الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

عن إفادة (١) المانعيّة المطلقة ، فإنّ هذه الدعوى إنّما تصحّ فيما سيق لبيان أصل التشريع (٢) ، لا في مثل عموم الموثّقة وإطلاقات سائر الأدلّة ـ سيّما المعلّلة منها (٣) ـ ، وهل يظفر في أدلة الأحكام بأظهر في العموم والإطلاق من * هذه الأدلّة؟.

وقد ادّعى (٤) المحقّق القميّ قدس‌سره صراحة بعض الأدلّة ، وظهور بعضها الآخر في اختصاص المانعيّة بما علم أنّه من غير المأكول ، والظاهر أن يكون نظره ـ فيما ادّعى صراحته ـ إلى صحيحة‌

__________________

(١) متعلق بـ ( قصور ).

(٢) فلم يكن المتكلم في مقام البيان ليؤخذ بإطلاق كلامه ـ نظير « أقيموا الصلاة ».

(٣) كروايتي المسوخ والسنجاب المتقدمتين ، ووجه الخصوصية أن التعليل يفيد عموم الحكم المعلّل به لموارده.

(٤) هذه هي الدعوى الثالثة لإثبات اختصاص المانعية بصورة العلم ، وقد ادّعاها قدس‌سره في خاتمة جامع شتاته ـ المتفرقات ـ (٨٠٥) في مطاوي الجواب عن سؤال المراد بما هو المعروف من كون الألفاظ أسامي للمعاني النفس الأمرية وما يترتب عليه من الثمرات ، قال قدس‌سره ما ترجمته :

( إن الأخبار الدالة على المنع عن الصلاة في أجزاء غير المأكول بعضها صريح في اختصاص المنع ، بما علم كونه منها ، وبعضها ظاهر في ذلك ، ولم نجد فيها ما يدل على الاجتناب عن الواقعي منها ، وأظهرها الموثقة والمتبادر منها ما علم كونه شعر حرام الأكل ووبره ونحوهما ) إلى آخر كلامه قدس‌سره.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( عن ) والصحيح ما أثبتناه.

١٦١

عبد الرحمن (١) الحاكمة بعدم لزوم الإعادة على من صلّى في عذرة إنسان أو كلب أو سنّور جاهلا بذلك ، وفي دعوى الظهور إلى دعوى ظهور الحرام الوارد في صدر الموثّقة فيما علم حرمته ، وقصر مفاد النواهي الغيريّة ـ وكذا ما حكم فيها بعدم جوازها في غير المأكول أيضا ـ بما علم (٢) أنّه كذلك.

ولا يخفى ما في جميع ذلك :

أمّا الصحيحة فلأنه ـ لو سلّم التعدّي (٣) عن موردها إلى غير‌

__________________

(١) ابن أبي عبد الله المروية في الكافي والتهذيبين بإسناد معتبرة ، قال :

سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب ، أيعيد صلاته ، قال عليه‌السلام : « إن كان لا يعلم فلا يعيد » ، راجع الباب ٤٠ من أبواب النجاسات من الوسائل ، الحديث ٥ ، فإنّ العذرة المذكورة تعدّ من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، وقد صرّحت الصحيحة بصحة الصلاة فيها مع الجهل.

(٢) متعلق بـ ( قصر ) ، وقد تقدّم سابقا ذكر ما سيق بلسان النهي الغيري أو بلسان نفي الجواز ، والمقصود أنّ نظر المحقّق المذكور قدس‌سره فيما ادّعاه من ظهور بعض الأدلة في الاختصاص ـ مضافا إلى صدر الموثقة ـ إلى هاتين الطائفتين من الأخبار ، بدعوى ظهورهما في الصلاة فيما علم أنه غير مأكول.

