الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

وغيرها أنّه كان ذا وبر نفيس يعمل منه الثياب الثمينة (١) بألوان مختلفة ويصنع منه حتى العمامة والقميص والقلنسوة (٢) ، وكان يغشّ بوبر الأرانب لقربه منه في الخلقة ، ويظهر من التواريخ أنّه كان في صدر الإسلام إلى أواسط عصر العباسيين متداولا (٣)

__________________

(١) يستفاد ذلك من أخبار الباب العاشر من أبواب لباس المصلي من الوسائل الدالة على أنّه كان يشترى المطرف أو الكساء بخمسين دينارا والجبّة به أو بخمسمائة درهم.

(٢) مضافا إلى الجبّة والمطرف والطيلسان والكساء والبرنس ، ويستفاد ذلك من أخبار البابين الثامن والعاشر من أبواب لباس المصلي من الوسائل ، وفي صحيحة زرارة : إنّ ابنا لأبي عبد الله عليه‌السلام فطيما درج فمات ، فخرج أبو جعفر عليه‌السلام وعليه جبة خزّ صفراء وعمامة خزّ صفراء ومطرف خزّ أصفر ـ الحديث ـ ( الوسائل الباب ١٥ من أبواب صلاة الجنازة ـ الحديث ١ ) ، وفي موثّقته قال : ثقل ابن لجعفر عليه‌السلام وأبو جعفر عليه‌السلام جالس. إلى أن قال :

ولبس ـ أي أبو جعفر عليه‌السلام ـ جبة خز ومطرف خز وعمامة خز ـ الحديث ـ ( الوسائل الباب ٨٥ من أبواب الدفن ـ الحديث ٦ ) ، وفي مرسلة الحسين بن يزيد عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إن علي بن الحسين عليه‌السلام استقبله مولى له في ليلة باردة وعليه جبة خز ومطرف خز وعمامة خز ـ الحديث ـ ( الوسائل الباب ٢٣ من أبواب أحكام المساجد ـ الحديث ١ ) ، وفي حديث دعبل : أن الرضا عليه‌السلام خلع عليه قميصا من خزّ وقال له : احتفظ بهذا القميص فقد صلّيت فيه ألف ليلة ألف ركعة وختمت فيه القرآن ألف ختمة ( الوسائل الباب ٣٠ من أبواب أعداد الفرائض ـ الحديث ٧ ) ، هذا وفي جملة من الروايات أنّه أصيب الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء وعليه جبة خز.

(٣) في مجمع البحرين : قيل وقد كانت في أول الإسلام إلى وسطه كثيرة جدا.

٦١

كالطرمة (١) في هذه الأعصار ، والظاهر أنّه لا عين ولا أثر لتلك الأثواب ولا لذلك الحيوان في الأعصار المتأخرة أصلا ، بل يظهر من العبارة المحكية عن الشهيد أنّه كان في تلك الأزمنة (٢) أيضا من النادر أو المعدوم.

وأمّا ما يسمّى بهذا الاسم في عصرنا فلا يخفى أن وبره قليل جدا ، والظاهر أنّه بمعزل عن تلك المكانة واللياقة ، فهو إما صنف ممّا كان يسمّى بهذا الاسم (٣) أو نوع آخر (٤) سمّي ـ بعد انقراض ذلك الحيوان ـ باسمه.

وقد يوجّه الاحتمال الأول بأصالة عدم النقل (٥) ، فإن رجع‌

__________________

(١) معرّب ( ترمه ) كلمة فارسية يوصف بها بعض الأقمشة الناعمة الثمينة وبعض أوراق القراطيس الصقيلة الشفافة ، وتتخذ من نوع من الوبر الناعم النفيس.

(٢) أي في زمان الشهيد قدس‌سره ، ولعل المراد بالعبارة المحكية عنه ما حكي عن حاشيته على القواعد من قوله : سمعت بعض مدمني السفر يقول إنّ الخز هو القندس ، قال : وهو قسمان ذو ألية وذو ذنب ـ إلخ ـ ( الجواهر ٨ : ٩٢ ) ، حيث يستشعر منها عزّة وجود الحيوان وندرته.

(٣) فيكون المسمّى بالخز نوعا واحدا ذا صنفين : أحدهما ما هو موجود في عصرنا من القليل الوبر ، والثاني ما كان موجودا في زمان صدور الروايات من الكثير الوبر والنفيسة ، وعليه فإطلاق اللفظ على الموجود في عصرنا استعمال له في معناه الأصلي من غير نقل.

(٤) وعليه فيكون لفظ الخز من قسم المنقول.

(٥) اختاره في الجواهر ( ٨ : ٩١ ) ونسبه إلى جزم أستاذه في كشف الغطاء ،

٦٢

إلى التشبّث بالأصل العملي المصطلح عليه بالاستصحاب القهقرى (١) ففساد دعوى حجّيته من أصلها ، وكونه في المقام من أظهر أنواع المثبت (٢) ظاهر ، وكذا لو رجع إلى التشبث بها بما هي من الأصول اللفظية أيضا ، لأنّ ما يحرز بهذا الأصل (٣) إنما هو عدم‌

__________________

والموجود في الكشف قوله : والظاهر أن المدار على ما يتداول عليه إطلاق الاسم بين التجار. وخالف في ذلك المجلسي رحمه‌الله ، قال في البحار ( ٨٣ : ٢٢٠ ) : وكون أصل عدم النقل في مثل ذلك حجة في محل المنع.

(١) بأن يقال : إن مقتضى الاستصحاب المذكور أن المعنى المتيقن الفعلي للفظ يجرّ الى الزمان السابق المشكوك فيه ويبنى على أنّه كان هو معناه بعينه في ذلك الزمان فلا نقل.

