الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

وإن كانا (١) من الواضحات المفروغ عنها ، وكانت قضيّة ذلك (٢) هي رجوع الشكّ فيها ـ مع إطلاق قيديّتها (٣) ـ إلى الشكّ في الامتثال (٤) ـ حسبما مرّ ضابطه ـ ، لكنّه مضافا إلى ظهور نفس لسان العفو في رفع القيديّة (٥) ، وكونه معيّنا لأوّل الوجهين ، فلا يخفى أنّ تنويع الطهارة باعتبار أنواع النجاسات وتخصيص القيد ببعضها ـ كما هو مرجع الوجه الثاني (٦) ـ إنّما يستقيم إذا كانت هي عبارة عن‌

__________________

(١) مرجع ضمير التثنية هو قيدية الطهارة وكونها ضدا ، والمقصود استيضاح أنّ المقابلة بين الطهارة والحدث وبين الطهارة والنجاسة على نمط واحد ، وأنّه كما لا ينبغي الريب في أنّ التقابل الأوّل من قبيل تقابل الضدين فكذلك الثاني ، وأنّ الطهارة في الأوّل كما اعتبرت أمرا وجوديا كذلك في الثاني ، ولا وجه لدعوى الفرق ، فضلا عن دعوى كون التقابل في كلا البابين من تقابل النقيضين.

(٢) مرجع الإشارة هو كون الطهارة أمرا وجوديا.

(٣) كما هو الحال بناء على الوجه الثاني.

(٤) والمرجع فيه قاعدة الاشتغال ، للزوم إحراز تحقق القيد الوجوديّ المعلوم تقيّد المطلوب به.

(٥) فإنّ ظاهر العفو هو إسقاط الشرط ـ في مورد العفو ـ عن الشرطيّة ، فتختصّ لا محالة بغير مورده ، ومقتضاه تعيّن الوجه الأوّل.

(٦) فإنّ تخصيص الطهارة المشروط بها بكونها هي الطهارة عن غير النجاسة المعفوّ عنها ـ في الحقيقة ـ تنويع لها بحسب أنواع النجاسات ، وتخصيص لها ببعضها ، وهذا إنّما يستقيم بناء على كون الطهارة أمرا عدميا عبارة عن عدم النجاسة ، ورجوع قيديّتها إلى مانعية النجاسة ،

٥٠١

عدم النجاسة ، فينهدم أساس شرطيّتها ـ حينئذ ـ ولا محيص عن المانعيّة ، ويندرج الشبهة في محلّ البحث على كلّ تقدير (١).

أمّا على ما هو التحقيق من كونها (٢) ضدّا وجوديّا لها ـ كما هو مبنى القول بالشرطيّة ـ فلا يكاد يستقيم ذلك أصلا ، كيف وليس (٣) أنواع أحد الضدّين أنواعا للآخر كي يرجع الترخيص في بعضها إلى تخصيص الواجب الشرطيّ بما عدا المرخّص فيه ويبقى وجوبه‌

__________________

لكنّه خلاف التحقيق وهدم لأساس شرطيّتها ، وسيأتي الوجه في عدم استقامة التنويع المذكور بناء على وجودية الطهارة.

(١) يعني لو بني على مانعية النجاسة اندرج المشتبه المردد بين المعفوّ وغيره في محلّ البحث ـ من كونه من موارد الأقل والأكثر أو من الشك في المحصّل ـ على كلّ تقدير من تقديري رجوع نتيجة العفو إلى تخصيص القيدية أو إلى تخصيص القيد ، إذ لا فرق في انسحاب البحث المزبور على هذا المبنى بين كون مانعية النجاسة مختصة بغير موارد العفو وبين كون المانع هو نجاسة غير هذه الموارد ـ كما يظهر بأدنى تأمّل.

(٢) أي الطهارة.

(٣) تعليل لعدم استقامة التنويع المذكور بناء على التضاد ، محصّله : أنّ أنواع أحد الضدين ـ كالنجاسة ـ ليست أنواعا للآخر بالبداهة ، فكيف تقيّد الطهارة ببعض أنواع ضدّها مع بقاء وجوبها الشرطيّ على إطلاقه ، إذن فلا محصّل للوجه الثاني ، ويتعيّن البناء على الأوّل ولا محذور فيه من هذه الناحية ـ بناء على المختار من التضاد والشرطيّة ـ ، لرجوع العفو والترخيص حينئذ إلى تخصيص شرطيّة الطهارة ـ لا نفسها ـ بما عدا مورد الرخصة ، وهذا هو المتعيّن ولو مع عدم ظهور دليل العفو في ذلك ـ فضلا عمّا عرفت من ظهوره فيه.

٥٠٢

على إطلاقه ، وإنّما قضيّة المضادّة ـ بعد الترخيص المذكور ـ هي تخصيص القيديّة بما عدا مورد الرخصة ولو مع عدم ظهور دليله في ذلك فضلا عن ظهوره فيه. كما أنّ مرجع ما ذكروه من كون الطهارة الخبثيّة من الشروط العلميّة ـ أيضا ـ إلى ذلك (١) ، وحاصله اشتراط قيديّتها بأمرين : أحدهما العلم بالنجاسة ، والثاني عدم كون النجس ممّا عفي عنه ، ولا سبيل إلى دعوى كون القيد هو الطهارة الخاصّة في شي‌ء من المقامين ـ بناء على المضادّة دون المناقضة.

