الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

للحرمة التكليفيّة في ترتّب الإجزاء العقليّ على تحقّق المطلوب في الخارج (١) ودورانها (٢) على كلّ تقدير ـ وكذلك المقرّبيّة (٣) التي لا يعقل معها عدم تمشّي قصد التقرّب ، ولا ترتّب غير الانقياد عليه عند انتفائها في نفس الأمر ـ مدار (٤) إطلاق المطلوب ، وعدم تعقّل (٥) انحفاظه (٦) بالنسبة إلى متعلّق النهي ـ لمكان المضادّة ـ ، ولا استتباعه (٧) للفساد أو عدم تمشّي قصد القربة لو جاز شموله‌

__________________

(١) فإنّ الصحة والإجزاء العقلي إنّما يترتب ـ بحكم العقل ـ على تحقق المطلوب خارجا وانطباق المأتيّ به عليه ، والرخصة المدّعاة لا دخل لها في ذلك أصلا.

(٢) عطف على ( عدم توسّط ) ، أي : دوران الرخصة على كلّ من تقديري دخلها في الصحة وعدمه.

(٣) عطف على الضمير في ( دورانها ) ، يعني أنّه مع كون العبادة مقرّبة واقعا لا يعقل عدم تمشّي قصد القربة ، وأنّه عند انتفاء المقرّبية في نفس الأمر لا يترتب على قصد التقرب سوى الانقياد.

(٤) متعلّق بـ ( دورانها ) ، يعني أنّ الرخصة والمقرّبية المذكورتين تدوران مدار إطلاق المطلوب وتتقدّران بمقدار شموله ، فإن شمل جميع الانطباقات شملت الرخصة وكذا المقربيّة جميعها ، وإن خصّص ببعضها اختصّتا به أيضا.

(٥) عطف آخر على ( عدم توسّط ).

(٦) الضمير راجع إلى الإطلاق ، والمقصود أنّ إطلاق المطلوب لا يعقل انحفاظه مع تعلّق النهي ببعض أفراده ، لما مرّ من مضادّة الحكمين واستحالة تواردهما على متعلّق واحد ، ومع تقيد الإطلاق وسقوط الأمر بالنسبة إلى الحصة المنهيّ عنها فلا رخصة ولا مقربيّة بالنسبة إليها.

(٧) عطف على ( انحفاظه ) ، والضمير راجع إلى النهي. يعني لو جاز‌

٥٢١

له ، أو فرض (١) وقوع هذا المحال ، ففساد أصل المبنى وما تخيّل ابتناؤه عليه ـ على كلّ من المسلكين ـ ممّا لا خفاء فيه.

الخامس : إنّه لو كانت المانعيّة ناشئة عن المزاحمة (٢) الموجبة لانتفاء شرط المقدوريّة عمّا يتعلّق به أحد الخطابين ، أو يعمّه إطلاقه باتّفاق (٣) مصادفة الآخر ، بعد عدم التنافي من غير هذه الجهة (٤)

__________________

شمول الإطلاق لمتعلّق النهي وفرض وقوع هذا المحال ، فكانت الحصة المحرّمة أيضا مطلوبة لم يعقل معه استتباع النهي المذكور للفساد ، ولزوم البناء على الصحة ، كما لم يعقل عدم تمشّي قصد القربة أيضا.

وبالجملة : فأمر كلّ من الصحة والرخصة وتمشّي قصد القربة دائر مدار إطلاق الأمر ، فإنّه المنشأ الأصليّ لكلّ ذلك ، فما شمله الإطلاق ثبت له جميع ما ذكر ، وما لم يشمله ـ كالحصة المنهيّ عنها ـ لم يثبت له شي‌ء منها ، ولو فرض ـ محالا ـ شموله للحصة المذكورة كان شأنها شأن غيرها ممّا يشمله فيتضمن الأمر الرخصة في الإتيان بها ، كما ويتمشّى بها قصد القربة ، ويحكم عليها بالصحة. إذن فمع غضّ النظر عمّا يستتبعه النهي من تقييد إطلاق الأمر المقتضي للفساد لا وجه للحكم بالفساد استنادا إلى منافاة الحرمة للرخصة المزبورة ، أو إلى عدم تمشّي قصد القربة معها ، وعليه فلا محصّل لشي‌ء من المبنيين.

(١) عطف تفسير وتوضيح.

(٢) المانعية هنا تغاير المانعية المصطلحة المتحقّقة في الموارد المتقدّمة ، فإنّها هنا بمعنى المراحمة والمعجزيّة والشاغلية ، دون قيدية الخصوصية العدمية في المتعلق ، فانتبه.

(٣) متعلق بـ ( انتفاء ) ، والباء للسببية.

(٤) وهي جهة قصور القدرة عن أحد المتعلقين وعدم التمكن من امتثال‌

٥٢٢

ـ كما هو ضابط الرجوع إلى باب تزاحم الحكمين المترتّب على توجّه التكليف بهما إلى المكلّف * القادر (١) ، دون تعارض الدليلين المبنيّ على استحالة ما عدا الواحد منهما حسبما حرّر في محلّه ـ ، فلا خفاء في عدم صلاحيّتها لتطرّق الشبهة فيها (٢) ـ حذو ما تقدّم في أنحائها ـ كي يبحث عن دخولها في عموم هذا النزاع أو خروجها عنه.

