا في غير هذه الصورة فإحراز ذوات الأجزاء كلا أو بعضا بالأصل لا يجدي لإحرازه إلاّ على القول بحجيّة الأصول المثبتة.

(١) أي : عن اعتبار الربط الثانويّ المذكور ، كما إذا كان الحكم مترتّبا على مجي‌ء زيد راكبا ، فإنّ إحراز مجيئه بالوجدان وركوبه بالأصل ـ مثلا ـ لا يجدي في إحراز الموضوع ـ أعني عنوان المجي‌ء حال الركوب ـ وإن كان ملازما له إلاّ على الأصل المثبت.

(٢) مرجع الإشارة هو اعتبار الربط الثانويّ المذكور. والظاهر أنّ المراد إلحاقه بالأنواع الثلاثة المتقدّمة وإدراجه في النوع الثالث منها ، لكونه عنوانا بسيطا ينبئ عن ربط خاصّ بين حادثين ، نظير القبليّة في المثال المتقدم.

(٣) صفة للمركّبات.

٣٨٧

بضميمة الأصل ـ كما لا يخفى.

الثاني (١) : ـ إنّ القيود المعتبرة في مثل الصلاة ترجع * ـ تارة ـ إلى اعتبار وصف وجوديّ أو عدميّ في المصلّي في ظرف فعل الصلاة ، و ـ اخرى ـ إلى اعتبار ذلك فيما يصلّى فيه ـ مثلا ـ أو عليه ، و ـ ثالثة ـ إلى اعتبار ما ذكر من الخصوصيّة الوجوديّة أو العدميّة في نفس الصلاة ، وإن كان لحوقها بتوسّط المصلّي ـ مثلا ـ ، أو ما يصلّي فيه (٢).

ولا خفاء في جريان الاستصحاب وكفايته في إحراز القيد فيما يرجع إلى أحد القسمين الأوّلين بعد سبق تحقّقه فيما اعتبر تحقّقه فيه من الفاعل ـ مثلا ـ أو لباسه أو الزمان أو المكان (٣) أو غير ذلك ،

__________________

(١) هذا الأمر معقود لبيان أقسام القيود المعتبرة في الصلاة والمختلفة باختلاف ما اعتبر تحقّقها فيه ، والتحقيق حول ما يصحّ استصحابه منها وما لا يصحّ.

(٢) فلا يختصّ هذا القسم بأوصاف الصلاة اللاحقة لها بنفسها من جهر أو إخفات أو موالاة أو ترتيب أو نحوها ، بل يعمّ ما يلحقها بتوسّط المصلّي كالاستقبال بها والستر حالها ونحوهما ، أو بتوسّط ما يصلّي فيه أو عليه كالصلاة في الزمان أو المكان أو اللباس الكذائي ، أو على المصلّى أو المسجد الكذائي.

(٣) كما إذا شكّ المصلّي في بقاء طهارته أو طهارة بدنه أو لباسه ، أو في بقاء الوقت ، أو بقاء إباحة المكان ، أو طهارة مسجد الجبهة أو نحو ذلك ،

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يرجع ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٨٨

لرجوعه إلى إحراز بعض الموضوع بالأصل والآخر بالوجدان ـ كما قد عرفت ـ ، من غير فرق في ذلك بين سبق الالتفات إلى الشكّ ولحوقه (١) مع قطع النظر عن قاعدة الفراغ ، أو يفرض الشكّ فيما لا تجري * هي فيه ولا يعمّه دليلها (٢).

فإنّا وإن اعتبرنا فعليّة الشكّ في مجاري الأصول ولم نقل بكفاية تقديره (٣) في ذلك ، إذ ـ مضافا (٤) إلى عدم أخذه في‌

__________________

فإنّه لا مانع من الاستصحاب لإحراز القيد والتئام الموضوع من ضمّه إلى الوجدان ، لاندراجه فيما تقدّم من ضابط الموضوعات المركّبة المحرزة بالضمّ المذكور.

(١) بأن كان قبل الصلاة ملتفتا إلى شكّه في بقاء القيد فاستصحبه وصلّى ، أو كان غافلا عنه وإنّما التفت إليه بعدها ، فإنّه مع قطع النظر عن قاعدة الفراغ الحاكمة على الاستصحاب أو في مورد لا مجرى لها فيه لا مانع من جريان الاستصحاب حين الالتفات بعد الصلاة وترتيب أثره عليه.