وإذ كانت نتيجة العفو تخصيصا للقيديّة دون القيد فيرجع الشكّ فيه إلى الشكّ فيها (٢) ـ كما لا يخفى. ومع الغضّ عن ذلك وفرض تردّد العفو بين الأمرين ، فينطبق (٣) النتيجة من الجهة التي‌

__________________

(١) أي : إلى تخصيص قيدية الطهارة بالنجاسة المعلومة ، أو بما عدا النجاسة المجهولة ، ولا سبيل إلى تخصيص الطهارة نفسها بذلك ، لما قد عرفت.

(٢) أي : يرجع الشك المصداقيّ في العفو إلى الشك في القيدية ، ومرجعه إلى الشك في مقدار متعلق التكليف ، ودورانه من جهة الشبهة الخارجية بين المطلق ـ وهو الأقل ـ أو المقيد بالطهارة ـ وهو الأكثر ـ ، فيندرج في الكبرى المبحوث عنها.

(٣) يعني : أنّه مع الغضّ عمّا ذكرنا من تعيّن الوجه الأوّل ، وفرض تردد أمر العفو بين الأمرين ، فتتّحد نتيجة هذا التردد في مورد الكلام مع نتيجة الوجه الأوّل ، لأنّه إذا كان تخصيص القيدية في موارد العفو المعلوم محتملا ففي موارد الشك في العفو محتمل أيضا ـ لا محالة ـ ، ومقتضى هذا الاحتمال هو الشك في أصل القيدية الراجع إلى الشك في متعلق التكليف ودورانه بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

٥٠٣

نحن فيها على تخصيص القيديّة كما هو الشأن في جميع ما يتردّد فيه الوجوب أو القيدية بين الإطلاق والمشروطيّة (١) ، لرجوع الشكّ فيما يشكّ كونه شرطا للتكليف ـ بأحد الوجهين (٢) ـ إلى الشكّ في ذلك التكليف ـ كما لا يخفى.

وحينئذ فيجري زيادة الدم على مقدار الدرهم ، وعدم كونه من الجروح ـ مثلا ـ ، أو كونه من الدماء الثلاثة ونحوها ـ بالنسبة إلى قيديّة الطهارة في مقابل الأثر الحاصل منه (٣) ، لا مطلقا ـ مجرى شرط الوجوب ، ويرجع الأمر عند الشكّ في المصداق الخارجيّ إلى تردّد متعلّق التكليف ـ من جهة الشبهة الخارجيّة ـ بين الأقلّ والأكثر ، ويندرج في الكبرى المبحوث عنها ـ كما مرّ في نظائره.

الثالث : إنّه لو كان العنوان ـ المأخوذ عدمه قيدا في المطلوب ـ من الاختياريّات الغير المتوقّف صدورها على تحقّق‌

__________________

(١) فإنّه إذا تردّد أمر الوجوب بين كونه مطلقا أو مشروطا بشي‌ء فكما أنّه مع عدم تحقق ذلك الشي‌ء قطعا يشك في الوجوب ، فكذلك مع الشك في تحققه ، لأنّ الشك في تحقّقه شكّ في تحقّق ما يشكّ كونه شرطا للوجوب ، ومرجعه إلى الشك في الوجوب نفسه ، هذا. وشأن الشك في القيدية شأنه في الوجوب نفسه ، لرجوعه إليه ـ كما مرّ.

(٢) من التكليف الاستقلاليّ أو القيديّ.

(٣) أي : من الدم ، والأثر الحاصل منه هو النجاسة الدميّة في قبال مطلق النجاسة ، والمقصود أنّه إذا كانت النجاسة حاصلة من خصوص الدم فزيادته على الدرهم ونحوها شرط لقيدية الطهارة ، ولا قيديّة لها مع انتفائها ، فهي تجري من القيدية مجرى شرط الوجوب.

٥٠٤

موضوع خارجيّ (١) وفرض تطرّق الشبهة المصداقيّة فيه بعد تبيّن مفهومه ، كما لو شكّ في كون التكلّم ردّا للتحيّة (٢) ـ مثلا ـ ، أو الانحراف عن القبلة بإلغاء نقطة اليمين أو اليسار (٣) ـ بناء على عدم قاطعيّة * ما دونه ـ ، ونحو ذلك ، ففي لحوق الشبهة المصداقيّة المذكورة بما هو المبحوث عنه في أصل المسألة ، أو عدم لحوقها‌

__________________

(١) وإن كان له تعلّق بموضوع فعليّ متحقّق في الخارج كما في استقبال القبلة ـ وهو القسم الثاني من الأقسام الأربعة المتقدمة في أوائل المقام الأوّل ـ ، ولأجل تعلّقه به وإمكان الشك في الموضوع المتعلّق به يفرض تطرّق الشبهة المصداقية فيه حال صدوره بعد تبيّن مفهومه ـ كما في مثالي المتن ببيان يأتي ـ ، إذ لو لم يكن له تعلّق بموضوع خارجيّ أصلا ـ كما في القسم الأوّل منها ـ امتنعت الشبهة المصداقية فيه حال صدوره الإراديّ بعد تبيّن مفهومه ـ كما تقدّم هناك ـ ، هذا. وأمّا ما يتوقف صدوره على تحقق موضوع خارجيّ فهما القسمان الثالث والرابع ، وقد تقدّم اختصاص الثالث بالتكاليف والقيود الوجوديّة وعدم تصوّره في العدمية التي نحن بصددها ، وأنّ الرابع هو الذي تتطرّق فيه الشبهة المصداقية المبحوث عنها في أصل المسألة.

