الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

تتمّ الصلاة فيه بانفراده ـ كما عن الأكثر ، بل عن المشهور (١) ـ ، ويدلّ عليه ـ مضافا إلى عموم الموثّقة وإطلاق غيرها ـ رواية أحمد بن إسحاق قال : كتبت إليه : عندنا جوارب وتكك من وبر الأرانب ، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقيّة ، فكتب « لا تجوز الصلاة فيها » (٢) ، ومثله ما رواه علي بن مهزيار عن مكاتبة إبراهيم بن عقبة وجوابه عليه‌السلام (٣) ، وضعف سند الروايتين منجبر باشتهار‌

__________________

(١) أي عموم المنع لما لا تتمّ منسوب إلى الأكثر ـ كما في المدارك ـ ، أو إلى المشهور ـ كما عن الدروس ـ ، وهذه بداية البحث حول هذه المسألة.

(٢) أوردها مضمرة في الوسائل عن التهذيبين في الباب ٧ من أبواب لباس المصلي ، الحديث ٥ بعنوان أحمد بن إسحاق الأبهري ، وهو يحتمل أن يكون مصحّف الأشعري وهو القمي الثقة ، فيكون المكتوب إليه ـ لا محالة ـ الجواد أو أحد العسكريين عليهم‌السلام ، وأن يكون شخصا آخر مجهول الحال ، ولأجله تسقط الرواية عن الاعتبار ، على أن في السند بنان بن محمّد بن عيسى ـ كما في التهذيب ٢ : ٢٠٦ ـ أو محمّد بن عيسى ـ كما في الاستبصار ١ : ٣٨٣ ـ ، والأوّل غير موثّق فالراوي مردّد بين الثقة وغيره ، بل الأرجح الأوّل لموافقته لنسختي الوسائل والوافي.

(٣) أورده في الوسائل في نفس الباب ، الحديث ٣ عن الكافي والتهذيبين مضمرا أيضا بنفس المتن المتقدم ، وإبراهيم بن عقبة من أصحاب الجواد والهادي عليهما‌السلام ، إذن فالمكتوب إليه إن كان معصوما فهو أحدهما عليهما‌السلام ، ولمّا لم تثبت وثاقة الكاتب رماها قدس‌سره بالضعف كسابقتها وعوّل في تصحيحهما على الانجبار بالشهرة ، لكن لا يبعد صحة هذه في نفسها ،

١٠١

العمل بهما ، حتّى أنّ القائل بالجواز (١) بنى في التكّة والجورب على الكراهة إمّا مطلقا ، أو في خصوص ما إذا كانا من وبر الأرانب (٢) ، جمعا بين ما دلّ على الجواز وبين هاتين الروايتين (٣). ولا يخفى ما في الجمع بهذا الوجه (٤) ، ثم تخصيص الكراهة بمورد النصّ ـ مع استفادة العموم لكلّ ما لا يتمّ الصلاة به ممّا دلّ على جوازها في التكّة (٥) ـ

__________________

لأنّ ظاهر قول ابن مهزيار « كتب إليه إبراهيم بن عقبة إلخ » أنه شهادة حسيّة منه بالمكاتبة. كما أن الظاهر عصمة المكتوب إليه ، إذ من البعيد جدا أن يروي مثل علي بن مهزيار مكاتبة عن غير المعصوم ، وسائر رجال السند ثقات بكلا طريقي الكليني والشيخ قدّس سرهما.

(١) استشهاد على اشتهار العمل بالروايتين حتى بين القائلين بالجواز.

(٢) فعن المبسوط والمعتبر والمنتهى ـ واختاره في المدارك ـ كراهة الصلاة في التكة والقلنسوة من وبر ما لا يؤكل لحمه مطلقا ، وعن الوسيلة كراهتها في التكة والقلنسوة والجورب المتخذة من شعر الثعلب والأرنب وعدم كراهتها فيها إذا اتخذت من غير ذلك.

(٣) فيكشف ذلك عن عملهم بالروايتين كما عمل بهما القائلون بالمنع.

(٤) فإن النهي عن الصلاة في شي‌ء ظاهر في الإرشاد إلى مانعيّته ، وتسويغ الصلاة فيه ظاهر في نفي مانعيته ، وهما يعدّان من المتعارضين ، فلا وقع للجمع بينهما دلاليا بحمل النهي على الكراهة ، بل لو فرض فقد الترجيح يتخيّر بينهما ، أو يتساقطان ويرجع إلى إطلاقات المنع وعمومه.

(٥) وهو صحيح محمّد بن عبد الجبار الآتي ، فإنه إذا استفيد منه عموم الحكم بإلغاء خصوصية المورد كان الأمر كذلك بالنسبة إلى روايتي المنع ، فيستفاد منهما أيضا العموم ، وكان اللازم بناء على صحة الجمع المزبور‌

١٠٢

من الضعف والتهافت (١). وأضعف منه إلحاق القلنسوة أيضا بما بنى فيه على الكراهة (٢).

وكيف كان فمستند القول بالجواز ـ بعد الاستيناس بما دلّ على جوازها في المتنجس الذي لا يتمّ الصلاة فيه بانفراده ـ هو صحيح محمّد بن عبد الجبّار قال : كتبت إلى أبي محمّد عليه‌السلام هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكّة حرير أو تكة من وبر الأرانب ، فكتب عليه‌السلام « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض ، ولو كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه » (٣) ، وما حكاه في كشف اللثام :

__________________

البناء على الكراهة في كلّ ما لا تتمّ فيه الصلاة ، لا في خصوص التكة والجورب المتخذين من مطلق ما لا يؤكل أو من خصوص وبر الأرانب ، وإن لم يستفد العموم فلا بدّ من تخصيص أصل الجواز أيضا بالتكة التي هي مورد دليله ، فتعميم الجواز لكلّ ما لا تتمّ فيه الصلاة وتخصيص الكراهة بالتكة والجورب لا يخلو عن تهافت.

