الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

ـ أرواحنا فداه ـ ، ولكونه (١) عبارة أخرى عن إطلاق المنع ـ إذ كلّما حرّمه الله تعالى (٢) فقد أحلّه حال الضرورة (٣) ـ فلا بأس بالالتزام به كذلك (٤) حتى فيما لم يرد الترخيص فيه ، ولا سبيل إلى احتمال الرخصة المطلقة (٥) في شي‌ء من ذلك (٦).

الثانية (٧) : ما يحرم أكله من الحيوان إمّا أن يكون حراما أصليّا أو عارضيّا ، وعلى كلّ حال فإمّا أن يكون ذا نفس سائلة ، أو يكون ممّا لا نفس له.

__________________

(١) أي تقييد الجواز بالضرورة.

(٢) اقتباس من قوله عليه‌السلام في موثقة سماعة : « وليس شي‌ء ممّا حرّم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر اليه » ( الباب ١ من أبواب القيام من صلاة الوسائل ـ الحديث ٦ ).

(٣) فالتقييد المذكور كعدمه ، نظرا إلى انتفاء الخصوصية وأنّ كلّ ما أطلق فيه المنع فهو مقيد لا محالة بغير حال الاضطرار ، لما دلّ بعمومه أو إطلاقه على ارتفاع حرمة الشي‌ء لدى الاضطرار إليه من حديث الرفع والموثّقة وغيرهما ، وكما ترتفع بذلك حرمته التكليفية ، كذلك حرمته الوضعية ومانعيّته في الصلاة ، ولذا تصح الصلاة في الذهب والحرير والنجس ونحوها مع الانحصار والاضطرار إلى لبسه ، والتفصيل في محلّه.

(٤) أي الالتزام بالجواز حال الضرورة حتى في غير الحواصل ممّا لم يرد فيه الترخيص بالخصوص في هذا الحال.

(٥) الشاملة لحال الاختيار.

(٦) أي ممّا لا يؤكل لحمه سوى الخز الذي ثبت استثناؤه ، والسنجاب الذي عرفت الإشكال والتوقف فيه.

(٧) هي الثانية من الجهات الملحقة بالأمر الثاني.

٨١

أمّا الأصلي فالمتيقّن ممّا ثبت فيه التلازم المذكور وإن كان هو ذو النفس منه ، لكن لا ينبغي التأمّل في ثبوته في ذي اللحم منه (١) مطلقا ، لأنّ عموم الموثّقة وإطلاقات سائر الأدلة (٢) يعمّ النوعين بجامع واحد ، ولا يخفى ما في دعوى الانصراف إلى ذي النفس من الجزافية ، وإنما سلّم ذلك (٣) فيما دلّ على عدم جوازها في الميتة ، حيث استفيد من أدلّة ذلك الباب (٤) أنّ لوصف النجاسة دخلا * في‌

__________________

(١) أي من المحرّم الأصلي ـ وإن كان غير ذي النفس ـ كالأسماك المحرّمة وبعض الحشرات.

(٢) الأوّل هو قوله عليه‌السلام : ( الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله ) ، وأمّا الثاني فهو ما عبّر فيه بمثل ( ما لا يؤكل لحمه ) ، وشمولهما لكلّ محرّم ذي لحم ـ وإن لم يكن ذا نفس ـ لا ريب فيه.

(٣) يعني سلّم الانصراف إلى ذي النفس في الروايات الدالة على عدم جواز الصلاة في الميتة.

(٤) لعل الوجه في ذلك اختصاص موارد الأسئلة والأجوبة في أخبار هذا الباب بالجلود والخفاف والفراء ونحوها ممّا لم يتعارف اتخاذه إلاّ من ذوات الأنفس التي ميتتها نجسة ، بحيث يستشعر أو يستظهر منها أنّ حيثية النجاسة هي التي دعت إلى السؤال عن حكم الصلاة فيها ، لا سيّما وقد صدرت هذه الأخبار في زمان اشتهر عن بعض العامّة الفتوى بطهارة جلد الميتة إذا دبغ وجواز الصلاة فيه ، وقد أنكروا عليهم‌السلام عليهم ذلك بشدّة مؤكّدين أنه لا أثر للدبغ في طهارته ولو دبغ سبعين مرة ـ كما في صحيحة محمّد بن مسلم ـ ، وأنّ طهارته موقوفة على التذكية ، ( راجع الوسائل في الأبواب ٤٩ و ٥٠ و ٦١ من أبواب النجاسات ).

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( دخل ) والصحيح ما أثبتناه.

٨٢

موضوع الحكم ، أو أنّه تمام موضوعه (١) ، لا لقصور عنوان الميتة من حيث نفسه عن شموله لميتة ما لا نفس له.

وتوهّم أنّ (٢) قوله عليه‌السلام في آخر ذيل الموثّقة : « ذكّاه الذبح أو لم يذكّه » يدلّ ـ بمقتضى وحدة مرجع الضميرين ـ على اعتبار قابلية التذكية بالذبح * فيما حكم بعدم جواز الصلاة فيه ، وخروج ما لا‌

__________________

(١) فعلى الأوّل يكون موضوع المانعية الميتة النجسة ـ بناء على عدم إلغاء خصوصية الموت من النصوص المشار إليها آنفا غايته تقييدها بالنجسة ـ ، بدعوى أنّ المستفاد منها التشديد في أمر هذا النوع من النجس فلا يقاس بسائر النجاسات ، فكأنّ المانعيّة بالنسبة إليه مشدّدة مؤكدة. لكن يشكل استفادة ذلك منها على وجه يكون لحيثية الموت دخل في الحكم ، فإن الظاهر أنّ تشديدهم عليهم‌السلام في أمره كان لغرض الردّ على العامّة والإنكار عليهم في حكمهم بطهارة جلد الميتة بالدبغ ، فلا يكون الردع عن الصلاة فيه إلاّ لنجاسته ، وعليه فالظاهر تعيّن الاحتمال الثاني وأن النجاسة هي تمام الموضوع للحكم.