وذلك لأنّه بعد استناد مانعيّة المزاحم إلى كونه ـ بشاغليّته التشريعيّة وعدم تمكّن المكلّف في عالم التشرّع والتديّن من عدم الجري على طبقه ـ تعجيزا (٣) مولويّا له عمّا لا يتمكّن معه منه ، وجاريا مجرى الشاغل القهريّ والمانع التكوينيّ في ذلك ، فلا‌

__________________

أحد الخطابين.

(١) بيان لضابط الفرق بين بابي التزاحم والتعارض ، محصّله : أنّ التزاحم يقع بين خطابين فعليين متوجهين إلى المكلف القادر على امتثال كلّ منهما في حدّ نفسه وقد أوجب اتفاق مصادفتهما عجزه عن امتثال أحدهما ، أمّا التعارض فيقع بين دليلين يستحيل اجتماع مدلوليهما جعلا.

(٢) أي : لا يتصوّر هنا الشك في المانعية كما كان يتصور في أنحائها المتقدمة.

(٣) خبر لـ ( كونه ) ، أي : كون المزاحم تعجيزا مولويّا للمكلف عن المزاحم الآخر الذي لا يتمكن منه مع الأوّل.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( بالمكلف ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥٢٣

يعقل لها (١) تحقّق واقعيّ إلاّ مع تماميّته في الشاغليّة التشريعيّة الموجبة لسلب الاختيار عنه ـ بحسب الجعل والتشريع ـ عن عدم الجري عليه ، ولا يكاد أن يتّصف بذلك (٢) إلاّ بوصوله ، فإنّه المتوقّف عليه تأثيره في اختياره والمنوط شاغليّته به ، وأمّا نفس وجوده الواقعيّ فحيث إنّه بنفسه ومع عدم وصوله إليه ـ بأحد أنحائه ـ قاصر عن التأثير المذكور ، ولا شاغليّة له بنفس مؤدّاه (٣) فبأن لا يكون شاغلا له (٤) عن غيره وموجبا للعجز عنه أحقّ وأحرى بعد ترتّب الثانية على الاولى (٥) ، وإذ لا مانعيّة له إلاّ بوصوله لا بنفسه فلا يعقل أن يستتبع الشكّ فيه للشكّ فيها (٦) ـ كما لا يخفى.

وعلى هذا يستقيم ما ظاهرهم التسالم عليه من قصر مانعيّة النهي عن الغصب ونحوه من العناوين المجامعة * للمطلوب في‌

__________________

(١) أي : لا يعقل للمانعية تحقق إلاّ مع تمامية المزاحم في الشاغلية الموجبة لسلب اختيار المكلّف ـ تشريعا ـ عن تركه.

(٢) أي : لا يتّصف المزاحم بصفة تماميّة الشاغلية.

(٣) أي : بالنسبة إلى نفس مؤدّاه.

(٤) أي للمكلّف.

(٥) فإنّ الشاغلية إلى النفس بمنزلة الموضوع للشاغلية عن الغير.

(٦) أي : في المانعية ، فإنّ المشكوك فيه غير واصل ، ومثله لا شاغلية له عن غيره فلا مزاحمة له ولا مانعية جزما.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( الجامعة ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٢٤

الوجود الخارجيّ (١) بصورة تنجّزه (٢).

لكن لا يخفى أنّ الكلام فيما إذا اجتمع العنوانان المتعلّق أحدهما للأمر والآخر للنهي إيجادا ووجودا ـ كما هو موضوع البحث في مسألة الاجتماع ـ يقع :

تارة (٣) في أنّه بعد وضوح مضادّة الحكمين واستحالة تواردهما ـ ولو بالإطلاق ـ على متعلّق واحد ، والفراغ عن عدم الجدوى لمجرّد تعدّد العنوان في ارتفاع هذا المحذور إلاّ مع تعدّد المعنون ـ الذي هو متعلّق الحكم والعنوان مرآة له وآلة لملاحظته ـ ، لا مع اتّحاده وإن تعدّدت جهة الصدق والانطباق ، فهل الاجتماع في مفروض المقام (٤) من باب انتزاع العنوانين عن نفس المجمع ـ بما‌

__________________

(١) كما في الصلاة في المكان المغصوب.

(٢) فإنّ غير المتنجّز الواصل لا شاغلية له ـ كما عرفت ـ فلا مزاحمة ولا مانعية ، إذن فتصح صلاة الجاهل بالغصب ـ كما عليه التسالم.

(٣) هذه هي الجهة الاولى من الجهتين المبحوث عنهما في مسألة الاجتماع في الأصول.