(١) لفّ ونشر مرتّب ، يعني : لا يخفى ما في الجمع بهذا الوجه من الضعف وما في تخصيص الكراهة بمورد النص مع استفادة العموم. من التهافت.

(٢) فإن مقتضى صحيحة ابن عبد الجبار جواز الصلاة في قلنسوة التصق بها وبر ما لا يؤكل ، وهذا غير ما نحن فيه ، وسيأتي البحث عنه ، ولو سلّم كونه منه لكن لم تتضمّن الروايتان المنع عن القلنسوة ليحمل على الكراهة جمعا ، بل يتعيّن حينئذ تخصيص العموم وتقييد الإطلاقات بها بموجب الصحيحة ، والبناء فيها على الجواز من دون كراهة.

(٣) أورده في الوسائل في الباب ١٤ من لباس المصلي ، الحديث ٤ ، وقد دلّ بظاهره على جواز الصلاة في التكّة من وبر ما لا يؤكل إذا كان حيوانه مذكّى.

١٠٣

أنّه وجد في بعض الكتب عن الرضا عليه‌السلام « وقد تجوز الصلاة فيما لم تنبت الأرض ولم يحلّ أكله مثل السنجاب والفنك والسمّور والحواصل إذا كان ممّا لا تجوز في مثله وحده الصلاة » (١).

ولا يخفى ما في التعويل عليهما في تخصيص الأدلة من الضعف :

أمّا مكاتبة محمّد بن عبد الجبّار فلأنّ هذه المكاتبة الشريفة وإن كانت صحيحة ظاهرة الدلالة (٢) ، لكنّ تعليق الجواز فيها على التذكية المعدود عدم اعتبارها في الوبر (٣) من قطعيّات المذهب أمارة ظاهرة على أنّها قد أعطيت من جراب النورة (٤) ، فإنّ تعليق‌

__________________

(١) العبارة مطابقة للموجود في الطبعة القديمة من الفقه الرضوي (٤١) ، وحكاه عنه في المستدرك في الباب ١٤ من لباس المصلي ، لكن الموجود في طبعته الحديثة (٣٠٢) بعد كلمة الحواصل : « وإذا كان الحرير فيما لا يجوز في مثله وحده الصلاة مثل القلنسوة من الحرير والتكة. يجوز الصلاة فيه ولا بأس به » ، وعليه فهو أجنبي عن المقام.

(٢) قد يحتمل أو يستظهر أنّ المراد بالذكيّ فيها مأكول اللحم ـ كما هو محتمل أيضا في رواية ابن أبي حمزة السابقة ـ فكأنّه عليه‌السلام أشار إلى المنع عمّا سئل عنه بطرف خفيّ ولم يصرّح به تقية ، فإن بعض العامة لا يرون المنع عن الصلاة في غير المأكول ـ كما مرّ ـ ، وعليه فالمكاتبة تصبح دليلا على المنع بدل الجواز ، هذا ، وفي حاشية الوحيد قدس‌سره على المدارك احتمال هذا المعنى ، بل في مفتاح الكرامة ( ٢ : ١٤٧ ) ما يظهر منه استظهاره له.

(٣) ونحوه مما لا تحلّه الحياة.

(٤) قد تقدم أنه اشتهر التعبير به في عصر الأئمّة عليهم‌السلام كناية عن صدورها تقية.

١٠٤

الجواز والمنع فيما تحلّه أو لا تحلّه الحياة من كلّ حيوان (١) على التذكية وعدمها ـ كما عن ابن حنبل (٢) ـ هو المحكيّ اشتهاره في ذلك العصر ، وكانت التقيّة شديدة (٣) ، وقد صدرت المكاتبة الشريفة على طبقه ، وهي تنادي بأعلى صوتها بذلك ، ولم يعمل المعظم بها لذلك ، فهل يسوغ للفقيه أن يكتفي بصحة سندها عن جميع ذلك.

وأمّا ما عن الرضا عليه‌السلام فقد تردّد في الجواهر (٤) بين أن يكون من الفقه الرضوي أو رواية أخرى ، ويقوى عندي الاحتمال الأوّل ، فإن عبارة هذا المرويّ قريبة في سياقها من تعبيرات أحمد بن محمّد بن عيسى ، والذي أظنّه قويّا أنّه مؤلّف هذا الكتاب الشريف‌

__________________

(١) وإن كان غير مأكول اللحم.

(٢) نسب إليه في الجواهر ( ٨ : ٨٥ ) اشتراط كون الشعر والوبر مأخوذا من حيّ أو ذكيّ ، لكن في مفتاح الكرامة ( ٢ : ١٤٧ ) نسبة ذلك إلى الشافعي قال قدس‌سره بعد استظهاره ما مر آنفا « وهناك وجه آخر وهو أن الإمام عليه‌السلام اتّقى الشافعية والحنابلة لأنّ الشافعي شرط كون الشعر ونحوه مأخوذا من الحيّ أو بعد التذكية ، وإذا أخذ من الميت فهو نجس ، وأحمد قال بعدم جواز الصلاة في الحرير المحض مطلقا ».

(٣) كما يشهد بها فرض السائل في المكاتبتين السابقتين عدم التقية ، ونحوهما غيرهما.

(٤) الجواهر ( ٨ : ٨٥ ) ، وقد عرفت وجود الرواية في الطبعة القديمة من الكتاب.

١٠٥

ـ الموسوم بالفقه الرضوي ويشتمل على ما في نوادره (١).