(٢) أي : دليل القاعدة ، وذلك كما على القول باعتبار احتمال الالتفات حين العمل في جريان القاعدة ، إذ عليه لا مجرى لها في محلّ الكلام لأنّ المفروض فيه العلم بالغفلة.

(٣) أي : الشكّ التقديريّ وكونه بحيث لو التفت لشكّ ، مع انتفائه فعلا لغفلته.

(٤) استدلّ قدس‌سره على اعتبار فعليّة الشكّ في مجاري الأصول العمليّة بأمرين :

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يجري ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٨٩

موضوعها إلاّ على هذا الوجه ـ ، فلا يعقل أن يتحقّق نتيجة الجعل الظاهريّ إلاّ بعد فعليّة إحرازه ـ كما حقّق في محلّه ـ ، لكن حيث إنّ غاية ما يقتضيه ذلك (١) إنّما هو عدم كون الطهارة ـ مثلا ـ أو أهليّة البائع لنفوذ التصرّف (٢) محرزة بالأصل عند الغفلة التي هي ظرف‌

__________________

أحدهما : ظهور لفظ الشك ـ المأخوذ موضوعا للأصول في أدلّتها ـ في الشك الفعليّ ، حذو ظهور سائر الألفاظ في تحقّق معانيها بالفعل وعدم كفاية التقدير فيها.

والثاني : أنّ النتيجة المترتّبة على الجعل الظاهريّ والأثر العمليّ المرغوب منه ـ وهو تنجيز الواقع والمعذوريّة عن مخالفته ـ لا يكاد يتحقّق إلاّ بعد فعليّة إحرازه والعلم به وبموضوعه ، فإنّ الحكم الظاهريّ وإن شارك الواقعيّ في امتناع دورانه ـ جعلا ـ مدار العلم به للزوم الدور ، إلاّ أنهما يفترقان في الفعليّة ، فالواقعي يتمّ فعليّته بفعليّة موضوعه علم به المكلّف أم جهل ، وربّما يترتّب عليه آثار بمجرّد فعليّته ـ وإن جهل ـ ، أمّا الظاهري فلا أثر له بواقعة المجهول ، إذ لا يترتّب عليه التنجيز أو التعذير إلاّ بعد العلم به والالتفات إليه.

(١) المشار إليه هو اعتبار فعليّة الشكّ ، ومحصّل المرام : أنّ مقتضى اعتبار فعليّة الشك ليس إلاّ عدم جريان الأصل حال الغفلة ، أمّا بعد زوالها وفعليّة الشك فلا مانع من جريانه وترتيب آثاره الفعليّة عليه ، والمفروض أنّ المورد ممّا يحرز بعضه بالوجدان والآخر بالأصل ، ولا فرق بين الصورتين ـ الالتفات حين العمل أو بعده ـ إلاّ في سبق إحراز الجزء المحرز بالأصل في الأوّل ولحوقه في الثاني ، وهذا لا يصلح أن يكون فارقا فيما هو المهمّ ، ضرورة عدم توقّف ترتب الآثار الفعليّة على سبق الإحراز.

(٢) وذلك فيما إذا كان البائع أهلا للتصرّف سابقا وشك في بقائها حال البيع‌

٣٩٠

فعل الصلاة أو البيع ، لا عدم جريانه لإحرازها فيه (١) بعد فعليّة الشكّ واجتماع أركان الاستصحاب ، فمع ترتّب أثر فعليّ على إحراز القيد في ظرف وقوع المقيّد من جهة الإعادة أو القضاء أو التصرّف في المبيع (٢) ـ مثلا ـ أو غير ذلك ، ووضوح رجوع الأمر في كلتا الصورتين إلى إحراز بعض العنوان بالأصل والآخر بالوجدان (٣) ، واشتراكهما في رجوع التصرّف الظاهريّ فيهما (٤) إلى مرحلة الخروج عن عهدة التكليف وسقوطه ـ مثلا ـ أو تحقّق موضوع الحكم ، فغاية ما هناك من الفرق بينهما إنّما هو سبق إحراز ما يحرز بالأصل في إحداهما ولحوقه في الأخرى ، وهذا ممّا لا يعقل أن يكون فارقا في ذلك.

