الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

بتشريعه إلاّ على العلم باجتماعها (١) ، فكلّما (٢) رجعت الشبهة المصداقيّة إلى الشكّ في ذلك (٣) كان مرجعها إلى الشكّ في التكليف (٤) ، وتجري البراءة فيها من دون فحص (٥) إلاّ إذا قام الدليل على وجوبه (٦) ـ على تفصيل بين الشكّ في القدرة وغيرها (٧) كما ستعرفه (٨).

__________________

(١) أي اجتماع شرائط التكليف ، والمقصود بالعبارة أن التكليف في هذا القسم لا يتوقّف فعليّته على وجود موضوع أصلا ، ولا تنجزه على العلم بوجوده. هذا ، ولا يخفى على النبيه ما في تخصيص القدرة بالذكر من بين شرائط التكليف من النكتة ، فإن التنجز متوقف بعد العلم بالتشريع على العلم باجتماع ما سوى القدرة من الشرائط ، أما هي فلا ، بل يجب الاحتياط مع الشك فيها ـ على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.

(٢) عبّر قدس‌سره بأداة العموم لأن الحكم عامّ لجميع المقامات ، ولا اختصاص له بمقامنا هذا ، ـ كما هو واضح.

(٣) أي في اجتماع شرائط التكليف بأن شكّ في تحقق بعضها في مورد ، فتكون الشبهة حينئذ مصداقية للشكّ في تحقّق مصداق التكليف في المورد ، أما إذا شكّ في أصل تشريعه فالشبهة معه حكمية خارجة عن محل الكلام.

(٤) لأنّ الشك في الشرط شكّ في المشروط.

(٥) لما حقّق في محلّه من عدم وجوب الفحص في الشبهات المصداقية ، فتجري فيها البراءة بدونه.

(٦) كما في الموارد التي يلزم من ترك الفحص فيها مخالفة التكليف الواقعي غالبا كالنظر إلى الفجر في الصوم ، ومراجعة الدفتر في الاستطاعة وبلوغ النصاب ، والسؤال في بلوغ المسافة ونحوها.

(٧) أي تفصيل في وجوب الفحص بين الشك في القدرة وغيرها من سائر الشرائط العامة والخاصة.

(٨) عند التعرض لحكم القسم الثالث.

٢٠١

وبعد العلم باجتماعها فإن كان (١) العنوان المتعلّق للتكليف من المقدور بلا واسطة والصادر بنفسه (٢) امتنعت الشبهة المصداقيّة فيه حال صدوره الإراديّ بعد تبيّن مفهومه ، إذ يستحيل أن يشكّ من أراد شيئا عند إرادته له في هويّة ما أراده (٣) ، وإنّما يعقل الشكّ في‌

__________________

(١) الشبهة المصداقية لهذا القسم من التكاليف تتصوّر بأحد نحوين : إمّا أن تكون ناشئة عن الشكّ في تحقق إحدى شرائطه ـ وقد تقدم ـ ، أو ناشئة ـ بعد العلم باجتماع الشرائط ـ عن الشكّ في مصداقيّة ما صدر من المكلف للمكلّف به ، وهذا ما تصدّى قدس‌سره لبيانه هنا.

(٢) هذا في قبال ما سيجي‌ء من فرض كون المتعلق من المسبّبات التوليدية.

(٣) فإن الفعل الاختياري ـ وهو الصادر عن إرادة ـ لا يعقل صدوره إلاّ بعد تصوّره وتبيّن مفهومه لاستحالة تعلق الإرادة بشي‌ء لا يعرفه المريد ، فإذا عرفه وتعلقت به إرادته وحرّك عضلاته نحوه فكيف يشكّ في هذا الحال في وجوده وصدق عنوان المراد عليه؟ وكيف يتحقّق منه تحريك العضلات نحوه عن إرادة واختيار مع غيبوبته عن ذهنه؟ هذا.

ومن الغريب استغراب السيّد الأستاذ قدس‌سره من مقالة أستاذه المحقّق الجدّ قدس‌سره قائلا : إن الفعل الاختياري إنما يلزم فيه حضوره للفاعل من الجهة التي تعلّق بها غرضه ، وأما صدق عنوان آخر من العناوين الخارجية فالشكّ فيه بمكان من الضرورة كما إذا شكّ المتكلم في صدق عنوان الذكر على ما يصدر منه من الكلام حال صدوره ( رسالة اللباس المشكوك : ٧١ ).

فإنّه إذا فرض تعلق الغرض بالتكلم ـ مثلا ـ وقد تعلّقت به إرادته وأوجده فلا يشك في صدق عنوانه عليه ، وأما عنوان الذكر فالشك في صدقه لا بدّ أن يكون ناشئا عن عدم تعلّق إرادته به إمّا لعدم تصوّر مفهومه أو لغفلته عنه لعدم تعلّق غرضه به ، أمّا مع فرض التفاته إليه ومعرفته لمفهومه وتعلق إرادته به أيضا فلا يعقل الشك المذكور وعدم حضوره في ذهنه حال صدوره الإرادي منه.

٢٠٢

العنوان الاختياري حال صدوره إذا كان من المسبّبات التوليديّة المقدورة بتوسّط أسبابها ، واشتبه السبب المحصّل له (١) ، وواضح أنّه متى رجعت الشبهة المصداقيّة إلى مرحلة المحصّل كان مرجعها إلى الشكّ في الامتثال ، وجوديّا كان العنوان المتعلّق أو عدميّا (٢) ، حتى فيما إذا كان المحصّل شرعيّا (٣) أيضا وتردّد بين الأقلّ والأكثر ، ولعلّنا نتعرّض لذلك في المحلّ المناسب له ـ إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) فيشكّ حينئذ في أنّ ما يصدر منه هل هو محصّل للمتعلّق وسبب توليدي له أو لا ، ولأجله يشكّ في وجود المتعلق بذلك وعدمه.