(٢) فإنّ التكلّم بغير ردّ التحيّة أخذ عدمه قيدا في الصلاة ، وبما أنّ ردّ التحيّة موضوعه التحيّة المتحققة خارجا ، فالشك في تحققها يستلزم الشك في كون التكلم ردّا للتحيّة فلا مانعية له ، وعدمه فيكون مصداقا للمانع.

(٣) فإنّ موضوعه القبلة ، والشك في جهتها يستلزم الشك ـ مصداقا ـ في مقابلتها لنقطة اليمين أو اليسار الممنوع عنها في الصلاة.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( قاطعيته ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥٠٥

به وجريانها مجرى الشكّ في القيود الوجوديّة وجهان : مبنيّان على كون التكليف المتوجّه من هذه الجهة متعلّقا بما هو مفروض الانطباق على العنوان المذكور (١) ، كي يتمّ الانحلال والترتّب (٢) المبتني عليهما رجوع الشبهة المبحوث عنها إلى مرحلة التكليف في المقام أيضا ، أو كونه متعلّقا بعدم هذا العنوان (٣) بما هو عنوان اختياريّ يتمكّن منه المكلّف بلا ترتّب له على الانطباق المذكور ، كي يرجع الشبهة حينئذ إلى مرحلة الخروج عن العهدة ـ كما في القيود الوجوديّة.

وغير خفيّ أنّ ما أوجب البناء على الانحلال والترتّب ـ المتقدّم تنقيحهما في أصل المسألة ـ هو بعينه يوجب البناء عليهما في المقام أيضا.

فإنّ اختياريّة متعلّق التكليف (٤) إنّما يوجب تنجّز التكاليف‌

__________________

(١) بأن يكون التكليف العدميّ القيديّ متعلقا بما ينطبق عليه عنوان التكلّم ـ مثلا ـ أو الانحراف عن القبلة ، فينحلّ لا محالة ـ بالنسبة إلى آحاد ما ينطبق عليه ـ إلى تكاليف متعدّدة ، ويترتب كلّ منها على كلّ من الانطباقات ، فإذا شك في الانطباق في مورد شك في ترتب التكليف عليه ، وهو شك في مرحلة التكليف.

(٢) مرّ تنقيحهما في المقام الأوّل لدى تحقيق حال القسم الرابع من الأقسام الأربعة المشار إليها آنفا.

(٣) بأن يكون التكليف متعلقا بنفس العنوان العدميّ من دون نظر إلى انطباقاته ، فإذا شكّ في الانطباق كان من الشك في مرحلة الامتثال.

(٤) بيان للفارق بين التكاليف الوجودية من القسم المبحوث عنه في المقام‌

٥٠٦

الوجوديّة ـ استقلاليّة كانت أم قيديّة ـ بنفس العلم بها ، لمكان رجوعها إلى إيجاب ما ينطبق ويحمل عليه عناوين متعلّقاتها ، وإطلاقها (١) بالنسبة إلى نفس الانطباق المذكور ، لأنّه هو الذي يطالب به من المكلّف ، فيرجع الشكّ فيه إلى مرحلة الخروج عن العهدة ـ لا محالة ـ ، دون التكليف.

وليس كذلك الحال في التكاليف العدميّة ، فإنّ قضيّة استنادها إلى مفسدة مطّردة فيما ينطبق على عناوين متعلّقاتها ـ لا إلى مصلحة في تحقّق العنوان العدميّ (٢) من حيث نفسه ـ هي انحلالها استقلاليّة‌

__________________

أعني المتعلقة بالعناوين الاختيارية غير المتوقف صدورها على تحقق موضوع خارجيّ ـ وبين العدمية منها ، وحاصل الفرق : أنّ الوجوديّة منها تتنجز بنفس العلم بها ، لأنّها إيجاب لما ينطبق عليه عنوان المتعلّق واقعا ويحمل عليه ، فهو المطالب به فيها ، ومقتضاه لزوم إحراز الانطباق ، وعدم الاكتفاء بالشك فيه في الخروج عن العهدة ، وليست كذلك العدمية ، لاستنادها إلى مفسدة مطردة في انطباقات العنوان المطلوب عدمه ، ومقتضاه الانحلال وترتب آحاد الأحكام الخاصة على آحاد تلك الانطباقات ، فإذا شكّ في الانطباق على مورد شكّ في توجّه التكليف فيه ، لا في الخروج عن العهدة.

(١) عطف على ( رجوعها ) ، أي : وإطلاق التكاليف الوجودية بالنسبة إلى الانطباق على عناوين متعلقاتها ، وعدم اشتراطها بالانطباق المزبور ، ضرورة أنّه داخل تحت الطلب والطلب وارد عليه ، بخلاف العدمية فإنّ الانطباق فيها خارج عن دائرة الطلب ، وشرط لشموله ، وقد تقدم التحقيق حول ذلك في أوائل المقام الأوّل لدى البحث عن القسم الثاني.

(٢) ليرجع الشك في مصداقه إلى الشك في المحصّل.