(٢) هذا التوهّم استظهره صاحب المستند قدس‌سره ، قال ( ٤ : ٣١٨ ) : إن ظاهر قوله « ذكّاه الذبح أو لم يذكّه » أنّه فيما من شأنه ورود الذبح عليه فإنه لا يستعمل عدم التذكية بالذبح إلاّ فيما يصلح له ، انتهى. ومحصّل التوهم :

أن مقتضى وحدة مرجع الضميرين هو فرض حيوان واحد تارة ذكّاه الذبح واخرى لم يذكّه ، وفعليّة تذكيته بالذبح فرع قابليته للتذكية به ، فيعتبر أن يكون الحيوان المفروض قابلا للتذكية به ، وليس هو الاّ ذا النفس فإنه الذي يذكّى بالذبح دون غيره ـ كالأسماك ونحوها. ولا يخفى أنّ المراد بالذبح في المقام ما يعمّ نحر الإبل وصيد البرّ.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( للذبح ) والصحيح ما أثبتناه.

٨٣

يقبلها عن عمومه (١) ، فيختصّ حينئذ بذي النفس ، لأنّ الذبح قد جعل تذكية له دون ما عداه.

مدفوع بأنّ التقابل بين المثبت والمنفيّ في الجملتين وإن كان ـ بمقتضى ما ذكر من وحدة مرجع الضميرين ـ من تقابل العدم والملكة (٢) ـ لا محالة ـ ، دون الإيجاب والسلب ، وكانت دعوى شمول قوله عليه‌السلام « لم يذكّه » لما لم يجعل الذبح تذكية له ولا يقبلها غير مسموعة ، لكن حيث إن هاتين الجملتين إنما وردتا بيانا لأنّ تذكية المحرّم لا أثر له في رفع المانعيّة عنه ، وجواز الصلاة في أجزائه ـ كما زعمه بعض من جعل الله الرشد في خلافهم (٣) ـ ،

__________________

(١) مرجع الضمير هو ما حكم بعدم جواز الصلاة فيه ، والمراد بهذا العموم قوله في ذيل الموثقة : « فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسدة ».

(٢) إذ ليس التقابل واقعا بين مطلق المذكّى بالذبح وغير المذكّى به ليكون من التقابل بالإيجاب والسلب ، ويصدق المنفي على غير ذي النفس حذو صدقه على ذي النفس ، بل لمّا لوحظ ـ بمقتضى وحدة المرجع ـ قابلية المورد للتذكية بالذبح ـ كما عرفت ـ فلا محالة يكون التقابل واقعا بين المذكّى به وغير المذكّى به من الحيوانات القابلة لذلك ، وهذا شأن تقابل العدم والملكة ، وعليه فلا تصدق الجملة المنفيّة على ما لم يجعل الذبح تذكية له ولا يقبلها به ، وكانت دعوى شمولها له غير مسموعة ـ كما في المتن.

(٣) سيأتي أنّ الحنابلة والشافعية لا يرون بأسا بالصلاة في غير المأكول ـ إذا كان مذكّى ـ ، فسيقت العبارة المذكورة ردّا عليهم وإفادة أنّ التذكية ليس‌

٨٤

وليس مفادهما سوى أنّ التذكية كعدمها ، ولا تتضمّنان * حكما على العامّ (١) مخصّصا لعمومه ـ كما في قوله تعالى ( وَبُعُولَتُهُنَّ

__________________

لها أيّ تأثير في الحكم فوجودها كعدمها ، ومن الواضح أنّ اختصاص التذكية الذبحية ببعض أنواع محرّم الأكل لا يقتضي في مثل هذا المقام تخصيص أصل الحكم به.

أقول : المذهبان المذكوران متأخّران عن زمن صدور الموثقة ، ثمّ إنّه إذا كان ما زعمه الجماعة اختصاص الجواز بالتذكية الذبحية ثمّ ما أفيد ، أمّا إذا شمل مطلق التذكية ولو بغير الذبح فالمناسب في ردّ زعمهم أن يقال : ذكّي أم لم يذكّ ، ويبقى سؤال الوجه في تقييده بالذبح.

(١) المقصود بهذا الكلام الإشارة إلى أنّ المقام لا يندرج في النزاع المعروف فيما إذا تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده ـ أنّه هل يؤخذ فيه بأصالة العموم ويرتكب في الضمير الاستخدام أو يؤخذ بأصالة عدم الاستخدام ويخصّص بموجبها العام ـ كي يستلزم القول بالتخصيص هناك القول به هنا.

ومحصّل ما أشار قدس‌سره إليه وجها له : أنّ النزاع المذكور إنما يجري فيما إذا ورد حكم على العام وتعقّبه حكم آخر على الضمير الراجع إليه المعلوم إرادة بعض أفراده منه خاصّة بحيث يصبح قرينة ـ على أحد القولين ـ على تخصيص العام نفسه ـ كما في الآيتين ـ ، أمّا إذا لم يكن المشتمل على الضمير بهذه المثابة ـ كما في المقام الذي عرفت أنّه ليس مفاده سوى نفي تأثير التذكية أينما تحقّقت في رفع المانعية عن محرّم الأكل ـ فلا يندرج في ذلك النزاع ، بل يتعيّن في مثله الأخذ بالعموم وارتكاب الاستخدام.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يتضمنان ) والصحيح ما أثبتناه.