(٢) وبعبارة اخرى : كان العنوان متعلّقا لتكليف وجودي أو عدمي ، أمّا رجوعها إلى الشك في الامتثال دون التكليف في الوجودي فواضح ، وأمّا في العدمي كما إذا حرم عليه إحراق شي‌ء وتنجّز عليه وشك في أن الإلقاء الكذائي محصّل له أو لا ، فلأن المفروض أنه لا شك في ثبوت الحرمة وفعليتها وإنما يشك في أنه هل يتحقّق امتثالها مع فعل مشكوك المحصّلية أو أنه يتوقف على تركه ، ومقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الترك ، ولا يقاس به موارد الشبهة المصداقيّة لموضوع الحرمة ـ كمشكوك الخمريّة ـ بدعوى أنّه يشك في تحقّق الامتثال بشربه وقضية الاشتغال تركه ، ضرورة أن مقتضى الانحلال الشك في ثبوت التكليف في مورده ، والمرجع فيه البراءة.

(٣) كأفعال الطهارات الحدثية والخبثية بناء على تعلّق الأمر بالطهارة وكون تلك الأفعال محصّلات شرعية لها ، فإذا شك في حصول الطهارة عن الخبث بالغسل مرة أو عن الحدث بالمسح منكوسا ـ مثلا ـ لزم الاحتياط ، ووجهه مذكور في الأصول مفصّلا ( راجع فوائد الأصول ١ : ٨٧ و ٤ : ٤٨ ، وأجود التقريرات ١ : ١١٩ و ٢ : ١٧٨ إلى ١٨٠ ).

٢٠٣

نعم في القسم الأوّل (١) يمكن أن يتطرّق الشبهة المصداقية بعد الفراغ عنه ، لكن حيث لا أثر لهذه الشبهة في المحرّمات (٢) أصلا ، ولا في الواجبات أيضا في غير ما يوجب القضاء والإعادة (٣) فقاعدة الفراغ حاكمة (٤) على أصالة الاشتغال في هذا القسم (٥) ، ولا يندرج ما عداه لا في مجاري الاشتغال ، ولا البراءة (٦).

وأمّا القسم الثاني : فهو ـ وإن فارق سابقه في التعلّق بالموضوع‌

__________________

(١) المراد به ما كان المتعلق مقدورا بلا واسطة ، والوجه في تطرق الشبهة المصداقية إليه بعد الفراغ عنه هو إمكان طروّ النسيان حينئذ ، فيشك في هويّة فعليه السابق.

(٢) إذ لا أثر للشك في مصداقيّة ما صدر منه سابقا للحرام وعدمها ، ولو فرض لصدوره منه أثر فمقتضى الأصل عدمه.

(٣) فإنه أيضا لا أثر يترتّب فعلا على الشك في أنّ ما صدر منه سابقا مصداق للواجب أو لا ، ولا يجدي استصحاب عدم صدوره منه لترتيب آثار فسقه مثلا ، لعدم ترتّبها على مجرد عدم الصدور.

(٤) يعني : إذا كان الواجب ممّا يجب بتركه القضاء والإعادة فلو لا قاعدة الفراغ لكان مقتضى قاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الإتيان وجوب إعادته في الوقت بل وقضائه خارجه ـ على بعض الوجوه ـ ، إلاّ أن القاعدة المذكورة حاكمة على الأصلين ، ومقتضاها صحة المأتي به ومصداقيّته للواجب.

(٥) يريد قدس‌سره به القسم الأخير من أقسام ما يتطرّق فيه الشبهة المصداقية بعد الفراغ عنه ، وهو الذي اختص بجريان قاعدة الفراغ فيه ، ويقابله ما عداه من المحرّمات والواجبات التي ليس لها إعادة أو قضاء ، وهو المراد بقوله قدس‌سره متعاقبا ( ولا يندرج ما عداه. إلخ ).

(٦) لما عرفت من أنه لا أثر لشبهاته المصداقية ، ويعتبر في جريان الأصول ترتّب أثر شرعي عليها.

٢٠٤

الخارجيّ هنا ، دون ما تقدّم ـ لكن لمّا كان الموضوع المفروض في هذا القسم متحقّقا فعليّا ، ومتشخّصا خارجيّا ، لا كليّا ذا أفراد مقدّرة الوجود ، كي يتضمّن الخطاب شرطيّة (١) من هذه الجهة (٢) ، فلا أثر لهذا التعلّق أصلا (٣) ، ويكون وجوده كعدمه ، ويطّرد في هذا القسم جميع ما تقدّم في سابقه (٤) سوى أنّ الشبهة المصداقيّة تتطرّق هنا (٥) بالنسبة إلى نفس العنوان المقدور بنفسه أيضا حال صدوره من جهة التعلّق بالموضوع المذكور وإمكان الشكّ فيه ـ كما في استقبال القبلة‌

__________________

(١) المراد بها اشتراط فعلية الخطاب بوجود فرد من ذلك الكلي ، وقد أشار قدس‌سره إلى التضمّن المذكور قبل الدخول في تفاصيل الأقسام ، وسيأتي تحقيقه مفصّلا لدى التعرض للقسم الرابع ، فانتظر.

(٢) وإن تضمّن شرطية من سائر الجهات كالشرطية بالنسبة إلى سائر شرائط التكليف.

(٣) إذ التعلق المزبور لم يوجب شرطية وتعليقا وحكما على موضوع مقدّر الوجود ، فلا أثر لوجوده ، وكان بمنزلة العدم.

(٤) من تطرّق الشبهة المصداقية فيه مع الشك في اجتماع شرائط التكليف ، وكذا مع العلم باجتماعها والشك في مصداقية الفعل الصادر بعد الفراغ عنه أو حال صدوره إذا كان من المسببات التوليدية ، وأن المرجع في الأوّل البراءة ، وفي الثاني قاعدة الفراغ ، وفي الثالث الاشتغال.