__________________

(١) أي : ولا يقتضي ذلك عدم جريان الأصل ـ بعد فعليّة الشكّ واجتماع أركان الاستصحاب ـ لإحراز الطهارة أو الأهلية في ظرف الصلاة أو البيع.

(٢) أمثلة للأثر الفعلي المترتّب ـ بعد الفراغ ـ على إحراز تحقّق القيد عند وقوع المقيّد ، فالأثر المترتّب في مثال استصحاب الطهارة هو عدم وجوب إعادة الصلاة أو قضائها ، وفي مثال استصحاب الأهليّة هو صحّة البيع وجواز تصرّف المشتري في المبيع.

(٣) المحرز بالوجدان في المثالين هو الصلاة والبيع.

(٤) أي : اشتراك الصورتين في رجوع التصرّف الظاهريّ فيهما إلى مرحلة سقوط التكليف ـ كما في مثال طهارة المصلّي ـ ، أو إلى مرحلة ثبوته وتحقّق موضوعه ـ كما في مثال أهليّة البائع للتصرّف ـ ، فإنّ استصحاب الأهليّة يصحّح البيع ويحقّق موضوع جواز التصرّف في المبيع.

٣٩١

بل وبعد ما عرفت من دوران الصحّة (١) والإجزاء الظاهريّ المترتّب على الجعل الظاهريّ حدوثا وبقاء مدار وجوده فلا جدوى ـ حينئذ ـ لمجرّد الإحراز السابق (٢) عند سبق الالتفات إلى الشكّ في علاج الشكّ الفعليّ ، ولا غناء به * عن فعليّة جريانه لدفع هذا الشكّ أصلا ، ولا مجرى حينئذ لقاعدة الفراغ ـ مثلا ـ أو أصالة الصحّة في العقود (٣) ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) عرفت ذلك في أواخر البحث عن أصالة الحلّ ، حيث أفاد قدس‌سره هناك أنّ الصحّة والإجزاء الظاهريّ من اللوازم العقليّة المترتّبة على الجعل الظاهريّ ، وأنه ما دام هذا الجعل منحفظا لا يعقل عدم الإجزاء ، وبعد ارتفاعه بانكشاف الخلاف لا يعقل بقاء الإجزاء إلاّ إذا قام عليه دليل خاصّ ، إذن فالصحّة الظاهريّة تدور مدار الجعل الظاهري حدوثا وبقاء.

(٢) محصّله : أنه إذا دار الإجزاء الظاهري مدار الجعل الظاهري حدوثا وبقاء فعند سبق الالتفات إلى الشك وسبق جريان الأصل لإحراز تحقّق القيد حين وقوع المقيّد لا يكفي هذا الإحراز في علاج الشك الفعليّ ـ الحاصل بعد الفراغ والمستمرّ من ذي قبل ـ ، ولا يستغنى به عن جريان الأصل فعلا لدفع هذا الشك بقاء ، إذ لو لم يجر حينئذ لم يكن للجعل الظاهري بقاء فيرتفع الإجزاء بارتفاعه ، وإذ لا مانع بل ولا محيص عن جريان الأصل بعد العمل في صورة سبق الالتفات إلى الشكّ ففي صورة لحوقه أيضا كذلك.

(٣) جواب عن إشكال مقدّر ، وهو أنه كيف يجري الاستصحاب بعد‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( له ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٩٢

فما أفاده بعض (١) مشايخنا المحقّقين ـ قدّس الله تعالى أسرارهم الزكيّة ـ من ( التفصيل بين الصورتين ، نظرا إلى ترتّب جواز الدخول في الصلاة ـ مثلا ـ أو الشراء على سبق إحراز القيد بالأصل وعدم ترتّب أثر عليه عند لحوقه إلاّ وقوع الصلاة ـ مثلا ـ أو البيع عند طهارة المصلّي ونفوذ تصرّف البائع ـ مثلا ـ ، أو صحّة الصلاة أو البيع الواقع حال الغفلة ، وكلّ منهما (٢) من اللوازم الغير الشرعيّة ) ممّا لا يليق بأنظاره العالية ، ضرورة أنّ الجواز (٣) المدّعى ترتّبه على سبق إحراز القيد إنّما يراد به في مثل المقام بالمعنى الوضعيّ المقابل لفساد العبادة ـ مثلا ـ أو المعاملة ، والمساوق لمضيها من حيث (٤) الخروج عن عهدة التكليف ـ مثلا ـ أو ترتّب‌

__________________

(١) هو شيخنا العلاّمة الأوّاه الميرزا الرشتي ـ طاب ثراه ـ ( منه قدس‌سره ).