(٢) فإنّه لو فرض قيام الدليل على حجيته أصلا عمليا فإجراؤه لإحراز المعنى السابق وترتيب الحكم الثابت لذلك المعنى على المعنى الفعلي من أظهر أنحاء الأصول المثبتة ، لتوقفه على توسط اتحاد المعنيين وكون الموضوع الفعلي للحكم هو الموضوع السابق وهذا لازم عقلي للمستصحب ـ كما هو ظاهر.

(٣) تعليل لعدم حجية الأصل اللفظي المذكور ، وتوضيحه أن مورد جريان أصالة عدم النقل اللفظية ينحصر فيما إذا علم المعنى الأصلي للفظ وشك في معناه الفعلي ناشئا من احتمال أن يكون قد طرأ عليه معنى غير معناه الأصلي فيكون منقولا منه إليه بوضع جديد ، فيبني بمقتضى هذا الأصل العقلائي على عدم طرو النقل وبقاء المعنى الأوّل وبموجبه يحمل اللفظ في استعمالاته عليه ، ولا يكاد يجري فيما إذا علم المعنى الفعلي للفظ بعينه وتردّد أمره بين كونه هو المعنى الأصلي له أو أنّه غيره وقد نقل‌

٦٣

طروّ معنى آخر للفظ غير ما علم وضعه له * ، لا أنّ ما علم أنّه معنى اللفظ غير منقول عمّا علم أنّه أيضا كان معناه وهو مشترك بينهما بالاشتراك المعنوي أو اللفظي (١) ، وهل هو إلاّ نظير ما ينسب إلى المرتضى قدس‌سره من التمسك بأصالة الحقيقة في كلّ ما علم استعمال اللفظ فيه (٢).

نعم يستبعد جدا (٣) أن يسمّى نوع من الحيوان باسم نوع آخر بعد انقراضه ، فأحدس من ذلك صحة ما حكاه الشهيد في محكيّ‌

__________________

منه إليه بوضع آخر ، أو تردّد أمره بين كونه أحد المعنيين الأصليين واللفظ مشترك بينهما اشتراكا لفظيا أو كونه مندرجا تحت المعنى الأصلي الجامع على نحو الاشتراك المعنوي وبين كونه مباينا للمعنى الأصلي منقولا إليه بوضع جديد ، لعدم ثبوت بناء العقلاء على عدم النقل في هذه الموارد.

(١) كما هو المدعى في المقام ، حيث يراد إحراز أن الموجود في هذا العصر صنف مما كان يسمى بالخز أو أحد معنييه بأصالة عدم النقل.

(٢) وقد ذكر في محله أنّه لم يثبت بناء العقلاء ـ فيما إذا علم المعنى المستعمل فيه وشك في المعنى الحقيقي ـ على الأصل المذكور لتشخيص الوضع وأن المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي ، وإنما الثابت جريانه لتشخيص المراد فيما علم المعنى الحقيقي وشك فيما استعمله فيه المتكلم وأراده ـ ولم ينصب قرينة على المجاز.

(٣) مقصوده قدس‌سره أن الاحتمال الأول المتقدم وإن لم يثبت بأصالة عدم النقل ـ كما عرفت وجهه ـ إلاّ أنه في نفسه أقرب إلى الحدس من الثاني ، فإنّ باب التسمية مفتوح وأمرها هيّن ولا داعي لأن يسمى نوع من الحيوان باسم نوع آخر مباين له بعد انقراضه ولا يسمى باسم يخصّه.

__________________

(*) كلمة ( له ) غير موجودة في الطبعة الاولى وضعناها لاقتضاء السياق.

٦٤

حواشي القواعد عن بعض مدمني السفر أنه كان نوعين أحدهما ذو ألية والآخر ذو ذنب (١) ، فالنوعان حينئذ كالضأن والمعز بالنسبة إلى عنوان الغنم ـ مثلا ـ أو الشاة ، والنوع الأول هو المنقرض وهو الذي كان ذا وبر فاخر تعمل منه تلك الثياب ، والآخر هو الباقي والمتداول في هذه الأعصار ، ويرتفع توهّم التنافي بين الروايات أيضا بذلك ، ففي بعضها : إنه لا يعيش خارج الماء وإذا فقده مات ، وفي بعضها : إنّه سبع يرعى في البرّ ويأوي في الماء (٢) ، وفي الجواهر : (٣) إن المعروف بين التجّار أن المسمّى بالخز الآن دابة تعيش في البرّ ولا تموت بخروجها من * الماء (٤). لكن حيث لم يثبت ذلك بحجّة‌

__________________

(١) لكن فيه بعد ما ذكر ـ على ما في الجواهر ( ٨ : ٩٢ ) ـ هذه العبارة :

( فذو الألية الخزّ وذو الذنب الكلب ) ، وظاهرها اختصاص اسم الخز بذي الألية كاسم الضأن ، لا عمومه للنوعين ليكون كاسم الغنم والشاة.

(٢) فتحمل الطائفة الأولى على النوع الأول المنقرض ، والثانية على الثاني بقرينة العبارة الآتية من الجواهر ، هذا. وفي الوافي ( ٥ : ٤١٠ ) ـ وتبعه فيه صاحب الحدائق ( ٧ : ٦٧ و ٦٨ ) ـ وفّق بين الطائفتين بأن المراد بما دلّ على أنه يموت بخروجه من الماء أنه يموت إذا فارق الماء زمانا طويلا لا بمجرد خروجه منه كالسمك ، فلا ينافي ما دلّ على أنه يرعى في البرّ ، ونحوه صنع في الجواهر ( ٨ : ٩١ ).

(٣) ( الجواهر ٨ : ٩١ ) ، وأصل العبارة مأخوذة من بحار المجلسي رحمه‌الله ( ٨٣ : ٢٢٠ ).

(٤) وهذا هو النوع الثاني الباقي في هذه الأعصار.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( بخروجه عن ) والصحيح ما أثبتناه.