٥٠٧

كانت أم قيديّة ـ بالنسبة إلى آحاد ما ينطبق على تلك العناوين ـ إلى حكم خاصّ لمتعلّق مخصوص بأحد الوجهين (١) ، دون مطلوبيّة نفس السلب الكلّي (٢) من حيث نفسه ، فضلا عن العنوان العدميّ الملازم له كي يؤول الأمر إلى باب العنوان والمحصّل ـ حسبما أوضحناه في أصل المسألة (٣) ـ ، وقضيّة هذا الانحلال هي ترتّب آحاد الخطابات التفصيليّة التي ينحلّ * إليها السلب الكلّي على الانطباق على العنوان المطلوب عدمه ، فيكون هو (٤) ـ حينئذ ـ موجبا لتوجّه التكليف ، دون الخروج عن العهدة كما في التكاليف الوجوديّة ، ولكن لا بمعنى ترتّب الخطاب على تحقّق الانطباق في الخارج ، كي يرجع إلى طلب عدم الشي‌ء على تقدير وجوده ، بل بمعنى ترتّبه على شأنيّة الانطباق ، وكون هويّة المصداق بحيث لو وجدت في الخارج كانت تلك الهويّة وانطبق عليها ** ذلك العنوان (٥) ،

__________________

(١) من الاستقلالية أو القيدية.

(٢) بنحو العموم المجموعيّ.

(٣) مرّ إشباع الكلام في تحقيقه في البحث الصغرويّ من المقام الأوّل.

(٤) أي الانطباق على العنوان.

(٥) فهويّة المصداق إذا كانت بحيث لو وجدت كانت تلك الهويّة المحرّمة فهي حرام ـ استقلالا أو قيدا ـ ، وقد مرّ توضيحه سابقا لدى البحث عن القسم الثاني المشار إليه آنفا.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( تنحل ) ، والصحيح ما أثبتناه.

(**) الموجود في الطبعة الأولى ( عليه ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥٠٨

وهذه الشرطيّة (١) هي التي ذكر المنطقيّون أنّ عقد الوضع ينحلّ ـ عقلا ـ إليها (٢) ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك (٣) في توضيح اشتراط التكاليف بوجود موضوعاتها (٤).

وتغاير المقامين (٥) من جهة اختلاف عقد الحمل ، وكونه محمولا للماهيّة المعرّاة عن الوجود والعدم في مفروض المقام (٦) ، وبعد فرض الوجود فيما تقدّم (٧) وإن كان موجبا لاختلاف نتيجة الشرطيّة‌

__________________

(١) وهي كون الهويّة لو وجدت في الخارج لكانت الهويّة الكذائيّة ، فقولنا ( الانحراف عن القبلة حرام ) ـ مثلا ـ مرجعه إلى قولنا ( كلّ ما لو وجد في الخارج كان انحرافا فهو لو وجد كان حراما ).

(٢) يعني في القضايا الحقيقية.

(٣) في أوائل المقام الأوّل.

(٤) وانقسامها من هذه الحيثية إلى أربعة أقسام.

(٥) وهما : مقامنا هذا المنطبق على القسم الثاني من الأقسام الأربعة ، والمقام المتقدم في أصل المسألة والمنطبق على القسم الرابع منها.

(٦) لأنّ موضوع القضية في مفروض المقام هو متعلق التكليف ، ومحمولها هو التكليف نفسه وهو إنما يتعلّق بالماهية المعرّاة عن الوجود والعدم ، إذ يطلب به إيجادها أو الاستمرار على عدمها ، ولا يعقل تعلّقه بالموجودة منها أو المعدومة ، فقولنا ( الانحراف عن القبلة حرام ) إنّما هو بمنزلة قولنا ( كلّ ما لو وجد في الخارج كان انحرافا فهو في نفسه ـ مع قطع النظر عن وجوده وعدمه ـ حرام ) ، لامتناع تعلق الحرمة بالموجود.

(٧) لأنّ موضوع القضية في المقام المتقدم هو موضوع الحكم ـ كالخمر ـ ، وقد تقرّر أن فعلية الحكم تدور مدار فعلية موضوعه ، فقولنا ( الخمر‌

٥٠٩

المذكورة من جهة الشأنيّة والفعليّة (١) ، إلاّ أنّ ترتّب الجزاء المنحلّ (٢) إليها عقد الحمل على الشرطيّة المذكورة ، ورجوع الشكّ فيها (٣) إلى الشكّ في الحكم الذي يتضمّنه تلك الجزائيّة ممّا لا مناص عنه على كلّ تقدير (٤) ، فكما أنّه لو كان العنوان المذكور حراما نفسيّا ، وشكّ في انطباقه على مصداق خارجيّ ـ كما في مفروض المقام ـ ، فلا مجال لأن يدّعى خروج الشبهة المذكورة بسبب العلم بتلك الكبرى عن مجاري أصالتي البراءة والحلّ ، وليس السرّ فيه إلاّ ما عرفت (٥) ، فكذلك الحال إذا كانت مطلوبيّة عدم العنوان من جهة القيديّة‌

__________________

يحرم شربه ) بمنزلة قولنا ( كلّ ما لو وجد في الخارج كان خمرا فهو لو وجد بالفعل حرم شربه ).

(١) لأنّ مرجع الأوّل إلى قولنا ( كلّ ما كان للانحراف شأنيّة الوجود فيه فهو حرام ) ، ومرجع الثاني إلى قولنا ( كلّ ما كان وجودا فعليا للخمر حرم شربه ).

(٢) إشارة إلى الانحلال والترتب المتقدم تنقيحهما في المقام الأوّل ، والمراد بالجزاء الخطابات التفصيلية المنحلّ إليها عقد الحمل والمترتبة على عقد الوضع ، وباعتبارها أنث الضمير الراجع إليه ، وإنما عبّر قدس‌سره به مقابلة بينه وبين الشرطية ، وإيعازا إلى أنّ الترتب المزبور إنما هو بملاك ترتب الجزاء على الشرط.