__________________

(١) وقع الخلاف الشديد بين الأعلام المتأخرين من لدن زمن المجلسيين رحمهما الله تعالى ـ حيث اشتهر أمر الكتاب وتناولته الأيدي على اختلاف في نسخه ـ في صحة نسبته إلى الإمام الرضا عليه‌السلام وعدمها ، وفي شخص مؤلّفه ـ على تقدير العدم ـ ، فمن قائل بأنه تأليفه عليه‌السلام ، وآخر بأنه بعينه رسالة ابن بابويه إلى ولده الصدوق ـ رحمهما الله تعالى ـ المسمّاة بالشرائع ، وثالث بأن بعضه إملاء الرضا عليه‌السلام والبعض الآخر تأليف أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري مما أورده في نوادره ، وهذا ما أعتقده المحدّث النوري قدس‌سره في مستدركه ، وقريب منه ما استقربه المصنف الجدّ قدس‌سره في المقام وجعله المظنون قويّا ، ورابع بأنه بنفسه هو كتاب التكليف للشلمغاني ، واختاره السيّد الصدر قدس‌سره في رسالته ( فصل القضاء ) ، وخامس بأنّه تأليف بعض أولاد الأئمة عليهم‌السلام أو أصحابهم ، وسادس بغير ذلك ، ولكل من هذه الوجوه شواهد ومؤيدات مذكورة في المطوّلات ، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها :

فمن الشواهد على كونه له عليه‌السلام كلا أو بعضا تصدير الكتاب باسمه الشريف ، والتعبير في عدة مواضع منه بأبي عليه‌السلام أو أبي العالم عليه‌السلام ، وفي موضع ( جدّنا أمير المؤمنين ) ، وفي آخر ( نحن معاشر أهل البيت ) ، لكن يبعّده عدم معروفية نسبته إليه عليه‌السلام في الأعصار السابقة ، وعدم ورود ذكر له ولا إشارة في الكتب والجوامع الحديثية لا سيما ( عيون أخبار الرضا ) الموضوع لاستيعاب كل ما أثر عنه عليه‌السلام ، ويبعّده أيضا اشتماله على كثير من المرويّات المرسلة المصدّرة بـ ( روي أو يروى أو أروي ) أو نحوها مما لا يشبه كلامهم عليهم‌السلام ولم يعهد منهم التعبير بمثله‌

١٠٦

ولا يخفى أنّ جملة ما يتضمّنه هذا الكتاب بين طوائف ثلاث :

الاولى : ما يظهر من سياقه أنّ من نطق به يرى نفسه أنّه الإمام وابن الأئمّة (١) ، والمظنون قويّا أنّه من إملاء الرضا عليه‌السلام ، وكتبه المؤلّف المذكور.

الثانية : روايات عن آبائه الطاهرين ( صلوات الله عليهم ) (٢)

__________________

ويستشهد على كون بعضه من تأليف الأشعري منضمّا إلى ما أملاه عليه‌السلام عليه اشتماله على ما في نوادره ، لكن يبعّده تأخّر الأشعري عنه عليه‌السلام طبقة ، إذ لا رواية له عنه عليه‌السلام ـ وإن لقيه بل وعدّ من أصحابه ـ ، ولا شهادة فيما ذكر لاحتمال كون مؤلفه ـ أيا كان ـ قد أدرج في الكتاب بعض روايات النوادر. كما يستشهد على كونه هو ( الشرائع ) تطابقهما في أكثر العبارات ، وانطباق الاسم المصدر ، به الكتاب عليه ، ولعلّ زيادة كلمة الرضا من تصرّف النسّاخ. وعلى كونه هو كتاب التكليف ـ مضافا إلى تطابق العبارات ـ اشتماله على بعض الآراء المخالفة للإجماع والتي اشتهر تفرّد الشلمغاني بها وكذبه على الأئمّة عليهم‌السلام في روايتها ، وفي رواية عن أبي القاسم الحسين بن روح رحمه‌الله حصرها في موضعين أو ثلاثة ، مضافا إلى مهجورية الكتاب في الأعصار الأول التي تناسب كتبه لمكان انحرافه وما صدر من الناحية المقدسة في لعنه والبراءة منه ، هذا. ولنكتف في المقام بهذا القليل والتفاصيل تطلب من مظانّها.

(١) كقوله في باب غسل الميت بعد حكاية ما صنعه الباقر عليه‌السلام في تغسيل أبيه عليه‌السلام ـ : « وكذلك فعلت أنا بأبي » ، وفي باب الدعاء : « هذا ما نداوم به نحن معاشر أهل البيت عليهم‌السلام » ، ونحو ذلك.

(٢) هي روايات كثيرة مسندة إلى رواتها مرويّة عن المعصومين من آبائه عليهم‌السلام أدرجت ضمن هذا الكتاب ، وتوجد في النوادر أيضا.

١٠٧

جمعها عن الرواة عنهم ، وأدرجها في طيّ هذا الكتاب ، وفي نوادره ، ويوجد بعضها في الجوامع الأخر مسندا إليه (١) ، وفي الوسائل أيضا عن تلك الكتب ـ كما لا يخفى على الخبير بها.

الثالثة : ما اشتبه حاله (٢) ، ويظنّ أنّ جملة منه من اجتهادات المؤلّف في الجمع بين ما تعارضت ظواهرها (٣) ، ونحو ذلك.

ولا يبعد أن يكون اشتمال هذا المؤلّف الجليل على الطائفة الأخيرة ، وعدم تميّزها عن الاولى (٤) هو الذي أوجب عدم اشتهار الكتاب بين الأصحاب ، ويشبه أن يكون هذا المرويّ من هذا القبيل (٥) ، وقد جمع بين ما دلّ على جوازها وما دلّ على عدم جوازها في المذكورات بذلك. وكيف كان فعدم صلاحيّته لأن يعوّل عليه في تخصيص العموم ظاهر.

__________________

(١) أي إلى الرضا عليه‌السلام.