(٣) ظاهر العبارة تسليم التعدي عن مورد الصحيحة إلى سائر الأعيان النجسة ، وعدم تسليمه بالنسبة إلى الأجزاء الطاهرة من غير المأكول. لكن لم يظهر وجه عدم التسليم الأخير بعد أن لا خصوصية لنجاسة الجزء ولا دخل لها في الحكم بعدم الإعادة من ناحية الوقوع في غير المأكول ،

١٦٢

النجس من الأجزاء حتى إلى نفس اللباس ـ فأقصى ما يدلّ عليه هذه الصحيحة ، ونحوها ممّا يدلّ على الاجتزاء عن الواقع بما وقع امتثالا له ـ على وجه (١) يعذر الفاعل فيه ـ هو عدم مانعيّة ما يلزم من‌

__________________

فإنّ الصلاة في العذرة كما أنها صلاة في النجس ، كذلك هي صلاة في غير المأكول ، وقد حكم بصحتها مع الجهل ، فإذا صحّ التعدّي من الناحية الأولى عن المورد إلى سائر النجاسات فما المانع من التعدي من الناحية الثانية عنه إلى سائر أجزاء غير المأكول ، وعليه فيحكم بموجب الصحيحة بصحة الصلاة في غير المأكول جهلا ، ولولاها لأشكل الحكم بناء على ما اختاره قدس‌سره من عدم شمول حديث ( لا تعاد ) للجاهل ، هذا. وقد أفتى قدس‌سره في وسيلة النجاة وحاشية العروة بالصحة مع الجهل ، فلاحظ.

(١) متعلق بـ ( وقع ) ، ومحصّل المرام أن الصحيحة وأشباهها ـ ممّا حكم فيه بعدم لزوم الإعادة والاجتزاء بالعمل الناقص عن المأمور به التامّ ـ إنّما تدل على الاجتزاء به فيما إذا أتى به المكلف عن عذر من نسيان أو غفلة أو جهل مركب أو استناد إلى أمارة معذرة أو أصل مؤمّن ، ثمّ انكشف الخلاف وتبيّن نقصه ، بحيث لو لا الدليل على الإجزاء لكان مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب إعادته ، إلاّ أن دليل الإجزاء دلّ على نفي اعتبار الجزء أو القيد المفقود في المتعلق في هذه الحالة ، ومقتضاه عدم وجوب الإعادة ، أمّا إذا أتى به المكلّف مع الالتفات والشك من دون عذر أو استناد إلى حجة ـ كما إذا صلّى في غير المأكول كذلك ـ فلا دلالة لمثل الصحيحة المتقدّمة على الاجتزاء به ، ومقتضى كون مانعيّة غير المأكول ـ بموجب إطلاق أدلّتها ـ واقعية وجوب الإعادة لإحراز الواقع ، وهذا كما‌

١٦٣

مانعيّته وجوب إعادة ذلك الفعل ، وأين هذا من تخصيصها من أوّل الأمر بالمعلوم؟.

وأمّا تخصيص الحرام الوارد في صدر الموثّقة بالمعلوم فحيث إنّه لم يعهد منه قدس‌سره دعوى دخل العلم في مداليل الألفاظ (١) ، فالأوجه إرجاع ما ادّعاه إلى دعوى أنّ عنوان الحرام قد أخذ بوصف تنجّزه (٢) ، لا بعنوانه النفس الأمريّ موضوعا لهذا الحكم ـ كما في حرمة التكسّب بالأعمال المحرّمة (٣) ونحوها ـ ، لكن لمّا كان أخذ (٤) الوصف المذكور في الموضوع تقييدا لإطلاقه ومتوقّفا‌

__________________

ترى أجنبي عمّا هو المدّعى من كون المانعيّة مجعولة من أول الأمر علمية بحيث لا مانعية مع الشك مطلقا.

(١) بل في غنائمه التصريح بعدمه ، قال : ( إن قلنا بأن المراد ممّا لا يؤكل لحمه في الأخبار هو ما كان كذلك في نفس الأمر كما هو الأظهر لأنه هو مقتضى وضع الألفاظ فلا مناص عمّا ذكره في المنتهى ـ أي من المنع ـ ) ( غنائم الأيام : ١٥٠ ).