(٣) أي : في الشرطية المذكورة.

(٤) محصّله : أنّ المقامين وإن اختلفا فيما ذكر ، إلاّ أنّهما مشتركان في الترتب والانحلال المقتضيين لكون الشك في الشرطية شكا في التكليف والحرمة ، ومجرى لأصالتي البراءة والحلّ ، كما إذا شك في أنّ للانحراف شأنيّة الوجود في المورد أو لا ، أو أن للخمر وجودا فعليّا أو لا.

(٥) من الشرطيّة والانحلال.

٥١٠

أيضا ـ حذو النعل بالنعل ـ ، والتفكيك بينهما (١) في ذلك إن كان من جهة الارتباطيّة فقد تقدّم (٢) أنّه خروج عن الفرض ، ورجوع إلى المنع عن جريان البراءة في الارتباطيّات مطلقا ، وإن كان بدعوى عدم جريان الانحلال والترتّب المذكورين في باب القيود العدميّة ، واختصاصهما بالنفسيّات فقد عرفت (٣) أنّه لا محصّل لها ، فتدبّر حقّه.

الرابع : إنه لو كان مانعيّة الخصوصيّة الوجوديّة ناشئة عن مبغوضيّتها الموجبة لمبغوضيّة ما يتخصّص بها من العبادة (٤) ، وخروجها بهذا الاعتبار عن صلاحيّة الاتّصاف بالمحبوبيّة والمقربيّة ـ كما هو الحال في باب النهي في العبادة (٥) ـ ، وشكّ في انطباق المصداق الخارجيّ على المنهيّ عنه من جهة الشكّ في الخصوصيّة المذكورة (٦) ، ـ كما لو قلنا بأنّ مانعيّة الحرير أو الذهب مثلا من هذا القبيل (٧) ـ فلا خفاء في استتباع هذا الشكّ للشكّ في‌

__________________

(١) أي : بين الحرام النفسيّ والقيديّ.

(٢) تقدّم ذلك في المقدمة الاولى من المقام الأوّل.

(٣) عرفت ذلك في البحث الصغرويّ من المقام الأوّل.

(٤) ولأجل هذه المبغوضية يتعلق النهي النفسيّ بالعبادة المذكورة ، ويدلّ على مانعية تلك الخصوصية وفساد العبادة معها.

(٥) فإنّ ملاك الاندراج في هذا الباب هو مبغوضية العبادة المتخصّصة بخصوصية وجودية ، وتعلق النهي النفسيّ بها كما في صلاة الحائض وصوم العيدين ونحوهما.

(٦) كما إذا صلّى في ثوب مشكوك الحريرية أو الذهبية.

(٧) بأن قلنا بأنّ ما ورد من النهي عن الصلاة فيهما نهي تحريميّ نفسيّ‌

٥١١

كلّ من حرمة المشكوك انطباقه على متعلّق النهي وفساده ـ بناء على ما هو المحقّق في محلّه (١) من تلازم الأمرين (٢) ـ ، ولا في جريان أصالة الحلّ من الجهة الاولى (٣) من حيث نفسها ـ كما لا يخفى ـ ، لكنّه لا يجدي في خروج الشبهة من الجهة الثانية عن عموم هذا النزاع (٤) إلاّ مع ترتّب فساد العبادة المحرّمة على حرمتها بالمعنى المقابل للحلّية المجعولة بهذا الأصل (٥) ، وإلاّ فإمّا أن لا سببيّة ومسببيّة في البين ، وإمّا أن لا جدوى لها (٦) ـ حسبما تقدّم‌

__________________

ومنه يستفاد المانعيّة والفساد ، خلافا لما هو المختار ـ وقد تقدم في التنبيه الثاني ـ من كونه نهيا غيريا وإرشادا إلى المانعيّة ، مضافا إلى النهي النفسيّ المتعلق بلبسه مطلقا حال الصلاة وغيرها.

(١) من مبحث دلالة النهي عن العبادة على فسادها.

(٢) الحرمة والفساد.

(٣) وهي جهة الحرمة ، فإنّ الشك في الحرمة مجرى لأصالة الحلّ.

(٤) يعني أنّ جريان أصالة الحلّ من حيث الحرمة لا يجدي في خروج الشبهة المزبورة من حيث الفساد والمانعية عن عموم النزاع المتقدم في المقام الثاني ـ من جريان أصالة الحلّ في موارد الشك في المانعية وعدمه ـ ، ولا يوجب ارتفاع الشك من هذه الحيثية والحكم بالصحة.

(٥) وهي الحرمة الفعلية الظاهرية ، فإنّ قضيّة السببيّة والمسببيّة هي الحكم بانتفاء فساد العبادة لانتفاء سببه ـ الحرمة الفعلية ـ بمقتضى أصالة الحلّ فيحكم بصحتها ، وبذلك تخرج الشبهة عن عموم النزاع المزبور.

(٦) فإنّه إن لم يترتب الفساد على الحرمة بالمعنى المذكور ، بأن لم يترتب‌

٥١٢

تحريره (١).