(٢) وهذه أكثر ما يتضمنه الكتاب ـ كما يظهر بالمراجعة.

(٣) يعني أن جملة ممّا اشتبه حاله بيان لما أدّى إليه اجتهاد المؤلف في موارد تعارض الأدلة ونحوها.

(٤) بمعنى احتمال أن يكون الناطق بها هو الناطق بالأولى وأن يكون غيره.

(٥) أي من قبيل اجتهادات المؤلف ، وأنّ حكمه بجواز الصلاة فيما لا تتمّ فيه من المذكورات من السنجاب والفنك وغيرهما ـ دون ما تتمّ ـ جمعا بين ما دلّ على جوازها في المذكورات مطلقا وما دلّ على العدم كذلك ، بحمل الأوّل على ما لا تتمّ منها ، والثاني على ما تتمّ ، وقد سلف ذكر روايات الطائفتين قبل هذا المقام.

١٠٨

وأمّا العوارض اللاحقة لبدن المصلّي أو لباسه (١) فمقتضى صراحة الموثّقة في شمول الحكم لمثل الروث والألبان ونحوهما (٢) ممّا لا يصلح لاتّخاذ الملابس منه هو توسّع الظرفية (٣) المستعملة فيها أداتها لما يعمّ الإضافة إلى أمثال هذه العوارض سواء كانت‌

__________________

(١) كالعرق والريق والبول واللبن ونحوها من الرطوبات الطاهرة حال رطوبتها أو بعد يبسها مع بقاء أثرها على اللباس أو البدن ، وكذا الشعر والوبر ونحوهما الملتصق بأحدهما.

(٢) كالبول وسائر الرطوبات المندرجة في قوله عليه‌السلام « وكلّ شي‌ء منه ».

(٣) فإن هذه العوارض لمّا لم تصلح لاتخاذ الملابس منها فلم يمكن كون الظرفية المستعملة فيها أداتها ظرفية حقيقية ، فلا محالة يكون ذكرها قرينة على إرادة الظرفية التوسّعية بحيث تعمّ الإضافة المتحققة بين الصلاة وجميع هذه العوارض ، ومن الواضح أنّ الإضافة المذكورة لا يفرّق فيها بين ما كانت متحققة ، بين الصلاة وعوارض اللباس أو بينها وبين عوارض البدن ، فلا قصور في شمول الإطلاق لهما على نسق واحد.

وهذا الكلام منه قدس‌سره ردّ على من ارتكب التجوّز في الأداة وادّعى استعمالها في المعيّة مجازا ـ كما استظهره الوحيد قدس‌سره في حاشيته على المدارك ـ ، قال : « إن رواية ابن بكير ظاهرة فيه ـ أي في عدم اختصاص المنع باللبس وشموله للاستصحاب ـ ، فإن الصلاة في الروث مثلا ظاهرة في المعيّة ، وتقدير الكلام بإرادة الثوب الذي يتلوّث به غلط » إلى آخر كلامه قدس‌سره. كما أنه ردّ على من ارتكب الإضمار وأن التقدير ( الصلاة في اللباس المتلطّخ بها ) ـ كما هو ظاهر الجواهر ( ٨ : ٧٧ ). والوجه فيه أنه إذا أمكن التحفّظ على معنى الظرفية ـ ولو التوسّعي الادّعائي منها فلا تصل النوبة إلى ارتكاب التجوّز في الكلمة أو الإضمار.

١٠٩

عارضة لبدن المصلّي أو لباسه ، فإنّ الإضافة إلى نفس اللباس وإن كانت من قبيل الظرفيّة الحقيقيّة (١) ، لكنّها لمّا كانت بالنسبة إلى عوارضه توسّعية مندرجة مع عوارض البدن تحت جامع واحد (٢) ، فتكون أداة الظرفية مستعملة فيما يعمّ ذلك الجامع (٣) ـ لا محالة ـ ، ولا وجه للتخصيص بعوارض اللباس (٤) ، ولا لتخصيص الشعر والوبر بما عمل اللباس منه (٥) ، بل يعمّ الشعر والوبر الملتصق بالبدن‌

__________________

(١) وإن لم تكن في الوضوح كظرفية المكان للكائن فيه.

(٢) وهو مطلق الإضافة الحاصلة بين الصلاة وهذه الأمور ، سواء كانت في البدن أو اللباس.

(٣) ويكون هذا المعنى مطّردا في جميع الفقرات من دون تفكيك بينها ، فإنه مقتضى الاقتصار على ذكر الأداة مرّة واحدة ودخول الفقرات أجمع عليها متعاطفة بعضها على بعض.

(٤) ليخرج منه ما تلطّخ به البدن منها ، لأنه خلاف الإطلاق ـ كما عرفت. ودعوى إمكان التحفّظ على الظرفية الحقيقية بالنسبة إليها إذا حملت على ظرفيّة المتلطّخ بها فيتعيّن ذلك ـ كما هو مقتضى كلام الجواهر ـ ، مدفوعة بأن هذا يستلزم إضمار ما ذكر ، وهو خلاف الظاهر جدا ، ومستتبع للتقييد الذي لا موجب له رأسا.