٨٥

أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ )عقيب آية المطلّقات ـ ، فلا شبهة في أنّ الاستخدام هو المتعيّن في المقام ، دون التخصيص ، عكس ما في الآيتين المباركتين (١).

على أنّه (٢) لو سلّم أولويّة التخصيص في المقام أيضا ، أو كونه من قبيل تعقّب العامّ بما يصلح قرينة على التخصيص (٣) ، فأقصى ما يقتضيه ذلك هو قصر مفاد ما أجاب به الإمام عليه‌السلام عن سؤال زرارة بذي النفس ، لأنّ سؤاله (٤) إنما كان عن الوبر ، وأغلبه أو‌

__________________

(١) ظاهره أنّ المتعيّن في الآيتين التخصيص ترجيحا لأصالة عدم الاستخدام ، لكن الذي حكي عنه قدس‌سره مقرّروا بحثه هو اختياره تقديم أصالة العموم لوجوه مذكورة في محلّها من الأصول ، ( راجع أجود التقريرات ١ : ٤٩٢ ).

(٢) وجه آخر لدفع التوهّم المذكور.

(٣) الموجب لإجمال العام.

(٤) محصّل مرامه قدس‌سره أنّه لو بني على ظهور هذه الفقرة في الخصوص أو كونه المتيقن من إجمالها ، فهذا المعنى غير بعيد عن مساقها ، نظرا إلى أنّها وقعت جوابا عن السؤال عن الصلاة في الوبر أو في الحيوان الوبر ـ بكسر الباء على الاحتمالين المتقدمين في قول السائل « وغيره من الوبر » ـ ، وعلى التقديرين فالظاهر كون جميعه من ذي النفس ، إذ لم يعرف ذو وبر من غير ذي النفس ، فأجاب عليه‌السلام بما يختصّ مفاده بذي النفس أيضا من دون تعرّضه لغيره نفيا ولا إثباتا ، لكنّ صدر الموثقة الحاكي لإملاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشمل بعمومه غير ذي النفس فيؤخذ به ، ولا‌

٨٦

جميعه منه ، ولا يوجب ذلك خللا أو وهنا في عموم ما كان بإملاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فضلا عن إطلاق سائر الأدلّة ، إذ ليس هو إلاّ من التفريع على ذلك الأصل لا بيانا أو تفسيرا له.

وكيف كان فلا حاجة في دفع التوهّم المذكور (١) إلى ما التزم به في الجواهر (٢) ـ من كون الذبح تذكية لهذا النوع من الحيوان ـ ، بل لا سبيل إلى هذا الالتزام.

أمّا أولا (٣) : فلأنّ الذبح وما يقوم مقامه إنّما جعل تذكية لذي النفس لكونه إخراجا لذلك الدم السائل منه ـ كما نطقت به أدلّة ذلك‌

__________________

تخصّصه الفقرة اللاحقة المبحوث عنها ، إذ ليست هي تفسيرا وتوضيحا له ، بل تفريع عليه ، وشأن الفرع أن لا يزيد على أصله.

(١) وهو توهّم اختصاص المانعية في الصلاة بذي النفس ، بدعوى قرينيّة قوله عليه‌السلام « ذكّاه الذبح أو لم يذكّه » عليه.

(٢) قال قدس‌سره ( ٨ : ٦٧ ) بعد إيراد التوهّم المذكور ومنعه : « وما في الذيل لا دلالة فيه ، ضرورة إمكان الذبح في كثير مما لا نفس له من الحيوانات البحرية وإن كانت طهارته غير موقوفة عليه ». والوجه في عدم الحاجة إليه كونه تكلّفا لا داعي إليه بعد اندفاع التوهّم بالوجهين المتقدمين ، مضافا إلى عدم تماميته في نفسه ـ كما ستعرف.

(٣) محصّل هذا الوجه نفي كون الذبح وما بحكمه تذكية لغير ذي النفس ـ وإن كان محلّل الأكل ـ ، كما أنّ مرجع الوجه الثاني إلى إنكار قابلية محرّم الأكل من غير ذي النفس ـ كالجرّي ونحوه ـ للتذكية رأسا لا بالذبح وشبهه ، ولا بوجه آخر.

٨٧

الباب (١) ـ ، ولا مجال لدعوى كونه تذكية لغيره أيضا مع عدم قيام الدليل عليه ، بل قيام القاطع على خلافه ، فلو ذبح السمك في الماء فلا أظنّ أن يلتزم هو ـ نوّر ضريحه ـ ولا غيره إلاّ بكونه ميتة يحرم أكله.

وأمّا ثانيا : فلأنّ المحرّم ممّا لا نفس له غير قابل للتذكية رأسا ، ولا أثر لتذكيته مطلقا ، لأنّ أحكام الميتة (٢) لا تترتّب عليه على كلّ تقدير (٣) ، ولا يجوز أكله على كلّ حال ، وظاهر أنّه إذا تساوى حاله من كلّ جهة عند ذبحه ـ مثلا ـ وموته حتف أنفه في جميع الأحكام فليس الحكم عليه بالتذكية في إحداهما دون الأخرى إلاّ من مجرّد اللفظ والتسمية المنزّه عنه مقام الشارعيّة ، ومن هنا لا عين ولا أثر لتذكية هذا النوع من الحيوان ، لا في أخبار‌

__________________

(١) ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام فيما إذا سبقته السكّين فأبان الرأس أنّه قال « إن خرج الدم فكل » ، وفي صحيحة زيد الشحّام عن أبي عبد الله عليه‌السلام فيما إذا لم يصب حديدة هل يذبح بغيرها قال « إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به » ( راجع الوسائل الباب ٩ من أبواب الذبائح ـ الحديث ٢ ، والباب ٢ منها ـ الحديث ٣ ).