والتحقيق في ذلك بعد وضوح أنّ مقتضى النهي عن بعض أنواع الواجب (٢) هو تقيّد المطلوب بما عد المحرّم (٣) ـ كما فيما تقدّم (٤) ـ ، وإن كان بينهما فرق في ذلك باعتبار استناده في أحدهما إلى قصور المقتضي في حدّ نفسه ، وفي الآخر إلى غلبة الجهة المزاحمة (٥)

__________________

على الحرمة أصلا بل كانا في عرض واحد ، أو ترتّب لكن على الحرمة الذاتية المجعولة للشي‌ء في حدّ ذاته لم يكن الأصل المذكور مجديا في رفع الشبهة من حيث المانعية ، إذ على الأوّل لا سببية في البين ، وعلى الثاني لا جدوى لمثل هذه السببية ، لوضوح أنّ أصالة الحلّ لا تنفي الحرمة الذاتية لينتفي معها الفساد.

(١) في المقام الثاني لدى تحقيق الحال عن أنّ مانعية الوقوع في غير المأكول مجعولة في عرض حرمة الأكل ، وليست مترتبة عليها ، وأنّه مع التسليم فهي مترتبة على الحرمة الذاتية غير المرتفعة بأصالة الحلّية.

(٢) في موارد النهي عن العبادة التي منها المقام ـ بناء على حرمة الصلاة في الذهب والحرير نفسيّا.

(٣) فإنّه مقتضى الجمع بين إطلاق دليل الواجب وبين الدليل الناهي.

(٤) المراد به ما تقدّم في أصل المسألة أعني موارد النهي الغيريّ المستتبع للمانعية والدالّ على دخل عدم الخصوصية ـ كالوقوع في غير المأكول ـ في المطلوب ، والمقصود إفادة أنّ المقامين مشتركان في تقيد المطلوب بما عدا الحصة المنهيّ عنها.

(٥) فإنّ الحصة المنهيّ عنها في موارد النهي الغيريّ غير واجدة لتمام ملاك الوجوب في نفسها ، أمّا في موارد النهي النفسيّ فملاك وجوبها مزاحم بملاك أقوى هي مفسدة وقوع العبادة في الحرير أو الذهب ـ مثلا.

٥١٣

ـ كما قد عرفت (١) ـ هو أنّ القيديّة المستندة إلى النهي النفسيّ لكونها ناشئة عن مضادّة الحكمين واستحالة تواردهما على متعلّق واحد (٢) ، فيبتني ترتّبها على حرمة العبادة المنهيّ * عنها ، أو كونهما في عرض واحد بلا ترتّب في البين على الخلاف المعروف في استناد انتفاء أحد الضدّين إلى وجود الآخر ، أو كونهما في عرض واحد بلا استناد ولا ترتّب لأحدهما على الآخر (٣) ، فعلى الأوّل يستقيم في المقام دعوى الترتّب بين الأمرين ، والسببيّة والمسببيّة بين الشكّين (٤) ، بخلافه على الثاني ـ كما لا يخفى.

__________________

(١) لعلّه إشارة إلى ما أفاده قدس‌سره في مستهلّ هذا التنبيه ـ الرابع ـ من أنّ الخصوصيّة المانعة المفروضة فيه مبغوضة في نفسها ، وموجبة لمبغوضية ما يتخصّص بها من العبادة وخروجها عن صلاحية الاتصاف بالمحبوبية والمقربية.

(٢) وهو الحصة المنهيّ عنها ، فإن ورد عليها الوجوب فقط لزم منه إهمال دليل الحرمة بالمرّة ، ولا يلزم هذا المحذور إذا وردت عليها الحرمة خاصة ، فيتعيّن ، ومقتضى ذلك هو القيدية وخروجها عن إطلاق دليل الوجوب.

(٣) ففي المقام هل يكون انتفاء الوجوب عن الحصة المحرّمة ـ كما هو مقتضى القيدية ـ مستندا إلى وجود ضدّه ـ الحرمة ـ ومترتبا عليه ، أو أنّه غير مستند إليه بل هو في عرضه.

(٤) فيكون الشك في القيديّة مسبّبا عن الشك في الحرمة ، والأصل الجاري في الشك السببيّ رافعا للشك المسببيّ.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( المنهيّة ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥١٤

وحيث إنّ من الواضح ـ كما حقّق وبرهن عليه في محلّه (١) ـ هو انتفاء الترتّب والعلية بين الأمرين ، وكونهما في عرض واحد يستند أحدهما إلى وجود علّته والآخر إلى انتفائها حتّى مع اشتمال كلّ منهما على المقتضي في حدّ نفسه (٢) ـ كما في مفروض المقام (٣) ـ ، فإنّ غاية ما يقتضيه (٤) امتناع تأثير كلّ منهما في ملاكيّة الحكم على حسب ما يقتضيه ـ لمكان المضادّة ـ إنّما هي خروج الأضعف منهما عن صلاحيّته لذلك بأقوائيّة الآخر ، لا بوجود ما‌

__________________

(١) من مبحث اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده ، وقد تقدّم بعض الكلام هنا في الأمر الثالث.

(٢) فضلا عمّا إذا لم يشتمل الضد المنتفي على المقتضي ، فيستند انتفاؤه حينئذ إلى عدم مقتضيه ، كما يستند وجود الآخر إلى وجود علّته التامّة ، أما إذا اشتمل كلّ منهما على المقتضي في حدّ نفسه فهو ما سيتعرّض قدس‌سره لحكمه.

(٣) لاشتمال كلّ من الحرمة والوجوب بالنسبة إلى الحصّة المحرّمة على الملاك المقتضي له في حدّ نفسه وإن امتنع تأثيرهما جميعا.