(٢) فيكون الموضوع الواقعي للمانعيّة هو الشي‌ء المتنجّز حرمة أكله ، ومجهول الحرمة ليس كذلك.

(٣) فإن الإجارة على العمل المحرّم أو الجعالة عليه أو نحوهما من التكسّبات محرمة باطلة ، لكن لا بمجرد حرمته الواقعيّة ، بل بما أنّ حرمته متنجزة ، لأن ملاك الحكم هو انتفاء القدرة على الحرام تشريعا ، والمحروميّة منه كذلك ، والقدرة على التسليم معتبرة في صحة المعاملة ، وهذا يختص بما تنجّزت حرمته ، فإنّ غيره لا يكون تامّ التأثير في المنع عن الفعل والتعجيز عنه.

(٤) جواب عن الدعوى المذكورة ، حاصله أنّ الموضوع ـ وهو حرام الأكل ـ مطلق ، وتقييده بالتنجز يحتاج إلى قرينة مفقودة.

١٦٤

على قرينة مفقودة في المقام ، فإطلاقه يدفع هذه الدعوى.

ومع الغضّ عن ذلك فأقصى ما يقتضيه ذلك هو (١) عدم مانعيّة ما أخذ من الحيوان المشكوك حليّته أو حرمته من جهة الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة ، ولا يجدي في عدم مانعيّة ما تردّد بين أن يكون مأخوذا من الحلال أو الحرام الممتاز كلّ منهما في الخارج عن الآخر إلاّ بالرجوع إلى دعوى دخل العلم في مداليل الألفاظ ، وتعميمه لمدلول الإضافة (٢) المفيدة للنسبة التقييدية أيضا ، ولا أظنّ أن يلتزم به القائل بذلك (٣) ـ فضلا عن مثله (٤).

وأمّا دعوى قصر مفاد الخطابات الغيريّة بالمعلوم فالذي يظهر‌

__________________

(١) محصّله أن التقييد المذكور إنما يجدي في نفي مانعية الجزء المأخوذ من حيوان معيّن يشك في حليّته وحرمته لشبهة حكمية أو موضوعية ، ولا تنحصر موارد الشك في ذلك ، بل قد يتصوّر ـ ولعلّه الغالب ـ الشك في الجزء لدوران أمره بين كونه مأخوذا من محلّل الأكل أو محرّمه ، وفي مثله لا يجدي التقييد المذكور شيئا ، إذ ليس الجزء المزبور جزءا لما لا يعلم حليّته وحرمته ، وبعبارة أخرى : لما لم تتنجّز حرمته ، بل مردّد بين كونه جزءا لما علمت حليّته أو لما تنجّزت حرمته.

(٢) لتكون إضافة الجزء المأخوذ ـ كالوبر ـ إلى الحيوان في قولنا ( لا تصلّ في وبر الحيوان المحرّم الأكل ) مقيدة بالعلم ، أي : لا تصلّ فيما علم كونه وبره ، ومقتضاه صحّة الصلاة في الثانية من الصورتين الآنفتين أيضا كالأولى.

(٣) أي يلتزم بهذا التعميم القائل بدخل العلم في مداليل الألفاظ.

(٤) أي مثل المحقّق المذكور الذي لم يعهد منه هذا القول.

١٦٥

من جملة ما أفاده هو استناده في ذلك إلى دعوى انصراف الخطابات (١) بحال العلم بمتعلّقاتها ، واشتراطها بحكم العقل أيضا بذلك (٢) ، ولا يبعد أن يكون مراده من حال العلم حال إمكانه (٣) ، وكيف كان فلو فرض لدعوى الانصراف في المقام معنى محصّل (٤) ، وصلاحيّته للاختلاف باختلاف أحوال المكلّفين ، فلا يخفى ما فيها من الجزافيّة والغرابة.

__________________

(١) أوامر كانت أم نواهي ، نفسية أم غيرية.