٦٥

معتبرة (١) فجواز الصلاة في جلود الخز المتداولة لا يخلو عن اشكال (٢).

وأمّا السنجاب فالظاهر أن المشهور بين القدماء عدم جوازها فيه ، لكن المعروف بين المتأخرين هو الجواز (٣) ، وتقدّم بعض ما يدلّ على ذلك (٤) ، وتدلّ عليه روايات أخر مستفيضة (٥) ، لكن قد انضمّ إليه في جميعها ما لم يعمل الأصحاب بالرخصة فيه وحملوها على التقيّة (٦).

فروى علي بن راشد (٧) في الصحيح عن أبي جعفر عليه‌السلام قال :

__________________

(١) إذ لا يزيد ذلك كله على مجرد الحدس والظن الذي لا يغني من الحق شيئا.

(٢) لعدم ثبوت كون الموجود في هذه الأعصار قسما من الخز المستثنى من عموم المانعية ، والمرجع مع الشك هو العموم المذكور.

(٣) قال في مفتاح الكرامة ( ٢ : ١٣٧ ) : والشهرة المنقولة على الجواز معارضة بمثلها بل نكاد نقطع بأن المنع مشهور بين المتقدمين كما أن الجواز مشهور بين المتأخرين ، انتهى موضع الحاجة.

(٤) أي على الجواز ، والمراد به رواية علي بن أبي حمزة المروية في الباب ٣ من أبواب لباس المصلي من الوسائل ـ الحديث ٣ ، ورواية مقاتل ابن مقاتل المروية في نفس الباب ـ الحديث ٢ ، والمشتملتان على التعليل بأنه ـ أي السنجاب ـ دابة لا تأكل اللحم ، ويأتي أن هاتين الروايتين سليمتان عما يرد على غيرهما من روايات السنجاب المرخصة من اشتمالها على ما علم كون الرخصة فيه للتقية.

(٥) غير الروايتين المشار إليهما آنفا.

(٦) لذهاب العامة إلى جواز الصلاة في أجزاء غير المأكول مطلقا وأنه لا مانعية من هذه الناحية.

(٧) كذا في نسخة الكتاب المطبوعة ، والجواهر ( ٨ : ٩٧ ) ، وفي المنتقى‌

٦٦

« صلّ في الفنك والسنجاب ، فأمّا السّمور فلا تصلّ فيه » قلت : في الثعالب تصلّى فيها؟ قال : « لا ولكن تلبس بعد الصلاة » ، وروى الحلبي (١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الفراء والسّمور والسنجاب والثعالب وأشباهه ، فقال : « لا بأس بالصلاة فيه » ، وروى علي بن جعفر (٢) ـ كما عن قرب الإسناد ـ عن أخيه موسى عليه‌السلام

__________________

( ١ : ٤٥٨ ) نقل عن المعتبر والمنتهى والذكرى والروض أنهم أوردوا الخبر كذلك ـ أي عن علي بن راشد ـ وتعجّب هو منه نظرا إلى اتفاق نسخ التهذيب والاستبصار التي رآها ـ ومنها ما عليه خط الشيخ رحمه‌الله ـ على إسناد الرواية إلى أبي علي بن راشد المسمى بالحسن ، هذا ونظيره اتفاق الطبعات الحديثة من الكافي والتهذيبين والوسائل على ذلك ، وعليه فالصحيح هو ما ذكر وباعتباره توصف الرواية بالصحة ، إذ على تقدير كونه علي بن راشد لا يستقيم وصفها بها ـ كما جاء هنا في المتن وفي كلام الشهيدين ـ لجهالته وعدم ذكره في كتب الرجال. والمراد بأبي جعفر هو الجواد عليه‌السلام ، وقد أورد في الوسائل صدر الرواية في الباب ٣ من أبواب لباس المصلي ـ الحديث ٥ ، وذيلها في الباب ٧ منها ـ الحديث ٤.

(١) وهي أيضا صحيحة كسابقتها ، والظاهر أن العباس في السند هو ابن معروف ـ الثقة ـ ، ويحتمل ـ كما يظهر بالمراجعة ـ أن يكون هو الورّاق وهو أيضا موثّق ، والرواية أوردها في الوسائل في الباب ٤ من الأبواب المذكورة ـ الحديث ٢.

(٢) رواه الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر ، راجع الباب المتقدم من الوسائل ـ الحديث ٦ ، ونص الحديث ( قال : سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك فقال : لا يلبس ولا‌

٦٧

الرخصة في السمّور والسنجاب والفنك إذا كان ذكيّا ، وروى الوليد ابن أبان (١) عن الرضا عليه‌السلام الرخصة في الفنك والسنجاب ، وروى يحيى بن عمران (٢) عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام الرخصة في السنجاب‌

__________________

يصلى فيه إلاّ أن يكون ذكيا ) ، وفي السند عبد الله بن الحسن الذي لم تثبت وثاقته ، لكنّه رواه علي بن جعفر عليه‌السلام في كتاب مسائله عاطفا القاقم على المذكورات ( كما في المستدرك الباب ٣ من لباس المصلي ـ الحديث ٢ ) وإن كان في نسخة البحار ( لا بأس ) بدل ( لا يلبس ) ( ١٠ : ٢٦٩ ) ، وعليه فتصبح الرواية معتبرة بناء على اعتبار كتاب علي بن جعفر عليه‌السلام المدرج في الوسائل والبحار ، وقد يناقش في ذلك بأنه لا يكفي صحة طريق صاحبي البحار والوسائل إلى الكتاب إجازة ولا يثبت بمجردها صحة النسخة التي وصلت إليهما منه ـ ما دام لم يكن تحمّل روايتهما له على نحو المناولة كما هو الظاهر فضلا عن السماع أو القراءة ـ ، والكتاب لم يكن من الكتب المشهورة المعروفة المتداولة بين الناس والتي تتناولها الأيدي نسخا وقراءة وعملا كي يكون اشتهاره كاشتهار الكتب الأربعة ونحوها في استغنائه عن تصحيح النسخة وانتسابها إلى صاحبها ، ومجرد اعتماد صاحب الوسائل مثلا على النسخة التي كانت بيده ونقل عنها في وسائله لا يجدي في صحتها عندنا ، هذا وللبحث مقام آخر.