(٤) محصّله : أنّه لمّا كان تأثير كلّ من المقتضيين ـ في مفروض المقام ونحوه ـ في ملاكيّته للحكم ـ كلّ فيما يقتضيه ـ ممتنعا ، لمكان المضادّة بين مقتضييهما ، فلا محالة يختصّ التأثير بالأقوى منهما ، ويسقط الأضعف عن صلاحيّة التأثير بأقوائيّة الآخر ، لا بوجود مقتضاه ـ أي الآخر ـ نفسه ، إذن فالمانع عن تأثير الأضعف في مقتضاه هو وجود الأقوى ، فإليه يستند عدم ما يقتضيه الأضعف لا إلى وجود ما يقتضيه الأقوى ـ كما حرّر في محلّه.

٥١٥

يقتضيه (١) ـ حسبما حرّر في محلّه ـ ، فجهة المبغوضيّة التي هي ملاك النهي والمنافية للمقربيّة المعتبرة في العبادة ، بل للجهة التامّة والمحبوبيّة التي لا بدّ منها في متعلّق الأمر مطلقا هي الموجبة للتقييد المذكور في عرض النهي (٢) ، دون نفس النهي ، وليس اقتضاؤه للفساد حينئذ إلاّ من صرف التلازم والكاشفيّة ، دون الترتّب والموضوعيّة (٣) ، وحيث لا ترتّب بين الأمرين فلا سببيّة ولا مسببيّة أيضا بين الشكّين ، وإنّما يتسبّبان معا عن الشكّ في الخصوصيّة المبغوضة الموجبة للحرمة والفساد في عرض واحد ، ولا جدوى للأصل الحكميّ الجاري في أحدهما ـ ولو مع تكفّله لتنزيل المتعلّق (٤) ، وإلغاء الشكّ فيه ـ في ترتيب الآخر أيضا إلاّ على القول‌

__________________

(١) مرجع ضمير الفاعل هو المقتضي الأقوى ، وضمير المفعول هو الرابط الراجع إلى الموصول.

(٢) فأقوائيّتها وغلبتها على ملاك المحبوبية كما تؤثر في النهي عن الحصة الخاصة ، كذلك توجب سقوط هذا الملاك عن التأثير في وجوبها وتقييد المطلوب بغيرها ، وليس الموجب له هو النهي نفسه.

(٣) يعني أنّ اقتضاء النهي للفساد ليس بمعنى موضوعيّته وسببيّته له ، وتأثيره فيه ، بل بمعنى التلازم بينهما ، وكاشفية النهي عن الفساد ، لكشفه عن الملاك الأقوى والخصوصية المبغوضة الموجبة للحرمة والفساد في عرض واحد.

(٤) بأن كان من الأصول التنزيلية ـ كالاستصحاب ـ ، إذ لا نقول بحجيّة الأصول المثبتة ولو كانت تنزيلية.

٥١٦

بحجيّة الأصل المثبت ، فضلا عمّا إذا لم يتكفّل لذلك وكان حكما على المشكوك بما هو مشكوك الحكم ـ كما هو مفاد أصالة الحلّ حسبما استوفينا الكلام فيه (١).

بل اللازم ـ على هذا المبنى ـ هو عدم الجدوى لارتفاع الحرمة خطابا مع تماميّة ملاكها ـ كما عند النسيان ونحوه ـ في ارتفاع المانع عن إطلاق متعلّق الأمر (٢) ، فضلا عن أن يكون المعذوريّة المستندة إلى الجهل بها مجدية (٣) ـ كما لا يخفى.

ثمّ لو سلّم أنّ قضيّة التضاد إنّما هي استناد انتفاء أحد الضدّين إلى وجود الآخر ـ لا إلى انتفاء علّته التي قد عرفت أنّها في المقام عبارة عن الملاك التامّ (٤) ـ كما زعمه غير واحد (٥) ، وبنوا عليه مقدّميّة ترك أحد الضدّين لفعل الآخر (٦) ، فغاية ما يلزم من ذلك‌

__________________

(١) في أوائل المقام الثاني المتقدم.

(٢) فيبني على بقاء القيدية لبقاء موجبها وتماميّته ، ومقتضاه الفساد ، وهذا من اللوازم المهمّة المترتبة على هذا المبنى.

(٣) فإنّه مع الجهل لم يرتفع حتى الخطاب فكيف ترتفع معه القيدية ، ومن الواضح أنّ الجهل لا يؤثر إلاّ في المعذوريّة عند المخالفة.

(٤) عرفت آنفا أنّ علّة الضدّ المنتفي ـ وهو في المقام الوجوب ـ هو الملاك التامّ والمحبوبيّة التي لا بدّ منها في متعلق الأمر ، لكنّ أقوائية مقتضي الضد الآخر ـ الحرمة ـ أسقطته عن التمامية ومنعته عن التأثير في مقتضاه.

(٥) ضمير المفعول يرجع إلى استناد انتفاء أحد الضدين إلى وجود الآخر.

