الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

مثلا ، أو اشتماله عليها ، أو تلطّخه بها ونحو ذلك (١) ـ ، إذ أقصى ما يقتضيه ذلك إنّما هو توسّط تلك العناوين وجودا وعدما في تحقّق عنوان المانع أو انتفائه ، لا مانعيّتها بنفسها وتقيّد المطلوب بعدمها كي يرجع إجراء الأصل في إحراز انتفائها إلى إحراز بعض متعلّق التكليف بالأصل.

وبالجملة : فليس الأصول الجارية باعتبار سبق حال اللباس حينئذ إلاّ كالأصول الجارية باعتبار سبق حال المصلّي ، وكما أنّه لا جدوى لشي‌ء منها (٢) في إحراز عدم تخصّص نفس الصلاة بالخصوصيّة المذكورة إلاّ على القول بحجيّة الأصل المثبت ، فكذلك الحال في الأصول المحرزة لحال اللباس أيضا ، اللهمّ إلاّ أن يتشبّث بذيل دعوى خفاء الواسطة ـ الممنوعة عندنا من‌

__________________

المأكول ـ للصلاة بكون اللباس متّخذا منه أو مشتملا عليه ، وعدم عمومه للمحمول.

(١) محصّل المرام : أنّ مقتضى ما ذكرناه من تعلّق التكليف العدميّ بوقوع الصلاة في غير المأكول هو سقوط الاستصحاب في المقام ـ حتى بناء على اختصاص موجبه بكون اللباس متخذا منه أو مشتملا عليه أو متلطّخا به ـ ، إذ لا حالة سابقة لعدم وقوع الصلاة فيه ، أمّا عدم اشتمال اللباس عليه أو عدم تلطّخه به فهو وإن كانت له حالة سابقة ـ كما مرّ ـ إلاّ أنّه ليس بنفسه مأخوذا في متعلّق التكليف ليجدي الاستصحاب لإحرازه ، وإنّما هو ملازم للمتعلّق وعلّة لتحقّقه وموجب له ، ولا يصلح الاستصحاب لإثبات مثله إلاّ على القول بحجيّة الأصل المثبت.

(٢) أي : من الأصول الجارية باعتبار حال المصلّي.

٤٨١

أصلها * كما حرّر في محلّه ـ في إحدى الطائفتين دون الأخرى (١) ، لكن لا يخفى ما فيها من الجزافيّة والتحكّم (٢).

ومن ذلك فقد ظهر أنّ مبنى التفصيل في جواز الصلاة في المشتبه وعدمه بين أن يكون هو نفس اللباس أو ما عليه (٣) ـ كما هو أحد أقوال المسألة ـ في غاية الضعف والسقوط.

وأضعف منه التمسّك للتفصيل الآخر (٤) ـ الذي قد عرفت أنّه لا مناص عن الالتزام به (٥) بناء على شرطيّة المأكوليّة وتقييد الاشتراط بما إذا كان اللباس من أجزاء الحيوان ـ بأصالة عدم كونه‌

__________________

(١) المراد بالأولى هي الأصول الجارية باعتبار سبق حال اللباس ، وبالأخرى الأصول الجارية باعتبار سبق حال المصلّي.

(٢) فإنّ خفاء الواسطة متحقّق في الطائفتين ، فإن كان مجديا ففيهما ، وإلاّ فكذلك ، فلا وجه للتفرقة بينهما.

(٣) لا يخفى أنّ هناك مبنى آخر للتفصيل المذكور ـ اختاره صاحب الجواهر قدس‌سره ، وتقدّم نقله سابقا ـ وهو التفصيل بين اللباس وما عليه ، بالبناء على الشرطيّة في الأوّل والمانعيّة في الثاني ، فإنّ مقتضاه المنع في المشتبه من اللباس والجواز في غيره.

(٤) وهو التفصيل بين ما إذا علم أنّه من أجزاء الحيوان وشكّ في مأكوليّته ، وبين ما إذا لم يعلم ذلك وكانت النباتية محتملة ، بالمنع في الأوّل والجواز في الثاني ، وقد تقدّم في أوّل الرسالة عدّ هذا رابع الأقوال في المسألة.

(٥) أي : بهذا التفصيل ، وقد عرفت ذلك في ذيل البحث الصغرويّ للمقام الأوّل المتقدم ، كما عرفت هناك تقريبه ، وسنشير إليه في التعليق الآتي.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( أصله ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٨٢

منها (١) ، لا بما تقدّم منّا في تقريبه (٢) ، فإنّه وإن كان مؤدّى الأصل ذا أثر شرعيّ ـ على هذا المبنى الفاسد من أصله ـ ، لدوران شرطيّة المأكوليّة حينئذ مدار كونه من أجزاء الحيوان (٣) ، وجريانه بالنسبة إلى منشأ انتزاعها مجرى شرط الوجوب (٤) ـ كما تقدّم ـ ، لكن حيث قد عرفت أنّ غاية ما يمكن إحرازه من انتفاء الخصوصيّة العرضيّة باستصحاب عدمها السابق على وجود موضوعها إنّما هو عدمها المقارن ، لا على وجه النعتيّة له ، فلا مجال لإحراز عدم كونه من‌

__________________

(١) أي : عدم كون اللباس من أجزاء الحيوان ، والظرف متعلّق بالتمسّك.