(٥) أما هناك فقد عرفت أنه لا يمكن تطرّقها فيه ، والفارق بينهما تعلّق العنوان المتعلق للتكليف هنا بالموضوع الخارجي ـ كالقبلة ـ دونه هناك ، ولأجله يمكن هنا الشك في مصداقية الصادر للعنوان المقدور بنفسه حال صدوره الإرادي ، للشك في تعلّقه بالموضوع المذكور وعدمه.

٢٠٥

واستدبارها ونحو ذلك ـ ، ولازم ذلك (١) هو العلم الإجمالي بتوجّه التكليف الوجوبي أو التحريميّ عند تردّده بين المتباينين ـ كما عند اشتباه القبلة ـ ، فيجب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة (٢) ، والفحص في التحريميّة (٣) ، ويتخيّر عند تعذّر الأمرين (٤).

ولو تردّد بين الأقل والأكثر (٥) ـ كما إذا تردّد مقدار الموقف في عرفات والمشعر * الحرام من جهة الشبهة الخارجية بين الأمرين ـ اتّجه التفصيل في رجوع الشبهة إلى الشكّ في الامتثال أو التكليف بين الوجوبيّة والتحريميّة ، ففي الوقوف الواجب يجب الإتيان به فيما علم أنّه من‌

__________________

(١) أي لازم الشبهة المصداقية المذكورة الناشئة عن الشك في الموضوع المزبور ، والملازمة واضحة.

(٢) بالجمع بين المحتملين تفريغا للذمّة عن التكليف المعلوم بالإجمال.

(٣) كما إذا حرم استقبال القبلة في حالة خاصة وهو لا يدري أين وجه القبلة ، فيحتمل الحرمة أينما توجّه ، وفي مثله يحكم العقل بوجوب الفحص عنها ـ وإن كانت الشبهة موضوعية ـ لتوقف امتثال التكليف المتنجّز عليه ، ويكفي في الفحص العلم بوجود القبلة في بعض الجهات خاصّة فيجتنبها.

(٤) أي الاحتياط والفحص ، فإنه إذا لم يمكن الفحص ولا الموافقة القطعية بالاحتياط التام يتنزل إلى الموافقة الاحتمالية ، ويكتفى ببعض المحتملات فعلا ـ في الشبهة الوجوبية ـ أو تركا ـ في التحريمية.

(٥) هذا في قبال التردد بين المتباينين ـ السابق ذكره.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( مشعر ) والصحيح ما أثبتناه.

٢٠٦

الموقف (١) ، وفي حرمة الإفاضة قبل الغروب والطلوع (٢) يقتصر (٣) على ما علم خروجه عن حدود الموقف ، ويجوز الانتقال من القدر المعلوم إلى المشكوك مع عدم إخلاله بالوقوف الواجب قبل ذلك.

والسرّ في ذلك (٤) هو إطلاق الطلب الوجوبيّ (٥) بالنسبة إلى‌

__________________

(١) فلا يجزي الوقوف في المكان المشكوك كونه منه ، وهذا مثال للشبهة الوجوبية ، كما أنّ ما بعده مثال للتحريمية.

(٢) الأوّل بالنسبة إلى الوقوف بعرفات ، والثاني بالنسبة إلى الوقوف بالمشعر الحرام.

(٣) أي يقتصر في لزوم الاجتناب على ذلك ، فلا بأس بالإفاضة إلى المقدار المشكوك بعد أداء ما وجب عليه من الوقوف فيما علم دخوله في الموقف.

(٤) توضيح ذلك : أن هناك فرقا بين التكاليف الوجوبية والتحريمية ، نظرا إلى أن الوجوب متعلّق بعنوان الواجب نفسه ، ويطلب إيجاد ما ينطبق عليه هذا العنوان خارجا ، فمتعلّقه واقع تحت الطلب ، ومقتضاه لزوم إحراز تحققه في الخارج ، وعدم الاكتفاء بالمشكوك ، لكونه شكا في مرحلة الامتثال بعد تنجز التكليف. أمّا الحرمة فهي عند التحقيق ليست كذلك ، بل مشروطة بكون الفعل مصداقا لعنوان الحرام ، بمعنى أنه إذا كان الفعل بحيث لو وجد لكان الهويّة الكذائية كان فعله حراما ، وإلاّ فلا ، وعليه فمتعلّقه خارج عن دائرة الطلب مأخوذ شرطا لتعلّقه معلّقا عليه ، فلا يلزم إحراز تركه ، بل يكون الشك فيه شكا في التكليف ومجرى للبراءة.

وبالجملة كلّ من الوجوب والحرمة متعلق بالوجود الواقعي ، إلاّ أن مقتضى تعلق الوجوب به أنه مع الشك فيه يشكّ في حصول الامتثال ، وقاعدة الاشتغال تقتضي لزوم الإحراز ، أمّا الحرمة فمقتضى تعلّقها به أنه مع الشك يُشكّ في التعلق والأصل البراءة ، وسرّ الفرق ما أفاده قدس‌سره من الوقوع تحت الطلب وعدمه.

(٥) في قبال اشتراطه بالانطباق على عنوان متعلقة ـ كما في التحريمي.

٢٠٧

الانطباق على عنوان متعلّقه ودخوله تحت الطلب (١) ـ لا محالة ـ ، وكونه في التحريميّ خارجا عن دائرة الطلب وشرطا لشموله (٢) ، ولكن لا بمعنى ترتّبه (٣) على تحقّق الانطباق في الخارج كي يرجع إلى طلب عدم الشي‌ء على تقدير وجوده ، بل بمعنى كونه منعا عمّا لو وجد لكان تلك الهويّة ، فهذه الشرطيّة (٤) واقعة في التكاليف الوجوديّة تحت دائرة التكليف (٥) ، وخارجة عنها في العدميّة (٦)

__________________

(١) أي دخول الانطباق المزبور تحت الطلب ، إذ هو مطالب به ضرورة ، فالطلب وارد عليه.

