الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

عند الشكّ فيما يوجب قطعها ، أو طروّ ما يشكّ أنّه كذلك (١) من جهة الشبهة الموضوعيّة ـ مثلا ـ أو الحكميّة ـ كما هو خيرة شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره (٢) ـ ، أو عدم جريانه فيه أيضا ـ كما أفاده سيّدنا الأستاذ الأكبر أنار الله برهانه ـ ، وجهان مبنيّان على كون الجزء الصوريّ المستكشف اعتباره (٣) من أدلّة القواطع عبارة عن أمر وجوديّ مستمرّ يقطعه التكلّم أو القهقهة ـ مثلا ـ ، كي يرجع الشكّ في تخلّل القاطع ، أو قاطعيّة المتخلّل ـ حينئذ ـ إلى الشكّ في بقائه وارتفاعه ، ويكون إحرازه بالأصل كافيا فيما لا بدّ للمكلّف من إحرازه (٤) وإن كان الشكّ السببيّ باقيا بحاله ـ كما عرفته في‌

__________________

(١) أي أنه قاطع ، وبعبارة أخرى : عند الشك في وجود القاطع أو قاطعيّة الموجود.

(٢) قال قدس‌سره في الثامن من تنبيهات الاستصحاب : إذا استكشفنا من تعبير الشارع عن بعض ما يعتبر عدمه في الصلاة بالقواطع أنّ للصلاة هيئة اتصاليّة ينافيها توسّط بعض الأشياء في خلال أجزائها الموجب لخروج الأجزاء اللاحقة عن قابليّة الانضمام والأجزاء السابقة عن قابليّة الانضمام إليها ، فإذا شك في شي‌ء من ذلك وجودا أو صفة جرى استصحاب صحّة الأجزاء بمعنى بقائها على القابليّة المذكورة ، فيتفرّع على ذلك عدم وجوب استئنافها ، أو استصحاب الاتصال الملحوظ بين الأجزاء السابقة وما يلحقها من الأجزاء الباقية ، فيتفرّع عليه بقاء الأمر بالإتمام.

(٣) ووقوعه في حيّز الطلب.

(٤) يعني : يكون إحراز بقاء الجزء الصوري بالاستصحاب في مورد الشك في بقائه المسبّب عن الشك في تخلّل القاطع أو قاطعيّة المتخلّل كافيا‌

٤٠١

استصحاب الطهارة عند خروج المذي ونحوه. أو كونه فيما لوحظ (١) فعلا للمكلّف واعتبر في متعلّق تكليفه عبارة عن نفس عدم تخلّل هذه الأمور دون أمر آخر تكون هي رافعة له ، فإنّ أدلّة القواطع ـ بعد وضوح كونها مسوقة لبيان ما اعتبر في متعلّق التكليف على حدّ غيرها ممّا يستفاد منه * الجزئيّة وأخواتها ـ فلا يستفاد منها ** إلاّ تقيّد المطلوب بعدم تخلّلها في أثنائه ، وليس‌

__________________

في إحراز صحّة الصلاة التي لا بدّ للمكلّف من إحرازها ، ولا حاجة إلى رفع الشك السببيّ وإحراز حال المشتبه تخلّله أو قاطعيّته ، ولا ضير في بقاء هذا الشك بحاله ـ كما مرّ في مثال استصحاب الطهارة عند خروج البلل المشتبه.

(١) أي : كون الجزء الصوريّ في نسبته إلى فعل المكلّف المتعلّق للتكليف وعلاقته به ، ومحصّل المرام أنّ مقتضى سياق أدلّة القواطع ـ كأدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ـ هو بيان ما يعتبر في متعلّق التكليف بنفسه ويطالب به المكلّف مباشرة وجودا أو عدما ، وليس ما يصلح مطالبته به كذلك سوى نفس عدم تخلّل أمور معيّنة في الأثناء من التكلّم والقهقهة ونحوهما ، أمّا الأمر الوجوديّ المستمرّ في حال الأفعال والسكنات جميعا الذي يقطعه هذه الأمور فلا يصلح لأن يطالب به إلاّ بعناية أنّ رفعه بيده ، ومثله لا يكاد يقتضيه سياق الأدلّة.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( عنه ) والصحيح ما أثبتناه.

(**) الموجود في الطبعة الاولى ( عنها ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٠٢

التعبير عنها بالقواطع منافيا لذلك (١) ، ولا كاشفا عن قيدية ما لا يصلح لأن يطالب به من المكلّف إلاّ بعناية أنّ رفعه بيده (٢) ، فيكون سبيل القواطع أيضا سبيل غيرها من الموانع (٣) ، ولا يجدي خلوّ الأجزاء السابقة عنها في استصحابه (٤) ـ حذو ما عرفت في سائر القيود (٥).

وأمّا إذا كان الشكّ حاصلا من أوّل الشروع فالمسألة مبنيّة على الخلاف في كفاية استصحاب العدم السابق على الحوادث (٦) في إحراز عدم تخصّصها بالخصوصيّات المشكوكة عند حدوثها ، أو عدم كفايته فيه.

وقد اختلفت كلمات شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره في ذلك ، ففي‌

__________________

(١) فإنّ هذا التعبير لا يدلّ على تقيّد المطلوب بأمر وراء عدم التخلّل المذكور.

(٢) وهو الأمر الوجوديّ المستمرّ ، فإنّه بنفسه ليس فعلا صادرا عن المكلّف ، بل أمر حاصل قهرا من تتابع أجزاء العمل وتعاقبها ، نعم له رفعه وقطعه بفعل أحد تلك الأمور.