(٤) وهو ما إذا اجتمع العنوانان ـ كالصلاة والغصب ـ إيجادا ووجودا ، فالقائل بامتناع اجتماع الأمر والنهي فيه يرى أنّ العنوانين في مفروض البحث منتزعان عن المجمع نفسه ، وجهتا الصلاة والغصب المجتمعتان فيه موجبتان لصحة انتزاع العنوانين عنه ، أو أنّهما متصادقان عليه ـ كتصادق عنواني العالم والفاسق على زيد ـ ، والجهتان علّتان للصدق والانطباق ـ كعليّة علم زيد وفسقه لصدق العنوانين المذكورين عليه ـ ،

٥٢٥

__________________

وعلى كلّ تقدير فالمجمع أمر واحد وحقيقة فأرده ، وتعدّد العنوان والجهة لا يوجب تعدده ، فيلزم من شمول إطلاق دليل كلّ منهما للمجمع تعلّق كلّ من الحكمين بعين ما تعلّق به الآخر وهو محال.

ونحن إذ نختار الجواز نقول : إنّ محط البحث إنّما هو ما إذا اتحد العنوانان إيجادا ووجودا ، دون ما إذا تصادقا مفهوما على ذات واحدة ، وكما لا ريب في امتناع الاجتماع في الثاني وكونه من التعارض بالعموم من وجه ، كذلك لا ينبغي الريب في جوازه في الأوّل.

ومحصّل الفرق بينهما : أنّ مرجع التصادق إلى مصداقيّة هويّة واحدة لعنوانين جوهريين أو عرضيين أو مختلفين ، وانطباقها عليهما وصحة حملهما عليها لكونهما مأخوذين ( لا بشرط ) بالإضافة إليها ـ كما في العناوين الاشتقاقية المحمولة على الذوات ـ ، والتركيب بينهما حينئذ تركيب اتحاديّ نظرا إلى وحدة الهويّة المنطبقة عليهما ـ وجودا وماهية ـ ، والجهتان ـ كعلم زيد وفسقه أو حيوانيته وناطقيته ـ تعليليتان لكون كلّ منهما علة لمصداقية تلك الهويّة لعنوان ، وتعدد الجهات الجوهرية أو العرضية في ذات لا يوجب تعددا في الذات نفسها ـ بالضرورة ـ ، وحينئذ فمع وحدة الهويّة يندرج المورد في باب التعارض ، ولا جدوى فيه لتعدّد العنوان.

أمّا الاتحاد الوجوديّ فمرجعه إلى وجود هويّتين متباينتين ـ بتمام حقيقتهما ـ بوجود واحد منبسط عليهما ، وذلك فيما إذا صدرتا من الفاعل بتأثير واحد وحركة فأرده من دون تمايز بينهما بحسب الإشارة الحسيّة ، فالوجود واحد بوحدة عددية لكنّه ـ حقيقة ـ وجودان لماهيّتين‌

٥٢٦

هو كذلك ـ ، أو تصادقهما عليه تصادق عنواني العالم والفاسق على زيد ـ مثلا ـ ، والجهتان المتباينتان موجبتان لصحّة الانتزاع ـ مثلا ـ ، أو علّتان ـ كعلم زيد وفسقه ـ لما ذكر من الصدق والانطباق ، فلا يجدي تعدّدهما تعدّدا في المجمع المنطبق كلّ منهما عليه أصلا ، ويلزم من إطلاق كلّ منهما له تعلّق كلّ من الحكمين بعين ما يتعلّق الآخر ـ بالإطلاق ـ به.

أو أنّه بعد أن كان عقد ذلك البحث فيما إذا اتّحد العنوانان ـ إيجادا ووجودا ـ ، دون ما إذا تصادقا مفهوما ، وامتاز بذلك عن التعارض بالعموم من وجه ـ حسبما أوضحنا في محلّه أنّه ضابط البابين ـ ، فمقتضى نفس الفرض حينئذ ـ مع الغضّ عن البراهين‌

__________________

لا تصادق بينهما ولا انطباق ، وإنّما ينطبق إحداهما على أحد العنوانين والأخرى على الآخر ، نعم كلّ منهما مشخّصة للأخرى وتجري منها مجرى الضمائم ، ولمكان تعدّد الهويّة يكون التركيب بينهما انضماميّا ملازما لتقييدية الجهتين ، ولا يصح حمل إحداهما على الأخرى لمباينتهما ولحاظ كلّ منهما ( بشرط لا ) بالنسبة إلى الأخرى ، ومع تعدّد الماهيّة فلا محالة يتعدّد الوجود ويكون لكلّ منهما حظّ من الوجود المنبسط مغاير للأخرى.

وبما أنّ الأحكام لا تتعلق بالطبائع بما لها من الضمائم ، ولا بالأشخاص بمشخّصاتها ، بل بالطبائع المعرّاة ـ كما حقق في محله ـ فلا مانع من شمول إطلاق كلّ من الحكمين لمورد الاجتماع ، وتكون إحدى الهويّتين متعلقة للأمر والأخرى للنهي من دون محذور ، والتفاصيل محررة في الأصول.