(٢) بدعوى حكمه بقبح تكليف الجاهل كحكمه بقبح تكليف العاجز ، ولعلّ الحكم العقلي المذكور هو الوجه للانصراف المدعى ، فيكون من قبيل اقتضاء القرينة العقلية تقييد المطلق وصرف ظهوره الإطلاقي.

(٣) لعلّ هذا مستفاد من كلماته قدس‌سره في هذا المقام ـ كما يظهر بالمراجعة ـ ، وعليه فالخطب أهون ، فإنّ دعوى قبح توجيه الخطاب إلى من لا يمكنه العلم ليست بكلّ البعيد ، فيشبه خطاب العاجز الذي لا يمكنه الامتثال ، وهذا بخلاف دعوى قبح توجيهه إلى مطلق من لا يعلم فعلا وإن أمكنه العلم بالفحص والسؤال.

(٤) عبارة المقام تتضمن الردّ على دعوى الانصراف من وجهين : أحدهما المناقشة في أن يكون للانصراف المزبور معنى محصّل ، نظرا إلى أنّ مقتضاه اختلاف التكليف باختلاف أحوال المكلف علما وجهلا ، وصلاحيّة الانصراف لأن يتكفل مثل هذا الاختلاف غير واضحة ، كوضوح صلاحيّته للاختلاف باختلاف الأفراد ، والثاني أن الدعوى المذكورة ـ لو فرض لها معنى محصّل ـ دعوى جزافية لا وجه لها ولا شاهد عليها.

١٦٦

وأغرب من ذلك دعوى كونه (١) شرطا عقليّا في متعلّق الخطاب ، فإنّ الذي يصحّ من دعوى استقلال العقل به هو توقّف تنجّز الخطاب وعدم معذوريّة المكلّف في مخالفته على وجوده العلميّ ، وقصوره بنفس وجوده الواقعي عن هذه الصلاحيّة (٢) ، وأين هذا عن كون (٣) العلم بمتعلّق الخطاب ـ كالقدرة عليه ـ شرطا عقليّا لصحة الطلب به ، والجهل به موجبا لسقوطه النفس الأمريّ ، وأيّ مساس له بالخطابات الغيريّة (٤) التي سبيلها سبيل سائر ما يدلّ على القيديّة.

ولعلّ أن يكون ما في بعض كلماتهم ـ من عدّ العلم والقدرة في مساق واحد من الشرائط العامّة ـ قد أوجب هذا الوهم ، فقاس (٥)

__________________

(١) أي العلم.

(٢) أي عن صلاحية تنجزه وعدم المعذورية في مخالفته ، فإنّ العقل مستقل بأنّ التكليف بمجرد فعليّته ووجوده الواقعي من دون وصوله إلى المكلف لا يصلح لأن يؤاخذ على مخالفته ، بل يعذر فيها في هذه الحالة ، وإنّما يقطع عذره وصوله إليه وعلمه به.

(٣) للبون البعيد بينهما من جهتين : ـ إحداهما كون الشرط هو العلم بالخطاب والمدعى كونه العلم بمتعلقه ، والثانية كون المشروط هو تنجز الخطاب والمدعى كونه فعليّته ووجوده الواقعي.

(٤) يعني ولو فرض كون العلم بالمتعلق كالقدرة عليه شرطا عقليا في حسن الخطاب ، لا في تنجزه فهو خاصّ بالخطابات النفسيّة ، ولا مساس له بالخطابات الغيريّة التي غاية ما تدلّ عليه هو القيدية للمتعلق دون التكليف النفسي.

(٥) أي المحقّق المذكور قدس‌سره.

١٦٧

العلم بمتعلّق الخطاب على القدرة عليه في اشتراط حسن الخطاب به ، وقاس الخطاب الغيري على النفسي في اشتراطه بما يتوقّف عليه حسنه ، وقد سبقه أستاذه أستاذ الكلّ الوحيد البهبهاني ( نوّر ضريحه ) ـ فيما حكي عنه ـ إلى المقايسة الأخيرة ، ففصّل في كون القيديّة بنفس دليلها مقصورة بصورة التمكّن من القيد وساقطة عند تعذّره (١) ، أو كونها مطلقة (٢) موجبة لسقوط الخطاب بالمقيّد عند تعذّر قيده بين أن تكون مستفادة من الخطابات الغيريّة (٣) ، أو من مثل « لا صلاة إلاّ بطهور » ونحوه (٤).