(٢) وعمدتها النجاسة وحرمة الأكل.

(٣) أمّا النجاسة فلأنّ المفروض أنّ ميتته طاهرة ، وأمّا حرمة الأكل فلثبوتها على كلّ حال ـ ذكّيت أم لم تذكّ ـ ، إذن فلا يترتب على تذكيته حكم من الأحكام ويكون جعل الذبح أو نحوه تذكية له من اللغو المنزّه عنه الشارع.

٨٨

ذلك الباب ، ولا في كلمات الأصحاب (١) ، بل الظاهر اندراج البرّيّ منه (٢) في الحشرات المتسالم على عدم قبولها للتذكية ، والبحريّ منه وإن كان خارجا عنها (٣) موضوعا ، لكنّه متّحد مع البريّ حكما ـ كما عرفت.

وأمّا إذا لم يكن المحرّم ذا لحم أصلا فخروجه عن إطلاق سائر الأدلة (٤) ظاهر ، ومصبّ عموم الموثّقة أيضا ينصرف عنه (٥) ، والظاهر أن يكون تنفّر الطباع البشريّة في نوعها عن هذا النوع (٦) من‌

__________________

(١) إذ لم ترد رواية في كيفية تذكيته ، ولا تعرّض الأصحاب لها ـ كما يظهر بالمراجعة.

(٢) كالحيّة والوزغ والدود ، وعبّر قدس‌سره بالاندراج نظرا إلى أنّ أكثر الحشرات ليست بذات لحم.

(٣) أي خارجا عن الحشرات موضوعا ، لكنّه متحد مع البريّ منه في الحكم بعدم القابلية للتذكية ، لما عرفت من عدم ترتّب أثر على تذكيته.

(٤) مما سوى الموثقة ، للتعبير فيها بما لا يؤكل لحمه ـ الخاص بذي اللحم ـ أما الموثقة فمصبّ عمومها هو حرام الأكل ، وهو في نفسه صادق على غير ذي اللحم أيضا كالبقّ والذباب لو لا الانصراف المذكور في المتن ، ولا مجال لتقييده باللحم حملا على سائر الأدلة المتقيّدة به ، لعدم التنافي.

(٥) ويؤيد الانصراف قوله عليه‌السلام في أوّل الذيل تفريعا على ما ذكر في الصدر : « فإن كان مما يؤكل لحمه » المشعر بإرادة ذي اللحم من الصدر.

(٦) أي عن أكل هذا النوع لكونه من الخبائث التي تتحرّز عن أكلها‌

٨٩

الحيوان وكونه من الخبائث العرفيّة التي تستقذرها * الطباع هو الموجب لهذا الانصراف ، ويشهد بذلك عدم التفات الأذهان الساذجة العرفيّة إلى دخول مثل الذباب والبقّ والقمّل والبرغوث ونحوها ، وكذلك العسل والشمع والحرير ، ونحوها من فضلات هذه الحيوانات في هذا العموم ، ولا إلى كون الدليل ـ على جوازها في الحرير الخالص أو الممتزج (١) ، وجواز تلبيد المحرم شعره بالصمغ والعسل (٢) ، وجواز أن يكون في فم المصلّي الخرز واللؤلؤ إذا لم‌

__________________

الطباع فلا يعدّ عرفا من المأكولات ، ولأجله لم يلتفت الأذهان العرفية ـ كما أفاده قدس‌سره ـ إلى دخوله في عنوان محرّم الأكل وشموله له ، لانتفاء موضوع الحرمة بنظرهم حذو انتفائه حقيقة عمّا لا يمكن أكله خارجا.

(١) أي جواز الصلاة في الحرير الخالص للنساء والممتزج للرجال ، مع أن الحرير من فضلات دودة القزّ وهي من النوع المبحوث عنه.

(٢) لم أعثر على رواية تصرّح بجواز ذلك للمحرم ، نعم يستفاد مفروغية الجواز من صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق.

الحديث » ، ونحوها غيرها ( راجع الباب السابع من أبواب الحلق والتقصير من حج الوسائل ). وإذا جاز له التلبيد حين الإحرام وإبقاؤه إلى أن يحلق رأسه يوم النحر فقد جاز له الصلاة فيه للملازمة ، هذا ، والعسل والصمغ المتعارف تلبيد المحرم شعره بهما ـ في الأزمنة الاولى ـ هما من فضلات النحل ، وهو من النوع المبحوث عنه أيضا.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( تستقذره ) والصحيح ما أثبتناه.

٩٠

يمنعه عن القراءة (١) ، ونحو ذلك (٢) ـ تخصيصا له (٣).

والمنع عمّا ذكر من الانصراف أو التردّد فيه ، وتخصيص‌

__________________

(١) دلّت عليه صحيحة علي بن جعفر عليه‌السلام عن أخيه عليه‌السلام ـ في حديث ـ قال : وسألته عن الرجل يصلّي وفي فيه الخرز واللؤلؤ ، قال عليه‌السلام : « إن كان يمنعه من قراءته فلا وإن كان لا يمنعه فلا بأس » ، ( راجع الوسائل الباب ٦٠ من أبواب لباس المصلي ).