(١) قال قلت للرضا عليه‌السلام : أصلي في الفنك والسنجاب؟ قال : نعم ، فقلت : يصلى في الثعالب إذا كانت ذكية؟ قال : لا تصلّ فيها ( الوسائل الباب ٣ ـ الحديث ٧ ، والباب ٧ ـ الحديث ٧ ) والوليد هذا مجهول.

(٢) والصحيح ( بن أبي عمران ) ـ كما في الفقيه والوسائل ، قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه‌السلام في السنجاب والفنك والخز ، وقلت : جعلت فداك‌

٦٨

والفنك والخزّ ، وروى بشر بن بشّار (١) الرخصة في السنجاب‌

__________________

أحبّ أن لا تجيبني بالتقية في ذلك ، فكتب بخطّه إلي : صلّ فيها ( الوسائل الباب ٣ ـ الحديث ٦ ) ، وفي طريق الصدوق إلى يحيى محمّد بن علي ماجيلويه الذي لم يوثّق صريحا ، ويحيى نفسه أيضا كذلك.

(١) كما في الجواهر ( ٨ : ٩٧ ) أو يسار ـ كما في الوافي والحدائق ( ٧ : ٦٩ )ـ ، أو بشير بن بشار ـ كما في التهذيب ( ٢ : ٢١٠ ) والوسائل ـ ، أو يسار ـ كما في الاستبصار ( ١ : ٣٨٤ )ـ ، وأيا كان اسمه فهو مجهول ، والراوي عنه داود الصرمي غير موثق ، ومتن الحديث : سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أصلي فيه لغير تقية؟ قال فقال : « صلّ في السنجاب والحواصل الخوارزمية ولا تصلّ في الثعالب ولا السمور » ( الوسائل الباب ٣ ـ الحديث ٤ ) ، هذا.

ويلحق بما ذكر من الروايات صحيحة علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال : « لا بأس بذلك » ـ الشاملة للسنجاب بقوله : « وجميع الجلود » ـ ، وصحيحة الريان بن الصلت قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن لبس الفراء والسمور والسنجاب والحواصل وما أشبهها. الى أن قال : فقال : « لا بأس بهذا كلّه إلاّ بالثعالب » ( الوسائل الباب ٥ ـ الحديث ١ و ٢ ) ، فإنهما وإن لم يصرّح فيهما بالصلاة سؤالا وجوابا إلاّ أن الظاهر منهما ذلك بقرينة مفروغية جواز لبس الجميع تكليفا ، ويأتي منه قدس‌سره نظير هذا الاستظهار من رواية مكارم الأخلاق ، فانتظر.

والظاهر أن المراد بالفراء في الصحيحتين وفي صحيحة الحلبي ورواية‌

٦٩

والحواصل الخوارزمية والمنع عن الثعالب والسمور.

وهذه الروايات وإن اشتملت الاولى منها والأخيرة على المنع عن الثعالب والسمور وهو ينافي التقيّة ، لكن لمّا كانت الرخصة في جميعها شاملة لما لم يعمل الأصحاب بالرخصة فيه وتبيّن أنها للتقيّة (١) ولم يكن المنع عن الثعالب والسمور في الروايتين منافيا لذلك (٢) لكونه من الجمع بين التقية وعدمها كي لا تعرف الشيعة بأعيانهم (٣) ، فلا يبقى لها ظهور في كونها مسوقة لبيان الحكم النفس‌

__________________

بشر المتقدمتين هو حمار الوحش بقرينة عطف السمور والسنجاب ونحوهما عليه ، وهو مهموز اللام على وزن فعل وفعال كجبل وسحاب وجمعه فراء كجبال ، ومنه المثل المعروف ( كلّ الصيد في جوف الفرأ ) ، إذن فهو غير الفراء المعروف جمع فروة المعتلة اللام ، فلا تشتبه ، وعليه فهو من محلل الأكل ويجوز الصلاة فيه مطلقا.

(١) فالرخصة في صحيحة ابن راشد شاملة للفنك ، ونحوها روايتا الوليد ويحيى ، وفي صحيحة الحلبي للسمور والثعالب وأشباهها ـ كالأرانب مثلا ـ ، وفي رواية عليّ بن جعفر للسمور والفنك ، وفي رواية بشر للحواصل الخوارزمية ، ولم يقل الأصحاب ـ إلاّ من شذ ـ بالرخصة في هذه الأمور وحملوها على التقية.

(٢) أي لكون الرخصة في بعضها الآخر للتقية وهي الفنك في الرواية الاولى والحواصل في الأخيرة ، وهذا دفع لما قد يسبق إلى الذهن من المنافاة بين الأمرين.

(٣) فإنهم إذا اجتمعوا على أمر واحد عرفوا فأخذ برقابهم فكان اختلافهم فيما بينهم خيرا لهم وأبقى ـ كما دلّت عليه جملة من الأخبار أوردها صاحب الحدائق رحمه‌الله في المقدمة الاولى من مقدمات كتابه ( الحدائق ١ : ٥ إلى ٧ ) ، وقد سئل الصادق عليه‌السلام في بعضها عن اختلاف أصحابه فأجاب عليه‌السلام بأنه أمرهم بهذا.

