الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

ذلك ويكون قرينة على كونه بيانا لجهة امتيازه عن المذكورات ، إذ مقتضى كون التعليل المذكور نصّا في علّية المسوخية لهذا الحكم في الجملة (١) ـ كما هو الشأن في كلّ عموم أو إطلاق (٢) ـ هو امتناع أن يقيّد موضوعه (٣) بما إذا كان من السباع أيضا ويجعل السبع المسوخ موردا لهذا التعليل (٤) ، كيف ومع الغضّ (٥) عن كونه من التخصيص بالفرد النادر (٦) المستهجن جدا ، فلا يخفى كونه إبطالا‌

__________________

(١) أي سواء اختصت عليتها بموضوعها ـ أعني المسوخات ـ أم عمّت كلّ ما لا يؤكل لحمه ، وقد سبق تعيّن الأول.

(٢) فإنه نصّ بالنسبة إلى موضوع التعليل وإن كان ظاهرا في غيره مما يشمله العموم أو الإطلاق ، كما في ( لا تأكل الرمان لأنّه حامض ) الذي هو نصّ في النهي عن الرمان

الحامض ، وفي المقام يكون إطلاق عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه نصا بالنسبة إلى المسوخ وظاهرا في غيره.

(٣) أي موضوع التعليل وهو المسوخ.

(٤) مع أنّ مقتضى ما تقدم من عموم الترخيص لكلّ ما ليس بسبع ـ على تقدير تسليمه ـ هو التقييد بذلك ، إذ العموم المذكور يشمل المسوخ من غير السبع أيضا فلا بد من تقييد المنع في رواية المسوخ بما إذا كان من السباع وهو ممتنع ـ كما ستعرف.

(٥) شروع في ذكر وجوه امتناع التقييد وهي ثلاثة : هذا أوّلها ، والثاني ما أفاده قدس‌سره بقوله : فلا يخفى ، والثالث بقوله : هذا مضافا ، فتبصّر.

(٦) لأن أفراد المسوخ السبع قليلة فإنّ أكثر المسوخات ليست من السباع ـ كما يظهر بالمراجعة.

٤١

لعلّية المسوخية بالكلّية ومخالفا لنصّ التعليل من هذه الجهة ، إذ لو قيّدت علّية شي‌ء بوجود علّة مستقلة أخرى مع بقائها على إطلاقها (١) كان ذلك إخراجا للأولى عن كونها ذات * دخل في وجود المعلول رأسا ويتساوى وجودها وعدمها فيه (٢). ولا سبيل‌

__________________

(١) أي بقاء العلّة الأخرى على إطلاقها سواء وجدت الأولى أم لا ، في قبال ما يأتي في تكملة الاستدلال من فرض تقييدها بالأولى.

(٢) والأمر في المقام كذلك ، لما تقدم سابقا من أنّ مقتضى كون التعليل بـ ( أن السنجاب دابة لا تأكل اللحم ) في قوة الكبرى الكلية ودوران اللحم مداره وجودا وعدما هو تعميم الرخصة لكلّ محرم لا يأكل اللحم ، وتخصيص المانعية بالمحرم الذي يأكل اللحم ـ أعني السبع ـ ، إذن فالسبعية علّة مستقلة للمانعية فإذا فرض بقاؤها على إطلاقها فمقتضاه عليّتها للمانعية سواء اقترنت معها المسوخية أم لم تقترن. وحينئذ فلو قيّدت علّية المسوخية بما إذا اقترنت معها السبعية كان ذلك إبطالا لعليّتها بالكلية وإسقاطا لدخالتها بالمرة ، فإن السبعية حسب الفرض تمام الموضوع للمانعية على نحو الإطلاق فضمّ المسوخية إليها كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان ، والتالي فاسد ، لما عرفت من علّية المسوخية بنص التعليل ، فالمقدّم مثله. ومحصّل الاستدلال أنه لو تم الترخيص المرسل بالنسبة إلى كلّ ما ليس بسبع والمنع المطلق بالنسبة إلى السباع لقيّدت علّية المسوخية للمنع بما إذا قارنت السبعية ولو قيّدت بذلك لسقطت عن علّيتها له ، وإذ بطل التالي الأخير بطل مقدّمه فبطل مقدم المقدم أيضا بموجبه. هذا وانتظر تكملة لهذا الاستدلال عند قوله قدس‌سره : وبعد ما امتنع التقييد ـ إلخ.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( ذا ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٢

إلى مقايسة المقام بما إذا اجتمعت العلّتان المستقلّة كلّ واحدة منهما بظاهر دليلها في العلّية لو لا الأخرى أو المقيّدة عليّة كلّ واحدة منهما بوجود الأخرى (١) ، كما في مسألة خفاء الأذان والجدران في حدّ الترخص ـ على الوجهين فيها ـ ونحو ذلك ـ كما لا يخفى.

هذا ، مضافا إلى مناقضته لصريح العلّة (٢) أيضا لما فيها من‌

__________________

(١) إشارة إلى الوجهين المذكورين في الأصول في مسألة تعدد الشرط واتحاد الجزاء في مثل ( إذا خفي الأذان فقصّر وإذا خفيت الجدران فقصّر ) ، فإن مقتضى إطلاق كل من الشرطيتين بما لها من المفهوم هو علّية كل من الأمرين علّية مطلقة على نحو يدور الحكم مداره وجودا وعدما ، وإذ لا يعقل ذلك ثبوتا فلا بدّ من التصرف في الدليلين : إمّا بتقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فينتج معنى العطف بـ ( أو ) واستقلال كل منهما في العلّية في الجملة بحيث يدور الحكم مداره وجودا فقط ، أو بتقييد كل من المنطوقين بالآخر فيؤدي مفاد العطف بالواو وكون علة الحكم مركبة منهما.