(٣) فكما أنّ الموانع قيود عدمية لأفعال الصلاة فإذا شكّ في طروّها على جزء لاحق فلا يجدي خلوّ الأجزاء السابقة عنها في استصحاب خلوّه عنها ، لتعدّد متعلّق الشك واليقين ، كذلك القواطع قيود عدميّة لمطلق الأكوان الصلاتيّة ، ولا يجدي خلوّ الأكوان السابقة عنها في استصحاب خلوّ اللاحقة ، للعلّة نفسها.

(٤) أي : في استصحاب خلوّها إلى الأجزاء اللاحقة.

(٥) يعني بها القيود الوجوديّة.

(٦) وهو الاستصحاب المعروف باستصحاب العدم الأزلي.

٤٠٣

مسألة الشكّ في مخالفة الشرط الواقع في ضمن العقد للكتاب من جهة الشكّ في كون الحكم على وجه لا يقبل التغيير بالشرط بنى على الأوّل (١) ، وفي مسألة الشكّ في كرّية الماء وحيضيّة الدم على الثاني (٢) ، بل قضيّة ما أفاده ـ في خاتمة التنبيه الأوّل من تنبيهات الاستصحاب (٣) معيارا لما يجدي استصحاب العدم السابق‌

__________________

(١) قال قدس‌سره في مبحث الشروط من مكاسبه : ( فإن لم يحصل له ـ أي تمييز ما يقبل تغيّره بالشرط ممّا لا يقبل ـ بنى على أصالة عدم المخالفة. ،

ثم قال : إنّ البناء على أصالة عدم المخالفة يكفي في إحراز عدمها واقعا ) انتهى موضع الحاجة.

(٢) كما يظهر ممّا ننقله من عبارته قدس‌سره الآتية.

(٣) فقد أفاد قدس‌سره هناك : أنّ الاستصحاب في الأمر العدمي المقارن للوجودات خال عن الإشكال إذا لم يرد به ارتباط الموجود المقارن له به ـ كما إذا فرض الدليل على أنّ كلّ ما تقذفه المرأة من الدم إذا لم يكن حيضا فهي استحاضة ، فإنّ استصحاب عدم الحيض في زمان خروج الدم المشكوك لا يوجب انطباق هذا السلب على ذلك الدم وصدقه عليه حتى يصدق ( ليس بحيض ) على هذا الدم ، فيحكم عليه بالاستحاضة ، إذ فرق بين الدم المقارن لعدم الحيض وبين الدم المنفيّ عنه الحيضيّة ، وسيجي‌ء نظير هذا الاستصحاب في الفرق بين الماء المقارن لوجود الكرّ وبين الماء المتّصف بالكريّة ، والمعيار عدم الخلط بين المتّصف بوصف عنوانيّ وبين قيام ذلك الوصف بمحلّ ، فإنّ استصحاب وجود المتّصف أو عدمه لا يثبت كون المحلّ موردا لذلك الوصف العنواني ، فافهم ، انتهى. وظاهره المفروغيّة عن عدم الجدوى لاستصحاب عدم الحيضيّة ـ على نحو العدم المقارن ـ في إحراز عدم كون الدم دم حيض.

٤٠٤

في إحراز القيد وما لا يجديه ذلك ، وجعل ضابط الأوّل ترتّب الأثر على العدم المقارن ، وضابط الثاني ترتّبه على العدم النعتيّ ـ هي المفروغيّة عن عدم الجدوى لاستصحاب العدم السابق على الحوادث في إحراز حالها (١) ، وما أفاده في هذا الضابط هو الحقيق بأن يفهم ويغتنم ، ويسجد شكرا لمن أجراه على قلمه وأ لهم (٢).

وتوضيحه يتوقّف على تنقيح أمور : ـ

الأوّل : أنّه كما لا فرق في المستصحب العدميّ بين أن يكون تمام الموضوع للحكم ، أو يكون جزءا منه على حدّ غيره (٣) ـ كما أوضحناه (٤) ـ ، فكذا لا فرق في ترتّب الأثر على استصحابه بين أن يكون باعتبار موضوعيّة نفسه (٥) للحكم ـ بأحد الوجهين ـ ، أو يكون باعتبار أنّ نقيضه الوجوديّ هو المأخوذ كذلك ، ويترتّب على‌

__________________

(١) أي : حال تلك الحوادث ، وهو عدم تخصّصها بالخصوصيّات المشكوكة عند حدوثها.

(٢) لسموّ المطلب وعلوّ شأنه وغاية متانته بمثابة لا يناله إلاّ الأوحديّ من ذوي النفوس الكاملة المستعدّة للفيوضات والإلهامات الربّانيّة ، وإنّ شيخنا الأعظم ( قدّس الله نفسه الزكية ) لمن أماثلهم.

(٣) وهو المستصحب الوجودي.

(٤) أوضحه قدس‌سره في الأمر الأوّل المتقدّم في أوائل المقام الثالث.

(٥) أي : نفس العدم ، وحينئذ يترتّب الأثر الشرعي على المستصحب نفسه ، وهذا واضح.