__________________

الفراغ من العمل مع أنّ المورد في مثال الصلاة مجرى لقاعدة الفراغ ، وفي مثال البيع مجرى لأصالة الصحّة وهما حاكمتان على الاستصحاب ، وجوابه أنه يختص موردهما بالشك الحادث بعد الفراغ غير المسبوق به حين الفعل ، والشك في المقام مسبوق به ومستمرّ من قبل ، فلا حاكم على الاستصحاب.

(١) أي من وقوع الصلاة أو البيع واجدا لقيده ، وصحّته.

(٢) وهو جواز الدخول في الصلاة أو جواز الشراء.

(٣) متعلّق ـ بـ ( مضيّها ) ، فإنّ مقتضى جواز العبادة ومضيّها الخروج عن عهدة التكليف بها وسقوط الإعادة والقضاء ، كما أنّ مقتضى صحّة المعاملة ونفوذها ترتّب الأثر المعاملي عليها.

٣٩٣

الأثر * المعامليّ ، دون التكليفيّ المقابل لحرمتها الذاتيّة ـ مثلا ـ أو التشريعيّة ، وإلاّ لقلّ الجدوى فيه (١) ولم يجد في إحراز متعلّق التكليف أو موضوع الحكم إلاّ على القول بحجيّة الأصل المثبت ـ حسبما تقدّم الكلام فيه ـ ، وهو بهذا المعنى (٢) ممّا لا يعقل فرق ـ في ترتّبه على إحراز القيد بالأصل ـ بين الصورتين.

وبعبارة أخرى نقول : بعد فرض توقّف الخروج عن عهدة التكليف ـ مثلا ـ أو ترتّب الأثر المعامليّ على تحقّق العنوان المركّب من مجموع الأمرين ، فإحراز هذا العنوان ممّا لا مناص عنه على كلّ تقدير ، وحينئذ فإن كان إحراز بعضه بالوجدان ـ مثلا ـ

__________________

(١) أي : لو أريد بالجواز المدّعى ترتّبه على الأصل ـ في صورة سبق الالتفات ـ الجواز التكليفي الذاتي أو التشريعي ، دون مضيّ العمل وصحّته لعلّ الجدوى في إجراء الأصل ، فإنّ إجراءه لإحراز إباحة الدخول في الصلاة أو الشراء تكليفا لا يجدي فيما هو المهمّ من إحراز تحقّق متعلق التكليف أو موضوع الوضع إلاّ على الأصل المثبت ، فإنّ تحقّق المتعلّق أو الموضوع ملزوم للحلّية المذكورة ، فهو نظير ما مرّ من أنّ إحراز حلّية الصلاة في المشتبه ذاتا أو تشريعا بالأصل لا يجدي في إحراز عدم مانعيّة المشتبه إلاّ على المبنى المذكور.

(٢) أي : والجواز بمعناه الوضعيّ المساوق للصحّة والمضيّ والمترتّب على الأصل لا يعقل أن يفرّق في ترتّبه على إحراز القيد بالأصل بين صورتي سبق الالتفات ولحوقه.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( أثر ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٩٤

والآخر بالأصل كافيا في ذلك (١) كما حقّقناه وأوضحنا * أنّه لا مساس له (٢) بباب اللوازم الغير الشرعيّة لم يعقل في ذلك فرق بين الصورتين ، وإلاّ فكذلك ، والتفصيل بينهما في ذلك (٣) ممّا لا يمكننا المساعدة عليه.

وكذلك الحال فيما أفاده أخيرا من عدّ الصحّة الظاهريّة من اللوازم العقليّة الغير المترتّبة على الجعل الظاهريّ ، إذ هو ـ مع ما فيه من الخلط بين الصحّة الواقعيّة التي هي من خواصّ الإتيان بنفس المطلوب الواقعيّ (٤) ، والظاهريّة التي هي من لوازم نفس الجعل الظاهريّ (٥) وفائدته التي لا يعقل عدم ترتّبها عليه عند انحفاظه‌

__________________

(١) أي : في إحراز العنوان المركّب ليترتّب عليه الخروج عن عهدة التكليف والأثر المعاملي.