وغرضه قدس‌سره من هذا الكلام دفع ما ربّما يتوهم ويقال : لما ذا لا يجري في المقام نظير الوجهين الجاريين في تلك المسألة من استقلال كل من المسوخية والسبعية في العلّية لو لا الأخرى أو تقييد عليّة كل منهما بالأخرى لتكون العلة مركبة؟ واقتصر قدس‌سره في ردّه بالإشارة إلى وضوح فساده بقوله : ( كما لا يخفى ) ، وجه الوضوح وضوح الفرق بين المقامين لما عرفت من أن مقتضى كون التعليل بالمسوخية نصّا في علّيتها للمانعية هو امتناع تقييدها بالسبعية ، أما في تلك المسألة فالمفروض فيها عدم نصوصية أيّ من الدليلين في العلّية للحكم.

(٢) أي مناقضة التقييد المتقدم ذكره لصريح العلّة ، فإن تقييد المسوخ في‌

٤٣

التصريح باشتمال الأكثر عليها ، وظاهر أن ما اجتمع فيه الوصفان من النادر الملحق بالمعدوم.

وبعد ما امتنع التقييد المذكور (١) لهذه الجهات الكافية كلّ‌

__________________

قوله عليه‌السلام : ( لأن أكثرها مسوخ ) ، بما إذا كان سبعا يوجب خروجه من الأكثرية إلى الأقلية ، فإن ما اجتمع فيه الوصفان من محرّم الأكل قليل غايته ، فينافي ما فرض في عبارة التعليل من الأكثرية.

(١) هذا تكميل للاستدلال المتقدم ، وخلاصة الاستدلال برمّته أنه لو كان تعليل الرخصة في السنجاب بأنه ليس من السباع صالحا لأن يكون في قوة الكبرى الكلّية والرخصة المعلّلة به صالحة للعموم ، فإمّا أن يقيّد موضوع المسوخ في قوله ( لأن أكثرها مسوخ ) بما إذا كان من السباع ، وقد عرفت امتناعه للجهات الثلاث المتقدمة ، أو يكون التعليل بالمسوخية ـ بعد ما عرفت من كونه نصا في علّيتها للحكم المقتضية لثبوت الحكم للمسوخ غير السبع حذو ثبوته للمسوخ السبع ودلالته على الاولى كالثانية بالنصوصية دون مجرد الظهور ـ مخصصا لذلك العموم ، لكونه أخص مطلقا منه ، لدلالة العموم على الرخصة في غير السباع مطلقا ودلالة النص المذكور على المنع في المسوخ من غير السباع بالنصوصية ، والباقي تحته بعد التخصيص هو ما ليس بسبع ولا مسوخ ، وليس هو إلاّ بعض الحشرات ـ أعني ما ليس منها مسوخا ـ وهو أقل أفرادا من المسوخ الخارج بالتخصيص فيلزم التخصيص بالأكثر المستهجن.

أقول : لعلّ أقليّته مبنيّة على عدم شمول العموم رأسا لمثل البق والبرغوث من الحشرات التي لا لحم لها وهي كثيرة ، ومبنيّة أيضا على‌

٤٤

واحدة منها في امتناعه وكان التعليل المذكور على كلّ ممّا تقدم من الوجهين فيه (١) نصا في ثبوت الحكم فيما عدا السبع من المسوخ ، فلو فرض صلاحية تعليل الرخصة في السنجاب بأنه لا يأكل اللحم لأن يكون في قوة العموم ، كان النص المذكور بأخصيّته المطلقة مخصّصا له ـ لا محالة ـ ، ولا يبقى لعمومه مورد سوى الحشرات ، ولكونه من التخصيص بالأكثر ـ الظاهر استهجانه ـ فيكشف عن كونه بيانا لجهة امتيازه عمّا ذكر ـ كما أوضحناه.

وقد ظهر من ذلك أن إطلاق الرخصة فيما يأكل الورق والشجر أيضا (٢) لا يصلح معارضا لما يدلّ على عموم‌

__________________

أن العبرة في تخصيص الأكثر المستهجن بأكثرية الأفراد الخارجة بالتخصيص مطلقا ، إذ لو اعتبرنا في التخصيص الأنواعي أكثرية الأنواع لم يكن المقام منه ، لأن العموم شامل لنوعين وقد خرج بالتخصيص أحدهما.

على أن العموم يشمل الحيوانات المحلّلة الأكل أيضا وأفرادها كثيرة.

وكيفما كان فإذا امتنع التخصيص المذكور لاستهجانه امتنع إرادة العموم وكشف عن كون التعليل بيانا لجهة امتياز السنجاب عن سائر ما تصنع منه الفراء ـ كما مر توضيحه ـ لا تعليلا لعموم الرخصة صالحا لكونه في قوة الكبرى الكليّة.

(١) الظاهر أن المراد بالوجهين ما تقدم سابقا : من صلاحية كون المسوخية مناطا لتشريع الحكم على كلّ ما يحرم أكله مسوخا كان أم غيره ـ كما قد يقال ـ ، وعدم صلاحيته إلاّ بالنسبة إلى المسوخ خاصة ـ كما هو الصحيح ومرّ تحقيقه.