٤٠٥

انتفائه انتفاؤه (١) ، فإنّ انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه وإن لم يكن صالحا لأن تناله يد الجعل ـ ولو تبعيّا ـ (٢) ، إلاّ أنّ المجعول الشرعيّ المترتّب على موضوعه في لسان دليله لكونه صالحا لأن يتعبّد بالبناء على كلا طرفي وجوده وعدمه (٣) ، فبهذا الاعتبار يخرج الأصل النافي له أو لموضوعه عن صلاحيّة التعبّد به. وما ينسب إلى شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره ـ من المنع عن كفاية هذا الأثر في جريان الأصل ـ من الأوهام المحضة ، وكلماته مشحونة بخلافه‌

__________________

(١) أي : يترتّب انتفاء الحكم على انتفاء الوجوديّ المأخوذ موضوعا للحكم ـ تماما أو جزءا ـ باستصحاب عدمه.

(٢) لأنّ الشارع إنّما يجعل الحكم عند تحقّق موضوعه ، ولا يجعل انتفاء الحكم عند انتفاء موضوعه ، بل هو أمر عقليّ ضروريّ ، نظير انتفاء المعلول بانتفاء علّته ، ومثله لا تناله يد الجعل الشرعي ـ حتى تبعا ـ شأنه في ذلك شأن التكوينيّات.

(٣) فإنّ المجعول الشرعي وإن كانت فعليّته وتحقّقه الواقعي دائرة مدار تحقّق موضوعه ـ كما هو مقتضى كونه مجعولا على تقديره ومترتّبا عليه في لسان دليله ـ ، إلاّ أنّه إذا شكّ في فعليّته فللشارع التصرف الظاهري فيه بالتعبّد بالبناء على وجوده أو عدمه بجعل أصل مثبت له أو لموضوعه ، أو ناف كذلك وظيفة عملية للمكلّف الشاكّ ، وصحّة تصرّفه في هذا المقام يتبع صحّة تصرّفه في أصل الجعل الواقعي ، فإنّه من شؤونه ولواحقه ، والكلّ من مقتضيات شارعيّته وجاعليّته ، وبهذا الاعتبار يصحّ إجراء الأصل النافي للحكم لنفيه ، أو النافي للموضوع لنفي الحكم المترتّب على وجوده.

٤٠٦

ـ كما لا يخفى على الخبير بها.

ثمّ إنّ الغالب في ترتّب الأثر على الأصل بهذا الاعتبار (١) وإن كان في الأصول العدميّة (٢) ، لكنّه ليس من خواصّها ، بل يطّرد في الوجوديّات أيضا (٣) ، ومن ذلك استصحاب وجود الموانع ـ كما لا يخفى.

الثاني : إنّه بعد أن تبيّن أنّ ترتّب الأثر على الأصل يكون ـ تارة ـ من حيث نفس مؤدّاه ، و ـ أخرى ـ بعناية نقيضه ، فلا يخفى أنّ المخصّص أو المقيّد النافي للحكم الوارد على العنوان المأخوذ في مصبّ الإطلاق أو العموم عمّا (٤) إذا تخصّص بخصوصيّة وجوديّة إن كان مسوقا لمحض إفادة ذلك (٥) من دون أن يتكفّل لإثبات حكم آخر‌

__________________

(١) أي باعتبار أنّ نقيض المستصحب هو المأخوذ في موضوع الحكم.

(٢) إذ الغالب ترتّب الأثر على المستصحب العدميّ باعتبار أنّ نقيضه الوجوديّ موضوع للحكم ، فينتفي بانتفائه.

(٣) فيستصحب وجود شي‌ء باعتبار أنّ نقيضه العدميّ موضوع للحكم ، فينتفي بوجوده ، كما في استصحاب وجود الموانع ، فإنّ عدمها هو المأخوذ في موضوع الحكم باعتبار تقيّد المطلوب به ـ كتقيّد الصلاة بعدم الوقوع في غير المأكول.

(٤) متعلّق بالنافي ، وذلك مثل ( لا يجب إكرام العالم الفاسق ) ، فإنّه ينفي وجوب الإكرام الوارد على عنوان العالم عن المتخصّص منهم بخصوصيّة الفسق.

(٥) أي : مجرّد إفادة نفي حكم العام عن المتخصّص بالخصوصيّة.

٤٠٧

على المتخصّص بها ، كان مفاده حينئذ ـ استثناء كان أم خطابا غيريّا أو غير ذلك ـ هو مانعيّة تلك الخصوصيّة عن ذلك الحكم ، ودخل عدم التخصص بها في معروضه ، وكان ترتّب الأثر على إحراز عدمها لكونه (١) هو القيد الذي تكفّل المخصّص لبيان دخله فيه ، لا بعناية نقيضه ، إذ المفروض أنّه لا حكم له.

وإن كان مسوقا لإثبات حكم آخر عليه ، وكانت إفادته للتخصيص أو التقييد بمعونة تضادّ الحكمين واستحالة تواردهما على متعلّق واحد (٢) ، رجعت نتيجة التخصيص أو التقييد ـ حينئذ ـ إلى تنويع ذلك العنوان إلى نوعين متقابلين : أحدهما هو الخاصّ ،

__________________

(١) أي : العدم ، فإنّ مفاد المخصّص أو المقيّد في هذا القسم لمّا كان هو مجرّد مانعيّة الخصوصيّة عن حكم العام ودخل عدمها فيه ، فالأثر المترتّب على استصحاب عدمها إنّما هو باعتبار موضوعيّة نفسه على وجه القيديّة ، لا باعتبار موضوعيّة نقيضه الوجودي ، فإنّ المفروض أنّ وجودها لا حكم له ، وحينئذ فإذا فرض ـ في المثال ـ أنه أحرز علم زيد بالوجدان فبضميمة استصحاب عدم فسقه يتمّ إحراز الموضوع المركّب لوجوب الإكرام.