٥٢٧

المحرّرة في محلّها ـ هو تعدّد ما ينطبق على العنوانين لا اتّحاده ، لأنّ مرجع التصادق إنّما هو إلى مصداقيّة هويّة واحدة لطبيعتين جوهريّتين كانتا ـ كما في تصادق الجنس والفصل ـ أو عرضيتين ـ كمثال العالم والفاسق ـ أو مختلفتين * ، والاجتماع على هذا الوجه هو المعبّر عنه في مصطلح علماء المعقول بالتركيب الاتّحادي الملازم لتعليليّة الجهتين ، لكونهما ـ كالعلم والفسق في المثال ، وكذلك الحيوانيّة والناطقيّة مثلا ـ راجعة إحداهما إلى ما به تكون الذات الخارجيّة مصداقا لإحدى الطبيعتين والأخرى إلى ما به يكون نفس تلك الذات مصداقا للأخرى ، ولعدم تعدّد تلك الهويّة بذلك فيكون المنطبق على أحد العنوانين منطبقا بعينه على الآخر ويستحيل توارد الحكمين عليه.

وهذا بخلاف ما إذا اتّحدا وجودا ، فإنّ قضيّة نفس الفرض حينئذ ـ مع الغضّ عن كلّ برهان ـ هي موجوديّة هويّتين متباينتين بوجود واحد منبسط عليهما ، وتشخّص كلّ منهما بالأخرى بأحد أنحائه ، فيندرج فيما يعبّر عنه في اصطلاحهم بالتركيب الانضماميّ الملازم لتقييديّة الجهتين ، لكونهما (١) هما المنطبقتين على العنوانين‌

__________________

(١) تعليل لتسمية الجهة في هذا الفرض بالتقييدية ، والظاهر أنّه قدس‌سره يروم‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( جوهريين كانا ، عرضيين ، مختلفين ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٢٨

مقيّدة كلّ منهما من الوجود المنبسط عليهما حصّتها ، ويختصّ ذلك في الجوهريّين بالهيولى والصورة ـ حذو اختصاص تصادقهما أيضا بالجنس والفصل (١) ـ ، وفي العرضين ـ كمفروض المقام ـ أو المختلفين (٢) بما إذا كانت إحداهما من المقولات الصالحة لأن تكون ضميمة في الوجود للأخرى ـ حسبما أوضحناه في محلّه ـ ، ومثال الغصب والصلاة وما كان من قبيله من ذلك.

وبالجملة : فمقتضى ما فرض موضوعا في عقد البحث هو كون الجهتين الصادرتين عن الفاعل بإيجاد واحد هما المنطبقتين‌

__________________

إرجاع التقييد هنا إلى معنى التعيين ، أي : تعيّن كلّ من الجهتين حصّتها من الوجود المنبسط وتفصلها عن الأخرى.

(١) ينبغي إلحاق النوع بهما في ذلك ، فإنّه عنوان جوهريّ متصادق مع كلّ من الجنس والفصل.

(٢) أي : يختصّ التركيب الانضماميّ في العرضين أو المختلفين بالمقولات العرضية الصالحة للانضمام إلى مقولة أخرى بحيث يتحقق به التركيب الانضمامي سواء كانت كلّ منهما مقولة مستقلّة قابلة لصدورها من المكلف ابتداء بلا توسيط فعل من الأفعال ـ كالصلاة والغصب ـ أم كانت إحداهما كذلك والآخر متمّما للمقولة ، والمراد بهذا الأخير الإضافة اللاحقة لفعل المكلف والارتباط الحاصل بينه وبين متعلقة ممّا لا يمكن صدوره منه مستقلا ، كالابتداء والانتهاء بالنسبة إلى السير ، وآلية الإناء ونحوه بالنسبة إلى الأكل والشرب ونحوهما ، فإذا تعلق الأمر بالوضوء والنهي عن استعمال آنية الذهب والفضّة مثلا كان الوضوء في الآنية المذكورة مندرجا في باب الاجتماع ، والتفاصيل موكولة إلى محلها.

٥٢٩

على العنوانين ، لا علّتين لانطباق المجمع ـ المفروض تركّبه منهما بما هو كذلك ـ على كلّ واحد كي يلزم الخلف (١).

وإذ لا خفاء في أنّ مثار الكثرة هو الماهيّات ، وبتعدّدها تتعدّد الوجودات ـ لا محالة ـ وإن كانت مشخّصة بعضها لبعض ـ بأحد أنحائه ـ ، ولا يعقل أن يكون حظّ كلّ منهما من الإيجاد والوجود المنبسط عليهما هو بعينه حظّ الآخر منه ، ولا وحدته (٢) ووحدة الشخص المتحصّل منهما إلاّ عدديّة لا حقيقيّة فتتعدّدان ماهيّة ووجودا ـ وإن تشخّصت إحداهما بالأخرى. وبعد الفراغ عن أنّ متعلّقات الأحكام هي الطبائع المعرّاة عن الضمائم دون الأشخاص بمشخّصاتها فيجري كلّ منهما بالنسبة إلى الأخرى مجرى سائر الضمائم الخارجة عمّا يراد تحقّقه أو انتفاؤه (٣) ، ولا يلزم من إطلاق الطرفين ما ذكر من المحذور.