(٢) أي لشمول التحريم ، فالتحريم مشروط بالانطباق المزبور معلّق عليه ، فهو خارج عن حيّز الطلب ، وليس مطالبا به ليلزم إحرازه.

(٣) يعني : لا مجال لأن يتوهم أن مقتضى الاشتراط المذكور ترتّب التحريم على تحقق الانطباق خارجا ، فإن مرجعه إلى طلب عدم الشي‌ء على تقدير وجوده ، وهو طلب للمحال ، بل المراد ترتّب الحرمة على ما لو وجد لكان الهويّة الكذائية ، فقولنا ( لا تفض من عرفات ) يعني : لا تفعل ما ينطبق عليه عنوان الإفاضة ، وليس المراد أنّ ما وجد في الخارج وانطبق عليه العنوان حرام مطلوب تركه ليلزم المحال ، بل المراد أنّ ما لو وجد لكان إفاضة فاتركه.

(٤) وهي شرطية أنه لو وجد لكان كذا أو انطبق عليه عنوان كذا.

(٥) لتعلّق التكليف فيها بفعل ما لو وجد لكان ذلك الفعل ، فيكون فعله مطالبا به ، ولا بدّ من إحراز كونه كذلك ، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ كذلك ، فيرجع مع الشك إلى قاعدة الاشتغال.

(٦) لتعلّق التكليف فيها ـ في الحقيقة ـ بترك فعل على تقدير كونه لو وجد هو ذلك الفعل ، فالتكليف معلق على كونه لدى وجوده هو ذلك.

٢٠٨

متوقّف شموله عليها (١) ، ومن هنا يرجع الشكّ فيها في الوجوديّة إلى الشكّ في الامتثال ، وفي العدميّة إلى الشكّ في التكليف ، وسيأتي مزيد تنقيح منّا لذلك (٢) ـ إن شاء الله تعالى.

ويلحق القسم الثالث أيضا بسابقيه في عدم تضمّن الخطاب لشرطيّة من جهة التعلّق بموضوعه ، فإنّ الموضوع المفروض في هذا القسم ـ وإن كان كليّا ذا أفراد صالحة للانطباق على عنوانه ـ بدليا (٣) ـ ، لكن لمّا كان القدر المتوقّف عليه توجّه ذلك التكليف هو تمكّن المكلّف من صرف وجوده (٤) المنطبق ـ على البدل ـ على أحدها ، ولا يترتّب على مصداقيّة الزائد أثر سوى التوسعة في دائرة التخيير العقليّ في مرحلة امتثاله ، فلا مدخلية لوجود الزائد وعدمه في التكليف أصلا ،

__________________

(١) أي شمول التكليف العدمي لمورد متوقف على صدق تلك الشرطيّة فيه ، فإذا شكّ فيها كان شكا في التكليف المشروط بها لا محالة ، والمرجع فيه البراءة.

(٢) في التنبيه الثالث من تنبيهات الخاتمة.

(٣) أي انطباقا بدليا ، إشارة إلى ما مرّ من بدليّة إطلاق الدليل بالنسبة إلى الموضوع في هذا القسم.

(٤) يعني أن القدر المتوقف عليه فعليّة التكليف هو ما به يتمكن من امتثاله ، وهو صرف وجود الموضوع المتحقق بوجود أيّ من أفراده ، فيكفي في فعليته وجود فرد واحد ، ولا أثر للزائد عليه سوى التوسعة في الامتثال وتكثّر أبدال التخيير العقلي من دون دخله في أصل التكليف ، وعليه فلا أثر للشك فيه مصداقا سوى الشكّ في تحقق الامتثال به وعدمه ، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال.

٢٠٩

ويرجع الشكّ فيه إلى الشكّ فيما ذكر من صلاحيّته للامتثال به.

وأمّا بالنسبة إلى ما يتوقّف عليه التمكّن (١) من صرف وجوده فهو وإن كان شرطا لتوجّه التكليف ـ لا محالة ـ ، لكن لمّا كان تمكّن المكلّف ممّا تعلّق به ذلك التكليف ـ كالوضوء مثلا ـ متوقّفا على تمكّنه من الماء أوّلا ثمّ من استعماله في التطهّر به ونحو ذلك (٢) ، والاشتراط بالقدرة ـ المتضمّن له كلّ تكليف ـ يعمّ الأمرين جميعا (٣) ، فلا يعقل أن يتضمّن الخطاب شرطيّة أخرى من هذه الجهة ، ويرجع الشبهة المصداقيّة (٤) حينئذ إلى الشك في تمكنه من متعلّق التكليف ، ويلحقها حكم الشكّ في القدرة.

__________________

(١) لا يخفى على النبيه ما في العبارة من التنبيه بالعلّة في قالب الموصول والصلة.

(٢) يعني : ونحو ما ذكر ـ من الماء والتمكن منه ومن استعماله في الوضوء ـ بالنسبة إلى غير مثال الوضوء.

(٣) وهما التمكن من تحصيل الموضوع ـ كالماء ـ والتمكن من استعماله فيما تعلق به التكليف ـ كالوضوء ـ ، ومحصّل المقصود أن القدرة المشروط بها التكليف المتعلق بالوضوء مثلا ـ بمناط شرطيّة القدرة في كلّ تكليف ـ لا تختص بالقدرة على الفعل نفسه ، بل تعمّ القدرة على تحصيل موضوعه ، فإنها في الحقيقة من شؤون القدرة على الفعل ، وبدونها تنتفي القدرة عليه ـ لا محالة ـ ، إذن فشرطيّة القدرة التي يتضمنها الخطاب في هذا القسم تشمل القدرة على صرف وجود موضوعه ، ولا يتضمّن شرطية أخرى زائدة عليها ليكون بمنزلة قولنا ( إذا وجدت الماء وقدرت على الوضوء فتوضأ ) ، بل الشرطيّة واحدة تلمّ شمل الأمرين جميعا.