(٢) يعني : أنّ الضعف إنّما هو في التمسّك لهذا التفصيل باستصحاب العدم ، لا بما تقدّم منّا فإنّه لا ضعف فيه ـ بناء على هذا المبنى ـ ، بل لا مناص عليه من الالتزام بموجبه بالتفصيل المذكور. والذي تقدّم في الموضع المشار إليه هو أنّه بناء على اختصاص شرطية المأكولية بما إذا كان اللباس حيوانيا فمع العلم بالحيوانية يجب إحراز المأكولية ، ومع الشك فيها يشكّ في شرطية المأكولية ، ويتردّد أمر الواجب من جهة الشبهة الخارجية بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، وهو مجرى أصالة البراءة.

(٣) فباستصحاب عدم كون اللباس من أجزاء الحيوان يحرز انتفاء موضوع الشرطية ، فتنتفي الشرطية لا محالة ، وهذا أثر شرعيّ مترتب على الاستصحاب المذكور ـ لو تمّت أركانه ـ ، لكنّها لا تكاد تتمّ لما سيشير قدس‌سره إليه ـ وتقدّم في نظائره ـ من انتفاء الحالة السابقة.

(٤) أي : جريان كونه من أجزاء الحيوان بالنسبة إلى منشأ انتزاع شرطية المأكولية مجرى شرط الوجوب ـ الذي بانتفائه ينتفي الوجوب ، ـ وقد تقدّم بيانه في ذيل البحث الصغرويّ المذكور.

٤٨٣

أجزاء الحيوان بالأصل (١) كي يترتّب عليه عدم دخل وصف المأكوليّة فيه ، هذا.

وقد سلك بعض الأعلام (٢) في تزييف التمسّك بهذا الأصل (٣) بعكس ما سلكناه (٤) ، فأشكل فيه بعدم ترتّب الأثر ، وسلّم التماميّة من جهة الحالة السابقة.

قال في رسالته المعمولة في هذه المسألة ـ بعد تقريب التمسّك بالأصل المذكور ـ : ( وهذا (٥) نظير الرجوع إلى الأصل في كلّ حادث‌

__________________

(١) إذ ليس هناك زمان كان اللباس ولم يكن من أجزاء الحيوان ، ليستصحب ويترتّب عليه عدم اشتراط مأكوليته.

(٢) هو الفاضل الآشتياني قدس‌سره في رسالته ( إزاحة الشكوك : ١١٣ ).

(٣) المراد التمسّك به في أصل المسألة.

(٤) فإنّا إنّما منعنا عنه من جهة انتفاء الحالة السابقة ، لا لانتفاء الأثر الشرعي ، وهو قدس‌سره جرى على العكس من ذلك ـ كما ستعرف.

(٥) مرجع الإشارة هو ما ذكره قبل هذا في تقريب الأصل المذكور ، قال : ( وأمّا الثاني ـ يريد به ما إذا لم يعلم أنّه مأخوذ من الحيوان أو من غيره ـ فيمكن القول فيه بالجواز ، نظرا إلى الرجوع إلى الأصل الموضوعيّ ، لأنّ صنعه من الحيوان مشكوك فيدفع بالأصل ، ولا نريد به إثبات كونه من غير الحيوان حتى يعارض بالمثل ، مضافا إلى كونه أصلا مثبتا ) ، فقال متصلا : وهذا نظير الرجوع. إلى آخر ما في المتن ، والمراد أنّ المقام من صغريات ما إذا علم إجمالا بحدوث أحد أمرين يترتب الأثر على أحدهما خاصّة دون الآخر ، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد شيئين وأحدهما بعينه خارج عن محلّ الابتلاء ، وكواجدي المني في الثوب‌

٤٨٤

معلوم إجمالا تردّد أمره بين حادثين يترتّب الأثر الشرعيّ على عدم أحدهما بالخصوص دون الآخر ، ومن هنا يرجع إلى الأصل في النسب (١) في باب الميراث والخمس وغيرهما من الأبواب. إلى أن قال : لكنّ الإنصاف عدم خلوّ المذكور عن الإشكال ، لا من جهة ما ذكر في حكم الحادث المردّد فإنّه ليس من محلّ الإشكال في شي‌ء ، بل من جهة الإشكال في كون الفرض من مصاديقه وجزئيّاته (٢) كما‌

__________________

المشترك ، حيث يجري استصحاب عدم النجاسة أو الجنابة في أحدهما خاصة ، ولا يعارضه استصحاب العدم بالنسبة إلى الآخر لعدم الأثر ، وفي المقام يعلم إجمالا أنّ اللباس إمّا متّخذ من الحيوان غير المأكول أو المأكول أو من غير الحيوان ، والأثر الشرعي إنّما يترتّب على اتخاذه من الأوّل خاصة ، فيجري أصالة عدمه بلا معارض. وعلى هذا التقريب فهو قدس‌سره لم يشكل في هذا الأصل بعدم ترتّب الأثر ـ كما وقع في المتن ـ وإنّما نفى ترتب الأثر على أحد الأصلين دون الآخر ـ حذو ما عرفت.

(١) إذ يدور أمر المشكوك نسبه بين كونه ابنا للميت مثلا أو عدمه ، فيجري أصالة عدمه. هذا ، لكنّه كما ترى ليس من الدوران بين حادثين ، بل بين حدوث أمر وعدمه ، إلاّ إذا ارجع إلى الدوران بين كونه ابنا له أو ابنا لغيره ، واختصّ الأثر الشرعيّ بالأوّل ، فيدفع بالأصل من دون معارض.