وعدّ هذا مما نحن فيه مبني على كون اللؤلؤ من أجزاء أو فضلات حيوان غير ذي لحم ، وقد يناقش في كونه من الحيوان ، بل قد يجزم بعدمه ـ كما في العروة ـ ، لكن في المستند ( ٤ : ٣٢٠ ) : أنه استشكل بعضهم في الصلاة فيه ، لكونه جزءا من الصدف وهو حيوان ذو لحم كما صرّح به الأطباء في كتبهم وأثبتوا للحمه خواصّا ، انتهى ملخصا. وفي كشف اللثام : أنه كغدّة في الصدف ، وعن بعض علماء الطبيعة : أن اللؤلؤ يتكوّن في باطن الصدف وهو حيوان بحري له جلد عظمي كالحلزون يستخرجه الغواصون فيستخرجون منه اللؤلؤ ، وعن بعض آخر أنه مادة يفرزها بعض الحيوانات البحرية الرخوة أو تتكوّن فيه ، وعليه فأصله حيوانيّ وحيوانه ذو لحم فلم يكن مما نحن فيه ، ومع ذلك فلا ينبغي الإشكال في جواز الصلاة فيه ، للصحيحة المتقدمة ، وللسيرة المستمرة لشيوع التحلّي به في أعصار الأئمة عليهم‌السلام مع عدم ورود المنع ـ كما عن البحار وغيره.

(٢) كالروايات المجوّزة للصلاة في دم البقّ والبراغيث ( الوسائل الباب ٢٣ من أبواب النجاسات ) ، وكالسيرة القطعية على الصلاة في القمل ودمه ، ونحو ذلك.

(٣) لأن التخصيص فرع العموم ، ولا عموم بنظرهم لمكان الانصراف المتقدم ذكره.

٩١

الجواز بموارد النصوص المذكورة أو ما قامت به السيرة القطعيّة ـ كما عن بعض الأساطين (١).

لا يخفى ما فيه ، فهل ورد الدليل على الجواز في الموارد المذكورة إلاّ مفروغا عن الجهة التي نحن فيها ، وترخيصا من غير هذه الجهة (٢) ، وهل قامت السيرة على عدم الاعتداد بمثل القمّل والبرغوث ونحوهما إلاّ لعدم انفهام المعنى الشامل لأمثال هذه‌

__________________

(١) يظهر من الوحيد قدس‌سره ـ في شرحه على المفاتيح ـ التردد في الانصراف بالنسبة إلى النحل وفضلاته بعد جزمه به في البقّ ونحوه ، قال « وهل يدخل فيه ـ أي فيما لا يؤكل لحمه ـ مثل النحل فلا يصلى في ثوب أصابه الشمع أو العسل. ، ثمّ قال : والنحل وإن لم يكن له لحم إلاّ أنه داخل في قوله عليه‌السلام ( كلّ شي‌ء حرام أكله ) ، لكن لا يخفى عدم شموله لمثل البقّ والبرغوث والقمل. ولعلّ النحل أيضا كذلك ، بل لعلّ الأظهر أنه كذلك والاحتياط أمر آخر » انتهى.

(٢) فإنّ منع الرجال من الصلاة في الحرير ، بل مطلق لبسه إنّما هو من حيث إنه حرير ، فترخيصهم في الصلاة في الممتزج منه يكون من جهة امتزاجه وعدم خلوصه ـ بعد المفروغية عن الجواز من حيث حرمة أكل حيوانه ـ ، كما أن ترخيص المحرم في تلبيد شعره بالصمغ أو العسل ترخيص له من حيث إحرامه ، ولا نظر فيه إلى حيثية كونه من إفرازات محرّم الأكل ، بل الجواز من هذه الناحية مفروغ عنه ، ونحوهما الحال في ترخيص المصلّي في وضع اللؤلؤة في فمه إذا لم تمنعه عن القراءة ، فإنه ترخيص له فيه بما هو حمل لشي‌ء بفمه حال صلاته من دون خصوصية للؤلؤ ، ولذا لم يفرّق في الرواية بينه وبين الخرز.

٩٢

الحيوانات من * هذا العموم ، وهل يمكن أن لا يكون ردعا عنها إلاّ بهذه المعونة (١).

فالإنصاف أنّ الاستيناس أو التمسّك بهذه الأدلّة ، وكذلك السيرة المذكورة على ما ذكر من الانصراف هو الذي يليق بها لا إيرادها مخصّصا لذلك العموم.

وأظهر من ذلك خروج الإنسان بجملته وجميع فضلاته الطاهرة عن عناوين أدلّة الباب ، وما كان لها من عموم أو إطلاق ، إذ ـ مضافا إلى اطّراد ما تقدّم من موجب الانصراف (٢) في المقام أيضا ـ فلا يخفى أنّ ما عدا الإنسان من أنواع الحيوان إنّما يتّصف بكونه محرّم الأكل ، أو محلّله ، أو كونه ممّا يؤكل ، أو لا يؤكل ، ونحو‌

__________________

(١) يعني أنه لو لم يتمّ الانصراف وشمل العموم أمثال هذه الحيوانات لم يكن في العموم قصور عن ردعه للسيرة المذكورة ، لكن من المسلّم أن السيرة غير مردوع عنها وليس إلاّ من جهة الانصراف المزبور.