(٢) توضيحه أنّ مفاد المخصّص أو المقيّد في هذا القسم ـ الثاني ـ مطابقة إثبات حكم آخر ـ كحرمة الإكرام ـ على المتخصّص بالفسق ، وبمعونة تضادّ هذا الحكم مع حكم العامّ واستحالة تواردهما على موضوع واحد ـ وهو العالم الفاسق ـ أصبح مخصّصا للعام ومفيدا لاختصاص حكمه بغير مورده ، بخلاف القسم الأوّل الذي مفاده التخصيص مطابقة.

٤٠٨

والآخر نقيضه (١) ، وصرف الحكم الوارد عليه (٢) إلى ذلك القسيم ـ لا محالة ـ ، فيكون التخصّص بتلك الخصوصيّة دخيلا في موضوع أحد الحكمين ، وعدمه في الآخر ، والمخصّص دالا على الأوّل بالمطابقة ، وعلى الآخر بالالتزام (٣) ، فيتّحد مع القسم الأوّل من جهة ، ويمتاز عنه من اخرى (٤) ويترتّب الأثر على إحراز عدمها بأحد الاعتبارين (٥) من حيث نفسه ، وبالآخر بعناية نقيضه.

والأثر المترتّب بهذه العناية وإن كان مترتّبا على انتفاء ما أخذ‌

__________________

(١) كالفاسق وغير الفاسق ، فالعالم الفاسق محكوم بالحكم الذي تكفّله دليل المخصّص ـ وهو الحرمة في المثال ـ ، والعالم غير الفاسق محكوم بحكم العام ـ الوجوب.

(٢) أي : على العنوان العام.

(٣) الأوّل هو دخل الفسق في موضوع حرمة الإكرام ، والآخر هو دخل عدم الفسق في موضوع وجوب الإكرام ، ودلالة المخصّص على هذا الأخير التزاميّة ، لأنه إنّما يدلّ عليه بضميمة ما مرّ من تضادّ الحكمين واستحالة تواردهما على متعلّق واحد.

(٤) يتّحد هذا مع القسم الأوّل من جهة الدلالة الثانية التي هي التزاميّة هنا ومطابقيّة في الأوّل ، ويمتاز عنه من الجهة الأولى ، فإنّ الأوّل لا دلالة له عليها ، والثاني يدلّ عليها مطابقة.

(٥) وهو اعتبار دخل عدم الخصوصيّة في موضوع حكم العامّ ، فإنّه باستصحاب عدمها يترتّب الأثر على إحرازه من حيث نفسه ، في قبال اعتبار دخل الخصوصيّة في موضوع حكم المخصّص ، إذ الأثر يترتّب على إحراز عدمها بعناية نقيضه الوجودي.

٤٠٩

بجملته في الدليل المخصّص موضوعا لحكمه ، وعلى انتفاء كلّ واحد من أجزائه وقيوده (١) ـ حسبما تقدّم توضيحه (٢) ـ ، لكنّه لمسبّبيّة الشك في الجملة عن الشك في أجزائها (٣) ، وحكومة‌

__________________

(١) فالأثر المترتّب ـ في مثال حرمة إكرام العالم الفاسق ـ على إحراز عدم الموضوع بعناية نقيضه الوجودي يترتّب ـ تارة ـ على إحراز انتفاء كلّ واحد من قيوده ـ العلم والفسق ـ بالأصل ، أو بعضها به والبعض الآخر بالوجدان ، و ـ اخرى ـ على إحراز انتفاء المجموع ـ العالم الفاسق ـ ، فيستصحب انتفاء العالم الفاسق.

(٢) لدى بيان الضابط لجريان الأصل في أجزاء المركّب وقيوده.

(٣) كما هو مقتضى تشكّل المركّب من أجزائه.

وقد يشكل : بأنّ السببيّة المزبورة ليست شرعيّة ، وشرعيّتها معتبرة في حكومة الأصل السببيّ على المسببيّ ـ كما حقّق في محلّه.

ويمكن دفعه : بأنه ليس للأجزاء سببيّة بمعناها المصطلح ـ حذو سببيّة النار للحرارة في التكوين ـ ليقال : إنّ إجراء الأصل في السبب لإثبات مسبّبه التكوينيّ مبنيّ على حجيّة الأصل المثبت ، ضرورة أنه لا سببيّة حقيقة بمعنى التأثير والترشيح ، ولا اعتبارا وشرعا بمعنى الموضوعيّة ، لعدم الاثنينيّة في البين ، فإنّ المركّب هي الأجزاء بعينها ، فإنّه يتألف منها ويتشكّل من اجتماعها ، إلاّ أنّ مقتضى تشكّل المركّب الاعتباري من الأجزاء شرعا ـ بتركيب الشارع إياه منها اعتبارا ـ هو لحوقه بالمركّب الحقيقي في دوران وجوده مدار وجود جميعها ، وعدمه على عدم بعضها ثبوتا وإثباتا ، وعليه فإذا أحرز وجودها جميعا إحرازا عقليّا أو شرعيّا أو بالتلفيق فقد أحرز وجود المركّب كذلك ، ومعه لا مجال للتعبّد‌

٤١٠

الأصل المحرز لجزء خاصّ عند إحراز البقيّة بالوجدان على الأصل النافي لها (١) ، فلا يصلح هو لأن يكون معارضا ولا معاضدا له (٢) ، ولا تصل النوبة إليه (٣) إلاّ مع انتفاء الحالة السابقة للجزء رأسا ، أو سقوط الأصل المحرز له بما يعارضه في رتبته. ومسألة الحادثين عند العلم بتاريخ أحدهما والشكّ في الآخر من الأوّل ، وعند الجهل بتاريخهما جميعا من الثاني (٤) ـ فلا تغفل.