(٢) لعلّ وجه الإشكال في مصداقية الفرض لتلك الكبرى هو المناقشة في جريان الاستصحاب فيه من جهة انتفاء الحالة السابقة للعدم النعتيّ ، ويشهد بذلك قوله في العبارة الآتية : ( وإن جعل مصداق المانع فيتوجّه‌

٤٨٥

في باب النسب (١) فإنّه لا إشكال فيه أصلا ، ومن هنا اتّفقوا على أنّ السيادة على خلاف الأصل ، فافهم واغتنم ) انتهى ما أردنا نقله.

وأنت إذا أحطت خبرا بما قدّمنا عرفت ما فيه من وجوه الفساد (٢) ، والعجب أنّه ـ مع شدّة إصراره في هذا المقام بنفي الإشكال عمّا أفاده في حكم الحادث المردّد ، حتى تخيّل أنّه ممّا ينبغي أن يفهم ويغتنم ـ لم يعبأ به في محلّ البحث أصلا (٣) ، وقد أنكره غاية الإنكار في ردّ من بنى على جريان أصالة عدم المانع في المقام بناء على المانعيّة ، فقال (٤) ما حاصله : ( إنّ مجرى الأصل إن جعل عنوان المانع ومفهومه فيتوجّه عليه أنّ إثبات عدم مفهوم المانع بالأصل لا يجدي في إثبات كون اللباس متّصفا بعدم المانع ، إلاّ على القول باعتبار الأصول المثبتة ، إذ الأصل في المتّصف لا‌

__________________

عليه عدم الحالة السابقة للباس بالفرض ) ، وعليه فيكون وجه إشكاله قدس‌سره في المقام هو ما نراه بعينه ، فلاحظ.

(١) تمثيل لكون المورد من مصاديقه ، أي : كما يكون باب النسب من مصاديقه بغير إشكال.

(٢) منها تسليمه تماميّة الأصل في محلّ الكلام من جهة الحالة السابقة ـ بناء على إرادته قدس‌سره ذلك ، وقد عرفت المناقشة فيه آنفا ـ ، ومنها تسليمه جريانه بقول مطلق في باب النسب ونفيه الإشكال في هذا الباب.

(٣) أقول : قد أشار هو قدس‌سره ـ كما سمعت ـ إلى الإشكال في كون الفرض من مصاديقه ، وعليه فلا تدافع.

(٤) إزاحة الشكوك : ١٠٤.

٤٨٦

يثبت اتّصاف المحلّ بالوصف المشكوك ، وإن جعل مصداق المانع فيتوجّه عليه عدم الحالة السابقة للباس بالفرض ، فالفرق بين الشرط والمانع في أمثال المقام لا معنى له أصلا ) انتهى ملخّصا.

وهو ـ مع الغضّ عن أنّه لا محصّل للشقّ الأوّل من الترديد (١) ـ حسن (٢) لو لا ما صنعه من إرجاع القيد إلى أوصاف اللباس (٣) ، وكيف كان فبين ما أفاده في المقامين من التدافع والتهافت ما لا يخفى (٤).

هذا كلّه إذا كان الشكّ حاصلا من أوّل الشروع ، وقد عرفت أنّه لا مجال للتشبّث بالأصل الموضوعيّ أصلا.

أمّا إذا طرأ في الأثناء فيبتني جريان الأصل في إحراز القيد‌

__________________

(١) وهو جعل مجرى الأصل عنوان المانع ومفهومه ، إذ لا معنى لاستصحاب عدم المفهوم.

أقول : لا يبعد أن يكون هذا من ضيق التعبير ، والمراد عدم المانع على نحو العدم المقارن ، في قبال الشق الثاني المراد به العدم النعتيّ ، ويؤيّده تعبيره قدس‌سره عنه بـ ( الأصل في المتّصف ) الذي سبقه شيخنا الأعظم قدس‌سره في التعبير عنه فيما تقدّم نقله من فرائده من قوله : ( فإنّ استصحاب وجود المتصف أو عدمه لا يثبت كون المحلّ موردا لذلك الوصف العنواني ).

(٢) حيث منع من جريان الأصل في الشقّ الثاني ، نظرا إلى انتفاء الحالة السابقة.

(٣) لما عرفت من عدم تماميّته بحسب الأدلّة ، وأنّ مقتضاها رجوعه إلى الصلاة نفسها.

(٤) لكنّه بناء على ما احتملناه في وجه إشكاله قدس‌سره ـ في عبارته الاولى ـ على جريان الأصل في محلّ الكلام فلا تدافع بين العبارتين.

٤٨٧

باعتبار سبق التحقّق في الأجزاء السابقة على ما تقدّم من الوجهين في ذلك (١) ، وقد عرفت أنّ المختار عندنا هو عدم الجدوى لسبق تحقّقه عند افتتاح الصلاة في إحراز بقائه بالأصل ، لتعدّد متعلّق الشكّ واليقين ـ حسبما أوضحناه.

وهذا آخر ما أردنا تحريره في أصل المسألة.

ولنختم الكلام بالتنبيه على أمور : ـ

الأوّل : إنّ المبحوث عنه فيما تقدّم إنّما هو مع رجوع الشبهة إلى مانعيّة الموجود ـ كأن يشتبه الثوب المعيّن الخارجيّ بين أن يكون من محرّم الأكل أو غيره.