واخرى (٤) في أنّه بعد الفراغ عن رجوع الاجتماع في محلّ‌

__________________

(١) فإنّ كون الجهتين علّتين للانطباق خلف لما فرض من كونهما هما المنطبقتين على العنوانين والمجمع مركبا منهما تركيبا انضماميا.

(٢) أي : ليست وحدة الإيجاد والوجود المنبسط ووحدة الشخص المتحصّل من الوجودين إلاّ وحدة عددية.

(٣) بالأمر به أو النهي عنه.

(٤) هذه هي الجهة الثانية من جهتي البحث في مسألة الاجتماع ، ومحصّلها : أنّ وجود المندوحة هل يكفي في تحقق امتثال الأمر بالإتيان‌

٥٣٠

البحث إلى باب الانضمام دون التصادق ، ووضوح أنّ قضيّة اشتراط التكليف بالقدرة على متعلّقاتها هي تزاحم الخطابين عند انتفاء المندوحة (١) وسقوط أحدهما حينئذ بعدم مقدوريّته. فهل يكفي وجودها وتمكّن المكلّف من الطبيعة المأمور بها بذلك (٢) في الإتيان بالفرد المجامع للمحرّم بداعي أمرها لفرض القدرة عليها ، وعدم خروج ما لا يقدر عليه (٣) من جهة الضميمة المحرّمة (٤) عن الانطباق عليها بعد اشتماله ـ في عرض غيره ـ على جهة المطلوبيّة وانتفاء ما يوجب التقييد بالمقدوريّة (٥).

__________________

بالمجمع باعتبار أنّ الطبيعة المأمور بها مقدورة على الفرض ، وهي منطبقة على المجمع لاشتماله ـ كغيره ـ على ملاك المطلوبية ، وليس في البين ما يوجب تقييد متعلق الأمر بالقدرة ، أو لا يكفي نظرا إلى وجود ما يوجب التقييد المزبور وهو امتناع تعلق الإرادة التشريعية ـ بعثا أو زجرا ـ إلاّ بالمقدور ، فغير المقدور ـ ولو شرعا كالمجمع ـ لا يشمله إطلاق الأمر ، فيبطل حيث لا مصحّح له وراء ذلك ـ كما سيشار إليه هنا ممّا هو مفصّل في الأصول.

(١) بأن انحصر امتثاله للأمر في الإتيان بالفرد المجامع للمحرّم.

(٢) أي : بوجود المندوحة.

(٣) يعني : بالقدرة الشرعية.

(٤) متعلق بـ ( يقدر ) ، وما لا يقدر عليه من هذه الجهة هو الفرد المجامع للمحرّم.

(٥) في قبال الوجه الثاني المبنيّ على وجود ما يوجب تقييد الطبيعة بالمقدورية.

٥٣١

أو أنّه وإن كانت المندوحة موجبة لعدم التزاحم بين الخطابين لكنّه بعد أن كانت حقيقة الإرادة التشريعيّة ـ كالتكوينيّة ـ عبارة عن اختيار أحد طرفي ما فرض مقدورا (١) بالبعث عليه أو الزجر عنه ، فكما لا يصلح أن تتعلّق بغير المقدور ـ ولو مع الغضّ عن استقلال العقل بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه ـ فكذا لا يصلح أن تتعلّق * بالقدر المشترك بينهما بما أنّه كذلك (٢) ، فتكون المقدوريّة حينئذ من القيود اللاحقة من ناحية الوقوع في حيّز الخطاب لكونها من لوازم حقيقة البعث والزجر. كما أسلفناه (٣).

ولازم ذلك هو تبعيّة إطلاق المطلوب لمقدار مقدوريّته وخروج ما لا يقدر عليه ـ لمكان المزاحم ـ عن الانطباق عليه بما هو يطالب به وإن كان مشتملا على جهة الحكم وملاكه ، وكان قصدها (٤) كافيا عندنا في المقرّبيّة المعتبرة في العباديّة في غير أمثال المقام ممّا (٥) يوجب المزاحم ـ مضافا إلى سلب القدرة عمّا‌

__________________

(١) لا مطلقا ، إذن فمتعلق الإرادة هو خصوص الحصّة المقدورة.

(٢) أي : بما أنّه قدر مشترك شامل لغير المقدور.

(٣) وذلك أثناء البحث حول شرط القدرة في المقدّمة الثانية للمقام الأوّل.

(٤) أي : قصد الجهة والملاك.

(٥) بيان لأمثال المقام ، والمقصود الإشارة إلى ما حقّقه قدس‌سره في الأصول من‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( يتعلق ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٣٢

يزاحمه ـ خللا في حسنه الفاعليّ أيضا ـ كما حرّر في محلّه. ونظير هذا البحث يجري في جميع ما يكون بعض أفراد الواجب ممّا لا يقدر عليه لمانع شرعيّ من حيث استلزامه إمّا لترك واجب لا بدل له ـ كالضدّين الموسّع أحدهما (١) ـ أو فعل محرّم ـ كما في محلّ البحث وأشباهه.