__________________

بعدم وجود المركّب بجملته ، وبهذا الاعتبار يكون الأصل المحرز لبعض أجزائه مع إحراز البعض الآخر بالوجدان حاكما على الأصل النافي له برمّته ، فتدبّر.

(١) أي للجملة.

(٢) أي : لا يصلح الأصل النافي للجملة لأن يكون معارضا للأصل المحرز للجزء ـ إن كان وجوديّا ـ أو معاضدا له ـ إن كان عدميّا ـ ، وذلك لتأخّر رتبته عنه ـ حسبما عرفت.

(٣) أي : إلى الأصل النافي للجملة ، ضرورة أنه إنما تصل النوبة إلى الأصل المحكوم مع عدم جريان الأصل الحاكم في نفسه ، أو سقوطه بالمعارضة مع ما يكافئه رتبة.

(٤) المراد بالأوّل جريان الأصل المحرز لبعض الأجزاء مع إحراز البقيّة بالوجدان وحكومته على الأصل النافي للجملة ، وبالثاني جريان الأصل النافي المذكور وعدم محكوميّته بالأصل الجاري في الجزء.

ووجه كون مسألة الحادثين المجهول تاريخ أحدهما خاصة من الأوّل هو جريان الأصل في المجهول تاريخه منهما ـ كاستصحاب عدم إسلام الوارث حال حياة المورّث ـ من دون معارض ، وحكومته على أصالة‌

٤١١

وعلى كلّ حال ، فإذا وصلت النوبة إلى الأصل المحرز لانتفاء ما أخذ ـ بجملته ـ موضوعا في الدليل المخصّص ، فغاية ما يمكن أن يترتّب من الأثر عليه هو انتفاء حكمه (١) ، ولا مساس له بترتيب الحكم الوارد على العنوان المطلق أو العامّ أصلا ، كيف والجزء الآخر الذي يكشف تحريم إكرام الفاسق عن دخله في وجوب إكرام العالم ـ مثلا ـ هو عدم فسقه ، لا انتفاء العالم الفاسق بالكلّية إلاّ باعتبار استلزامه له (٢) ، وهذا بخلاف نفس حرمة الإكرام (٣) ، فإنّها‌

__________________

عدم تحقّق المركّب من الإسلام والحياة.

ووجه كون صورة الجهل بتاريخهما جميعا من الثاني هو تعارض الأصلين من الطرفين ـ كالاستصحاب المذكور مع استصحاب عدم موت المورّث إلى زمان إسلام الوارث ـ وتساقطهما ووصول النوبة إلى الأصل النافي للمركّب.

(١) وبعبارة أخرى واضحة : أنّ الأثر الذي يترتّب على استصحاب عدم كون زيد عالما فاسقا ـ في المثال المتقدّم ـ هو انتفاء حرمة إكرامه فقط ، لا ثبوت وجوب إكرامه أيضا ، وذلك لأنّ الذي اقتضاه الدليل المخصّص بدلالته الالتزاميّة ـ حسبما تقدّم ـ هو دخل عدم الخصوصيّة في موضوع الحكم العام ، فيكون الواجب إكرام العالم المقيّد بعدم الفسق ـ العالم غير الفاسق ـ ، لا موضوعيّة انتفاء مجمع العنوانين ـ كغير العالم الفاسق الصادق على الجاهل مطلقا أيضا ـ كي يترتّب على استصحاب عدم كونه عالما فاسقا وجوب إكرامه.

(٢) أي : استلزام عدم فسق العالم لانتفاء العالم الفاسق ، فيكون استصحاب انتفاء العالم الفاسق لإثبات الحكم المترتّب على ملزومه ـ عدم فسق العالم ـ وهو وجوب الإكرام مبنيّا على حجيّة الأصول المثبتة.

(٣) التي هي مفاد دليل المخصّص ، فإنّ موضوعها هو العالم الفاسق ، وبما‌

٤١٢

لمكان اشتراطها بوجود موضوعها فيستتبع انتفاؤه لانتفائها ـ لا محالة.

وبالجملة : فترتّب الأثر على الأصل المحرز لانتفاء ما أخرجه المخصّص بجملته عن العموم إنّما يختصّ بالقسم الثاني بالنسبة إلى خصوص حكمه ، ولا يطّرد في القسم الأوّل أصلا (١) ، ولا فيه أيضا بالنسبة إلى حكم العامّ (٢) ـ كما لا يخفى ـ ، ولمكان الخلط في المخصّص ـ مثلا ـ بين النوعين ، وفي ترتّب الأثر على الأصل بين الاعتبارين (٣) يقع ـ من الخلط والاشتباه في المقام ـ ما لا يخفى ، فلا تغفل.

الثالث : ـ إنّ تركّب متعلّقات الأحكام أو موضوعاتها يكون ـ تارة ـ من العرض ومحلّه ، و ـ اخرى ـ من عنوانين متباينين أجنبيّ كلّ‌

__________________

أنّ الحكم مشروط بوجود موضوعه وينتفي بانتفائه فاستصحاب عدم كونه عالما فاسقا يترتّب عليه انتفاء حرمة إكرامه.