أمّا إذا شكّ في أصل وجود المانع ـ كأن يشكّ في وقوع شي‌ء من أجزاء ما لا يؤكل عليه أو لصوقه به ونحو ذلك ـ فقد يقال : إنّه لا مانع عن الأصل الموضوعيّ (٢) حينئذ ، ولا محذور فيه أصلا.

وهو من الغرابة بمكان ، فإنّ المنع عن جريان أصالة عدم التلبّس‌

__________________

(١) تقدّم ذلك في أوائل الأمر الثاني ، وأحد الوجهين هو موضوعيّة الهيئة الاتصالية ـ القائمة بموادّ الأجزاء ، والحافظة لوحدتها الاعتباريّة ـ لما اعتبر فيها من القيود الوجودية والعدمية. والثاني ما اختاره قدس‌سره من موضوعية كلّ واحد من الأجزاء له في عرض الآخر. فعلى الأوّل يجري استصحاب بقاء القيد إذا سبق تحقّقه عند الافتتاح ، لاتحاد موضوع المستصحب الموجب لاتحاد متعلّق الشك واليقين ، ولا يجري على الثاني لتعدّد المتعلّق.

(٢) فيستصحب عدم وقوع ذلك الشي‌ء عليه ، أو عدم لصوقه به.

٤٨٨

ـ مثلا ـ ، أو اللصوق أو الحمل أو غير ذلك فيما تقدّم (١) لم يكن مبنيّا على ما زعمه الفاضل السبزواري قدس‌سره من التفصيل في أصل جريان الاستصحاب بين الصورتين (٢) ، كي يوجّه به التفصيل في جريان الأصول المذكورة وعدم جريانها بين المقامين ، وإنّما هو لمكان عدم ترتّب الأثر الشرعيّ على المستصحبات المذكورة بنفسها ، ومثبتيّة الأصول المحرزة لها ـ كما قد عرفت ـ ، وهذا ممّا لا يعقل الفرق فيه بين أن يستند الشكّ في بقائها وارتفاعها إلى الشكّ في رافعيّة الموجود ، أو وجود الرافع (٣). ولو فرض ترتّب‌

__________________

(١) من موارد الشك في مانعية الموجود ، كالشك في ثوب ملبوس أو جزء ملصوق أنّه من محرّم الأكل أو لا.

ومحصّل الكلام : أنّا إذ منعنا عن جريان أصالة عدم تلبّس غير المأكول ، أو عدم لصوقه به فلم يكن ذلك من جهة كونه شكا في رافعية الموجود ، والاستصحاب يختصّ حجيّته بموارد الشك في وجود الرافع ـ كما هو المحكيّ عن الفاضل السبزواريّ قدس‌سره ـ ، وإنّما هو لمكان أنّ المستصحب المذكور ليس موضوعا أو متعلقا لحكم شرعي ، فإنّ المأخوذ في متعلّق التكليف الصلاتي هو عدم وقوع الصلاة في غير المأكول ، لا عدم تلبّس المصلّي به أو عدم لصوقه أو نحو ذلك ، واستصحاب شي‌ء منها لا يجدي في إثبات عدم الوقوع المذكور إلاّ بناء على الأصل المثبت.

(٢) هما الشك في وجود الرافع أو رافعية الموجود.

(٣) ففي موارد استناد الشك إلى وجود الرافع أيضا لا يترتب أثر على‌

٤٨٩

أثر شرعيّ عليها ، إمّا بدعوى رجوع القيد إلى اعتبار انتفاء نفس تلك العناوين الراجعة إلى أوصاف المصلّي في ظرف فعل الصلاة (١) ، أو قيل بشرطيّة المأكوليّة وخصّ الاشتراط بصورة تلبّس المصلّي ـ مثلا ـ بأجزاء الحيوان (٢) ، لا كما صنعوه (٣) من تقييدها بما إذا كان اللباس منها ، اتّجه التمسّك بالأصول المذكورة على نمط واحد (٤) ـ كما لا يخفى.

وبالجملة : فكما قد عرفت في أصل المسألة ـ من أنّه لا مجال للرجوع إلى الأصول الموضوعيّة في علاج الشبهة أصلا ، بل لا بدّ فيه من الجري على ما يقتضيه البراءة أو الاشتغال ـ ، فكذلك الحال في المقام أيضا ـ حذو ما سمعت.

فالمهمّ حينئذ ـ بعد وضوح كون الشبهة في المقام بمعزل عن‌

__________________

استصحاب عدم التلبس أو اللصوق ، وإجراؤه لإحراز عدم وقوع الصلاة في غير المأكول مبنيّ على حجيّة الأصول المثبتة.

(١) بأن يدّعى تقيّد المتعلّق بعدم تلبّس المصلي أو عدم اللصوق به ونحوهما في ظرف الصلاة ، لترجع إلى خصوصيّة في المصلّي نفسه ، فإنّه ـ حينئذ ـ لا مانع من استصحاب عدم تلبسه أو اللصوق به ، ويترتب عليه الأثر المفروض.

(٢) فإنّه باستصحاب عدم تلبّسه بها ، أو عدم لصوقها به يحرز انتفاء موضوع الشرطيّة الذي هو بمنزلة شرط الوجوب لها.

(٣) أي : صنعه بعض القائلين بشرطية المأكولية ، إذ قيّدوها بكون اللباس من أجزاء الحيوان ، لا بتلبّس المصلّي بها.