وإذ قد عرفت ذلك فلا يخفى أنّ إرجاع (٢) المبحوث عنه في مسألة الاجتماع إلى صغرى التزاحم ـ كما هو مقتضى تسالمهم‌

__________________

أنّ قصد الملاك إنّما يجدي في المقربية ـ كما هو المختار ـ فيما إذا لم يوجب المزاحم خللا في حسنه الفاعليّ ، أمّا إذا أوجبه ـ كما في أمثال المقام ممّا تكون العبادة صادرة من الفاعل على وجه مبعّد قبيح لإتيانه به مركّبا مع الحرام بإيجاد واحد وحركة فأرده ـ فمثله لا يصلح للمقربية فيبطل.

(١) كما إذا وجبت الصلاة وهي موسّعة ووجب إنقاذ الغريق وهو فوريّ ولا بدل له ، فترك الإنقاذ واشتغل بالصلاة في سعة وقتها ، هذا. ولازم كلامه قدس‌سره عدم اتصاف الصلاة ـ في هذا الفرض ـ بالحسن الفاعليّ فتبطل حذو الصلاة في المغصوب ، فلاحظ.

(٢) محصّل المقصود : أنّ القوم إذ رتّبوا لوازم باب التزاحم ـ من قصر المانعية بصورة التنجز وتخصيص النزاع بمورد وجود المندوحة ـ على المقام فلأجل بنائهم على اندراجه في هذه الكبرى واختصاص النزاع بالجهة الثانية المتقدمة بعد الفراغ عن انتفاء التعارض وجواز الاجتماع من الجهة الاولى. ولو فرض النزاع من الجهة الأولى فالقائل بالامتناع لا بدّ أن يدرجه في باب التعارض بدعوى وجود ملاكه فيه ، ولا مجال لإدراجه ـ على هذا التقدير ـ في باب تزاحم الحكمين أصلا.

٥٣٣

على قصر مانعيّة النهي بصورة تنجّزه ، وكذلك إخراجهم لما إذا انتفت المندوحة عن حريم النزاع وعقد البحث في غيره ـ إنّما يستقيم إذا كان البحث عنه والبناء عليه من الجهة الثانية بعد الفراغ عن تباين متعلّقي * الحكمين كليّا ، وكون الاجتماع في المقام من باب انضمام إحدى الهويّتين بالأخرى وتشخّصها بذلك ، دون تصادق العنوانين على هويّة واحدة ـ كما في مثل ( أكرم عالما ولا تكرم الفاسق ) ونحو ذلك.

وأمّا إذا كان البحث عنه والبناء عليه من الجهة الأولى ـ كما هو المشهور عند متأخّري من يرى الامتناع ، وإن كان ظاهر متقدّميهم خلاف ذلك ـ فلا يكاد يستقيم ذلك (١) أصلا ، إذ ليس ما يبحث عنه من هذه الجهة إلاّ استلزام إطلاق الطرفين لمحذور اجتماع الضدّين أو عدم استلزامه له (٢) ، ورجوعه إلى البحث عن صغرى التعارض أوضح من أن يخفى ، كيف وليس تمام موضوعه وملاكه إلاّ عبارة عن استحالة توارد الحكمين ـ الحاكي أحد الدليلين عن أحدهما والآخر عن الآخر ـ على هويّة واحدة ، وهذا بعينه هو الذي يبحث عنه من هذه الجهة ويدّعيه القائل بالامتناع.

وبعد البناء عليه (٣) فيندرج المقام في جزئيّات التعارض‌

__________________

(١) أي : ترتيبهم لوازم باب التزاحم المتقدمة.

(٢) لكون التركيب بين المتعلقين اتحاديا أو انضماميا.

(٣) أي : البناء على توارد الحكمين على هويّة واحدة والقول بالامتناع.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولي ( متعلق ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٣٤

بالعموم من وجه ولا مناص عن الجري على ما يقتضيه قواعده ، ولا مساس له بباب تزاحم الحكمين أصلا ، ضرورة أنّ عدم دخل (١) التنجّز وعدمه ولا وجود المندوحة وعدمها في تضادّ الأحكام ، واستحالة تواردها ـ ولو بالإطلاق من الجانبين أو أحدهما ـ على متعلّق واحد ممّا لا يعقل أن يفرّق فيه بين المقام وغيره ممّا يتصادق العنوانان على هويّة واحدة ، ولو بني على الامتناع بهذه الدعوى فكيف يعقل التفكيك في التقييد (٢) الناشئ عن تضادّ الحكمين بين موارده؟.

ومجرّد اشتمال (٣) كلّ من الحكمين على المقتضي في محلّ البحث وإن كان مجديا في صحّة تسمية المقام ـ بهذا الاعتبار ـ بالتزاحم (٤) ، لكنّه لا يجدي في اللحوق بباب تزاحم الحكمين‌

__________________

(١) محصّل المراد : أنّ ما ذكر ـ من استحالة توارد الحكمين على هويّة واحدة ـ هو تمام ملاك التعارض ولا دخل فيه للتنجز وعدمه ، ولا لوجود المندوحة وعدمها ، ولا يفرّق في عدم الدخل المذكور بين مقام وآخر ، فكيف يعقل البناء في المقام على التعارض مع البناء على اختصاص المانعية بصورة التنجز وتخصيص النزاع بمورد وجود المندوحة؟.