(٥) المشهور ـ كما عن الذخيرة والكفاية والمجلسي ـ عموم المنع في الشعر والوبر ونحوهما للملتصق منها باللباس أو البدن ، وحكى في مفتاح الكرامة عن الروض والمسالك والمدارك والمفاتيح اختصاص المنع بالمعمول منه اللباس ، وعن الروض أنه حكاه عن صريح الشيخ والذكرى‌

١١٠

أو اللباس أيضا ـ كما نسب إلى المشهور ـ ، ويشهد بذلك أو يدلّ عليه (١) رواية إبراهيم بن محمّد الهمداني أيضا ، قال : كتبت إليه : يسقط على ثوبي الوبر أو الشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقيّة ولا ضرورة ، فكتب « لا تجوز الصلاة فيه » ، نعم شموله لشعرة واحدة‌

__________________

وظاهر المعتبر ، ومال إليه في الجواهر ، وذكر في وجهه : أن الحقيقة وإن تعذّرت بالنسبة إلى الروث ونحوه ، لكنها غير متعذّرة بالنسبة إلى الشعر ونحوه بإرادة الصلاة في اللباس المعمول منه فيؤخذ بها ( الجواهر ٨ : ٧٧ ) ، لكنّك عرفت أنّ قرينة الاشتمال على الروث ونحوه اقتضت التوسّع في الظرفية من دون إضمار ، وأن مقتضى وحدة السياق اطّراد التوسّع المزبور في جميع الفقرات من دون تفكيك ، وأن مقتضى الإطلاق اللفظي عدم الفرق بين الشعر المعمول منه اللباس والملتصق ، ولا بين الشعر والروث الملتصق باللباس أو البدن.

(١) فإنه بناء على رجوع ضمير ( فيه ) إلى الشعر والوبر فكما تتمّ دلالتها على المطلب ، كذلك شهادتها على ما أفيد من عموم الظرفية في الموثقة لما يشمل إضافة الصلاة إلى الملتصق ، أما بناء على رجوع الضمير إلى الثوب نفسه فلا شهادة فيها ، بل مجرّد الدلالة على الحكم وأنه لا تجوز الصلاة في ثوب سقط عليه الوبر أو الشعر ممّا لا يؤكل لحمه ، هذا ، لكنّ الرواية غير نقيّة السند من جهة إبراهيم بن محمّد وإن كان وكيل الناحية ، إلاّ إذا بني على كفاية الوكالة في ثبوت الوثاقة ، وكذا من جهة عمر بن علي بن عمر بن يزيد الذي رواها عنه محمد بن أحمد بن يحيى ، إلاّ إذا بني على أنّ عدم استثناء ابن الوليد رواية رجل من كتاب نوادر الحكمة توثيق منه له ، والرجل كذلك. والرواية تجدها رابعة روايات الباب الثاني من لباس المصلي من الوسائل.

١١١

ـ كما عن جامع المقاصد (١) ـ لا يخلو عن الإشكال (٢) ، خصوصا إذا التفّت بما ينسج الثوب منه.

وأمّا صحيحة محمّد بن عبد الجبّار (٣) فتقدّم أنّ ما تضمّنته من اعتبار التذكية في الوبر ، وإطلاق جوازها فيما كان منه ذكيّا قرينة‌

__________________

(١) قال قدس‌سره ( ٢ : ٨١ ) : فيعمّ المنع حتى الشعرة الواحدة على الثوب أو البدن.

(٢) وجه الإشكال في صورة التفافها بالخيوط المنسوج منها الثوب : قرب دعوى أنها إذ لا تميّز لها حينئذ فهي مستهلكة في الخيوط ، فلا يرى لها العرف وجودا ، فلا يصدق أنه صلّى فيها ، أما وجهه في غير هذه الصورة ـ كالملقاة على البدن أو الثوب ـ فلا يخلو عن خفاء ، إذ الاستهلاك مع تميّزها وانفصالها غير متحقق ، وصغرها لا يلحقها بالمعدوم ، وتسامح العرف فيه ـ لو فرض ـ لا عبرة به لكونه تسامحا في التطبيق ، والمفروض صدق الشعر عليها حقيقة ، هذا. ويأتي في الفرع الرابع الباحث عن حكم الخليط والمغشوش ما له نفع تامّ في المقام ، فانتظر.

(٣) الدالة على جواز الصلاة في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه إذا كان حيوانه مذكّى ، ويستفاد منها ـ بعد إلغاء خصوصية المورد ـ عموم الحكم لما يلتصق بغير القلنسوة من سائر اللباس والبدن ، فتعارض موثقة ابن بكير ورواية الهمداني الآنفة الذكر ، وقد عالج قدس‌سره ـ كغيره ـ التعارض المزبور بما تقدّم من وجود الأمارة الظاهرة على صدور الصحيحة تقية وهي مطابقة ما تضمّنته ـ من اعتبار التذكية في الوبر وإطلاق جواز الصلاة فيه وإن كان محرّم الأكل ـ لمذهب العامّة المشهور في ذلك العصر ، هذا. وقد مرّ أنه قد يحتمل بل يستظهر أن يراد بالذكيّ فيها محلّل الأكل ، وعليه فلا معارضة.

١١٢

ظاهرة على أنّها قد أعطيت من جراب النورة.

وقد ظهر من ذلك (١) أنّ مقتضى شمول قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « وكلّ شي‌ء منه » للعظم ونحوه ممّا يكون أكثر مصاحبته للمصلّي بحمله له ، وكون التوسّع في الظرفيّة تابعا لعموم ما أخذ طرفا لإضافة الصلاة إليه هو عموم الحكم للمحمول أيضا ، إذ كما لا سبيل إلى إخراج العظم عن هذا العموم (٢) ، فكذا لا سبيل إلى تخصيصه بما إذا كان كالزرّ ونحوه‌

__________________

(١) تعرّض قدس‌سره هنا لحكم المحمول واختار دخوله في عموم المنع ـ إذا كان لوقوع الصلاة إضافة إليه ـ مستظهرا ذلك من الموثقة بتقريب يبتني على أمرين : ـ

الأول : ما هو بمنزلة الصغرى ، وهو أن عموم قوله عليه‌السلام « وكلّ شي‌ء منه » يشمل العظم ونحوه من الأجزاء التي يغلب كونها محمولة للمصلّي لا ملبوسة له.