(٢) في قول الكاظم عليه‌السلام فيما رواه الصدوق رحمه‌الله بإسناده عن القاسم الخياط :

٤٥

المانعية (١) فإن النسبة بينهما وإن كانت هي العموم من وجه (٢) وكان الإطلاق المذكور معارضا للعموم المعلّل بالمسوخية لا لنصّ التعليل (٣)

__________________

« ما أكل الورق والشجر فلا بأس بأن يصلى فيه وما أكل الميتة فلا تصلّ فيه » ، راجع الحديث الثاني من الباب السادس من أبواب لباس المصلي من الوسائل ، ولا يبعد صحة سنده فإنه وإن اختلفت النسخ في ضبط الراوي عنه عليه‌السلام ففي الوسائل ( قاسم الخياط ) وعن بعض نسخ الفقيه ( هاشم الحناط ) وعن بعضها الآخر ( هشام الحناط ) ( الفقيه ١ : ١٦٨ ) ، إلاّ أن الظاهر أن الثاني هو الصواب ، لأنه المذكور في المشيخة دون غيره وليس في الفقيه رواية عنه غير هذه الرواية ـ كما في معجم رجال الحديث ، الطبعة الخامسة ٢٠ : ٢٧٢ ـ ، فيتعيّن أن يكون ما في المشيخة ناظرا إلى هذه الرواية ، وطريقه إليه صحيح ( الفقيه ٤ : المشيخة : ٤٣ ) ، على أن قاسم الخياط لا وجود له في الرجال ولا في روايات الكتب الأربعة غير المقام ، بخلاف هاشم الحناط فإن الظاهر أنه هاشم بن المثنى الحناط الكوفي الذي وثّقه النجاشي وله روايات ، كما أن الظاهر اتحاده مع هشام الحناط المذكور في بعض نسخ هذه الرواية.

(١) أي عمومها لكل حيوان محرم الأكل ، وقد مرّ في صدر الكتاب الروايات الدالة عليه وعمدتها العموم في قوله عليه‌السلام في موثقة ابن بكير :

( الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله ).

(٢) فيتعارض هذا الإطلاق مع ذاك العموم في محرم الأكل الذي يأكل الورق والشجر.

(٣) مراده قدس‌سره أن رواية المسوخ بما أنها مشتملة على تعليل وحكم معلل فالإطلاق المذكور إنما يعارض ـ تعارض العموم من وجه ـ عموم حكمها‌

٤٦

ـ كما فيما تقدم فرضه (١) ـ ، لكن لقوّة دلالة ذلك العموم ولحوقها بالنصوصية فذلك الإطلاق بمعزل عن صلاحية كونه معارضا له ، ولو فرض شموله لشي‌ء من الحشرات فلا شبهة في انصرافه عنه ، ولا محيص عن تقييده بما عدا النوعين (٢). فمن جميع ذلك اتضح أنه لا مجال للخدشة فيما تسالموا عليه من أصالة التلازم بين الحكمين.

وبقي البحث فيها من جهات : ـ

__________________

المعلل حذو معارضته سائر عمومات المنع ، ولا يعارض كذلك نص تعليلها بل التعليل أخص مطلقا من الإطلاق ، لأن مقتضى نصوصيته في علّية المسوخية للمنع هو نصوصيته في المنع عن المسوخ الذي يأكل الورق والشجر أيضا فيقيد الإطلاق بما إذا لم يكن ما يأكلهما مسوخا.

(١) إشارة إلى المعارضة المتقدم فرضها بين نص التعليل المذكور وبين تعليل الرخصة في السنجاب لأنه لا يأكل اللحم ـ بناء على كونه تعليلا صالحا لكونه في قوة الكبرى الكلية ـ ، والمقصود أن الإطلاق هنا لا يعارض التعليل بالمسوخية كما كان يعارضه التعليل الوارد في السنجاب.

(٢) رجّح قدس‌سره العموم على الإطلاق معلّلا له بقوة دلالته مشيرا بذلك إلى ما حقّق في بحث التعارض من الأصول من أن ترجيحه هو مقتضى الجمع العرفي وقرينيّة العموم الوضعي على تقييد الإطلاق المستند إلى مقدمات الحكمة ، فيؤخذ بالعموم ويقيّد الإطلاق بغير مورد المعارضة ، فيكون موضوع الرخصة ما يأكل الورق والشجر ممّا ليس من الأنواع الثلاثة المسوخ والسباع والحشرات ، بل يكفي تقييده بما عدا النوعين الأولين ، فإن الأخير لا يكاد يشمله الإطلاق ، إذ تقوّت الحشرة بأوراق الأشجار يعدّ أمرا نادرا والإطلاق منصرف عن مثله ، فتأمل.

٤٧

الأولى : فيما استثني عن هذا العموم ، ولا إشكال في كون الخزّ هو المتيقن استثناؤه ، أمّا بالنسبة إلى وبره الخالص فالظاهر عدم الخلاف فيه (١) واستفاضة الأخبار به (٢) بل لا يبعد أن تكون قطعية في الجملة (٣). نعم بالنسبة إلى جلده لا يخلو عن خلاف ينسب إلى الحلّي والعلاّمة في بعض كتبه (٤) ، لكنه ضعيف لا يعبأ به ، فإن قوله عليه‌السلام في رواية ابن أبي يعفور (٥) ، « فإن الله قد أحلّه وجعل موته ذكاته (٦) ـ إلخ ـ » وإن لم يعمل بظاهره من جهة أكل‌

__________________

(١) أي في استثنائه.

(٢) راجع البابين الثامن والعاشر من أبواب لباس المصلي من الوسائل ، ففيهما لا سيّما الأول منهما أخبار معتبرة تصرّح بجواز الصلاة فيه.

(٣) أي يقطع بصدور بعضها إجمالا.