(٤) بلا فرق بين الشك في الوجود أو الرافعية.

٤٩٠

الاندراج في مجاري أصالة الحلّ (١) ـ إنّما هو البحث عن كونها ـ كسابقتها ـ مندرجة في مجاري البراءة ، أو أنّ بينهما فرقا في ذلك.

والتحقيق في ذلك : أنّ الشكّ في اللصوق ـ مثلا ـ ينشأ تارة عن الشك في أصل الوجود كما إذا شكّ في أنّه هل بال الخفّاش محاذيا للمصلّي ، بحيث لو بال وقع عليه قطعا ، وأخرى من جهة الشكّ في الوقوع واللصوق بعد العلم بالتحقّق الخارجيّ.

ولا خفاء في رجوع الشبهة في الصورة الأولى ـ باعتبار ترتّب قيديّة خاصّة على تحقّق كلّ واحد ممّا ينطبق على عنوان الموضوع في الخارج (٢) ، كما قد عرفت ـ إلى الشكّ في تقيّد المطلوب بقيد زائد على ما علم دخله فيه ، فيندرج في مجاري البراءة ـ كما تقدّم.

وهذا بخلاف الثانية ، فإنّه بعد العلم بتحقّق الموضوع في مورد الابتلاء يكون تقيّد المطلوب بعدم الوقوع فيه معلوما ـ لا محالة ـ ، والشبهة راجعة إلى مرحلة تحقّق القيد (٣) المعلوم دخله في‌

__________________

(١) لأنّ الشك فيه إنّما هو في وجود المانع والحرام بالمعنى المتقدّم تحقيقه ـ أعني مطلق الممنوع الشرعيّ ، استقلاليا كان أم قيديا ـ ، والأدلة القائمة على أصالة الحلّ تختصّ بموارد تردّد الشي‌ء المعيّن الخارجيّ بين الحلال والحرام ـ كما هو الحال في موارد الشك في مانعية الموجود ـ ، ولا تشمل موارد الشك في أصل وجود الحرام ـ كما في المقام.

(٢) على نحو الانحلال كما تقدم بحثه مستوفى ، فيشك في أنّه هل قيّد المطلوب بقيد زائد مترتب على وجود بول الخفّاش مثلا ـ الملازم لوقوعه عليه ـ أو لا ، ومقتضى البراءة عدمه.

(٣) أي : تحققه الخارجيّ في مقام الامتثال وفراغ الذمّة.

٤٩١

المطلوب والخروج عن عهدة ما علم من التكليف ، فاللازم ـ حينئذ ـ هو الفحص والتثبّت وعدم الاكتفاء بمجرّد الاحتمال ـ كما هو الشأن فيما يرجع فيه الشبهة إلى مرحلة الخروج عن عهدة التكليف.

وفي لزوم تحصيل العلم بذلك ، أو كفاية الظنّ فيه مطلقا ، أو خصوص الاطمئنانيّ ـ البالغ احتمال خلافه من الوهم بحيث لا يعتني به العقلاء في مقاصدهم ـ وجوه : خيرها أخيرها.

وذلك بالنسبة إلى عدم جواز الاكتفاء بمطلق الظنّ ظاهر ، بعد عدم الدليل على حجيّته إلاّ في موارد خاصّة ـ كالقبلة أو عدد الركعات مثلا ـ ، ووضوح عدم جريان مقدّمات الانسداد ـ على تقدير إنتاجها لمطلق الظنّ ـ في هذه الصورة (١) ، وإن أمكن دعوى جريانها في الصورة الأولى على تقدير عدم الاندراج (٢) في مجاري البراءة ، لكثرة البلوى ، وندرة حصول العلم بالواقع فيها ، واستلزام الاحتياط للحرج الغالبيّ (٣) ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) متعلّق بـ ( جريان ) ، يعني : أنّ مقدمات الانسداد ـ على تقدير إنتاجها حجيّة مطلق الظن ـ غير جارية في هذه الصورة ، وسيظهر وجهه.

(٢) أي : عدم اندراج الصورة الأولى بأن فرض كون المرجع فيها أيضا ـ كالثانية ـ قاعدة الاشتغال.

(٣) ومعه يمكن دعوى تماميّة المقدمات ـ بناء على إنتاجها حجيّة مطلق الظن ـ في هذه الصورة ، ولا كذلك الصورة الثانية ، لقلّة مواردها ، فلا حرج يلزم من الاحتياط فيها.

٤٩٢

وأمّا بالنسبة إلى كفاية الاطمئنان فلما تقرّر في محلّه من استقرار طريقة العقلاء على الاكتفاء به في إحراز مقاصدهم ، وإلغائهم ـ بفطرتهم ـ لاحتمال خلافه بالكلّية ، وجريهم عليه من حيث إحرازهم الواقع به ، وسقوطه عن الوسطيّة (١) عندهم ، لا كاقتفائهم في موارد جلب النفع أو دفع الضرر أثر الظنّ مثلا ، بل والاحتمال ، فإنّ إقدامهم فيهما إنّما هو على عنوان المظنون أو المحتمل ، دون الواقع ـ كما عند حصول الاطمئنان ـ ، ولذا يكتفون به (٢) في مقام الأمن من العطب والهلكة أيضا مع وضوح دوران الإقدام فيه مدار إحراز الواقع ، وبضميمة عدم الردع عنه (٣) في إحراز الأغراض الشرعيّة في غير ما اعتبر فيه خصوص البيّنة يتمّ المطلوب ، ولا يعتبر فيه الحصول عن سبب خاصّ كالعلم (٣) ، بل الظاهر دوران طريقيّة أغلب الأسباب المعوّل عليها عندهم مدار‌