والثاني : ما هو بمنزلة الكبرى ، وهو أنّه يتوسع في الظرفيّة والإضافة الصلاتية بمقدار ما يناسب حال ما أخذ في مدخول الأداة ، فإذا أخذ فيه ما نسبته إلى الصلاة نسبة المحمول المصاحب ـ كالعظم ـ توسّعت الظرفية بحسبه ، وشملت الإضافة الصلاتية إلى المحمول ، فكأنّه قال ( لا تصلّ حاملا ما لا يؤكل لحمه ).

(٢) أي عموم « وكلّ شي‌ء منه » ، فإنه لو اخرج عنه لم يكن فيما أخذ في مدخول الأداة ما نسبته إلى الصلاة ـ في الغالب ـ نسبة المحمول ، وكذا لو لم يخرج عن لكنّه خصّص بما إذا كان كالزرّ ونحوه ، والوجه في نفي السبيل عن إخراجه عن العموم هو اقتضاء العموم دخوله وفقد المخصّص ، كما أن الوجه في نفي السبيل عن تخصيصه بمثل الزرّ هو‌

١١٣

من توابع اللباس ـ كما لا يخفى. نعم لو لم يكن في البين سوى المصاحبة للمصلّي من دون أن يكون لوقوع الصلاة إضافة إليه لم يندرج في هذا العموم (١) ، وقد يمثّل لذلك بما إذا كان في حقّة وكانت الحقّة معه. وهو حسن إذا كانت الحقّة معلّقة عليه ولم تتحرّك بحركات الركوع والسجود (٢) ، دون ما إذا كانت في جيبه ـ كما لا يخفى.

الرابعة : لو مزج غير المأكول بما تجوز الصلاة فيه (٣) فإن كان‌

__________________

شمول العموم لجميع أحواله وأشكاله ـ سواء كان تابعا للباس أم مستقلا ـ ، والمفروض انتفاء المخصص.

(١) لأنه لا ربط له بصلاته ، ولا إضافة لصلاته إليه وإن كان للمصلي نفسه إضافة إليه ، فلا يصدق الصلاة فيه ـ حتى توسّعا.

(٢) كما إذا كان يصلّي قائما مومئا للركوع والسجود والحقّة معلّقة في رقبته مثلا ، أو أنه يصلّي قائما معلّقا عليه الحقّة فإذا أراد الركوع والسجود نزعها ووضعها على الأرض ، فإنّ كونه في الحقّة ـ وهي معلّقة ـ يجعله كثير الابتعاد عن بدن المصلّي ولباسه ، فكأنه لا يعدّ من توابعه التي يكون للصلاة أضافه إليها ، والمفروض أيضا عدم تحرّكه بالحركات الصلاتية الموجب لارتباطه بالصلاة ، فلا يصدق أنّه صلّى فيه ، بخلاف ما إذا وضع الحقّة في جيب ثوبه الملتصق ببدنه وصلّى راكعا وساجدا ، بل أو مومئا لهما ، ولا أثر لكونه في الحقّة ـ والحال هذه ـ في المنع عن صدق الصلاة فيه ، هذا. لكن قد يشكل بأنّ الإضافة الصلاتية ـ بالنظر الدقّي ـ متحققة في الفرض المزبور أيضا ، وأنّ اعتبار التحرك بالحركات الصلاتية في تحقق الإضافة المزبورة غير واضح ، فلا حظ وتأمّل.

(٣) وهو النباتي أو المأكول أو كالخزّ المستثنى من غير المأكول.

١١٤

ذلك الخليط قدر ما يحصل منه زيادة عرفيّة في مقدار المجموع (١) لم يخرج عن حكمه ، سواء كان ظاهرا أو كان غشّا خفيّا (٢) لا يبان فيه ، إذ لا مجال لتوهّم استهلاكه (٣) ، ولا جدوى لتسمية المجموع عرفا باسم ما غشّ به (٤) ، كيف وليست ناشئة عن الصدق والانطباق (٥) ، وإنما هي من الخطأ أو التسامح في التطبيق ، وأيّا ما كان (٦) لا عبرة به ، ومن ذلك الخزّ المغشوش بوبر الأرانب ونحوه ، وتقدّم (٧) أنّ ما دلّ على عدم جوازها فيه ـ وهو رواية أحمد بن‌

__________________

(١) بحيث يقال عرفا إنّه مؤلّف من المأكول وغيره ، ولو بنسبة العشر مثلا أو أقلّ.

(٢) إذ لا أثر لخفائه مع فرض وجوده بمقدار معتدّ به.

(٣) حتّى عرفا ، لأن المفروض أنّ له كميّة محسوسة بحيث يراه العرف موجودا ضمن المجموع ، وهو ينافي الاستهلاك ـ المبنيّ على عدّه معدوما.

(٤) كما إذا سمّي الخزّ المغشوش بوبر الأرانب أو الثعالب باسم الخزّ.

(٥) فإنّ المسامحة العرفية إن كانت في توسعة دائرة المفهوم ، بحيث أصبح المفهوم العرفي تامّ الانطباق والصدق على المورد ، أخذ بها. أمّا إذا كانت مسامحة في التطبيق فقط من دون انطباق حقيقي ـ لعدم اتّساع المفهوم حقيقة ولا عرفا ـ فلا عبرة بها ـ كالمسامحة في إطلاق الكرّ على ما ينقص منه غرفة ـ ، والمقام من الثاني ، وأوضح منها في عدم الاعتبار ما إذا كان خطأ عرفيا في التسمية والتطبيق.

(٦) أي من الأمرين : الخطأ أو التسامح.