٧٠

الأمري بالنسبة إلى السنجاب ، كيف وليست هي (١) إلاّ جملة واحدة وليس لها إلاّ ظهور واحد في الجميع ، ولا سبيل إلى دعوى كونه هو‌

__________________

(١) غرضه قدس‌سره إبطال دعوى التفكيك بين ما علم كون الرخصة فيه تقية كالسمور والفنك وبين غيره كالسنجاب ليؤخذ في الثاني بأصالة جهة الصدور وظهور سوق الكلام لبيان الحكم الواقعي ، وجه البطلان أنه إذا كان الصادر جملة واحدة فهي لا تخلو إما أن تكون برمّتها صادرة لبيان الحكم الواقعي بأن لم يكن المقام مقام تقية أو لا تكون كذلك والمقام مقام التقية ، ولا ثالث لهما ، إذ لا يعقل التبعيض وإن كان في مثل ( صلّ في الفنك والسنجاب ).

فإن قلت : لو فرض أن الحكم الواقعي في السنجاب هو الرخصة وفي الفنك هو عدمها وكان المقام مقام التقية فلا محيص عن الفتوى بالرخصة فيهما ، أما في الثاني فلكونها مقتضى التقية ، وأما في الأول فلعدم منافاتها للتقية ، إذن فكون المقام مقام التقية لا يقتضي كون جميع ما اشتملت عليه الجملة الواحدة صادرة تقية ومخالفة للحكم النفس الأمري.

قلت : نعم لكن غايته عدم اقتضاء المخالفة والمطلوب إحراز عدمها ، ولا سبيل إلى إحرازه إلاّ بأصالة الجهة والمفروض أنها انهدم أساسها وتفوّضت أركانها باشتمال الكلام على ما علم كونه تقية ، هذا.

لكن قد يقال : إنه قدس‌سره قد التزم في تعارض العامين من وجه بجواز الترجيح بمخالفة العامة وطرح الموافق لهم بالنسبة إلى مورد الاجتماع ، لا مطلقا لعدم المعارضة بينهما في مادة افتراقه ، ومقتضاه التفكيك في العموم بحسب مدلوله فيؤخذ ببعض مدلوله على أنه الحكم الواقعي ويترك البعض الآخر ويحمل على التقية ، وإذا جاز التبعيض بالنسبة إلى مدلول العام جاز في مثل ( صلّ في الفنك والسنجاب ) بطريق أولى ، فتبصّر.

٧١

الحكم النفس الأمري بعد اليقين بخلافه (١) ، ولا إلى إجراء وجه الصدور مجرى الإطلاق مثلا أو العموم (٢) في لزوم الأخذ بالباقي بعد التخصيص ، مضافا إلى كونه في المقام من قبيل التخصيص بالأكثر (٣) ـ كما لا يخفى.

وينحصر (٤) ما يسلم عن هذا المحذور (٥) بما تقدّم من رواية ابن أبي حمزة ورواية مقاتل ، ويمكن الاستدلال له أيضا بما عن مكارم الأخلاق (٦) قال : سئل الرضا عليه‌السلام عن جلود الثعالب‌

__________________

(١) أي بخلاف الحكم النفس الأمري ، وذلك بالنسبة إلى ما علم كون الرخصة فيه للتقية.

(٢) بأن يقال : كما أن أصالة العموم أو الإطلاق يؤخذ بها بالنسبة إلى الباقي بعد التخصيص ، كذلك أصالة الجهة يرجع إليها في غير ما علم خروجه منها. وجه الفساد ما عرفت من أن الأصل المزبور غير قابل للتبعّض والانحلال ، بخلاف الأصول اللفظية ، فالقياس مع الفارق.

(٣) فيما إذا كان ما علم خروجه من أصالة الجهة أكثر مما بقي تحتها ـ كما في صحيحة الحلبي ورواية علي بن جعفر عليه‌السلام ـ ، فلاحظ.

(٤) لمّا فرغ قدس‌سره من النقاش في نصوص السنجاب التي انضمّ إليه فيها غيره وأسقطها عن درجة الاعتبار تطرّق قدس‌سره لمعالجة نصوصه الخاصة السالمة عن تلك المناقشة ـ مع الغض عن مناقشتها السندية أو البناء على صحتها من هذه الناحية ـ بإيرادها أولا ثم إيراد ما يعارضها من نصوص المنع ثم العلاج ، فانتبه.

(٥) وهو شمول الرخصة لما علم كونها فيه للتقية.

(٦) رواه عنه في الوسائل في الباب ٤ ـ الحديث ٥ ، والرواية مرسلة.

٧٢

والسنجاب والسمّور ، فقال : « قد رأيت السنجاب على أبي ونهاني عن الثعالب والسمّور » ، بناء على ظهور السؤال وكذلك النهي أيضا في كونه عن الصلاة فيها بعد المفروغيّة عن جواز لبس الجميع.

وكيف كان ، فينحصر النص بعدم جوازها فيه ـ فيما وصل إلينا ـ بما عن الفقه الرضوي (١) قال : « ولا تجوز الصلاة في سنجاب ولا سمّور » ، وقد عدّ عموم الموثّقة أيضا ـ باعتبار وروده جوابا عن سؤال زرارة عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ـ نصّا في الثلاثة ، ومعارضا للرخصة فيها ـ بناء على ما هو المتسالم عليه من نصوصيّة العام في مورده وكونه معارضا لما يخصّصه بما عداه (٢).