__________________

(١) أي : الوسطية في قياس الاستنتاج ، حذو سقوط العلم عنها ، فهم يرون به الواقع ويتطرّقون به إليه ويرتّبون آثار الواقع بما هو واقع ، لا بما هو مطمئنّ به ـ كما هو الحال في العلم ـ ، وهذا بخلاف استنادهم إلى الظن أو الاحتمال لجلب نفع أو دفع ضرر ، حيث إنهم يرتّبون فيهما آثار الشي‌ء بما هو مظنون أو محتمل.

(٢) أي بالاطمئنان.

(٣) أي : من قبل الشارع ، فإنّ سكوته عمّا استقرّ عليه بناء العقلاء ، وعدم ردعه عنه ـ الكاشف عن إمضائه ـ دليل على اعتباره عنده في الشرعيّات.

(٤) أي : كما لا يعتبر في العلم ذلك.

٤٩٣

حصوله (١) ، نعم يعتبر فيه عدم الاستناد إلى ما يعدّ الركون إليه عندهم من السفه (٢) ـ كالنوم ونحوه ـ ، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

وإلى هذا يرجع ما أفاده في الجواهر من إلحاق الاطمئنان مطلقا بالعلم ، وهو الوجه فيما أفتى به سيّدنا الأستاذ الأكبر قدس‌سره من كفايته في إحراز حال الماهوت ونحوه قبل بنائه على الجواز في أصل المسألة (٣) ، وقد سبقه إلى ذلك شيخنا أستاذ الأساتيذ ـ أنار الله تعالى برهانه ـ فيما صرّح به من كفايته في إحراز وصول الماء إلى البشرة في الغسل والوضوء عند الشكّ في الحاجب ذاتا أو وصفا (٤) ونحو ذلك ـ بناء على إرادته من غلبة الظنّ ذلك ـ ، وليس شي‌ء من ذلك مبنيّا على إجراء مقدّمات الانسداد في خصوص المورد (٥) ، واستنتاج حجيّة الظنّ الاطمئنانيّ منها كي يورد عليه بعدم تماميّتها ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) أي : حصول الاطمئنان كخبر الثقة ، وقول أهل الخبرة ونحوهما.

(٢) لعدم استقرار طريقتهم على الاستناد إليه.

(٣) فهو قدس‌سره حين بنائه على المنع كان يكتفي بالاطمئنان في إحراز كون الماهوت ونحوه متّخذا من مأكول اللحم.

(٤) أي : وجود الحاجب ، أو حاجبية الموجود.

(٥) أي : ليس اكتفاء هؤلاء الأعلام قدس‌سره بالاطمئنان في هذه الموارد خاصّا بها ، ومستندا إلى إجراء مقدمات الانسداد فيها ، بل بملاك حجية الاطمئنان في نفسه.

٤٩٤

الثاني : إنّه قد تبيّن ممّا حررنا عدم اختصاص هذا البحث بما إذا كان الاشتباه فيما يصلّى فيه من جهة الشكّ في اتّخاذه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، واطّراده في جميع ما يتردّد هو بين ما يجوز الصلاة فيه وما لا يجوز (١) ، إلاّ أنّ خصوص التذكية حيث لا يخلو الشكّ فيها إمّا عن أمارة معتبرة توجب البناء عليها ـ كما إذا أخذ من يد المسلم ، أو سوق الإسلام مثلا ـ ، وإلاّ (٢) فمقتضى الأصل الموضوعيّ هو البناء على عدمها ، فقضيّة السببيّة والمسبّبية ـ حينئذ ـ إنّما هو ارتفاع موضوع هذا البحث فيه على كلّ تقدير (٣) ، وخروجه بذلك عن عموم هذا النزاع.

وهذا بخلاف ما إذا شكّ في كونه من الحرير ـ مثلا ـ أو الذهب ، فإنّه بعد البناء فيهما ـ كأجزاء غير المأكول والميتة ـ على المانعيّة أيضا مضافا إلى حرمة اللبس حال الصلاة وغيرها (٤) بعنوان واحد ـ كما هو ظاهر أدلّة الباب ، وكلمات الأصحاب ـ ، دون‌

__________________

(١) كالحرير والذهب.

(٢) أي : وإمّا لا أمارة على التذكية ، ومقتضى الاستصحاب حينئذ عدمها ، إذن فلا يخلو موارد الشك فيها عن وجود أمارة يحرز بها التذكية ، أو أصل يحرز به عدمها.

(٣) فإنّ الشك في جواز الصلاة فيه وعدمه مسبّب عن الشك في تذكيته ، فإذا أحرز تذكيته بالأمارة ، أو عدمها بأصالة عدم التذكية فلا يبقى شكّ في ناحية المسبّب ، فلا موضوع للبحث عن جريان أصالة عدم المانع ، ولا تصل النوبة إلى هذا النزاع أصلا.

(٤) أي : وغير الصلاة بعنوان واحد هو عنوان اللبس.