أقول : ظاهر عبارته قدس‌سره يوهم أنّه لو لا الانصراف لكان العموم رادعا عن السيرة ، لكنّه ليس بمراد قطعا ، فإنه إذا كانت السيرة القائمة معتبرة وكاشفة عن الحكم الشرعي ـ كما هو المفروض في المقام ـ لم يصلح العموم للردع عنها ، بل هي تخصّصه ، فالمراد أنّ السيرة إنما استقرّت على الجواز لمكان قصور الدليل اللفظي من أصله عن المنع.

(٢) وهو تنفّر الطباع البشرية عن أكل بني نوعها على نحو لا تراها الأذهان العرفية مشمولة لعنوان حرام الأكل.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( عن ) والصحيح ما أثبتناه.

٩٣

ذلك باعتبار أكل الإنسان له ، أمّا الإنسان فيحرم أكل كلّ فرد منه على أفراد نوعه ، فاختلفت الكيفية (١) ، وتصوير الجامع العقلي وإن كان بمكان من الإمكان ، لكن ظواهر الأدلّة منصرفة إلى الأنواع المحرّمة على نوع الإنسان ، ولا تعمّ * أشخاص نوعه.

وما دلّ على جواز وصل المرأة شعر غيرها بشعرها (٢) ، وجواز حمل الأمّ ولدها لترضعه ـ وهي في الصلاة (٣) ـ ، ونحو ذلك ممّا سيق هذا المساق (٤) ، وإن تمسّكوا به على خروج الإنسان بفضلاته عن‌

__________________

(١) أي كيفية الاتصاف بمحرّمية الأكل ، وذلك باختلاف المحرّم والمحرّم عليه ، ففي الأوّل أكل النوع الحيواني محرّم على النوع الإنساني ، وفي الثاني أكل ما عدا المكلف من سائر أفراد نوعه محرّم عليه ، فالحرمة فيه تكون من الجانبين.

(٢) كرواية سعد الإسكاف : سئل أبو جعفر عليه‌السلام عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن ، فقال عليه‌السلام : « لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها. الحديث » ، وفي رواية أخرى : يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة لنفسها ، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها ، ( راجع الباب ١٠١ من مقدمات النكاح من الوسائل ).

(٣) كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس أن تحمل المرأة صبيّها وهي تصلّي وترضعه وهي تتشهّد » ، وقريب منها رواية علي بن جعفر عليه‌السلام ( الباب ٢٤ من قواطع الصلاة من الوسائل ).

(٤) نحو ما دلّ على جواز الصلاة في ثوب فيه شي‌ء من شعر الإنسان وأظفاره قبل أن ينفضه ( الباب ١٨ من لباس المصلي ) ، وما دلّ على نفي البأس عن البصاق يصيب الثوب ( الباب ١٧ من أبواب النجاسات ).

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يعم ) والصحيح ما أثبتناه.

٩٤

هذا العموم ، لكن حيث إنّ لسان هذه الروايات أيضا إنّما هو الترخيص من جهة أخرى (١) ، بعد المفروغيّة عن الجهة التي نحن فيها ، فالحريّ بها أن تجعل قرينة على ما ذكرناه من التخصّص ، لا دليلا على التخصيص.

ثمّ إنّه قد استشكل في الجواهر والنجاة في جواز الصلاة في الثوب المنسوج من شعر الإنسان (٢) ، بعد أن سلّم خروجه بجميع‌

__________________

(١) فإن الظاهر أنّ السؤال عن حكم وصل الشعر بالشعر إنّما هو من جهة ما فيه من التدليس والتغرير أحيانا ، وأن تجويز حمل الصبي وإرضاعه حال الصلاة إنما هو لدفع توهّم كونه من الفعل الكثير القادح في الصلاة ، كما أن الظاهر أنّ منشأ السؤال عن الصلاة في ثوب عليه شعرات أو أظفار قبل نفضه هو تخيّل لحوق مثل هذه الفضلات بالنجاسات في مانعيّتها في الصلاة.

(٢) ففي الجواهر ( ٨ : ٦٩ ) بعد أن أورد الأدلة والنصوص الدالة على خروج الإنسان بجميع فضلاته عن غير المأكول المحكوم بعدم جواز الصلاة في أجزائه ، قال : ( وحينئذ تجوز الصلاة في شعره مثلا حتى لو نسج منه لباسا للإطلاق بلا معارض ، قلت : قد يقال إنه لو سلّم ذلك فقد يمنع الصلاة فيه لظهور الموثق المزبور في اشتراط كون ما يصلى فيه مما يؤكل لحمه ، فخروج الإنسان حينئذ ـ مما لا يؤكل ـ لا يقتضي تحقق الشرط المزبور ، إذ أقصاه البقاء على أصالة الجواز التي لا تعارض الدليل ، نعم لا بأس بما جرت السيرة. إلى أن قال : أما غير ذلك ـ كاللباس المنسوج منه مثلا ـ فيمنع ، لا لتحقق المانع بل الانتفاء الشرط ) انتهى موضع الحاجة. ومحصّل المراد أنّ الإنسان وإن كان بجميع فضلاته خارجا عن أدلة مانعية غير المأكول إلاّ أنّ الدليل قد دلّ أيضا على شرطية المأكولية في اللباس ، وهي غير متحققة في الفرض.

٩٥

فضلاته عمّا يدلّ على عدم جوازها فيما يحرم أكله ، وهذا من فروع ما بنى عليه (١) من الجمع بين شرطيّة المأكولية ومانعيّة غير المأكول ، ثم التفكيك بينهما في مقدار الشمول (٢) ، ووجّه الإشكال في المقام بانتفاء شرط المأكوليّة في اللباس ، وستعرف (٣) ما في أصل المبنى ، وما وجّه به هذا الإشكال ، وأشباهه ممّا فرّعه على ذلك المبنى ـ إن شاء الله تعالى.