(٢) أي : لإحراز المتعلّق أو الموضوع المركّب بإحراز بعضه بالوجدان والآخر بالأصل.

(٣) أي : في كفاية ذلك في إحراز المركّب بالبناء على الكفاية في صورة سبق إحراز القيد ، وعدمها في صورة اللحوق ـ كما عن المحقّق المذكور.

(٤) فإنّها تنتزع من انطباق المأتيّ به على المأمور به الواقعي ويتّصف هو بها بهذا الاعتبار ، والانطباق أمر تكوينيّ عقليّ لا مدخل للشرع فيه ، فالصحّة الواقعية من اللوازم غير الشرعية.

(٥) فإنّ مقتضى الجعل الظاهريّ بلسان أمارة أو أصل هو صحّة العمل‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( أوضحناه ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٩٥

ـ حسبما مرّ الكلام فيه ـ ، مدفوع بأنّ صحّة العمل سواء أريد بها تماميّته بما اعتبر فيه من الأجزاء والقيود المعلوم اعتبارها فيه ، أو كونه موافقا للأمر ـ مثلا ـ ، أو ما يساوق ذلك (١) ـ ولو باعتبار حكم الشارع بأنّه كذلك (٢) ـ ممّا لا مناص (٣) في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم توجّهه إلى المكلّف عن إحرازها (٤) على كلّ تقدير ، وحينئذ فإن كان إحراز بعض المركّب بالأصل والآخر بالوجدان مجديا في ذلك (٥) لم يعقل فيه فرق بين الصورتين ، أو لا‌

__________________

المأتي به على طبقه وتماميّته ـ شرعا ـ ومطابقته ـ كذلك ـ للواقع ، بل الهوهويّة بينهما بحكم الشارع ، ولازمه إجزاؤه عن الواقع ما دام الجعل المذكور منحفظا لم ينكشف خلافه ـ حسبما مرّ تحقيقه في أواخر المقام المتقدّم ـ ، وهذا من اللوازم العقليّة القهريّة للجعل الشرعي وآثاره التي لا تكاد تنفكّ وتنسلخ عنه ولا يعقل عدم ترتّبها عليه ، إذ بدونه يلغو الجعل ويسقط عن الفائدة رأسا ، وبهذا الاعتبار يصحّ دعوى مجعوليّة الصحّة الظاهريّة بمعنى تبعيّتها للجعل التشريعي ولزومها له وترتّبها عليه ، وتفترق بذلك عن الصحّة الواقعيّة.

(١) إشارة إلى الوجوه والأقوال المختلفة في تفسير مفهوم الصحّة ، وتفصيله مذكور في محلّه من الأصول.

(٢) أي : بأنه تامّ أو موافق للأمر أو نحو ذلك ، وذلك في موارد الصحّة الظاهريّة الآنفة الذكر.

(٣) خبر لـ ( أنّ ).

(٤) أي : إحراز صحّة العمل ، ضرورة أنّ الخروج عن العهدة فرع الإتيان بالعمل الصحيح التامّ ومسبب عنه ، فإحرازه فرع إحرازه.

(٥) أي : في إحراز الصحّة.

٣٩٦

فكذلك ، فالتفصيل بينهما من هذه الجهة (١) أيضا (٢) ممّا لا يرجع إلى محصّل ، وحريّ لأن يعدّ من كبوة الجواد.

وأمّا القسم الثالث : ـ فلا يخلو إمّا أن يكون القيد حاصلا من أوّل الشروع ثم يشكّ في ارتفاعه في الأثناء (٣) ، أو يكون مشكوك الحصول من أوّل الأمر.

أمّا الأوّل : فإن قلنا (٤) بكفاية الوحدة الاعتباريّة الملحوظة في‌

__________________

(١) أي : من جهة كون إحراز بعض المركّب بالأصل والآخر بالوجدان مجديا في إحراز الصحّة أو لا.

(٢) يعني : كالجهة المتقدّم ذكرها وهي جهة كون الإحراز الائتلافي مجديا في إحراز العنوان المركّب المتعلّق للتكليف أو الموضوع للحكم.