(١) فإنّ المخصّص ـ في هذا القسم ـ لا يتكفّل لإثبات حكم على عنوان العام المتخصّص بالخصوصيّة ، فلا أثر يترتّب على الأصل المحرز لانتفاء العنوان المتخصّص بها بجملته.

(٢) أي : ولا في القسم الثاني بالنسبة إلى حكم العام ، لما عرفت من أنّ المخصّص ـ في هذا القسم ـ لا يقتضي موضوعيّة انتفاء مجمع العنوانين لحكم العام ، ليترتّب هذا الحكم على الأصل المزبور.

(٣) وهما اعتبار موضوعيّة مؤدى الأصل نفسه للحكم ، واعتبار موضوعيّة نقيضه.

٤١٣

منهما عن الآخر وفي عرضه (١).

أمّا ما كان من قبيل الأخير : فحيث إنّه لا رابط بين المتباينات إلاّ الزمان ، وليس شي‌ء منها بوجوده وعدمه مقسّما للآخر إلاّ من جهة اقترانه أو عدم اقترانه به (٢) ، فلا محيص ـ حينئذ ـ في الوحدة الاعتباريّة التي لا يعقل التركيب إلاّ بها (٣) من أن ترجع * إلى اعتبار أن يتحقّق أحد الأمرين عند تحقّق الآخر وفي ظرف وجوده ، فإذا كان القيد (٤) وجوديّا كان عبارة عن الوجود المقارن ، أو عدميّا فكذلك ، والعدم المقارن هو الذي يترتّب الأثر على إحرازه (٥) في‌

__________________

(١) إذ لا تقوّم لأحدهما بالآخر ، بخلاف العرض ومحلّه فإنّ العرض قائم بمحلّه ، فهو في طوله.

(٢) فلا يقسّم أحدهما الآخر إلاّ بهذا الاعتبار ، فزيد ـ مثلا ـ تارة مقترن بعمرو زمانا ، واخرى غير مقترن به ، وهذا غاية ما بينهما من الارتباط ، ولا كذلك ما هو من قبيل الأوّل ، فإنّ العرض بوجوده وعدمه مقسّم لمحلّه باعتبار قيامه به تارة ، وعدمه اخرى ، فزيد ـ مثلا ـ إمّا عالم أو غير عالم.

(٣) فإنّ التركيب عبارة عن جعل الشيئين شيئا واحدا ـ ولو اعتبارا ـ ولا تتحقّق هذه الوحدة بين المتباينات إلاّ من حيث يتحقّق الارتباط بينها ، وقد عرفت أنه لا رابط بينها إلاّ الاقتران الزمانيّ ، فيتعيّن أن يكون هو محقّق الوحدة بينها.

(٤) المراد به كلّ من أطراف التركيب وأجزاء الارتباط.

(٥) أي : إحرازه باستصحاب العدم ، فإن كان القيد عدميّا ترتّب الأثر على‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يرجع ) والصحيح ما أثبتناه.

٤١٤

هذا القسم إمّا من حيث نفسه ، أو بعناية نقيضه ، أو بكلا الاعتبارين ـ حسبما تحرّر ضابطه ـ ، من دون فرق بين أن يكون الجزءان جوهريّين ، أو عرضيّين ، أو مختلفين ، ولا فيما إذا كانا عرضيّين بين أن يكونا عارضين لموضوع واحد ـ كالصلاة وطهارة الفاعل مثلا ـ ، أو لموضوعين كما في ترتّب الضمان على الاستيلاء على مال الغير عند عدم الرخصة المالكيّة أو الشرعيّة فيه (١) ، وترتّب الوراثة على إسلام الوارث عند حياة مورّثه ، ونحو ذلك ، فإنّ كلا منهما وإن كان بالنسبة إلى معروضه من القسم الأوّل ، لكنّه بالنسبة إلى الآخر من هذا القسم ، ويلحقه من كلّ جهة حكمها.

ثمّ لا يخفى أنّه لا ينحصر القيديّة في هذا القسم بأن يرجع إلى اعتبار المقارن ، بل يمكن أن يرجع إلى قيديّة السابق أو اللاحق أيضا (٢) أو يعمّ الجميع (٣) ، إلاّ أنّ حكم الجميع من الجهة التي نحن‌

__________________

إحراز العدم المقارن من حيث نفسه ، وإن كان وجوديّا ترتّب على إحرازه بعناية نقيضه ، وإن أخذ وجوديّا في حكم وعدميّا في آخر ترتّب على إحرازه بكلا الاعتبارين.

(١) فإنّ كلا من الاستيلاء وعدم الرخصة عرض قائم بموضوع مغاير لما يقوم به الآخر ، وكذلك إسلام الوارث وحياة المورّث ، وبهذا الاعتبار يعدّ من هذا القسم ، وإن كان كلّ من العرضين بالنسبة إلى موضوعه من القسم الأوّل ، ويلحق كلّ اعتبار حكمه.

(٢) والضابط كون قيد المتعلّق أو الموضوع ذا ربط زمانيّ بمقيّدة بتقدّم أو تأخّر أو تقارن ، ولا خصوصيّة للأخير.

(٣) بأن يكون مطلقا من هذه الجهة وغير مقيّد بأحد الثلاثة.

٤١٥

فيها هو حكم المقارن ـ كما سيجي‌ء بيانه (١) ـ ، فلا ينثلم الضابط الذي أفاده شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره (٢) بذلك.