٤٩٥

الحرمة النفسيّة المحضة (١) كي يندرج في باب النهي عن العبادة ـ كما جنح إليه بعضهم ـ ، فليس في البين ما يوجب البناء على أحد الطرفين أصلا (٢) ـ حسبما تقدّم البحث عنه في أصل المسألة ـ ، ولا المانعيّة فيهما مترتّبة على حرمة اللبس كي يتسبّب أحد الشكّين عن الآخر (٣) ، ويقع البحث في كفاية أصالة الحلّ لإلغاء الشكّ السببيّ ، واستتباعه بذلك لإلغاء الشكّ المسبّبي أيضا وعدمها ـ حسبما مرّ بيان الضابط فيه (٤) ـ ، وإنّما هي مترتّبة في لسان الأدلّة على نفس عنواني الحرير والذهب ، بلا دخل لوصف حرمة اللبس فيه ، ومجرّد التلازم بين الحكمين على تقدير ثبوته لا يوجب ترتيب أحدهما بالأصل القاضي بالبناء على الآخر (٥) ـ كما قد عرفت ـ ، ومن هنا فرّق الأصحاب بين الشكّ في التذكية وغيرها ، فأفردوه‌

__________________

(١) بأن يكون النهي عن الصلاة في الذهب أو الحرير تحريميّا نفسيّا ـ كالنهي عن صلاة الحائض ـ ، لا إرشادا إلى المانعيّة ، وعليه فيندرج في باب النهي عن العبادة المقتضي للفساد.

(٢) من أصل موضوعيّ يحرز به وقوع الصلاة في الحرير أو الذهب ، أو عدم وقوعها فيه ، فإنّه لم يكن هناك زمان كانت الصلاة ولم تكن واقعة في الذهب أو الحرير لتستصحب.

(٣) إذ عليه يكون الشك في المانعية مسبّبا عن الشك في حرمة اللبس.

(٤) مرّ بيانه في أوائل المقام الثاني المعقود للبحث عن اندراج الشبهة المبحوث عنها في مجاري أصالة الحلّ.

(٥) وهو أصالة الحلّ القاضية بحلّ اللبس ، فإنّها لا تجدي في ترتيب ما يلازمها من عدم المانعية إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت.

٤٩٦

بالبحث (١) ، وفصّلوا فيه بين الصورتين ، ثمّ أطلقوا القول بعدم الجواز إذا لم يعلم أنّه من جنس ما يصلّى فيه ، ولم يفرّقوا فيه بين المشتبه بغير المأكول وغيره (٢).

إلاّ أنّ في المدارك ـ بعد أن بنى على ما هو المختار من الجواز ـ جعله في المشتبه بالحرير والذهب أولى (٣) ، ولعلّه للبناء على أنّ مانعيّتهما في طول الحرمة الذاتيّة ، دون القيديّة في عرضها (٤) ، وتوهّم (٥) أولويّة جريان الأصل فيما إذا كانت القيديّة من جهة النهي‌

__________________

(١) أي : الشك في التذكية ، والصورتان هما وجود أمارة معتبرة على التذكية وعدمها.

(٢) أي : بالنسبة إلى غير مشتبه التذكية أطلقوا الحكم بعدم الجواز ، من دون فرق بين المشتبه بغير المأكول والمشتبه بالحرير والذهب. قال المحقق قدس‌سره في الشرائع : ( إذا لم يعلم أنّه من جنس ما يصلّى فيه وصلّى أعاد ).

(٣) أي جعل الجواز فيهما أولى من الجواز في غير المأكول. قال قدس‌سره ( ٤ : ٢١٤ ) تعليقا على قول المحقّق قدس‌سره الآنف الذكر ، وبعد نقله استدلال العلاّمة قدس‌سره في المنتهى على ذلك : بأنّ الشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط ، قال : ( ويمكن المناقشة فيه بالمنع من ذلك ، لاحتمال أن يكون الشرط ستر العورة بما يعلم تعلّق النهي به ، ولو كان الملبوس غير ساتر ـ كالخاتم ونحوه ـ فأولى بالجواز ) انتهى ، هذا. وفي استفادة ما نسبه إليه المحقق الماتن قدس‌سره من العبارة تأمّل ، فلاحظ.

(٤) أي : في عرض الحرمة الذي عرفت أنّه المختار ، والقيدية هي المانعية نفسها ، وتغيير التعبير تفنن.

(٥) عطف على البناء ، والمراد بالأصل أصالة الحلّ.

٤٩٧

النسفيّ من * محلّ البحث وأشباهه. وقد عرفت ما في الجزء الأوّل (١) من المنع ، وسنوضح ما في الجزء الثاني (٢) أيضا في محلّه.

بقي الكلام في أنّ الطهارة الخبثيّة حيث لا يخلو الشكّ فيها ـ مع سبق إحدى الحالتين وعدمه ـ عن الأصل الموضوعيّ أو الحكميّ (٣) المحرز لحال ما اعتبرت هي فيه ، فلا تصل النوبة ـ حينئذ ـ إلى الرجوع إلى ما يقتضيه الاشتغال أو البراءة (٤) كي يبحث عن شمول هذا البحث (٥) وعدمه له ، أو يبنى ذلك على شرطيّتها أو مانعيّة النجاسة (٦).

__________________

(١) وهو كون المانعية مسببة عن الحرمة وفي طولها ، وقد عرفت آنفا ظهور أدلة الباب وكلمات الأصحاب في العرضية ، وترتب المانعية على نفس عنواني الذهب والحرير بلا دخل لوصف حرمة اللبس فيها.