(٤) وهي ما إذا شك في تحقق صرف وجود الموضوع في الخارج.

٢١٠

وهي وإن شاركت بقيّة الشرائط العامّة في اشتراط التكاليف بها ، وكان توهّم كونها كالعلم بالخطاب شرطا لتنجّزه دون توجّهه أوضح فسادا من عكسه (١) ـ المتقدّم نقله عن بعض الأساطين ـ ، لإمكان أن يكون (٢) للعلم بالحكم دخل في تماميّة ملاكه (٣) ، ويقوم الدليل المنتج نتيجة التقييد على ذلك ـ كما في مسألة الجهر والإخفات والقصر والإتمام على ما اتّضح في محلّه ـ ، ولكن مقتضى استقلال العقل بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه هو امتناع توجّه التكليف إلى القدر المشترك بين القادر والعاجز ، فلا تصل النوبة حينئذ إلى التنجّز والمعذورية (٤) ، بل لا يرجعان إلى‌

__________________

(١) وهو كون العلم بالخطاب شرطا لتوجّهه وفعليّته كالقدرة ، وقد تقدّم نقله عن المحقّق القمي قدس‌سره.

(٢) تعليل لأوضحيّة فساد التوهم المذكور من عكسه ، وذلك بالمقايسة بينهما بذكر توجيه للعكس وبرهان على إمكانه الذاتي والوقوعي أولا ، ثمّ التعرّض لحال الأصل وبيان امتناعه استنادا إلى استقلال العقل بقبحه.

(٣) أشار قدس‌سره بهذا إلى ما حقّقه في الأصول من أن العلم بالحكم قد يكون له دخل في تماميّة ملاكه ثبوتا فيكون الحكم بالنسبة إلى الجاهل به فاقدا للملاك ، وفي مثله لمّا لم يمكن الشارع استيفاء غرضه بجعل الحكم مقيدا بالعلم به تقييدا لحاظيا ـ للزوم الدور ـ ، فلا مناص له من إهمال جعله الأوّليّ ، وتتميمه بجعل آخر يفيد فائدة التقييد المذكور ، وينتج نتيجته ، وعليه فكون العلم بالحكم شرطا فيه ملاكا وتشريعا بمكان من الإمكان ، وقد وقع ذلك في الشريعة في مسألتي وجوب الجهر والإخفات والقصر والإتمام ـ على ما فصّل في محلّه.

(٤) فإن التكليف إنما يصل إلى هذه المرحلة فيما إذا كان متوجها إلى المكلف ،

٢١١

محصّل في غير العلم والجهل. هذا ، مضافا إلى أنّ نفس الطلب التشريعي (١) لكونه إيجادا لداعي الاختيار ، وتوجيها لإرادة الفاعل المختار إلى ما هو تحت إرادته واختياره فهو بنفسه يتضمّن فرض القدرة على متعلّقه ـ ولو مع الغضّ عن الحكم العقليّ المذكور (٢) ـ ، وبهذا يوجّه ما أفيد من امتناع (٣) تعلّق الإرادة التشريعيّة كالتكوينيّة إلاّ بالمقدور.

لكنّها تمتاز (٤) ـ مع ذلك ـ عن بقيّة الشرائط (٥) بأنّ اشتراط‌

__________________

أمّا إذا امتنع توجّهه إليه ـ لمكان عجزه ـ فلا موضوع للتنجّز أو المعذوريّة ، إذن فلا محصّل لكون التنجّز والمعذوريّة دائرتين مدار غير العلم والجهل.

(١) تعرّض قدس‌سره لهذا في الأصول في سياق الردّ على ما حكي عن المحقّق الثاني قدس‌سره في مبحث الضد من كفاية الإتيان بالفرد المزاحم ـ وإن لم يكن مقدورا شرعا ـ لدى امتثال الأمر بالطبيعة ، لأن الانطباق قهريّ والإجزاء عقليّ. فذكر قدس‌سره أنه مبنيّ على انحصار الوجه في اعتبار القدرة في التكليف في حكم العقل بقبح تكليف العاجز ، والتحقيق يقتضي عدم الانحصار ، وأن الاعتبار ممّا يقتضيه ذات التكليف ، نظرا إلى أن الطلب التشريعي بنفسه إيجاد لداعي المكلّف وتحريك لإرادته نحو فعله الاختياري ، فهو متعلّق ـ لا محالة ـ بخصوص الحصة المقدورة لا مطلقا ، والفرد المزاحم ليس كذلك ، فلا يجزي لدى الامتثال.

(٢) كما لو بني على إنكار التحسين والتقبيح العقليين.

(٣) إذ لا وجه لامتناع تعلّق الإرادة التشريعيّة بغير المقدور سوى ما ذكر من كون الطلب توجيها لإرادة الفاعل نحو المقدور خاصّة.

(٤) استدراك عمّا ذكره قدس‌سره قبل أسطر بقوله ( وهي وإن شاركت. إلخ ).

(٥) فبقيّة الشرائط كالتمييز والبلوغ والعقل والذكر والالتفات لا تتصوّر إلاّ‌

٢١٢

التكاليف بها يتصوّر على وجهين : فتارة لدخلها ـ كالبلوغ مثلا ـ في ملاكه ، فلا يفوت العاجز مصلحة أصلا ـ كما في الحجّ ونحوه ـ ، وأخرى لتوقّف حسن الخطاب عليه بعد اطّراد ملاكه (١).