(٣) كما إذا فرض كون الستر أو الاستقبال معتبرا في الصلاة نفسها ، فدخل فيها ساترا أو مستقبلا ثمّ شكّ أثناءها في بقائه.

(٤) محصّل ما أفاده قدس‌سره في هذا المقام : أنّ جريان الاستصحاب في هذا النحو من القيود يتوقّف على تماميّة أمرين :

الأوّل ـ كون المركّبات الاعتباريّة المختلفة الأجزاء ـ كالصلاة ونحوها ـ على غرار المركّبات المتشابهة الأجزاء من مثل التكلّم والمشي ونحوهما مندرجة في كبرى الأمور التدريجيّة المبنيّة على التقضّي والتصرّم مع انحفاظ وحدتها الاتصاليّة العرفيّة الموجبة لاعتبارها باقية ـ وإن تبادلت أجزاؤها وانعدم بعض وحدث بعض آخر ـ فيتّحد بذلك متعلّق الشك واليقين فيها ويصحّ الاستصحاب ، واندراج تلك المركّبات فيما ذكر إنّما يتمّ بالقول بكفاية الوحدة الاعتباريّة الملحوظة فيها والهيئة الاتصاليّة القائمة بموادّ أجزائها المختلفة في حفظ وحدتها العرفيّة واتحاد القضيّة‌

٣٩٧

المركّبات الاعتباريّة والهيئة الاتصاليّة القائمة بموادّ أجزائها في اتحاد متعلّق الشكّ واليقين عرفا ، على حدّ غيرها من التدريجيّات (١) المبنيّة على التقضّي والتصرّم مع انحفاظ وحدتها الاتصاليّة الموجبة لاعتبار البقاء في الآن الثاني ، دون الحدوث والانعدام (٢) ، والتزمنا بموضوعيّتها (٣) ـ بهذا الاعتبار ـ لما اعتبر‌

__________________

المتيقّنة والمشكوكة فيها ـ حذو التدريجيّات المتناسقة الأجزاء كما سمعت.

والثاني ـ الالتزام بكون هذه المركّبات باعتبار هيئتها الاتصاليّة المذكورة موضوعا لما اعتبر فيها من القيود الوجوديّة والعدميّة ، لا باعتبار أجزائها المتنوّعة وأفعالها المتباينة ، إذ لو كانت معتبرة في موادّ الأجزاء نفسها وعلم باشتمال الجزء السابق عليها وشكّ في اللاحق لم يكن البناء على وجودها فيه إبقاء لما كان وإبراما لليقين السابق ، بل إحداث لما لم يكن وهو بمعزل عن الاستصحاب ، لاختلاف موضوعي المتيقّن والمشكوك ، وهذا بخلاف ما إذا كان محلّ اعتبارها هي الهيئة الاتصاليّة والكون الصلاتيّ المستمرّ ، لوحدة موضوع المستصحب حينئذ ، وبقائه في حالتي الشك واليقين ، فيقال : كانت الهيئة الاتصاليّة واجدة لكذا أو فاقدة له ونشكّ في بقائها على هذه الصفة فيستصحب.

(١) يعني : لمّا كانت الوحدة الاتصاليّة في التدريجيّات المتناسقة الأجزاء تكفي في اتحاد متعلّق الشك واليقين عرفا ـ المعتبر في جريان الاستصحاب ـ فإن ألحقنا المركّبات الاعتباريّة بها وقلنا بكفاية الوحدة الاعتباريّة الملحوظة فيها في ذلك أمكن الاستصحاب ، وإلاّ فلا.

(٢) أي : لا أنه في الآن الثاني ينعدم شي‌ء ويحدث شي‌ء آخر.