وأمّا العارضيّ (٤) ـ وهو الموطوء ، وشارب لبن الخنزيرة حتّى اشتدّ عظمه ، والجلاّل ـ فقد ألحقه بعض الأساطين (٥) ـ بأقسامه الثلاثة ـ

__________________

(١) وقد سمعت تصريحه في كلامه الآنف الذكر بابتناء الإشكال على شرطية المأكولية المستفادة من الموثق.

(٢) سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ عنه قدس‌سره أنه إذ جمع بين الشرطية والمانعيّة فقد فرّق بينهما في مقدار الشمول ، فاستظهر من النصوص عموم المانعية لجميع ما يصلى فيه من اللباس وعوارضه ، واختصاص الشرطية باللباس ، ولأجله خصّص إشكال المقام باللباس المنسوج من الشعر الإنساني.

(٣) وذلك بالمنع من إمكان الجمع بين الشرطية والمانعية ثبوتا ، وظهور الأدلة في خصوص المانعيّة إثباتا.

(٤) يعني الحيوان المحرّم أكله بحرمة عارضة ، لطروّ أحد العوارض الثلاثة المذكورة ، وحصر الحرمة العرضيّة للحيوان في الثلاثة استقرائي ثبتت فيها بالدليل ولم تثبت في غيرها ـ كما يظهر بالمراجعة.

(٥) صرّح الشيخ الكبير قدس‌سره ـ في كشف الغطاء ـ بإلحاق الثلاثة ، ولم أجده ـ فيما تتبّعت ـ عن غيره ، إذ المسألة غير معنونة في كلمات الفقهاء ، نعم‌

٩٦

بالأصليّ ، نظرا إلى شمول العموم والإطلاقات (١) للجميع ، وهو (٢) في القسمين الأوّلين في محلّه ، فإنّ كلا من العارضين يوجب تبدّل معروضه إلى ما هو في عرض العناوين المحرّمة الأوليّة ، ولا يحلّ لبنه (٣) ،

__________________

نظيرتها في باب النجاسات ـ وأعني لحوق المحرّم العارضي بالأصلي في نجاسة بوله وخرئه ـ معنونة قديما وحديثا ، بل ادعي عليها الإجماع.

(١) هما عموم الموثقة وإطلاقات غيرها ، ولا يعارضها إطلاق ما دلّ على جواز الصلاة فيما يؤكل لحمه ـ باعتبار أنها مأكولة اللحم بالأصالة ـ ، وذلك لما سيأتي من أن هذه العوارض توجب تبدّل العنوان وصيرورة الحيوان ممّا لا يؤكل لحمه بعد ما كان ممّا يؤكل ، فلا يشمله دليل الجواز.

(٢) أي الإلحاق ، ومحصّل ما أفاده قدس‌سره في وجه الفرق بين العارضين الأولين وبين الثالث ـ الجلل ـ هو أن كلا من عنواني ( حرام الأكل ) و ( ما لا يؤكل لحمه ) ظاهر ـ ولا سيما الثاني ـ في الحرمة الدائمة الثابتة ولا يعمّ الموقتة الزائلة ، والحرمة في العارضين الأولين من قبيل الأول فتبدّل الموضوع وتدرج الحيوان في عنوان محرّم الأكل وما لا يؤكل بعد أن كان من المحلّل وما يؤكل ، فتلحقه أحكامه ، وهذا بخلاف الجلل فإنّ حرمته من قبيل الثاني ، لزوالها بالاستبراء ، فلا تبدّل العنوان ولا تجعل الحيوان من محرم الأكل وإن حرم فعلا ما لم يستبرأ.

(٣) لا ينبغي الإشكال في ثبوت هذا الحكم في الموطوء ، وقد ورد في موثقة سماعة ورواية مسمع ( الباب ٣٠ من الأطعمة المحرمة من الوسائل ) ، ويشمله إطلاق نفي الانتفاع به في روايات أخر ( الباب ١ من نكاح البهائم من الحدود ) ، أما بالنسبة إلى المتغذّي بلبن الخنزيرة فلم يرد في شي‌ء من نصوصه حرمة لبنه ( الباب ٢٥ من الأطعمة المحرمة ) ،

٩٧

ويتبعه نسله في جميع ذلك (١) وإن كان ذكرا (٢) ، فيندرج في إطلاقات الأدلّة وعموم الموثّقة على كلّ من تقديري كون الحرام الوارد فيها (٣) عنوانا للموضوع ، أو معرّفا للعناوين المحرّمة ، بل لو كان‌

__________________

ولا ورد ذكرها في كلمات الأصحاب إلاّ نادرا ، إذن فالجزم بها مبنيّ على ثبوت الملازمة بين حرمة اللحم ـ ولو لعارض ـ وحرمة لبنه ، وهو غير واضح.

(١) أي في جميع هذه الأحكام من حرمة أكله وشرب لبنه ومانعيته في الصلاة ، أما بالنسبة إلى الموطوء فيستفاد من الأمر بذبحه وإحراقه ونفي الانتفاع به الواردة في نصوص البابين المتقدم إليهما الإشارة من الوسائل ، وأما بالنسبة إلى المتغذّي بلبن الخنزيرة فللتصريح به في موثقة حنان بن سدير وغيرها ، فليراجع الباب المشار إليه آنفا من الوسائل.