والكاشف عن الأوّل (٢) هو أخذها شرطا شرعيّا في لسان الدليل المسوق للتأسيس (٣) ، دون التقرير لما يستقلّ به العقل ، فيكشف ذلك عن ترتّبه خطابا وملاكا عليها ، ويكون المدار فيها على القدرة العرفيّة‌

__________________

على أحد الوجهين : أما الأخيران فاشتراط التكليف بهما إنما هو لتوقّف حسن الخطاب عقلا عليهما ، وأما البلوغ فلدخله في الملاك خاصة دون حسن الخطاب ، لصحة خطاب الصبي المميّز ، وأما العقل والتمييز فلدخلهما في الأمرين ، وهذا كلّه بخلاف القدرة فإنّها تارة دخيلة في الخطاب فقط ـ كما في أغلب التكاليف ـ وتسمّى بالقدرة العقليّة ، وأخرى دخيلة في الملاك زائدا على دخلها في الخطاب ـ كما في الحج والوضوء ـ ويعبّر عنها بالقدرة الشرعيّة.

(١) بالنسبة إلى القادر والعاجز.

(٢) بيان للفارق الإثباتي بين القسمين.

(٣) توصيف بمنزلة التعليل ، توضيحه أن الظاهر في كلّ ما أخذ في لسان الدليل أن يكون تأسيسا ومما يكون بيانه من وظيفة الشارع وعلى عهدته ولا يعلم إلاّ من قبله ، لا تقريرا لما يستقل به العقل وإرشادا إليه ، إذ يكفي فيه الإيكال إلى حكم العقل ، فلا داعي إلى تكلّف البيان ، ومقتضاه أن يكون أخذ القدرة شرطا في لسان الدليل ناشئا عن دخلها في الملاك ، شأنها شأن الشرائط الخاصة ، فيستكشف منه إنّا الدخالة المذكورة ، لا بيانا لاعتبارها في حسن الخطاب فقط ، وإلاّ لكان تقريرا بحتا ، وهو خلاف الأصل ـ كما ذكرنا.

٢١٣

على نفس (١) متعلّق التكليف عند فعليّة خطابه ، ولا عبرة بالقدرة العقليّة التي لا يراها العرف مصداقا لها (٢) ، ولا بالقدرة على تحصيلها مع العجز الفعلي عن متعلّق التكليف (٣) ، ويجوز التعجيز عنه اختيارا قبل حلول زمانه وفعليّة التكليف (٤) ، إلاّ إذا قام الدليل على عدم جوازه (٥) أو‌

__________________

(١) هذا أحد الفوارق المهمّة بين قسمي القدرة ، والوجه فيه أن القدرة إذا أخذت في لسان الدليل حملت ـ كسائر القيود المأخوذة في الدليل ـ على معناها العرفي تعويلا على الظهورات العرفية للألفاظ ، ومقتضاه إرادة القدرة العرفية ـ دون العقلية ـ ، على متعلق التكليف نفسه ـ دون القدرة على تحصيل القدرة عليه ـ ، وعند فعلية خطابه ـ لا قبلها ولو بتعجيز نفسه. أمّا إذا لم يؤخذ في لسان الدليل فالعبرة فيها بنظر العقل ، وهو مستقل بكفاية القدرة الحقيقيّة التكوينيّة ولو بالقدرة على تحصيل القدرة ، بل وإن كان قبل فعليّة الخطاب ، وسيأتي ذكره.

(٢) كما إذا تمكّن من الامتثال بتحمّل جهد كثير فوق الطاقة العادية ، بحيث يلحقه بالعاجز في نظر العرف وإن كان متمكنا حقيقة.

(٣) إذ لا يصدق عرفا ـ على العاجز فعلا المتمكن من تحصيل القدرة بفعل المقدمات ـ أنّه قادر ، بل هو فعلا عاجز ، وإن اكتفى به العقل في حسن توجيه الخطاب إليه لكفاية القدرة الشأنية والقدرة على تحصيلها في ملاك حسنة.

(٤) فإنّ من كان قادرا قبل فعليّة الخطاب فعجز حينها ـ وإن كان بتعجيز نفسه ـ لا يصدق عليه حينها أنه قادر ، فلا يشمله الدليل ، بل لا مانع من التعجيز الاختياري ، لعدم الدليل على حرمته شرعا ، ولا على استحقاق العقوبة عليه عقلا ، وقاعدة ( الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ) غير جارية في المقام ـ كما حقّقه قدس‌سره في الأصول.

(٥) أي عدم جواز التعجيز ، كما حكي القول به عن بعض في مسألة إراقة الماء أو إبطال الوضوء قبل الوقت مع العلم بعدم وجدان الماء أثناءه.

٢١٤

وجوب تحصيل التمكّن منه مع إمكانه (١) ، ونحو ذلك (٢).

ولو لم تؤخذ * شرطا شرعيّا كذلك (٣) ، وكان المتكفّل للاشتراط بها هو الحكم العقليّ المذكور وتضمّن الخطاب بنفسه له (٤) كان ضابطا للثاني (٥) ، لأنّ أقصى ما يقتضيه (٦) اشتراطه بها‌

__________________

(١) يعني : أو قام الدليل على وجوب تحصيل التمكن منه مع إمكان تحصيله ، فإنّه إذا دلّ الدليل على وجوب تحصيله فقد دلّ بفحواه على عدم جواز التعجيز وتفويت القدرة الحاصلة.

(٢) كما إذا قام الدليل على كفاية القدرة العقلية وإن لم يرها العرف مصداقا للقدرة.

(٣) أي في لسان الدليل المسوق للتأسيس.

(٤) مرّ آنفا أن الدليل على شرطيّة القدرة العقليّة في عامّة التكاليف أمران :

حكم العقل المستقلّ بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه ، وإليه استند المشهور ، واقتضاء ذات الطلب القدرة على متعلقة ، وهو الذي حقّقه المحقق الجدّ قدس‌سره وأصرّ عليه.

(٥) وهو القدرة العقلية المتوقف حسن الخطاب عليها دون الملاك.