بل قد عرفت ممّا قدّمنا أنّه قد يؤخذ العنوان الملازم (٣) لتحقّق أحد الأمرين عند تحقّق الآخر موضوعا للحكم ، دون نفسه ، فلا يترتّب عليه حينئذ أثر كي يندرج فيما يحرز أحد جزءيه بالوجدان والآخر بالأصل ـ حسبما تقدّم ضابطه. والأوصاف المتوقّف لزوم العقد على اتّصاف العوضين بها كسلامتهما عن العيوب ، وعدم التفاوت الفاحش بينهما في الماليّة ، ونحو ذلك ممّا اعتبر في لزوم العقد وقوعه على المتّصف بها ، لا وقوعه في ظرف الاتّصاف مندرجة بأسرها في ذلك (٤) ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) أي بيان حكم المقارن.

(٢) المراد به ما تقدّم من الضابط الذي أفاده قدس‌سره لجريان الاستصحاب وعدمه من كون الأثر مترتّبا على العدم المقارن أو على العدم النعتيّ ، وجه عدم الانثلام أنه قدس‌سره لا يروم الحصر في المقارن ، بل مطلق الربط الزماني ، وذكر المقارن مبنيّ على الغالب.

(٣) تنبيه منه قدس‌سره إلى أنه لا بدّ في هذا المقام من التمييز وعدم الخلط بين أخذ أمرين في موضوع الحكم على نحو التركّب ولحاظ كلّ منهما بوجوده المقارن للآخر أو عدمه كذلك ، وبين أخذ العنوان البسيط الملازم لهما في موضوعه دون أنفسهما ، فإنّ الأوّل يندرج فيما يحرز أحد جزءيه بالوجدان والآخر بالأصل ، ويترتّب عليه الأثر بذلك ، ولا كذلك الثاني إلاّ بناء على حجّية الأصول المثبتة ، وقد تقدّم التفصيل.

(٤) أي : في النحو الثاني الذي أخذ فيه العنوان الملازم موضوعا ، فإنّ‌

٤١٦

وأمّا ما كان من قبيل الأوّل فإنّ العرض وإن كان لتقوّمه بأنّ وجوده في نفسه ولنفسه هو بعينه وجوده في موضوعه ولموضوعه (١) صالحا (٢) لأن يلاحظ ـ تارة ـ بما هو شي‌ء بحيال ذاته ، فيكون ـ حينئذ ـ مباينا لموضوعه وعرضا غير محمول (٣) ، ووجوده أو عدمه بهذا الاعتبار هو المحموليّ (٤) المقارن له في الزمان (٥) كسائر مقارناته ، و ـ أخرى ـ بما أنّه حاصل لموضوعه‌

__________________

المستفاد من الأدلّة أنه يعتبر في لزوم العقد وقوعه على العوضين المتّصفين بصفة السلامة ، أو بعدم التفاوت الفاحش بينهما في الماليّة ـ وإلاّ ثبت خيار العيب أو الغبن ـ ونحوهما ، وهذا عنوان ملازم لوقوع العقد عند تحقّق الاتصاف بها ، فلا يترتّب أثر على إحراز السلامة أو عدم التفاوت بالاستصحاب ، وإنّما يترتّب على تقدير كفاية وقوع العقد مقارنا للاتصاف المزبور ، لكنّ الأدلّة لا تقتضيه.

(١) فإنّه لمّا كان وجوده النفسيّ على نحو القيام بالغير والنعتيّة له ، فوجوده في نفسه الذي يطرد العدم عن ماهيّة نفسه هو بعينه وجود طارد لعدم مّا عن موضوعه ، إذن فللعرض وجود واحد ذو اعتبارين نفسيّ محموليّ وعرضيّ نعتيّ.

(٢) خبر لـ ( كان ) ، يعني أنه لمكان كون وجوده ذا جهتين يصلح لأن يلاحظ على نحوين.

(٣) كالقيام الملحوظ مباينا لموضوعه ، فلا يحمل عليه بنحو ( زيد قيام ) إلاّ تجوّزا.

(٤) فوجوده المحموليّ كما في قولنا ( القيام موجود ) ، وعدمه المحموليّ كما في قولنا ( القيام معدوم ) ، إذ يصبح الوجود أو العدم محمولا عليه.

(٥) أي : للموضوع كسائر المقارنات المباينة له ، والعبارة تتضمّن الإشارة‌

٤١٧

لاحق به ، فيكون ـ حينئذ ـ عرضيّا محمولا (١) ، ونعتا وجوديّا أو عدميّا له ، ووجوده أو عدمه هو الرابط النعتيّ اللاحق به (٢) ، لكن لا محيص في تقيّد معروضه بوجوده أو عدمه من أن يرجع إلى الوجه الثاني دون الأوّل (٣) ، فإنّ القيديّة النفس الأمريّة التي يكشف عنها كلّ مخصّص أو مقيّد منحصرة في كلتا * مرحلتي الثبوت والإثبات (٤) بذلك.

أمّا في مرحلة الثبوت فيتّضح انحصارها به من مقدّمتين ضروريّتين : ـ

__________________

إلى ما اصطلح عليه من التعبير عن وجود العرض وعدمه بالاعتبار المذكور بالمحموليّ تارة ، والمقارن اخرى.

(١) فيعبّر عنه بصيغة المشتقّ ـ كالقائم ـ ويحمل على موضوعه أو يسلب عنه نحو ( زيد قائم أو ليس بقائم ).