(٢) وهو تقييد إطلاق أحد الدليلين أو كليهما ـ الذي لا بدّ منه في موارد التعارض بالعموم من وجه.

(٣) تعريض بما نهجه صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّه يعتبر في الاندراج في مبحث الاجتماع اشتمال كلّ من متعلّقي الحكمين في مورد الاجتماع على ملاك حكمه ، فبدونه يندرج المورد في باب التعارض.

(٤) لكونه تزاحما بين المقتضيين.

٥٣٥

وإعمال قواعده ، كيف ومع الغضّ عن اطّراده في جميع أبواب التعارض من حيث كاشفيّة كلّ من المتعارضين ـ ما لم تصل النوبة إلى طرح سنده (١) ـ عن ذلك وعدم منافاة الآخر له إلاّ في النتيجة (٢) دون وجود الجهة المغلوبة ، إلاّ إذا علم بكذلك أحدهما (٣) من الخارج فيخرجان عن باب التعارض رأسا ويكونان من اشتباه الحجّة باللاحجّة ، وبينهما بعد المشرقين ، فلا يخفى أنّ غاية ما يوجبه اشتمال كلّ من الحكمين المتضادّين على المقتضي في حدّ نفسه هو تمانع الجهتين وتزاحمهما النفس الأمريّ عند الآمر في ملاكيّة الحكمين المستحيل جعل ما عدا الواحد منهما لمكان المضادّة (٤) ، وغاية ما يتوقّف عليه ذلك إنّما هو التفات الآمر‌

__________________

(١) إذ مع طرح سند أحدهما ـ لاشتمال الآخر على المرجّح السنديّ ـ لا يبقى ما يكشف عن الملاك.

(٢) يعني : إذا لم يطرح سند أيّ منهما فترجيح أحدهما بأحد المرجّحات ـ غير السندية ـ لا ينافي كاشفية المرجوح في نفسه عن الملاك في الجملة وإن كان مغلوبا بالنسبة إلى ملاك الراجح ، وإنّما المنافاة الناشئة عن التعارض واقعة في النتيجة وما ينتهي إليه الأمر ، وذلك بالأخذ بأحدهما وطرح الآخر.

(٣) فينتفي حينئذ موضوع الاستكشاف المزبور ، لكنّه ليس من التعارض في شي‌ء. أذن فالتزاحم بين المقتضيات متحقّق في جميع موارد التعارض إذا لم ينته الأمر فيها إلى طرح السند.

(٤) فيوجب ذلك تقديم الأقوى منهما ملاكا وجعل الحكم على طبقه خاصّة دون الآخر.

٥٣٦

بذلك (١) ، ولا مساس لتنجّز الخطاب (٢) الناشئ عن الجهة الغالبة بخروج الأخرى عن ملاكيّة الحكم عنده ، ولا لعدم تنجّزه بارتفاع المضادّة المتوقّفة عليه ملاكيّة الجهة المغلوبة للحكم على حسب ما تقتضيه ، وهذا بخلاف ما إذا كان الحكمان المشروط كلّ واحد منهما بالقدرة على متعلّقه مزاحما أحدهما المعيّن ـ مثلا ـ أو المخيّر للآخر وموجبا للعجز عنه ، لما عرفت (٣) من قصوره عن كونه تعجيزا مولويّا عمّا يزاحمه إلاّ بعد وصوله ، وعدم كونه مزاحما له إلاّ في البعث عليه والطلب به ، لا في * تماميّة ملاكه وجهة حسنه الكافية في العباديّة والمقربيّة في غير المقام ـ كما قد عرفت (٤).

__________________

(١) أي بالتمانع والتزاحم النفس الأمريّ المزبورين.

(٢) يعني ليس شأن تزاحم الملاكين عند الآمر شأن تزاحم الحكمين عند المكلف في توقّف تحقّق التزاحم بينهما ـ الموجب لسقوط الخطاب المهمّ ـ على تنجز الخطاب الأهمّ ، وارتفاع التزاحم من البين مع عدم تنجزه ، ضرورة أنّه لا أثر لتنجز الحكم الأقوى ملاكا في سقوط الملاك الآخر عن ملاكيته للحكم ، ولا لعدم تنجزه في ارتفاع المضادّة بين الحكمين والمزاحمة بين الملاكين.

(٣) عرفته في أوّل هذا التنبيه ـ الخامس.