(٦) نظرا إلى أنّ استناد عدم أحد الضدين إلى وجود الآخر ناش من مانعية‌

٥١٧

ـ بعد وضوح أنّ المضادّة بين الأحكام إنّما هي في مرحلة صدورها النفس الأمريّ ولا دخل لوصف التنجّز فيها ـ إنّما هو ترتّب القيديّة في المقام على حرمة العبادة بوجودها النفس الأمريّ من حيث عدم صلاحيّة المحرّم ـ بما هو كذلك (١) ـ للاندراج في إطلاق متعلّق الأمر ، ولازم هذا الوجه وإن كان هو الصحّة الواقعيّة (٢) عند ارتفاعها (٣) خطابا ولو مع بقاء ملاكها ـ كما عند النسيان ونحوه ـ ، أو الظاهريّة كما إذا شكّ فيها (٤) وكان في البين أصل يقتضي البناء على ذلك (٥) ـ كما هو لسان الاستصحابات الحكميّة مثلا ـ ، لكن حيث قد عرفت قصور أصالة الحلّ عن ذلك (٦) وكونها حكما على المشكوك بما هو مشكوك الحكم ، فلا جدوى لها (٧) ـ على هذا‌

__________________

وجود الضد عن وجود ضده ، وبما أنّ عدم المانع ممّا يتوقّف عليه وجود الشي‌ء فعدم أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر.

(١) أي محرّم في نفس الأمر.

(٢) والاندراج في إطلاق متعلق الأمر.

(٣) أي : الحرمة واقعا.

(٤) أي : في الحرمة.

(٥) أي : على الصحّة كما هو الحال في الأصول التنزيلية المقتضية للبناء على كون مؤدّياتها هي الواقع ، فترتفع بها الحرمة ارتفاعا بنائيّا ، وبارتفاعها ترتفع القيدية كذلك ـ قضية للسببيّة والمسببيّة ـ وتصح العبادة صحة ظاهرية بنائية.

(٦) أي : عن اقتضائها البناء على الحلية على أنّها هي الواقع.

(٧) إذ لا ترتفع بها الحرمة النفس الأمرية لا ارتفاعا حقيقيا ولا بنائيا ،

٥١٨

المبنى الفاسد من أصله أيضا ـ في إلغاء الشكّ السببيّ كي يستتبع إلغاء الشكّ المسببيّ ، وخروجه بذلك عن عموم هذا النزاع ـ كما مرّ في نظائره (١).

نعم لو قيل بعدم استلزام النهي النفسيّ للتقييد رأسا ، وبني فساد العبادة المحرّمة على محض منافاتها (٢) لما يتضمّنه الأمر من الرخصة في الإتيان بكلّ واحد ممّا ينطبق على متعلّقه ، بدعوى توسّطها (٣) في الصحة وعدم ترتبها على محض الانطباق ـ كما لعلّ أن يستظهر ممّا * يحكى عن إفادات شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره في مجلس الدرس ـ ، قامت الرخصة الظاهريّة المجعولة بهذا الأصل في ذلك (٤)

__________________

وإنّما يرتفع تنجّزها الذي عرفت أنّه لا دخل له في المضادة المفروضة.

(١) مرّ نظيره في أوائل المقام الثاني لدى البحث عن ترتّب مانعية غير المأكول على حرمة الأكل.

(٢) أي : الحرمة ، ومحصّل هذا القول : أنّ الحكم بصحة العبادة المأتيّ بها يتوقف على اندراجها ضمن انطباقات المتعلّق التي يتضمّن الأمر الرخصة في الإتيان بكلّ منها ، ولا يكفي فيه مجرد الانطباق ، والحصة المحرّمة غير مندرجة في هذه الانطباقات ، ضرورة منافاة حرمتها مع الرخصة المزبورة ، فهذا هو منشأ الحكم بفسادها لا تعلّق النهي النفسيّ بها.

(٣) مرجع هذا الضمير المؤنث هو الرخصة ، ومرجع ما بعده هو الصحة.

(٤) أي في توسّطها في الصحة.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( عمّا ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٥١٩

مقام الواقعيّة التي يتضمّنها الأمر (١) ، وكانت السببيّة والمسببيّة حينئذ مجدية (٢).

ولو استقام ما ربّما يتخيّل من استناده في المقام (٣) وفي باب اجتماع الأمر والنهي أيضا إلى مجرد عدم تمشّي قصد التقرّب من المكلّف دون شي‌ء ممّا تقدّم ، كان نفس عدم تنجّز النهي (٤) حينئذ ـ فضلا عن الرخصة الشرعيّة الظاهريّة ـ كافيا في ارتفاع هذا المحذور (٥) وجدانا ، ولا يبقى مجال لأن يستتبع الشكّ في الحرمة للشكّ في الفساد من هذه الجهة (٦).

لكن بعد وضوح (٧) عدم توسّط ما ذكر من الرخصة المقابلة‌

__________________

(١) ويثبت بها الصحة الظاهرية.

(٢) فإنّ الشك في صحة الفرد المشتبه وفساده ـ على هذا المبنى ـ مسبّب عن الشك في الترخيص في الإتيان به ، ومقتضى أصالة الحل هو الترخيص فيه ، ويترتب على صحته.

(٣) أي : استناد الفساد في موارد فساد العبادة المحرّمة.

(٤) ومجرد ثبوت المعذورية في المخالفة عقلا بمقتضى أصالة البراءة العقلية.

(٥) وهو عدم تمشّي قصد القربة ، فإنّ المعذورية العقلية أو الرخصة الشرعية تؤمّنه من ناحية احتمال الحرمة وترخّص له الفعل ، فيتحقق منه قصد القربة وجدانا وتصح به العبادة.

(٦) أي : من جهة عدم تمشّي قصد القربة. والمقصود أن الشكّ في الحرمة وإن تحقق في المقام وجدانا ، لكنّه مع جريان الأصول المرخّصة لا شك في الفساد من الجهة المذكورة وجدانا لتمشّي قصد القربة معه قطعا.

(٧) ردّ على المبنيين.

٥٢٠