__________________

(١) أورده في المستدرك في الباب ٤ من أبواب لباس المصلي ـ الحديث ٢ ، لكن الكتاب المذكور وإن تشرّف بالانتساب إليه عليه‌السلام لا يصلح للتعويل على ما يتضمّنه ، وسيأتي منه قدس‌سره تفصيل الحال فيه في مقام آخر ، هذا. وما أفاده قدس‌سره من انحصار النص بعدم الجواز في السنجاب بذلك ناش من غضّ الطرف عن رواية أبي حمزة ـ وقد تقدمت الإشارة إليها في كلامه قدس‌سره سابقا ـ قال : سأل أبو خالد الكابلي علي بن الحسين عليهما‌السلام عن أكل لحم السنجاب والفنك والصلاة فيهما ، فقال أبو خالد : إن السنجاب يأوي الأشجار ، فقال : « إن كان له سبلة كسبلة السنّور والفأر فلا يؤكل لحمه ولا تجوز الصلاة فيه ـ الحديث ـ » لكن سندها ضعيف ، فليراجع الباب ٤١ من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(٢) يعني معارضا للدليل الذي يخرج منه المورد فيعامل معهما معاملة المتعارضين ، لا معاملة العام ومخصّصة ، لكن يظهر من بعضهم عدم‌

٧٣

والظاهر أنّ الشهرة القدمائية في المنع عن الصلاة في السنجاب مبنيّة على ذلك (١) ، فإنّ الفنك أيضا (٢) قد استفاضت الرخصة فيه ـ كما‌

__________________

تسليم هذه القاعدة بالنسبة إلى أمثال المقام وأن الموثقة لا نصوصية لعمومها في الثلاثة ، ففي المدارك ( ٣ : ١٧١ ) نقل عن المعتبر تخصيصه عموم الموثّقة بخبر ابن راشد ، ولم يرتضه هو بل اختار النصوصيّة والتعارض ، واختار صاحب مفتاح الكرامة ـ على ما في هامشه ـ ( الصلاة ١٣٦ ) التخصيص ، وكذلك صاحب الجواهر ( ٨ : ١٠٠ ) ، فلاحظ.

(١) أي على المبنى المذكور من نصوصية العام في المورد ، فيقع التعارض بينه وبين ما دل على الرخصة في خصوص السنجاب كروايتي ابن أبي حمزة ومقاتل ، ويرجّح الأول عليه لكونه أقوى سندا أو لتقديم ما خالف العامة على ما وافقهم.

(٢) بيان لوجه الاستظهار المذكور ، محصّله أنه في الفنك لم يرد نصّ خاصّ بالمنع ـ كما ورد في السنجاب ـ فانحصر دليل المنع فيه بعموم الموثقة ، أما نصوص الرخصة فيه فمستفيضة ـ كما سمعت ـ ومع ذلك لم يعملوا بها وبنوا على المنع فيه ، وهذا يكشف عن بنائهم على نصوصية عموم الموثقة بالنسبة إلى موارده الثلاثة ومعارضته لنصوص الرخصة ، إذ لو لا ذلك لخصّصوا العموم بتلك النصوص.

فإن قيل : لعل الوجه في ذلك أنّ نصوص الرخصة جميعها قد ذكر فيها ما علم صدوره تقية فسقطت أصالة الجهة فيها بالنسبة إلى الفنك أيضا بالتقريب المتقدم ، وأصبح العموم هو المرجع مطلقا وإن لم نقل بنصوصيته في المورد.

قلنا : هذا لا يتم فيما انضمّ إليه فيه السنجاب فقط كصحيحة ابن راشد ، إذ المفروض أن السنجاب لم يثبت كون الرخصة فيه للتقية ، هذا.

٧٤

عرفت ـ ، ومع خلوّ النصوص الخاصّة عمّا يعارضها (١) لم يعملوا بتلك الرخصة ، لما في ذلك العموم من النصوصية بالنسبة إلى موارده الثلاثة ، خصوصا مع عدم اكتفاء الإمام عليه‌السلام (٢) على ما كان بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتفريعه الشرطية في كلا طرفي الجواز والعدم على تلك الكلّية. ولا يخفى أنّ جوازها في السنجاب وإن ذهب إليه أساطين المتأخّرين (٣) ، ولم يكن‌

__________________

لكن يبقى في المقام قوة احتمال أنهم ـ قدّس الله أسرارهم ـ عرفوا بالقرائن كون جميع النصوص المرخّصة الواردة في هذا الباب صادرة تقية وساقطة حجية ، فأخذوا بالعموم لانتفاء المخصص لا لنصوصيته في مورده.

(١) قد يقال : إن ما رواه في مستطرفات السرائر ( السرائر ٣ : ٥٨٣ ) نقلا من كتاب مسائل الرجال لمحمّد بن علي بن عيسى يدل على عدم جواز الصلاة في الفنك لغير تقية ، لقوله عليه‌السلام أولا : « لا أحب الصلاة في شي‌ء منه » ـ أي من الوبر ـ ، ثم قوله عليه‌السلام جوابا عن السؤال عمّا يصنعه حال الضرورة والتقية : « تلبس الفنك والسمور » ( الوسائل الباب ٤ من لباس المصلي ـ الحديث ٣ ) ، ولا يبعد أن يكون صاحب الكتاب محمّد بن علي بن عيسى القميّ الممدوح أو الموثق ، كما قد يحاول إخراج روايات المستطرفات عن الإرسال من جهة اتصال طريق ابن إدريس إلى كتب الشيخ قدس‌سره ـ بما فيها الفهرست وغيره ـ ثم طريق الشيخ إلى تلك الروايات ، لكنّ طريقه قدس‌سره في الفهرست إلى كتاب القمي المذكور ضعيف ، على أن السند أيضا لا يخلو عن ضعف ، فليراجع.

(٢) فإنّه عليه‌السلام لم يكتف بإراءة زرارة إملاءه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى فرّع عليه بقوله : فإن كان. الحديث ، تأكيدا للكليّة المملاة.

(٣) كالفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني ونظائرهم ، بل عن المنظومة إرسال الإجماع عليه.