(٤) صرّح الحلي في سرائره ( ١ : ٢٦١ ) بعدم الجواز فيه ، وكذا العلامة قدس‌سره في المنتهى والتحرير واختار في المختلف والتذكرة ونهاية الأحكام الجواز وفي قواعده جوّز الصلاة في الخز الخالص مقتصرا عليه ، وفي مفتاح الكرامة : أنه قد يفهم من تقييده بالخلوص مع عدم التنصيص على الجلد عدم جواز الصلاة فيه لأن الخالص إنما يتصف به الوبر دون الجلد ـ كما في جامع المقاصد ـ فتأمل ، ( مفتاح الكرامة ٢ : ١٣٢ ).

(٥) رواها بطولها في الوسائل عن الشيخين رابع حديث من أحاديث الباب الثامن من أبواب لباس المصلي ، وسند الرواية ضعيف لاشتماله على محمّد بن سليمان الديلمي الضعيف وعبد الله بن إسحاق العلوي وفريت ـ كما عن أكثر النسخ ، أو قريب كما عن بعض النسخ وهو الموجود في الوسائل ـ المجهولين.

(٦) الموجود في الكافي والتهذيب والوسائل ( وجعل ذكاته موته ).

٤٨

لحمه وقدّم عليه معارضه (١) ، لكنّه حيث ورد تعليلا لما في صدر الرواية من حكمه عليه‌السلام بجواز الصلاة فيه (٢) ودفعا لشبهة السائل في تذكيته ، فلا جرم تكون دلالة قوله ( أحلّه ) على حلّيته من جهة الصلاة فيه بالنصوصية (٣) ، وعلى جواز أكله من جهة ظهور إطلاقه في الحلّية المطلقة ، ويكون الدليل على حرمة أكله تقييدا لذلك الإطلاق لا معارضا لنصّه (٤) كي يكون العمل بذلك الدليل من الإعراض الموجب للخروج عن الحجية (٥) ، ويكون‌

__________________

(١) كصحيحة زكريا بن آدم قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام فقلت إن أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه؟ قال فقال عليه‌السلام : « إن كان له ناب فلا تأكله ـ الحديث » ومقتضاها اختصاص الحرمة بما كان منه ذا ناب أي سبعا ، ويؤيدها رواية ابن أبي يعفور الأخرى ، وفي رواية حمران بن أعين : هو سبع يرعى في البر ويأوي الماء ، وبضميمة ما دلّ على حرمة أكل السباع تفيد حرمة أكله ، لكنها ضعيفة السند ، والروايات الثلاث تجدها في الباب التاسع والثلاثين من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل ، هذا وفي رواية العلل ـ لمحمّد بن علي بن إبراهيم ـ الآتية أنه من المسوخ ، وبضميمة ما دلّ على حرمة أكل المسوخ تفيد حرمته ، لكنها أيضا ضعيفة.

(٢) إذ قال عليه‌السلام في جواب قول الرجل الخزاز : جعلت فداك ، ما تقول في الصلاة في الخز؟ ( لا بأس بالصلاة فيه ).

(٣) لأنّ التعليل إذا كان أعم من مورده فهو نصّ فيه وظاهر في غيره.

(٤) إذ لا نصوصية له بالنسبة إلى حلية أكله وإنما هو ظهور إطلاقي.

(٥) يعني لو فرض نصوصيته في حلية الأكل ومعارضة دليل الحرمة له كان‌

٤٩

التعرض (١) في الجواب لكلّ من حلّيته وتذكيته (٢) بموته خارج الماء بيانا لجواز الصلاة فيما تحلّه الحياة من أجزائه أيضا (٣) من كلتا‌

__________________

تسالم الأصحاب على حرمة أكله إعراضا عنه موجبا لسقوطه عن الحجية.

أقول : يشكل الجزم بكون عملهم بدليل الحرمة ـ على الفرض المذكور ـ إعراضا منهم عن رواية الحلية ، فإن من المحتمل أنّ طرحهم للرواية وأخذهم بدليل الحرمة كان من باب ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى ببعض المرجحات.

(١) يمكن جعل هذا تقريبا آخر لدلالة الرواية على المقصود في قبال ما سبق ، وتصبح الدلالة بموجبه أقوى من سابقه ، فإنّ مقتضى التقريب السابق دلالتها على جواز الصلاة في جلد الخز بالإطلاق لشمول إطلاقها لما تحلّه الحياة منه كالجلد وما لا تحلّه كالوبر ، ولا بدّ من الأخذ به بعد انتفاء المقيد ، ومقتضى هذا التقريب دلالتها على الجواز في خصوص ما تحلّه الحياة ، فلا حظ.

(٢) وذلك في قوله عليه‌السلام السالف نقله ( فإن الله قد أحلّه وجعل ذكاته موته ) ، والمراد موته خارج الماء بقرينة الفقرات المتقدمة عليها ، فراجعها ، وقوله عليه‌السلام بعد ذلك ( كما أحلّ الحيتان وجعل ذكاتها موتها ) بضميمة وضوح اعتبار الموت خارج الماء في تذكية الحيتان ووضوح دلالة صحيحة ابن الحجاج الآتية على ذلك ، فلا حظ.

(٣) يعني كما أنّه بيان لجواز الصلاة فيما لا تحلّه الحياة من أجزائه من جهة واحدة ـ وهي الحلية من حيث الصلاة ـ كذلك بيان لجواز الصلاة فيما تحلّه منها من جهتين ـ الحلية والتذكية ـ ، فيفيد جواز الصلاة في جلده وهو المطلوب.

٥٠

الجهتين ، ودفعا لشبهة السائل (١) من الجهة الثانية ، ولو كان جواز الصلاة فيه مخصوصا بوبره لم يكن للحكم بتذكيته أثر من هذه الجهة (٢) ـ كما لا يخفى.