(٧) تقدّم منه قدس‌سره في ذيل الجهة الاولى أنّ ما سوى الخز والسنجاب مما‌

١١٥

محمّد وأيوب بن نوح ـ هو المعمول به بين الأصحاب ، بل نقل في المعتبر عن جماعة منهم دعوى الإجماع على ذلك ، وكان حال ما دلّ على جوازها في المغشوش بتلك الأوبار (١) كحال ما دلّ على جوازها فيها عند خلوصها (٢) ـ كما تقدّم ـ ، ولو فرض تكافؤهما (٣) وتساقطهما بذلك ـ كما هو الشأن فيما كان للمخصّص معارض‌

__________________

وردت الرخصة فيه ـ ومنها الخز المغشوش بوبر الأرانب ـ قد ورد المنع عنه أيضا ، وعليه ـ أي على المنع ـ بنى العصابة ولم يلتفتوا إلى روايات الرخصة ، حيث عرفوا أنها إنما أعطيت من جراب النورة ، هذا. وقد أشار عليه قدس‌سره هنا إلى الرواية المانعة عن الخز المغشوش ، وهي ما رفعه أحمد بن محمّد أو أيوب بن نوح ـ على اختلاف طرقه ـ عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه قال : « الصلاة في الخزّ الخالص لا بأس به ، فأما الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك ممّا يشبه هذا فلا تصلّ فيه » ، راجع الباب ٩ من لباس المصلي من الوسائل ، الحديث ١.

(١) وهو رواية داود الصرمي ـ كما في التهذيب ـ أو داود الصرمي عن بشير بن يسار ـ كما في الاستبصار ـ قال : سألته عن الصلاة في الخز يغشّ بوبر الأرانب ، فكتب : « يجوز ذلك » ، راجع نفس الباب ، الحديث ٢.

(٢) أي في أوبار الأرانب الخالصة ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الفراء والسمّور والسنجاب والثعالب وأشباهه ، قال : « لا بأس بالصلاة فيه ». ( الباب ٤ ، الحديث ٢ ) ، وأشباهه تشمل الأرانب. والمقصود بالعبارة أنّ حال الجميع واحد ، وهو أنها مهجورة عند الأصحاب محمولة على التقية.

(٣) بأن لم يعتدّ برجحان الرواية المانعة على المجوّزة بمخالفتها لمن جعل الله الرشد في خلافهم.

١١٦

يعادله (١) ـ فقد عرفت أنّ (٢) إطلاق المنع عن الأرانب والثعالب يعمّ الغشّ ، وإطلاق الرخصة في الخزّ لا يعمّ المغشوش.

ولو كان مقدار الغشّ يسيرا جدّا بحيث لا يحصل منه زيادة عرفية في مقدار المجموع ، ويكون وجوده كعدمه ، ففي سقوط حكمه بذلك وعدمه وجهان : من صدق استهلاكه عرفا ، ومن أنّ (٣)

__________________

(١) والمقام من هذا القبيل ، فإنّ الدليل المجوّز مقيّد لإطلاق المنع عن المغشوش به معارض بالدليل المانع. وظاهر العبارة أنّ حكم المتعارضين المتعادلين إذا كان أحدهما مخصّصا لعامّ والآخر موافقا له هو التساقط والرجوع إلى العموم ، دون التخيير ، وفي الأصول أطلق قدس‌سره القول بالتخيير من دون استثناء المورد المذكور ، والظاهر أنّ الوجه في استثنائه أن العامّ لم يثبت تخصيصه بشي‌ء لابتلاء المخصص بالمعارض ـ حسب الفرض ـ ، إذن فأصالة العموم محكّمة فهو المعوّل عليه ، دون شي‌ء من المتعارضين.

(٢) عرفت أمر الإطلاقين ممّا مرّ آنفا من أنه في مفروض المقام لا مجال لتوهّم الاستهلاك ، وأن تسمية المجموع عرفا باسم المغشوش خطأ أو تسامح في التطبيق ، ولا عبرة بشي‌ء منهما ، ومقتضى ذلك أن إطلاق المنع عن الأرانب والثعالب يعمّ المقامين لتحقّق موضوعه ، بخلاف إطلاق الرخصة في الخز ، فإنّ موضوعه عنوان الخز الظاهر في الخالص ، فلا يشمل المغشوش ، إذن فالإطلاق الأوّل هو المرجع في المقام بعد تساقط المتعارضين ، هذا. وقد سمعت إطلاقات المنع عن الأرانب والثعالب عند إيراد أخبار الباب ، وعمدتها صحيحتا ابن راشد وابن مسلم المانعتان عن الثعالب وصحيحة ابن مهزيار المانعة عن الأرانب.

(٣) محصّل هذا الوجه أنه لا عبرة بالصدق العرفي لعنوان الاستهلاك ،

١١٧

عنوان الاستهلاك لم يؤخذ ـ بنفس عنوانه ـ مخرجا لموضوعات الأحكام عن الموضوعيّة لها ، كي يدور مدار صدقه العرفي ، وإنّما العبرة في ذلك بانعدام تلك الموضوعات بامتزاجها بما يغلب عليها ، إمّا حقيقة كالدم المستهلك في الماء ، فإنّ صورته النوعيّة تنعدم * حقيقة باستيلاء الماء عليه وتفرّق أجزائه فيه ، أو عرفا كالماء القليل الملقى في نهر ونحوه (١) ، ولو ألقي في حوض صغير مملوك للغير ففي كونه من التالف إشكال (٢) ، فضلا عن الصوف‌

__________________

لعدم وروده بعنوانه في دليل شرعي يبيّن كونه مخرجا لموضوعات الأحكام عن الموضوعية لها ، كي يتبع صدق هذا العنوان عرفا ، وإنما العبرة في الخروج عن الموضوعية بانعدام الموضوع خارجا إما حقيقة أو عرفا ، فإن لم ينعدم وكان له وجود حقيقة وعرفا لحقه حكمه وإن صدق في مورده الاستهلاك عرفا.