٧٥

الدليل عليه منحصرا بما تقدّم قصوره عن الدلالة على الرخصة النفس الأمريّة ـ كما في الفنك (١) ـ إلاّ أنّ عدم عمل القدماء بذلك الدليل (٢) يورث فيه وهنا لا ينجبر بعمل المتأخّرين في المقام (٣) ونظائره مما‌

__________________

(١) ظاهره أنه مثال للمنفي وأن الدليل فيه منحصر بما هو قاصر جهة ، نظرا إلى أنه لا دليل على الرخصة فيه وحده ـ كما هو موجود في السنجاب ـ ، ويمكن مناقشته بما ذكر آنفا من أن صحيحة ابن راشد المتقدمة اقتصرت في الترخيص على السنجاب والفنك ، ولم يثبت كون الترخيص في شي‌ء منهما للتقية ـ لا سيّما مع التصريح فيها بالنهي عن الصلاة في السمور والثعالب ـ ، وعليه فلم ينثلم أصالة الجهة فيها وكان وزانها وزان نصوص السنجاب الخاصة ، ونحوها ما رواه في الكافي فإنه بعد إيراده رواية سفيان بن السمط قال : قال وقرأت في كتاب محمّد بن إبراهيم إلى أبي الحسن عليه‌السلام يسأله عن الفنك يصلى فيه؟ فكتب : لا بأس به ، ـ الحديث ـ ( الكافي ٣ : ٤٠١ ، والوسائل الباب ٤ من أبواب لباس المصلي ـ الحديث ٤ ) ، والظاهر أنّ قائل ( وقرأت. ) هو علي بن إبراهيم المصدّر به رواية ابن السمط ، هذا. لكنّ ما سيذكره قدس‌سره في السنجاب من إعراض قدماء الأصحاب جار في الفنك بلا ارتياب ، بل الإعراض فيه أتمّ وأعمّ.

(٢) يعني به النصوص الخاصة الواردة في السنجاب غير القاصرة جهة كروايات ابن أبي حمزة ومقاتل ومكارم الأخلاق المتقدمة.

(٣) الظرف إما متعلق بـ ( لا ينجبر ) ، ومقتضاه أنه إذا رجع الوهن إلى جهة الدلالة انجبر بعمل المتأخرين ، أو متعلق بـ ( وهن ) ، يعني أنّ إعراض القدماء عنه يورث فيه وهنا فيما لا يرجع إلى الدلالة بل إلى السند أو إلى جهة الصدور ، وهذا وهن لا ينجبر بعمل المتأخرين. والثاني هو المتعين ، فإنه قدس‌سره لا‌

٧٦

لا يرجع إلى جهة الدلالة ، فالإنصاف أن المسألة في غاية الإشكال.

وأمّا سائر ما وردت الرخصة فيه كالأرانب والثعالب والسمّور والحواصل الخوارزميّة وغيرها (١) فقد ورد المنع أيضا عن جميعها حتى في الخزّ المغشوش بوبر الأرانب (٢) ، وعليه بنى‌

__________________

يرى انجبار السند بعمل المتأخرين فكيف بالدلالة ، هذا ومقتضى هذا الكلام أنه قدس‌سره يخصّ موهنيّة إعراض القدماء بالسند دون الدلالة ، وظاهر تقريرات درسه قدس‌سره أنه كان يختاره سابقا ثم رجع عنه ( راجع أجود التقريرات ٢ : ١٦١ ).

(١) كالفنك والقاقم ، وقد سمعت بعض الروايات المرخّصة للفنك والسمور والثعالب وأشباهه والحواصل ، أضف إليها صحيحة جميل المرخّصة للثعالب ( الباب ٧ من لباس المصلي من الوسائل ـ الحديث ٩ ) ، ونحوها رواية الحسن بن شهاب ( نفس الباب ـ الحديث ١٠ ) ، ورواية عبد الرحمن بن الحجاج المرخصة لها وللخوارزمية ـ على نسخة الاستبصار ـ أو الجرز ـ على نسخة التهذيب ـ ( نفس الباب ـ الحديث ١١ ) ، وصحيحة محمّد بن عبد الجبار المرخصة للتكّة من وبر الأرانب ( الباب ١٤ ـ الحديث ٤ ) ، ورواية بشير بن بشار المرخصة للخز المغشوش بوبر الأرانب ونحوها رواية داود الصرمي ( الباب ٩ ـ الحديث ٢ ).

(٢) فصحيحة سعد بن سعد الأشعري منعت عن السمور ( الباب ٤ ـ الحديث ١ ) ، وصحيحة ابن راشد المتقدمة منعت عن السمور والثعالب ونحوها روايات مقاتل وبشر بن بشار ومكارم الأخلاق المتقدمة والتوقيع المروي عن أحمد بن أبي روح الآتية ، وصحيحة علي بن مهزيار منعت عن الأرانب ( الباب ٧ ـ الحديث ٣ ) ونحوها رواية أحمد بن إسحاق الأبهري ( نفس الباب ـ الحديث ٥ ) ، وصحيحة محمّد بن مسلم منعت‌

٧٧

العصابة (١) ، ولم يلتفتوا إلى الرخصة في شي‌ء منها حيث عرفوا أنّها‌

__________________

عن الثعالب ( الباب ٧ الحديث ١ ) ونحوها رواية الوليد المتقدمة ورواية جعفر بن محمّد بن أبي زيد ومرسلة علي بن مهزيار ( نفس الباب ـ الحديث ٦ و ٨ ) ، ورواية علي بن جعفر في كتابه منعت عن الثعالب والسنانير ( المستدرك الباب ٧ من لباس المصلي ـ الحديث ٤ ) ، ومرفوعتا أيوب بن نوح وأحمد بن محمّد منعتا عن الخز المغشوش بوبر الأرانب وما يشبهها ( الباب ٩ ـ الحديث ١ ) ، وعن الفقه الرضوي : « وصلّ في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب » ( المستدرك الباب ٩ ـ الحديث ١ ) ، هذا. وقد عرفت أن عموم موثقة ابن بكير المانعة نص بالنسبة إلى الثعالب والفنك والسنجاب.