ويدلّ أيضا ـ على اتّحاد حكم الجلد والوبر في جواز الصلاة في كلّ منهما ـ صحيح سعد بن سعد (٣) قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن جلود الخزّ ، قال : هو ذا نحن نلبس » فقلت : ذاك الوبر ـ جعلت فداك ـ فقال : « إذا حلّ وبره حلّ جلده ».

أمّا فقه الحديث : فلا يخفى أنّ ما نقله في الجواهر (٤) عن‌

__________________

(١) إذ كان يتوهم أن الخز ميتة لأنه دابة تخرج من الماء بنفسها أو بالصيد فإذا فقد الماء مات ، وأنه من ذوات الأربع وليس من قبيل الحيتان ليكون تذكيته بموته خارج الماء.

(٢) أي من جهة الصلاة في وبره ، إذ لا مانع من الصلاة في وبر الميتة ـ بما هو وبر الميتة ـ ونحوه ممّا لا تحلّه الحياة منها ـ كما هو واضح.

(٣) هو رابع عشر أحاديث الباب العاشر من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

(٤) قال قدس‌سره فيه ( ٨ : ٨٨ ) : ( قيل « هو ذا » في كلامه عليه‌السلام ـ بفتح الهاء وسكون الواو ـ كلمة مفردة تستعمل للتأكيد والتحقيق والاستمرار والتتابع والاتصال ، مرادفة ( همي ) في لغة الفرس المستعملة في أشعار بلغائهم كثيرا ، لا أن المراد منها الضمير واسم الإشارة ـ كما يشهد له التأمل من وجوه ـ ، فيكون إخباره باستمرار لبسه واتصاله كالصريح في شموله لحال الصلاة ) ، انتهى موضع الحاجة. وعليه فمراده عليه‌السلام الأخبار بأنهم عليهم‌السلام يلبسون الجلد مستمرا‌

٥١

بعض مشعرا بتمريضه ـ من البعد بمكان لا ينبغي احتماله (١) ، والظاهر أنه عليه‌السلام كان عند تشرّف سعد بسؤاله عنه لابسا ثوبا من وبر الخزّ وبعد ما سأله سعد من حكم الجلود أجابه أولا بالإشارة إلى ما كان لابسا له وإخباره بأنهم يلبسونه ، وهذا (٢) هو معنى قوله عليه‌السلام ( هو ذا نحن نلبس ) ، لا ما نقله في الجواهر عن ذلك البعض ، لكن لمّا خفي (٣) على الراوي أنه أراد أن يبيّن اتحاد حكم الجلد والوبر بذلك أظهر ذلك بقوله ( ذاك الوبر جعلت فداك ) مريدا بذلك أن اشتباهه في حكم الجلد لم يرتفع بمشاهدة لبسه عليه‌السلام للوبر ، فأجابه ثانيا بالتلازم بين حلّية الجلد والوبر. ولا يخفى أن منشأ احتمال‌

__________________

فيشمل حال الصلاة لا محالة ، لكن السائل تخيّل أنّ ما يلبسونه هو الوبر فقال : ذاك الوبر ، فأجابه عليه‌السلام على هذا الفرض والتخيّل بقوله عليه‌السلام : إذا حلّ. الحديث.

(١) بل لم أعثر فيما راجعته من كتب اللغة على كلمة بالضبط المذكور فضلا عن تفسيرها بما ذكر.

(٢) يعني الإشارة إلى لباسه عليه‌السلام والإخبار بأنهم عليهم‌السلام يلبسونه هو معنى هذه العبارة ، فالكلمة مركّبة من الضمير واسم الإشارة ، لا كما حكاه في الجواهر عن البعض.

(٣) بعبارة اخرى : إنه عليه‌السلام أراد أن يبيّن بجوابه الأول أنّ حكم الوبر والجلد واحد فإذا جاز لبس الوبر ـ ولذا لم نزل نلبسه كما تشاهده ـ كذلك الجلد من غير فرق ، لكن خفي هذا على الراوي كما يفصح عنه قوله : ذاك الوبر ، يعني أن ما تلبسونه هو الوبر وإنما أسأل عن الجلد ، فأجابه عليه‌السلام ثانيا بالتلازم بين حكميهما معبّرا عنه بالجملة الشرطية.

٥٢

التفكيك بينهما إمّا أن يكون اعتبار التذكية في الجلد (١) وجهل الراوي بحصولها بموته خارج الماء ـ كما في الرواية السابقة ـ ، أو يكون هو احتمال اختصاص الرخصة في الخزّ بوبره وعدم شمولها لجلده ، وهذا هو المتعيّن في هذه الرواية ، إذ لا تنطبق الشرطيّة في الجواب إلاّ على ذلك ، كيف ومع الغضّ (٢) عن أنّ حصول تذكيته بموته خارج الماء ليس مدلولا عرفيا لحلّ جلده (٣) ، فليس بينه وبين حلّية الوبر (٤) علاقة مصحّحة لتعليقه عليها ، ومجرّد‌

__________________

(١) وعليه تسقط الصحيحة عن صلاحية الاستدلال ، إذ لا يستفاد من جوابه عليه‌السلام حلية الجلد من حيث نفسه حذو حلّية الوبر ، بل حليّته من حيث التذكية وأن الخز بموته خارج الماء تحصل تذكيته فلا مانع من جلده من هذه الناحية.