(٤) في هذا التنبيه لدى البحث عن الجهة الثانية من جهتي البحث في مسألة الاجتماع.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( إلى ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٣٧

وبالجملة : فلو بني على الامتناع ـ بدعوى رجوع الاتّحاد في الوجود أيضا إلى تصادق العنوانين وارتفاع الفارق بين البابين ـ فلا محيص عن الالتزام بخروج المجمع عن إطلاق أحدهما في نفس الأمر ـ كما في نظائره (١) ـ ، وبعد ترجيح جانب النهي بما يؤخذ به في نظائر المقام فيرجع الأمر إلى تقيّد المطلوب النفس الأمريّ بما عدا المحرّم ـ لا محالة ـ إمّا بعنوانه الأوّليّ الذاتيّ (٢) ويلزمه الفساد ولو مع نسيان الحرمة فضلا عن الجهل بها ، كما في غيره ممّا يتقيّد أحد العامّين من وجه بما عدا الآخر ، أو الثانويّ المتحصّل من تعلّق النهي به (٣) وعليه يتوجّه التفصيل في الفساد بين الجهل والنسيان في جميع ما يكون التقييد ناشئا عن مضادّة الحكمين من دون فرق بين المقام وغيره. وعلى كلّ منهما فتكون القيديّة في المقام ـ كحالها فيما إذا استفيدت من تعلّق النهي النفسيّ بنوع من العبادة ومن جزئيّاته (٤) ـ واقعيّة لا مجال لدعوى قصرها‌

__________________

(١) من موارد التعارض بين العامّين من وجه.

(٢) كعنوان الغصب ، فيتقيّد الصلاة مثلا بعدم وقوعها في المغصوب ، وعليه فيحكم بفساد الواقعة فيه مطلقا ـ ولو جهلا أو نسيانا.

(٣) كعنوان الغصب المحرّم ، وعليه تتقيّد الصلاة بعدم وقوعها في المغصوب على وجه محرّم ، ويحكم بفساد الواقعة في المغصوب جهلا ، دونها نسيانا لانتفاء الحرمة بالنسيان.

(٤) أي : من جزئيات ما إذا استفيدت القيدية من النهي النفسيّ ، وقد تقدّم تفصيل الكلام فيها في التنبيه السابق ـ الرابع.

٥٣٨

بصورة التنجّز ، فيتطرّق الشكّ فيها (١) حينئذ ـ على حدّ سائر القيود الواقعيّة ـ لا محالة ، ولا جدوى لأصالة الحلّ في إلغائه على كلّ من الوجهين (٢) ـ حذو ما تقدّم (٣) ـ ، ولا لوجود الجهة المغلوبة أيضا في العباديّة والمقرّبيّة (٤) ـ كما قد عرفت ـ ، بل ولا بدّ عند انتفاء المندوحة ـ وكذلك النسيان أيضا ـ من الجري على ما يقتضيه تعذّر القيد الناشئ قيديّته من الخطاب النفسيّ أو نسيانه ، دون تزاحم الحكمين ـ كما لا يخفى.

وتسالمهم في جميع ذلك على خلاف ذلك وجريهم فيها على قواعد التزاحم ممّا لا ينطبق إلاّ ببناء الامتناع ـ إمّا مطلقا أو عند انتفاء المندوحة خاصّة ـ على الجهة الثانية دون الاولى ، ولا يستقيم على هذا المبنى (٥) أصلا.

بل لو قيل بكون الجهل بالحكم ـ كالنسيان ـ موجبا لسقوط‌

__________________

(١) أي : في القيدية كما إذا شك في غصبية المكان فإنّه يستتبع الشكّ في تقيد الصلاة بعدم وقوعها فيه ويندرج في باب الأقل والأكثر الارتباطيين.

(٢) من تقيد المطلوب بما عدا المحرّم بعنوانه الاوّليّ أو الثانويّ.

(٣) تقدّم تحقيق الحال في ذلك في المقام الثاني وكذا في التنبيه الرابع مفصّلا.

(٤) إذ لا أثر لوجودها مع فرض تقيد العبادة واقعا بعدم وقوعها في الحرام.

(٥) وهو بناء الامتناع على الجهة الاولى واندراج المقام في باب التعارض.

انتهى ما أردت إيراده شرحا على الرسالة الشريفة ، والحمد لله على توفيقه لإتمامه وله الشكر على تأييده وإنعامه والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله الهداة المعصومين.

٥٣٩

الخطاب واقعا بدعوى أنّ هذا هو مفاد حديث الرفع لا مجرّد المعذوريّة ، والتزم بما يلزمه من التوالي لم يجد ذلك في التفصيل بين المقام وغيره ممّا يتصادق العنوانان على هويّة واحدة ، فليكن ذلك أيضا كاشفا عن فساد ذلك المبنى من أصله ، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

وليكن هذا آخر ما أردنا تحريره في تنبيهات المسألة من استقصاء أنواع الموانع وأنحاء المانعيّة وتميّز ما يدخل الشكّ فيه في عموم هذا النزاع عمّا يخرج منه.

ولنختم الرسالة بذلك حامدا مصلّيا مسلّما ، وكان تسويدها بيد مصنّفها العاصي الجاني المبتلى بهواه ( محمّد حسين النائيني ) ـ عفا الله تعالى عن جرائمه وتجاوز عنه ـ في السنة الخامسة عشرة بعد الألف والثلاثمائة ، وبقيت في السواد سنين حتى استخرجناها بتحرير جديد بالتماس من إخواننا المؤمنين.

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

٥٤٠