(٦) تعليل لامتناع كون القدرة في هذا القسم دخيلة في الملاك ، متضمن لبرهان فلسفي ، توضيحه : أن الذي يقتضيه الوجهان ـ الحكم العقلي المذكور وتضمن الخطاب بنفسه للاشتراط بها ـ هو كون المطلوب بما هو متعلّق للطلب مقيدا بها ، فالتقييد ـ بموجب الوجهين ـ واقع في مرحلة تعلّق الطلب فلا يتعلق إلاّ بالحصّة المقدورة ، ولا يقتضيان كون المطلوب بما هو متعلّق للملاك المقتضي للطلب مقيّدا بها ليكون القيد مأخوذا في‌

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يؤخذ ) والصحيح ما أثبتناه.

٢١٥

بهذين الاعتبارين هو تقييد المطلوب بها بما أنّه المطالب به ، لا بما أنّه يقتضي الطلب به ، وإلاّ لزم دخل مقتضى الشي‌ء فيما يقتضيه ، فيكون وروده عليه (١) كاشفا إنيّا عن اشتماله على ملاك الطلب به من دون أن يكون لما يلازم وروده عليه دخل فيه ، وإلاّ كان ما يلازم الشي‌ء دخيلا في ملزومه ، فيكفي حينئذ (٢) مجرّد التمكّن العقليّ من متعلّق التكليف ـ ولو بالتمكّن من تحصيل القدرة عليه ـ في فعليّة خطابه (٣) ، ويكون التعجيز عنه ـ ولو قبل فعليّة التكليف ـ من‌

__________________

مرحلة الملاك ، وحينئذ فلو فرض للقيد دخل فيه باعتبار أنّ له دخلا في مقتضاه من الطلب لزم أن يكون للمقتضي ـ بالفتح ـ دخل في مقتضيه ، ويتقيّد المقتضي ـ بالكسر ـ بما تقيّد به مقتضاه ، وهو ممتنع لامتناع أن يكون للمعلول دخل في علّته ، ويؤخذ قيده قيدا فيه. هذا ، وفي تقريرات أصوله قدس‌سره إشارة إلى المطلب ( راجع أجود التقريرات ١ : ٢٦٧ ، وفوائد الأصول ١ : ١٩١ ).

(١) تفريع على تقييد المطلوب بالقدرة بما أنّه المطالب به ، متكفل للبرهان ببيان آخر ، يعني : فيكون ورود الطلب ـ في لسان الدليل ـ على مطلوبه المطلق غير المقيّد بالقدرة ـ كما هو مفروض الكلام ـ كاشفا إنيّا عن اشتمال المطلوب بإطلاقه على الملاك ، وإن كان وروده عليه يلازمه القدرة ـ بمقتضى الوجهين المتقدّمين ـ إلاّ أنّه لا يمكن أن يكون لهذا الملازم دخل في الملاك ، وإلاّ لزم أن يكون ما يلازم الشي‌ء دخيلا في ملزوم ذلك الشي‌ء ـ وهو الملاك ـ ، وهو ممتنع لامتناع دخل ما يلازم المعلول في علته.

(٢) أي حين إذ لم تكن القدرة دخيلة في الملاك في هذا القسم ، بل كان دخلها فيه ممتنعا بالبرهان المتقدم.

(٣) متعلق بـ ( يكفي ).

٢١٦

التفويت المحرّم (١) ، عكس ما تقدّم في سابقه.

ولو شكّ فيها (٢) فسبيله في الصورة الأولى سبيل الشكّ في سائر الشرائط (٣) ، وتقدّم جريان البراءة فيها (٤) بلا فحص ، إلاّ أن يقوم دليل على وجوبه ، بخلافه في الثانية (٥) فإنّ ملاكات الأحكام (٦) وإن كانت بمعزل عن صلاحية تعلّق التكليف بها أو استقلال العقل بلزوم إحرازها بلا توسيط خطاب (٧) ـ كما لعلّ أن‌

__________________

(١) أي للملاك ، لما حقّق في محلّه من أن المورد مجرى قاعدة ( الامتناع بالاختيار ) ، لتمامية الملاك في ظرفه ، ومعه يحكم العقل بوجوب حفظ القدرة عليه لواجدها ، وعدم تفويتها بالاختيار بتعجيز نفسه ـ ولو قبل أوانه.

(٢) أي في القدرة بشبهة مصداقية.

(٣) فإنّها كسائر شرائط التكليف شرائط في الملاك والخطاب معا ، والشك فيها شكّ في أصل التكليف ، ومجرى للبراءة.

(٤) أي في شرائط التكليف ، تقدّم ذلك عند الكلام في القسم الأوّل ، حيث قال قدس‌سره : « فكلّما رجعت الشبهة المصداقية إلى الشك في ذلك كان مرجعها إلى الشك في التكليف ، وتجري البراءة فيها من دون فحص إلاّ إذا قام الدليل على وجوبه ».

(٥) فإنها في هذه الصورة شرط في الخطاب فقط ، والشك فيها وإن كان شكا في توجّهه لكن مقتضى العلم بالملاك هو لزوم الفحص ـ كما سيبيّن ـ ، وهذا ـ كما ترى ـ فارق مهم آخر بين القسمين.

(٦) الغرض من هذا البيان إثبات وجوب الفحص في موارد الشك في القدرة العقلية.

(٧) لأن نسبة متعلقات التكاليف إليها نسبة المعدّ إلى المعلول المعدّ له مع‌

٢١٧

نوضحه في المحلّ المناسب له إن شاء الله تعالى ـ ، لكن حيث إنّها تكشف * بطريق اللمّ عن الخطاب المحصّل لها (١) ، فالعلم بها يستلزم العلم بذلك الخطاب ـ لا محالة.

وفي المقام وإن كان الشكّ في القدرة مستلزما للشكّ في توجّه الخطاب ، لكنّ العلم (٢) بإطلاق المناط وقوّته (٣) ، وأنّ الشارع لا‌

__________________

توسط أمور غير اختيارية بينهما كزرع الحبّ وصيرورته سنبلا ، لا نسبة السبب التوليدي إلى مسبّبه ، ومثله لا يصلح لتعلّق التكليف به لعدم صلاحيّته لتعلّق إرادة الفاعل به ، كما أنّه لا يستقلّ العقل بلزوم تحصيله ـ بما هو تحصيل للملاك ـ من دون توسيط خطاب شرعي ، بل غاية ما يستقل به هو امتثال الخطاب ، وإنما على المولى جعل التكليف على وجه محصّل للملاك وعدم تفويته على العبد ، والتفصيل في محله.