(١) فبالنسبة إلى الأرانب والثعالب حكي عن جماعة دعوى الإجماع على المنع ، وعن اخرى أنّه المشهور ، وعن ثالثة أنّه لم يعمل أحد برواية الجواز أو أنها متروكة ، وفي السمور والفنك حكي عن بعض الإجماع على المنع ، وعن آخر أنّه الأشهر ، وعن ثالث أن رواية الجواز متروكة ، لكن في مفتاح الكرامة : أنه يظهر من أمالي الصدوق أن من دين الإمامية الرخصة في جميع ذلك وأن الأولى الترك ، انتهى ، والمراد بجميع ذلك السنجاب والفنك والسمور والخز ، نعم في الحواصل حكي عن بعض الكتب الجواز وعن المبسوط عدم الخلاف فيه ، لكن عن الشهيد قدس‌سره أن رواية الجواز متروكة ، وفي الحدائق أن ظاهر الأكثر المنع حيث لم يتعرضوا له ، وفي الجواهر استغرب دعوى المبسوط عدم الخلاف في الجواز ، لكن قد يقال ـ بناء على أن الحواصل طيور كبار لها حواصل عظيمة ـ إنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على حلّية ما له حوصلة كونها من مأكول اللحم فلا إشكال حينئذ في الجواز ، فلا حظ.

٧٨

إنما أعطيت من جراب النورة (١).

__________________

(١) عبارة اشتهر التعبير بها بين الرواة كناية عن صدور الحكم من المعصوم عليه‌السلام تقية ، وبمعناها قولهم : أعطاك من عين كدرة ، ويقابلهما قولهم : أعطاك من عين صافية ، ففي رواية سلمة بن محرز قال قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : رجل مات وله عندي مال وله ابنة وله موالي ، قال فقال لي : « اذهب فأعط البنت النصف وأمسك عن الباقي » فلمّا جئت أخبرت أصحابنا بذلك فقالوا : أعطاك من جراب النورة ، فرجعت إليه فقلت : إن أصحابنا قالوا لي أعطاك من جراب النورة ، قال فقال : « ما أعطيتك من جراب النورة علم بها أحد؟ » قلت لا ، قال « فأعط البنت الباقي » ( الوسائل الباب ١ من ميراث ولاء العتق ـ الحديث ١٦ ) ، وفي رواية أبي أيوب قال حدثني سلمة بن محرز. إلى أن قال : فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما قال لي قال فقالوا : اتّقاك وأعطاك من عين كدرة. الحديث ، ( كتاب الحج من الوسائل الباب ١٠ من أبواب كفارات الاستمتاع ـ الحديث ٩٥ ، هذا. ويشهد على معروفية التقية بين الرواية في المسألة المبحوث عنها في المقام قول السائل في صحيحة علي بن مهزيار : فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقية فكتب عليه‌السلام : « لا تجوز الصلاة فيها » ( الباب ٧ من أبواب لباس المصلي من الوسائل ـ الحديث ٣ ) ، وفي رواية بشر بن بشار المتقدمة : أصلي فيه لغير تقية ، فنهاه عليه‌السلام عن الصلاة في الثعالب والسمور ، وفي رواية يحيى بن أبي عمران المتقدمة قال : أحبّ أن لا تجيبني بالتقية في ذلك ، وفي رواية محمّد بن علي ابن عيسى ـ المتقدمة إليها الإشارة ـ قال : إنا مع قوم في تقية وبلادنا بلاد لا يمكن أحدا أن يسافر فيها بلا وبر ولا يأمن على نفسه إن هو نزع وبره وليس‌

٧٩

نعم قيّدها بعضهم (١) بحال الضرورة بالنسبة إلى بعضها ، كما في التوقيع المبارك المروي عن أحمد بن روح (٢) عن مولانا الحجّة‌

__________________

يمكن للناس ما يمكن للأئمة فما الذي ترى أن نعمل به في هذا الباب؟

قال : فرجع الجواب إليّ : « تلبس الفنك والسمور » ويرشد إلى ذلك أيضا ما في موثقة ابن بكير من إسناد الحكم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإخراج كتاب بإملائه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتأكيد بأنه لا يقبل الله تلك الصلاة حتى يصلّيها في غيره ، وأن هذا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمره عليه‌السلام زرارة بحفظه ، ثم التفريع والتكرار وأن الصلاة في محرّم الأكل فاسدة ذكّاه الذبح أم لم يذكّه ، كلّ ذلك ردا على ما عليه العامة من صحة الصلاة فيه إن كان مذكى ، هذا. وفي التعبير في صحيحة محمّد بن مسلم بـ ( ما أحبّ أن أصلي فيها ) ( الباب ٧ ـ الحديث ١ ) ، وبمثله في رواية محمّد بن علي بن عيسى المتقدّمة إيماء إلى التقية.

(١) في الجواهر نسب القول بالجواز في وبر الفنك والسمور اضطرارا إلى نهاية الشيخ قدس‌سره وفي جلدهما كذلك إلى الوسيلة.

(٢) أورده الراوندي في الخرائج ( البحار ٨٣ : ١٢٢٧ ، والمستدرك الباب ٣ من لباس المصلي ـ الحديث ١ ) قال فيه : عن أحمد بن أبي روح قال : خرجت إلى بغداد. إلى أن قال : فجئت إلى أبي جعفر ـ وهو العمري ـ فأوصلته إليه فأخرج إليّ رقعة فإذا فيها « بسم الله الرحمن الرحيم. وسألت ما يحلّ أن يصلى فيه من الوبر والسمور والسنجاب والفنك والدلق والحواصل ، فأما السمور والثعالب فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه ، ويحلّ لك جلود المأكول من اللحم إذا لم يكن فيه غيره ، وإن لم يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه. التوقيع » فإنها تدلّ على جواز الصلاة في الحواصل مع الاضطرار إليه وعدم وجدان غيره. لكن السند ضعيف بالإرسال.

٨٠