(٢) هذا إجمال تفصيل يأتي حول حقيقة النعتيّة والربطيّة من أنّ ما هو النعت اللاحق بالموضوع والقائم به هو وجوده أو عدمه لا ماهيّته ، وبهذا الاعتبار يعبّر عنه بالوجود أو العدم النعتيّ.

(٣) يعني أنه إذا أخذ المعروض موضوعا لحكم أو متعلّقا له وقيّد بوجود عرضه أو بعدمه ، فلا محيص من تقييده بوجوده أو عدمه النعتيّين ، دون المحموليّين.

(٤) القيديّة النفس الأمريّة هي مرحلة الثبوت ، والمخصّص أو المقيّد الكاشف عنها هي مرحلة الإثبات ، فلطف العبارة لا يكاد يخفى ، والمقصود أنه في كلتا المرحلتين يتعيّن قيديّة النعتيّ.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( كلا ) والصحيح ما أثبتناه.

٤١٨

الاولى : ـ عدم تعقّل الإهمال النفس الأمريّ في متعلّقات الأحكام وموضوعاتها بالنسبة إلى كلّ واحد من انقساماتها المنقسمة هي بنفسها إليها (١) مع علم الآمر بذلك والتفاته إلى ما له دخل منها وجودا أو عدما في غرضه وما يتساوى طرفاه فيه (٢) ، وامتناعه أوضح وأظهر من أن يبرهن عليه باستحالة قيام العرض بمبهم لا تحصّل له في حدّ معروضيّته (٣) ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) فلا بدّ إمّا من إطلاقها النفس الأمريّ أو تقييدها كذلك بأحد طرفي الانقسام ـ الوجود أو العدم ـ ، ولا يعقل الإهمال الثبوتيّ من العالم الملتفت ، أمّا الإثباتي فلا مانع منه ، والتفصيل مذكور في محلّه.

(٢) أي : يتساوى وجوده وعدمه في غرضه.

(٣) بدعوى أنّ الحكم الشرعي عرض لمتعلّقه أو لموضوعه ، فيستحيل قيامه بمتعلّق مبهم أو موضوع مهمل. هذا ، وفي العبارة دلالة على وضوح المطلب وعدم افتقاره إلى البرهان ، كما أنّ فيها إشعارا بأنّ ما ذكر ليس هو برهانه الحقيقي.

ووجهه أنّ الأحكام الشرعيّة ليست من سنخ المقولات العرضيّة ، بل هي أمور اعتباريّة جعليّة لا تأصّل لها في الأعيان ، نعم تشابهها في أنّ الوضعيّة منها تحمل على موضوعاتها الجوهريّة ، والتكليفيّة توصف بها الأفعال ، وبهذا الاعتبار تحتاج إلى محلّ تقوم به حذو الأعراض ، وإبهام المحلّ وعدم تحصّله ممتنع من غير فرق بين البابين.

نعم هناك فرق بينهما من حيث إنّ الاستحالة في الأعراض ذاتيّة ، وفي الأحكام والاعتباريّات وقوعيّة ، إذ الإهمال المذكور لا يزيد على كونه ممتنع الصدور من العاقل الملتفت ، ولو كان ممتنعا ذاتا لامتنع‌

٤١٩

والثانية : تأخّر مرتبة الإطلاق والتقييد باعتبار ما يقارن الشي‌ء في زمانه عن تحديده باعتبار انقسامات نفسه (١) ، وهذا أيضا في الظهور والبداهة كاستحالة الإهمال النفس الأمريّ ، ومن جزئيّاته (٢).

وواضح أنّ نتيجة هاتين المقدّمتين هي انحصار قيديّة الخصوصيّة العرضيّة لمعروضها في مرحلة الثبوت بالنعتيّ ، وامتناع التقييد بالمقارن ، إذ بعد ما امتنع أن يكون (٣) مهملا بالنسبة إلى‌

__________________

صدوره حتى من غير الملتفت.

وبالجملة استحالة الإهمال ذاتا في التكوين لا تلازم استحالته كذلك فيما هو بمنزلته في التشريع ، غايته استحالة وقوعه من المشرّع الحكيم ـ تعالى شأنه.

(١) ضرورة أنّ الشي‌ء لا بدّ أن يقاس أوّلا في نفسه ، ويلاحظ خصوصيّاته الداخليّة ، ثم يقاس إلى ما يباينه ويقارنه في الزمان ، ويلاحظ حاله بالنسبة إليها ، فلحاظ الانقسامات الداخليّة للشي‌ء وإطلاقه أو تقييده بالنسبة إليها مقدّم على لحاظ انقساماته الخارجيّة إطلاقا أو تقييدا ، وإلاّ فلو أهملت الاولى ولو حظ أوّلا الانقسامات الخارجيّة كان بالنسبة إلى الاولى من الإهمال النفس الأمريّ ـ ولو في هذه المرحلة ـ ، وقد عرفت في المقدّمة الأولى امتناعه.

(٢) قد عرفت آنفا وجه كونه من جزئياته.

(٣) أي المعروض ، فإنّ مقتضى المقدّمة الأولى امتناع الإهمال الواقعيّ مطلقا ، ومقتضى المقدّمة الثانية امتناع إهمال المعروض بالنسبة إلى الوجود والعدم النعتيّين لعرضه ، فهو إذن يمتنع أن يخلو من الإطلاق بالنسبة إليهما أو التقييد بأحدهما ، ثمّ على ضوء ذلك يلاحظ حال الانقسام بالنسبة إلى المقارن ـ كما ستسمع.

٤٢٠