(٢) تعليل لعدم انطباق الشرطية على الاحتمال الأول وهو كون احتمال التفكيك بين الجلد والوبر ناشئا من اعتبار التذكية في الجلد دون الوبر وجهل الراوي بكيفيتها ، وذكر قدس‌سره في تعليله وجهين هذا أوّلهما.

(٣) إذ لا دلالة لقولنا ( يحلّ جلد الخز ) إلاّ على حليته في نفسه وبما هو جلده ، ولا دلالة له على أنّ كلّ جلد الخز قد وقع عليه التذكية بموته خارج الماء وأنه لا مانع منه من هذه الناحية.

(٤) هذا ثاني الوجهين ، ومحصّله أنه لو سلّمت الدلالة العرفية للتالي على ذلك لم تكف في صدق الشرطية ، إذ لا علاقة مصحّحة للتعليق والتلازم ـ المعتبر في الشرطية اللزومية ـ ، فإن الاتفاقية ـ التي لا علاقة بين طرفيها بل مجرد اتفاق حصول التالي عند حصول المقدم ـ وإن عدّت في كتب المنطق قسيمة للزومية ، لكن بما أن القواعد المنطقية قواعد عقلية بحتة‌

٥٣

__________________

مبتنية على التصويرات العقلية ولا يبحث فيها عن الظهورات العرفية فعدّ الاتفاقية فيها قسما من الشرطية لا يقتضي كونها متساوية الأقدام مع اللزومية في مرحلة الظهور الكلامي ليمتنع حمل الكلام على أيّ منهما ما لم تقم عليه قرينة معيّنة حذو الألفاظ المشتركة ، بل المتعيّن حمله على اللزومية ما لم تقم قرينة على الخلاف.

وبالجملة : لا ظهور للكلام في مطلق التقارن بين الطرفين بل في التقارن على وجه التلازم ، لوضوح دلالته عرفا على تعليق التالي على المقدم والملازمة بينهما لعلاقة موجبة لها من علّية أو تضايف ، بل في أجود التقريرات ( ١ : ٤١٦ ) عنه قدس‌سره : أن استعمال الشرطية في موارد الاتفاق غير صحيح في نفسه ولا بدّ في صحة الاستعمال في تلك الموارد من رعاية علاقة وإعمال عناية ، ضرورة أنه لا يصح تعليق كل شي‌ء على كل شي‌ء ، انتهى. وفي المقام لا علاقة بين حلية الوبر وحلية الجلد ـ على الاحتمال الأول المبحوث عنه ـ حتى ولو فرض تحقق تذكية الجلد خارجا ودلالة التالي عليه ، إذ لا ملازمة بين الحكمين مع وجود الفارق بين موضوعيهما من حيث اعتبار التذكية في حلية الجلد بخلاف الوبر ، ومن الواضح أن اعتبارها فيه لا يرتفع بمجرد فرض تحققها الخارجي ، فإنّ الحكم المشروط لا ينقلب مطلقا بتحقق شرطه ـ كما هو مقرّر في الأصول ـ ، هذا.

وهذه المناقشة غير واردة على الاحتمال الثاني الذي جعله قدس‌سره هو المتعين في الرواية ، إذ عليه تصح الشرطية لزومية لعدم استناد شبهة التفكيك إلى اعتبار التذكية في الجلد ليرد ما ذكر ، بل إلى تخيّل اختصاص‌

٥٤

التقارن الاتفاقي بين المقدّم والتالي وإن عدّة المنطقيون قسما من الشرطيّة ، لكن الابتناء ما في كلماتهم من أمثال ذلك على الجواز أو الامتناع العقلي دون الظهورات العرفيّة فلا عبرة بما كان منها من هذا القبيل.

وكيف كان ، فعبارة السؤال (١) وإن لم تتضمن التصريح بكون المسؤول عنه هو الصلاة فيه ، بل كان صدر الجواب نصّا في جواز‌

__________________

الرخصة المستثناة في الخز بوبره دون جلده فأجاب عليه‌السلام بأنه إذا ثبتت الرخصة في الوبر ثبتت في الجلد أيضا ، مريدا به أن المستثنى من عموم المنع هو الخز برمّته وبجميع أجزائه وهو السبب في حلية وبره وهذا السبب موجود بالنسبة إلى جلده أيضا ، وبعبارة أخرى : معنى الشرطية أنه إذا حلّ وبره فبعلّة حلّه برمّته ومقتضى هذه العلّة حلّ جلده أيضا ، وبذلك يتم التلازم بين الحلّيتين.

(١) لمّا كانت تمامية دلالة الصحيحة على المطلوب متوقفة على أمرين : أحدهما كون شبهة السائل في التفكيك بين الجلد والوبر مستندة إلى احتمال اختصاص الرخصة بالثاني ، وقد فرغ قدس‌سره من إثباته ، تعرّض هنا للثاني : وهو كون المسؤول عنه هو خصوص الصلاة في الجلد دون مطلق لبسه ، إذ لو كان هو مطلق اللبس لعارضت الصحيحة أدلة مانعية الصلاة في غير المأكول معارضة العامين من وجه بالنسبة إلى المقام ـ وهو الصلاة في جلد الخز ـ وبطل الاستدلال. ومنه يظهر النظر فيما ذكره في الحدائق ( ٧ : ٦٢ ) وغيره لتقريب الدلالة من أن ظاهر تعليق حلّ الجلد على حلّ الوبر الشامل بإطلاقه للصلاة هو حلّ الصلاة في الجلد أيضا ، فإن الدلالة لو كانت بالإطلاق لكانت مبتلاة بالمعارض ـ كما ذكرنا.