(١) فإنّ تفرّق الأجزاء وإن حصل فيه أيضا ـ كما في مثال الدم ـ إلاّ أنه لمجانسته مع المختلط به في الماهية فلا يوجب الاختلاط زوال صورته النوعية حقيقة ـ كما كان في الدم ـ ، بل انعدام وجوده عرفا ، لشدة استيلاء ماء النهر عليه واستيعابه إياه وضياعه فيه ، فلا يرى له وجود ، ويعدّ من التالف ، ويضمن بدله لمالكه إن كانت له ماليّة.

(٢) وجهه أنّ عدم غزارة ماء الحوض واستيعابه لما ألقي فيه من القليل يوجب عدم وضوح انعدام ما ألقي فيه في نظر العرف ـ حذو وضوحه إذا ألقي في ماء النهر الكبير ـ فلا يعلم كونه من التالف عرفا المضمون لمالكه أو كونه من الزيادة في مقدار المجموع الموجبة للاشتراك بين المالكين ، إذن فمورد الإشكال هو ما إذا شك في تحقق الزيادة العرفية وعدمه.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( تنهدم ) والصحيح ما أثبتناه.

١١٨

القليل (١) المندوب بقطن كثير ، ونحو ذلك.

وبالجملة فإذا لم يكن الخلط موجبا لزيادة عينيّة أو حكميّة (٢) في المجموع ، وكانا لمالكين فلا إشكال في عدم اشتراكه بينهما ، أمّا استناد ذلك (٣) إلى خروجه ـ من جهة قلّته ـ عن الماليّة مع بقاء سائر أحكامه ، أو كونه من التالف العرفي وسقوط جميع أحكامه بذلك لا يخلو عن‌

__________________

(١) وإذا كان متّخذا من غير المأكول كان مثالا للشبهة المبحوث عنها ، ووجهه أقوائية الإشكال فيه من سابقه أن الخلط والامتزاج في الجوامد أضعف منه في المائعات ـ كما لا يخفى.

(٢) كما إذا أوجب الخليط زيادة قيمة المجموع من دون زيادة عينية في كميّته ، ومحصّل ما أجمله قدس‌سره في هذا المقام : أن الخلط والغش في محل الكلام إن كان بمقدار يوجب زيادة عينية أو حكمية في المجموع ـ كما في الصورة السابقة ـ كان للخليط حكمه ـ كما مرّ ـ ، وإذا كانا لمالكين اشتركا في المجموع ، وإن لم يكن بهذا المقدار ـ وهي الصورة الثانية ـ لم يشترك فيه المالكان بلا إشكال ، أمّا لمجرد خروج الخليط لقلّته عن المالية ـ كما في حبة الحنطة ، والاشتراك فرع تحقق المالية لكلّ من الخليطين ـ مع بقاء وجوده الخارجي ، فيبقى معه سائر أحكامه ـ ومنها عدم جواز الصلاة فيه إذا غشّ بغير المأكول ـ ، وإمّا لكونه معدودا في العرف من التالف المنعدم الوجود ، فيسقط به جميع أحكامه فيجوز الصلاة فيه. ووجه الترديد هو ما تقدّم منه قدس‌سره من الترديد في كفاية صدق الاستهلاك عرفا في سقوط أحكامه ، أو عدم كفايته لعدم ورود عنوان الاستهلاك موضوعا في دليل شرعي ليتبع صدقه ، وإنما المتّبع انعدام الموضوع حقيقة أو عرفا ، وتحققه في المقام غير معلوم ، إذن فيشكل الصلاة فيه ، وإن لم يكن إشكال في عدم الاشتراك فيه بين المالكين.

(٣) أي استناد عدم الاشتراك بينهما.

١١٩

الإشكال ، ولنقتصر ممّا يهمّ من فروع التلازم بين الحكمين على ذلك.

الأمر الثالث : إنّه بعد الفراغ عن كون التلازم المذكور من الواضحات التي لا مجال للشبهة فيها ، ففي استناده (١) إلى عدم صلاحيّة غير المأكول ـ من حيث نفسه ـ لوقوع الصلاة فيه وكونه في عداد الموانع بذلك ، أو إلى انتفاء ضدّه الوجوديّ الذي هو الوقوع في المأكول وكونه كالطهارة ونحوها من الشرائط الوجوديّة ، أو إلى مجموع الأمرين ورجوع النتيجة في المقام إلى شرطيّة أحد الضدين ومانعيّة الآخر ، وجوه وأقوال.

فظاهر الأكثر هو الأوّل ، لأنهم لم يعتبروا من هذه الجهة سوى انتفاء تلك الخصوصيّة المفسدة (٢) ، ولو كانوا يعتبرون ضدّها الوجوديّ لم يكتفوا في بيانه بنفي ضدّه ـ كما هو الشأن في نظائره ،

__________________

(١) أي استناد التلازم المذكور والحكم بفساد الصلاة في أجزاء غير المأكول إلى وجدانها للمانع ـ وهو وقوعها في أجزائه ـ ، أو إلى فقدها لشرط الوقوع في المأكول ، أو إليهما جميعا.

(٢) إذ عبّروا بمثل : لا تجوز ، أو لا تصح الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، أو يشترط أن لا يكون لباس المصلي منها ، ونحو ذلك ممّا ظاهره المانعية وتقيّد المطلوب بعدم وقوعه في غير المأكول ، ولو كانوا قائلين بالشرطية وتقيّد المطلوب بوقوعه في المأكول لعبّروا بمثل : تجب الصلاة في أجزاء المأكول ، أو يعتبر وقوعها فيها ، ونحو ذلك ، ـ كما عبّروا كذلك بالنسبة إلى سائر الشرائط كالطهارة ونحوها ـ ، وليس من المتعارف في مقام بيان اعتبار شي‌ء التعبير باعتبار انتفاء ضده ، فإنه تبعيد للمسافة ـ كالأكل من القفا.

١٢٠