(١) لما عليه العدليّة من تبعية الأحكام للملاكات الواقعية ، فأحدهما يكشف عن الآخر لمّا أو إنّا ، ومقتضاه أن العلم بالملاك يستلزم العلم بالخطاب ـ من غير ناحية اعتبار القدرة العقلية فيه غير الدخيلة في ملاكه ـ ، ففي المقام إذا علم بتماميّة الملاك من جهة العلم باجتماع شرائطه فلا محالة يعلم بفعليّة الخطاب ـ على تقدير القدرة الواقعيّة ـ ، ويكون متنجزا أيضا على هذا التقدير ، وسيأتي مزيد التوضيح.

(٢) يعني : لكنّه لا يستلزم الشك في المناط لفرض إطلاقه وعدم دخل القدرة فيه ، والعلم بإطلاقه وقوّته يلازم العلم بعدم المعذوريّة على تقدير المقدوريّة الواقعيّة.

(٣) باعتبار كونه ملاكا ملزما مقتضيا للوجوب أو الحرمة.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يكشف ) والصحيح ما أثبتناه.

٢١٨

يرضى أن يفوت عند إمكان حصوله (١) يلازم العلم بعدم المعذوريّة على فرض المقدوريّة الواقعيّة ، وهذا (٢) هو مناط وجوب الفحص ، وكذلك الاحتياط أيضا فيما يجب فيه أحدهما (٣) المعيّن أو المخيّر مطلقا ، فإنّ مناطه في جميع ذلك هو ثبوت عدم المعذوريّة على‌

__________________

(١) وهذا لا ينافي ما تقدّم آنفا من إنكار استقلال العقل بلزوم إحراز الملاكات ، لاختصاص ذلك ـ كما عرفت ـ بما إذا لم يتوسّط خطاب ، ومفروض المقام توسّط الخطاب.

فإن قيل : المفروض الشك في فعلية الخطاب.

قلنا : نعم ، لكن العبرة في المقام بواقعة ، نظرا إلى العلم بتماميّة الملاك الملزم فيه ، فلا يستلزم الشك في الخطاب الشك فيه ، وفي مثله يكون الخطاب الواقعي على تقدير فعليّته متنجزا ، فلا يعذر بمجرد الشك ، للزوم إحرازه الملاك حينئذ إن أمكنه ، ومقتضاه لزوم الاختبار والفحص عن قدرته ، فإن تبيّن عجزه كان معذورا في فوات الملاك عنه ، نعم إذا كان الشك في الخطاب مستلزما للشك في الملاك ـ كما في غير المقام ـ فلا علم به حينئذ ليجب تحصيله ، إلاّ إذا قام الدليل على وجوب الاحتياط لإحراز الواقع.

ومن جميع ذلك يظهر بطلان دعوى جريان البراءة في المقام باعتبار كونه من الشك في التكليف ، فلاحظ.

(٢) مرجع الإشارة هو العلم بعدم المعذوريّة ـ المذكور.

(٣) الفحص أو الاحتياط ، فما يجب فيه أحدهما مخيّرا فكالشبهات الحكميّة الكليّة قبل الفحص في الأدلة وبعض الشبهات الموضوعية كالاستطاعة ونحوها والشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ، وما يجب فيه الاحتياط معيّنا فكالشبهات الحكميّة والمقرونة بالعلم مع تعذّر الفحص ، وما يجب فيه الفحص معيّنا فكالمقام.

٢١٩

تقدير المصادفة الواقعيّة ، إمّا لمكان العلم الإجمالي (١) أو لموجب آخر (٢) ، فالخطاب المشروط بالقدرة (٣) يكشف في المقام عن إطلاق مناطه كشفا إنيّا ، وهو عن وجوب الفحص كشفا لميّا (٤) ويستقلّ العقل باستكشاف هذا الخطاب الطريقي (٥) ممّا عرفت (٦) ، ويندرج في باب الملازمات العقليّة (٧).

__________________

(١) فإن العلم الإجمالي ينجّز التكليف الواقعي ويرفع المعذورية على تقدير المصادفة.

(٢) يوجب عدم المعذوريّة المذكورة كالعلم بإطلاق الملاك وقوّته في مفروض المقام ، وكاقتضاء وظيفة العبودية التصدّي لامتثال أحكام مولاه في الشبهات الحكميّة ، وكلزوم غلبة المخالفة من ترك الفحص في بعض الشبهات الموضوعية.

(٣) المراد به الخطاب الجامع لجميع شرائطه الدخيلة في الملاك والمشكوك فعليّته للشك في القدرة العقليّة ، ومثله يكشف إنّا عن إطلاق ملاكه وفعليّته لفعليّة جميع ما له دخل فيه على الفرض.

(٤) أي وإطلاق ملاكه يكشف لمّا عن وجوب الفحص عن القدرة المشكوكة وجوبا شرعيا طريقيّا.

(٥) وهو وجوب الفحص ، إذ ليس هو خطابا نفسيا يقصد به التوصّل إلى إيجاد متعلقة خارجا ، بل طريقيّ لغرض رعاية الواقع والوصول إليه.

(٦) من إطلاق الملاك وقوّته وأن الشارع لا يرضى بفواته عند إمكان حصوله ، إذ منه يستكشف العقل الخطاب الطريقي المزبور.

(٧) وهي المسائل العقلية التي يتوقف حكم العقل فيها على سبق حكم شرعي في مواردها ، ويكون الحكم الشرعي بمنزلة الموضوع له كمسألتي وجوب مقدّمة الواجب والإجزاء ونحوهما ، في قبال‌

٢٢٠