(٢) يعني الموطوء أو المتغذي بأن استفحل فخرج له نسل ـ كما هو مورد موثقة حنان ـ ، والعمدة في المقام عدم ظهور الفرق في حرمة النسل بين الذكر والأنثى ، والتفصيل موكول إلى محله. هذا والمقصود من إيراد حكم اللبن والنسل في المقام هو تأكيد المطلب والاستشهاد بهما على تبدّل العنوان في الموردين ولحوق أحكام محرّم الأكل به.

(٣) أي في الموثقة في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام اكله » ، وقد أشار قدس‌سره بهذه العبارة إلى ردّ ما قد يدّعى من الفرق بين التقديرين بأنه إنما يندرج الحرام بالعارض في العنوان المذكور ـ الحرام أكله ـ بناء على كونه بنفسه عنوانا للموضوع ، أما بناء على كونه ملحوظا معرّفا للعناوين المحرمة ومرآة لها ـ وسيأتي اختياره قدس‌سره له ـ فيختص بالمحرمات الذاتية ـ كالأسد والذئب ونحوهما ـ ولا يشمل العرضية. وحاصل الرد أنه لا وجه‌

٩٨

على الموطوء صوف أو وبر من السابق يتبدّل حكمه تبعا لأصله (١).

وأمّا الجلاّل فللمنع عن شمول الأدلّة له مجال ، فإنّ حرمته ليست مبدّلة له ولا سارية في نفسه (٢) ، وإنّما هي عرضيّة موقّتة ناشئة عن تأثير القذارة التي لحقت (٣) لحمه * من جهة الجلل ، فلا يندرج في عنوان ( ما لا يؤكل لحمه ) ونحو ذلك ، بل ولا في عنوان‌

__________________

لمنع الاندراج على الثاني فإنّ عنواني الموطوء والمتغذي بلبن الخنزيرة أيضا يعدّان من العناوين المحرمة حذو الأسد ونحوه ، ولا قصور لعنوان حرام الأكل في مرآتيته لهما ، فلا وجه لتخصيص مرآتيته بالعناوين المحرّمة بالأصالة ، إذن فيشملهما عموم الموثقة ، هذا. وممّن ادّعى الفرق المذكور السيّد الأستاذ ـ دام ظله ـ في رسالته المعمولة في هذه المسألة (٢٨) ، لكنّ عبارتها غير مشتملة على وجه لذلك معتدّ به ، فراجع وتأمل.

(١) إذ يندرج في إطلاقات المقام وعمومه الحيوان المذكور بجميع أجزائه حتى التي لا تحلّها الحياة الكائنة عليه قبل العروض من صوف أو وبر كان عليه من السابق فضلا عن الحادثة بعده ، نظرا إلى كونها حال العروض معدودة من أجزائه فيتبدل حكمها تبعا لأصلها ، ومن الواضح أنّه لا فرق في الجزئية للحيوان بين ما تحلّه الحياة وغيره.

(٢) بحيث يصبح من الذوات المحرمة ، والحرمة لازمة له غير منفكّة عنه ـ كما كان هو الحال في سابقيه.

(٣) لحوقا موقتا ما دام لم يستبرأ ، بل وكذا لبنه بناء على حرمته ـ كما يقتضيها بعض نصوصه ـ ( الوسائل ، البابين ٢٧ و ٢٨ من الأطعمة المحرمة ).

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( لحمها ) والصحيح ما أثبتناه.

٩٩

( حرام أكله ) أيضا ، لظهوره في الحرمة الثابتة ، دون العارضة الموقّتة الزائلة.

وبالجملة فالظاهر أن تكون حرمة الجلاّل كحليّة ما اضطرّ إلى أكله من المحرّمات في المخمصة ، فكما لا يندرج (١) ما اضطرّ إلى أكله فيما تجوز الصلاة في أجزائه ، كذلك لا يندرج الجلاّل أيضا في عنوان الحرام الذي دلّت هذه الأدلّة على عدم جوازها فيه ، ـ والله العالم.

الثالثة : ينقسم ما على المصلّي عند فعل الصلاة إلى لباس يلبسه ، وعوارض تعرض بدنه ، أو لباسه ، ومحمول يحمله.

أمّا اللباس فهو المتيقّن من أدلّة المانعيّة (٢) ، وإن كان ممّا لا‌

__________________

(١) وليس عدم اندراجه إلاّ لكون حليّته موقّتة زائلة بزوال الاضطرار ، هذا.

وقد يناقش ـ كما عن السيّد الأستاذ دام ظله في رسالته ـ في قياس الجلل بالاضطرار بأنه قياس مع الفارق ، بدعوى أن الاضطرار يوجب الحلّية بالنسبة إلى خصوص المضطرّ ، أما الجلل فيوجب الحرمة على عامّة المكلفين ما دام كذلك ، لإيجابه تبدّلا في ذات اللحم.

ويلاحظ عليه أنّه لا عبرة بعموم الحكم للمكلفين وخصوصه ، وإنما المهم كون الحكم عارضا موقتا لا ثابتا دائميا ، وهو في المقامين كذلك ، فالمضطر اليه حلال ما دام الاضطرار لا دائما ، والجلاّل حرام ما دام الجلل وعدم الاستبراء لا دائما ، والتبدّل في ذات اللحم لا أثر له إذا كان قابلا للزوال.

(٢) لصدق الظرفية المستعملة فيه أداتها صدقا حقيقيّا ، بخلاف المستعملة في غيره ، أو كونها أقرب فيه إلى الحقيقة من غيره.

١٠٠