٥٥

لبسه وموهما أنه هو المسؤول عنه أو يعمّه عمومه (١) ، لكن لمّا كان المعلّق على الحلّ في الوبر هو خصوص الصلاة فيه (٢) دون لبسه فصدق مقدّم الشرطية ينحصر بها ، ويكشف ذلك (٣) عن كونها هي المقصودة * بالسؤال ، ومعهوديّة ذلك أغنت عن التصريح بها ، ويكون قوله عليه‌السلام : ( نحن نلبس ) أيضا جوابا عنه بما يستتبعه اللبس عادة من الصلاة فيه لا من حيث نفسه ، ويندفع (٤) توهّم كون النسبة بين هذه الصحيحة وأدلّة المانعية هي العموم من وجه بذلك. على أنه لو سلّم ذلك بدعوى شمول مقدّم الشرطية للبسه أيضا بضرب‌

__________________

(١) أي يعمّ عمومه اللبس المجرد والصلاة ، وغرضه قدس‌سره بيان أنه لا يستفاد من السؤال ولا من الجواب الأول كون المسؤول عنه هو الصلاة ، وإنما يستفاد ذلك من الشرطية في الجواب الأخير ـ كما ستلاحظ.

(٢) فإنّه حلية لبس الوبر ـ تكليفا ـ في غير حال الصلاة لا تستلزم حلية لبس الجلد كذلك فلا علقة بينهما مصحّحة للتعليق وإنما هي متحقّقة بين حلية الصلاة فيه والصلاة فيه ـ وضعا ـ ، لما تقدم آنفا من أنّ الخز برمّته قد استثني من عموم المنع من الصلاة فيما يحرم أكله فجازت الصلاة في كل من وبره وجلده ، وكونهما لازمين لجوازها فيه نفسه تحقّقت الملازمة بينهما وصحّ التعليق.

(٣) الغرض من هذه العبارة وما بعدها بيان قرينية التعليق المذكور على المراد من السؤال والجواب الأول ـ كما لا يكاد يخفى.

(٤) إذ النسبة ـ على هذا ـ هي العموم المطلق.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( المقصود ) والصحيح ما أثبتناه.

٥٦

من التوسّع في حلّ الوبر فمقتضى كونه متيقّن الشمول للصلاة فيه (١) هو امتناع أن يتخصّص بأدلة المانعية فيكون كالأخصّ المطلق منها ويخصّصها ـ لا محالة.

ومنه يظهر الوجه في صحة التمسّك بصحيح ابن الحجّاج (٢) أيضا قال : سأل أبا عبد الله عليه‌السلام رجل ـ وأنا عنده ـ عن جلود الخزّ فقال : « ليس بها بأس » ، فإن الظاهر (٣) أن صدور الرخصة عنهم‌

__________________

(١) لأنه المحقّق للعلقة المصححة للشرطية ـ حسبما تقدم ـ ، فأصبح هو المقصود بالبيان أصالة والمتيقّن من الإطلاق ـ إن تمّ ـ ، وغيره ـ أعني حلية اللبس تكليفا في غير الصلاة ـ مقصود تبعا بتوسع في معنى الحلّ ، ومقتضى ذلك امتناع خروج هذا المورد المتيقن من الإطلاق بأدلة المانعية ، فيتعيّن العكس وهو خروجه من أدلة المانعية بهذا الدليل إلحاقا لهذا الدليل ـ وإن كان مطلقا ـ بالأخص المطلق بالنسبة إلى عموم المانعية ، وقد ذكر في الأصول أنه إذا لزم من إخراج مورد المعارضة عن أحد العامين من وجه بقاؤه بلا مورد أو اختصاصه بما يمتنع أو يستهجن اختصاصه به دون الآخر تعيّن إبقاؤه على عمومه وتخصيص الآخر.

(٢) هو أول أحاديث الباب العاشر من أبواب لباس المصلي من الوسائل ، وقد رواه الكليني والصدوق رحمهما الله في العلل عن عبد الرحمن بسندين صحيحين ، وتمامه : ( فقال الرجل : ـ جعلت فداك ـ إنّها علاجي وإنما هي كلاب تخرج من الماء ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل : لا ، قال : ليس به بأس ).

(٣) حاول قدس‌سره بهذا البيان تقريب دعوى انصراف إطلاق السؤال في هذه‌

٥٧

ـ صلوات الله عليهم ـ في الصلاة في وبر الخزّ والحثّ عليها (١) أوجب السؤال عن حكم الجلد بعد المفروغية عن جواز لبسه (٢) كسائر‌

__________________

الصحيحة إلى خصوص حال الصلاة ، إذ لو لم تتم لعارضها عموم أدلة المانعية ـ معارضة العامين من وجه ـ فلم تصلح للاستدلال ، لا سيّما بناء على تقديم العموم الوضعي على الإطلاق إذا تعارضا ، فإن مقتضاه الأخذ بعموم دليل المانعية ـ موثقة ابن بكير ـ وتقييد إطلاق الصحيحة بغير حال الصلاة.

(١) كما في صحيحة علي بن مهزيار قال : رأيت أبا جعفر الثاني عليه‌السلام يصلّي الفريضة وغيرها في جبة خزّ طاروي وكساني جبة خزّ وذكر أنه لبسها على بدنه وصلّى فيها وأمرني بالصلاة فيها. ( الوسائل الباب ٨ من أبواب لباس المصلي الحديث ٢ ).