(٢) وهو دعوى أولوية جريان الأصل في القيديّة المترتبة على الحرمة من القيدية التي ليست كذلك ، وسيأتي توضيح ما فيه في التنبيه الرابع.

(٣) لف ونشر مرتّب ، فمع سبق الطهارة أو النجاسة يجري الأصل الموضوعيّ ، ومع عدمه يجري الأصل الحكميّ ـ أصالة الطهارة ـ ، وبهما يحرز حال ما اعتبرت فيه الطهارة من البدن واللباس.

(٤) فإنّها أصول حكمية جارية بالنسبة إلى الصلاة ، ورتبتها متأخرة عن الأصول المحرزة لحال الموضوع الخارجيّ ـ طهارة ونجاسة.

(٥) وهو البحث المعقود له المقام الأوّل المتقدم.

(٦) فعلى الأوّل لا إشكال في كونه من مجاري قاعدة الاشتغال ، وعلى الثاني يندرج في البحث المذكور.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( عن ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٩٨

لكن لو تردّد ما على اللباس ـ مثلا ـ من الدم المسفوح بين المعفوّ وغيره ، فقضيّة ترتّب العفو ـ في لسان دليله ـ على كون الدم أقلّ من الدرهم ، أو من الجروح ـ مثلا ـ هي عدم الجدوى لاستصحاب حال ما هو عليه في معفويّته ، وكون العبرة في ذلك ـ وجودا وعدما ـ بإحراز حال نفسه (١) ، ولمكان أنّه ليس له حالة سابقة يجدي استصحابها ـ حسبما تقدّم الكلام في نظائره ممّا يكون المصداق الخارجيّ مردّدا بين النوعين عند حدوثه ـ ولا مناص عن الجري على ما يقتضيه الاشتغال أو البراءة ، ففي اطّراد هذا البحث وعدمه (٢) حينئذ وجهان : مبنيّان على رجوع نتيجة العفو إلى‌

__________________

(١) يعني : لا أثر يترتب على استصحاب حال اللباس ـ مثلا ـ الذي عليه الدم المشكوك عفوه ، وهو استصحاب عدم وقوع الدم غير المعفوّ عليه ، فإنّه وإن كانت له حالة سابقة لكنّه لا يترتب عليه أثر شرعي ، نظرا إلى ترتب العفو ـ في لسان دليله ـ على كون الدم نفسه على الصفة الكذائية ، لا على كون اللباس ـ مثلا ـ واقعا عليه الدم الكذائي ، فالعبرة ـ إذن ـ بإحراز حال الدم نفسه ، ومن الواضح ـ كما تقدّم في نظائره ـ أنّه ليس له حالة سابقة لتستصحب ، إذ ليس هناك زمان كان الدم ولم يكن على الصفة الكذائيّة ، بل هو عند حدوثه حدث مردّدا بين النوعين دم الجروح مثلا أو غيره ، وحينئذ تصل النوبة إلى الأصول الحكمية من البراءة أو الاشتغال.

(٢) وهو البحث المتقدم تفصيله من كون أمثال المقام من قبيل الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، أو من الشك في المحصّل الراجع إلى الشك في الخروج عن العهدة.

٤٩٩

تخصيص قيديّة الطهارة بما عدا مورد العفو (١) ، وكونها من قبيل تخصيص الوجوب في النفسيّات ، أو رجوعها إلى تخصيص القيد بكونه هو الطهارة عمّا عدا ما يعفى عنه (٢) ، وجريانها مجرى تقييد الواجب دون وجوبه.

وأوّل الوجهين هو المتعيّن (٣) ، فإنّ قيديّة الطهارة في مقابل كلّ من الحدث والنجاسة ، وكونها ضدّا وجوديّا لما يقابلها * في كلا البابين ، لا عدميّا مناقضا له كي يرجع نتيجة قيديّتها إلى مانعيّته (٤) ،

__________________

(١) فلا إطلاق لشرطيّة الطهارة ، بل تختص شرطيّتها بغير موارد العفو ولا شرطيّة في موارده ، كما أنّه لا وجوب في غير مورد تحقق شرط الوجوب ، وعليه فمع التردّد بين المعفوّ وغيره يشكّ في القيدية الزائدة ، ويندرج المورد بذلك في الكبرى المبحوث عنها.

(٢) فلا إطلاق للطهارة المشروط بها ، بل الشرط هو الطهارة عمّا عدا المعفوّ عنه ، أمّا أصل الاشتراط فعلى إطلاقه ، فهو كالواجب المقيّد بقيد مع بقاء الوجوب على إطلاقه ، وعليه فمع التردّد المزبور يرجع إلى قاعدة الاشتغال ، للعلم بأصل الاشتراط وإنما يشك في تحقق امتثاله.

(٣) والمعيّن له هو ما سيأتي : من ظهور نفس لسان العفو في رفع القيدية أوّلا ، ومن استلزام الوجه الثاني ـ ببيان يأتي ـ كون الطهارة أمرا عدميا عبارة عن عدم النجاسة ، وهو خلاف التحقيق.

(٤) أي : مانعية ما يقابلها من الحدث والنجاسة ، لأنّ العدم لا يصلح شرطا فلا محالة يكون نقيضه الوجوديّ مانعا.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يقابله ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥٠٠