(٣) هذا ثاني الأمرين المتوقّف عليهما جريان الاستصحاب في المقام ،

٣٩٨

فيها من القيود ، لا موضوعيّة أفعالها بما هي متعدّدة متباينة ، اتّجه التمسّك بالاستصحاب ـ حينئذ ـ في جميع صور الشكّ في ارتفاع القيد الوجوديّ أو العدميّ في الأثناء ، ولو مع استناده إلى الشكّ في رافعيّة الموجود (١) من جهة الشبهة الموضوعيّة ـ مثلا ـ أو الحكميّة. فإنّه وإن لم يكن الأصل موجبا لارتفاع الشكّ السببيّ (٢) وإحراز حال المشتبه المذكور (٣) ، إلاّ أنّه بعد كفايته في إحراز القيد فلا حاجة إلى إحراز حال المشتبه ورفع الشبهة عنه ـ كما هو الحال في استصحاب الطهارة عند خروج البلل المشتبه موضوعا أو حكما (٤)

__________________

وقد مرّ آنفا.

(١) أي : استناد الشك في ارتفاع القيد إلى الشك في رافعيّة الموجود ، على المشهور والمنصور من جريان الاستصحاب في موارد الشك في رافعيّة الموجود ـ حذو جريانه في موارد الشك في وجود الرافع.

(٢) وهو الشك في رافعيّة الموجود الذي فرض سببا للشك في ارتفاع القيد ، يعني أنّ الاستصحاب وإن لم يحرز به حال الموجود المشكوك رافعيّته وأنه رافع أو غير رافع ، إلاّ أنه لا مانع من جريانه لإحراز القيد نفسه ـ بناء على تماميّة ما عرفت من الأمرين ـ ، ومعه لا حاجة إلى جريانه في الشك السببيّ المذكور ورفع الشك فيه ، ولا يضرّ بقاؤه بإحراز حال القيد نفسه باستصحابه ـ كما هو الحال في الشك في بقاء الطهارة الناشئ عن خروج البلل المشكوك رافعيّته ـ ، فإنّ الاستصحاب وإن لم يحرز حال البلل المشتبه إلاّ أنه بعد كفايته في إحراز الطهارة فلا حاجة إلى رفع الشبهة في ناحية السبب.

(٣) وهو الموجود المشكوك رافعيّته.

(٤) أمّا موضوعا فكالمردّد بين البول والمذي ، وأمّا حكما فكما إذا كان الخارج مذيا وفرض الشك في رافعيّته شرعا.

٣٩٩

ونحو ذلك.

وإن منعنا عن ذلك من أصله (١) ، أو قلنا (٢) بموضوعيّة كلّ واحد من الأجزاء لما اعتبر فيها من القيود في عرض الآخر ، دون نفس الكون الصلاتيّ بما هو أمر واحد مستمرّ ـ كما هو أظهر الوجهين (٣) ـ لم يجد سبق تحقّق القيد ـ حينئذ ـ في جريان الاستصحاب عند الشكّ ، لتعدّد متعلّق الشكّ واليقين (٤).

وفي جريانه لإحراز نفس الجزء الصوريّ والهيئة الاتصاليّة‌

__________________

(١) المراد به المنع عن الأمر الأوّل المتقدّم ذكره ـ أعني كفاية الوحدة الاعتباريّة للمركّب في اتحاد متعلّق الشك واليقين وإلحاقه بهذا الاعتبار بالتدريجيّات.

(٢) أي : منعنا عن الأمر الثاني السالف الذكر فقط ، دون الأوّل.

(٣) الظاهر رجوعه إلى الأخير ، وتسليمه قدس‌سره أصل الوحدة الاتصاليّة والكون الصلاتي الواحد المستمر ، لكن من دون أن يتعلّق به التكليف ويصبح جزءا صوريا للواجب في قبال الأجزاء الماديّة ، ولذا لم يعبّر قدس‌سره في عبارته هذه بالجزء الصوريّ ـ وإن عبّر به بعد ذلك عند بيان المبنى القائل باعتباره ـ ، وأيضا من دون أن يكون موضوعا للقيود وإنّما الموضوع لها هي ذوات الأجزاء الماديّة ، إذن فكون هذا أظهر الوجهين إنّما هو في قبال موضوعيّة الهيئة الاتصاليّة ، لا أصل وجودها.

(٤) إذ المفروض انتفاء الهيئة الاتصاليّة الحافظة للوحدة رأسا ، أو وجودها وعدم موضوعيّتها للقيود المعتبرة بل موضوعيّة ذوات الأجزاء. وعلى كلّ تقدير فاليقين متعلّق بواجديّة جزء لقيد ، والمشكوك فيه هو واجديّة جزء آخر له ، وهذا أجنبيّ عن الاستصحاب.

٤٠٠