(٢) تكليفا ، ولو لا المفروغية عنه لتمّ الإطلاق ، هذا لكن إثبات ذلك من الصعوبة بمكان ، وعلى كل تقدير فمن المحتمل قويا كون السؤال ناشئا عن تخيّل كون الخزّ ميتة نجسة أو كونه من الكلاب النجسة العين ـ كما يشعر به قوله : وإنما هي كلاب تخرج من الماء ـ وعليه فمراده عليه‌السلام بنفي البأس تذكية جلده وطهارته لا سيما مع تكراره عليه‌السلام الجواب نفسه بعد قوله : إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء ، وقول الرجل : لا ، الظاهر في كفاية موته خارج الماء في تذكيته ، وهو ما صرّح به في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة ، وهذه القرائن لو لم توجب ظهور الكلام في نفي البأس من حيث التذكية خاصة فلا أقل من إطلاقها الشامل للجهتين التذكية والحلية لبسا وصلاة أو صلاة فقط بدعوى المفروغية عن حلية اللبس.

هذا ، وممّا يدلّ بإطلاقه على جواز الصلاة في جلد الخزّ رواية معمّر ابن خلاّد ـ الموثقة بمعاوية بن حكيم ـ قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام

٥٨

الجلود ما عدا نجس العين.

وأمّا ما عن الحميري (١) أنه كتب إلى الناحية المقدّسة ـ صلوات الله عليها ـ : روي عن صاحب العسكر أنه سئل عن الصلاة في الخزّ الذي يغشّ بوبر الأرانب ، فوقّع عليه‌السلام ( يجوز ) ، وروي عنه أيضا أنه ( لا يجوز ) فأيّ الأمرين نعمل به؟ فأجاب « إنّما حرم في هذه الأوبار والجلود ، فأما الأوبار وحدها فكلّها حلال » وفي نسخة « فحلال كلّها ». وما في كتاب العلل (٢) لمحمّد بن علي بن‌

__________________

عن الصلاة في الخزّ ، فقال عليه‌السلام « صلّ فيه » ( الوسائل الباب ٨ من لباس المصلي ـ الحديث ٥ ).

(١) رواه صاحب الوسائل عن الطبرسي رحمه‌الله في الاحتجاج مرسلا عن محمّد بن عبد الله الحميري ، ( الوسائل الباب ١٠ من لباس المصلي ـ الحديث ١٥ ).

(٢) نقله المجلسي رحمه‌الله في البحار ( ٨٣ : ٢٣٥ ) عن الكتاب المذكور من دون إسناده إلى معصوم ممّا ظاهره أنه مقالة مصنف الكتاب نفسه الذي هو أيضا غير معروف. فقد ذكر في البحار أولا أنه ابن علي بن إبراهيم القمي ( ١ : ٨ ) ثم عدل عنه واستظهر كونه ابن علي بن إبراهيم بن محمّد الهمداني وكيل الناحية ( ١ : ٢٨ ) ، وذكر صاحب الذريعة رحمه‌الله أن هذا هو المتعين وأنه لم يثبت لعلي بن إبراهيم القمي ولد يسمى محمّدا وإنما المذكور من أولاده إبراهيم وأحمد ( الذريعة ١٥ : ٣١٢ ).

أقول : ولو ثبت له ولد بهذا الاسم لم يكف في صحة انتساب الكتاب إليه ، ويبعّد كونه الهمداني أيضا أنه ترجم له النجاشي ( رقم ٩٢٨ ) وذكر أن له نوادر كبيرة ولم ينسب إليه كتاب العلل ، إذن فلم يعرف مصنف الكتاب ، والله العالم.

٥٩

إبراهيم قال « والعلّة في أن لا يصلّى في الخزّ أنه من كلاب الماء وهي مسوخ إلاّ أن يصفّى وينقّى » ، فقد أشكل في الأول باضطراب متنه (١) ، وفي الثاني بعدم اجتماع شرائط الحجية فيه (٢) ، مضافا إلى أنه لم يسند إلى معصوم ، وكلاهما كذلك ، ولا يصلحان لمعارضة ما تقدّم. ولا ينبغي الإشكال في جوازها في جلد الخزّ أيضا كوبره ، بمعنى ثبوت الحلّ من حيث الصلاة فيه دون أكل لحمه ـ نحو ما مرّ في السنجاب (٣).

وإنما الإشكال في تعيّن هويّته ، فإن الذي يظهر من الأخبار‌

__________________

(١) فإنه إن كان المشار إليه بقوله ( في هذه الأوبار والجلود ) هو ما وقع في السؤال من الخزّ المغشوش بوبر الأرانب ـ في قبال الخالص الذي لا غشّ فيه المعبّر عنه بالأوبار وحدها ـ فلا وجه لعطف الجلود على الأوبار ، إذ الجلد لا يغش بالوبر ، وإن كان المراد الأوبار المنضمّة إلى الجلود والمتصلة بها في قبال الأوبار المغزولة وحدها فالتعبير لا يخلو عن غرابة ، إذ ـ مضافا إلى عدم الحاجة إلى لفظة الإشارة ـ لم يعهد إطلاق لفظ الوبر إلاّ على المنفصل المغزول دون التابع الملتصق بالجلد على هيئته الأصلية ، فلو كان المقصود بيان الفرق بين حكم الجلد والوبر فالمناسب أن يقال : ( إنما حرم في الجلود دون الأوبار ).

(٢) لإرساله ، مضافا إلى جهالة مرسله ـ كما مرت الإشارة إليه ـ ، أضف إلى ذلك عدم إسناده إلى المعصوم ـ كما في المتن.

(٣) المراد به ما مرّ فرضا لا اختيارا ، إذ يأتي منه قدس‌سره الإشكال في جواز الصلاة فيه ، فالمقصود تشبيه الخز به على القول بالجواز فيه ، لثبوت الحلّ فيه حينئذ من حيث الصلاة دون أكل اللحم.

٦٠