وأنت خبير بما في كلا القياسين : أمّا الأوّل فلأنّهما (٥) وإن اشتركا في معذوريّة المكلّف عند انتفائهما في الجملة ، وبهذا الاعتبار عدّا في مساق واحد من الشرائط العامّة (٦) ، لكن العذر‌

__________________

(١) فتسقط حينئذ القيديّة فقط دون الخطاب بالمقيّد.

(٢) فمتعلقها قيد على كلّ حال ، وإذا تعذّر القيد تعذّر المقيّد ، فيسقط خطابه.

(٣) التي لسانها لسان التكليف أمرا أو نهيا ، فتختص القيديّة بصورة التمكن ، لاشتراط التكليف عقلا بالقدرة نفسيا كان أم غيريا.

(٤) ممّا لا يشتمل على أمر أو نهي ليختص بحال القدرة ، فتكون القيدية فيه مطلقة.

(٥) أي العلم والقدرة.

(٦) إذ يصح القول بأنّ جميعها شرائط لعدم المعذوريّة في المخالفة ، فإنّ شرائط حسن الخطاب أيضا إذا انتفت يعذر المكلف في مخالفته.

١٦٨

العقلي عند انتفاء أحدهما هو الجهل بنفس التكليف (١) وأثره الأمن من العقاب على مخالفته ، وعند انتفاء الآخر هو العجز عن متعلّق التكليف وأثره سقوط نفسه ، ومع هذا البون البعيد بينهما من هاتين الجهتين (٢) فكيف يقاس أحدهما بالآخر فيما يمتازان فيه؟.

وأمّا الثاني ففيه أوّلا : أنّ مقتضى كون الخطاب غيريّا مسوقا لبيان الارتباط والقيديّة ، لا لإنشاء الطلب به هو انسلاخه عن الطلب المولويّ بالكليّة (٣) ، ألا ترى أنّه قد ورد لبيان ماله دخل في متعلّقات التكاليف الوجوبيّة والاستحبابيّة وأبواب الأسباب ، (٤) ، بل المباحات العادية (٥) بجامع واحد من دون تفكيك في مدلوله‌

__________________

(١) لا بمتعلقه ، فإنّ العالم بالتكليف الجاهل بمتعلّقه لا يعذر في مخالفته ، بل عليه معرفة ما طلب منه المولى ثم امتثاله.

(٢) إحداهما كون الجهل متعلقا بنفس التكليف والعجز بمتعلقه ، والثاني كون أثر الأول سقوط العقاب على مخالفته وأثر الثاني سقوط أصله.

(٣) فمدلوله ـ على خلاف مدلول الخطاب النفسي ـ أجنبي عن إنشاء الطلب رأسا ومقصور على بيان الجزئية أو القيدية ودخالتها في الماهيّة المركبة ، وهذا أمر عقلي صرف مطرد في جميع الماهيات شرعية كانت أم غيرها ، ولأجله تعدّ أوامر أو نواهي إرشادية.

(٤) المراد بها أبواب المعاملات من العقود والإيقاعات التي هي أسباب لمسبّباتها الاعتبارية.

(٥) كما إذا سيق الأمر لتعليم تحضير مأكول أو مشروب مباح مركب من أجزاء خارجية ، فيقال مثلا : خذ كذا من الخلّ وضعه على النار ثم صبّ عليه كذا من السكر ، وهكذا.

١٦٩

باعتبار اختلاف موارده (١).

ومجرّد انبساط الطلب (٢) بالمركّب على جميع ما له دخل في متعلّقه من أجزائه وقيوده ، وصلاحيّة الخطاب الغيريّ لأن يكون بيانا لتعلّقه بآحادها وطلبا مولويّا بهذا الاعتبار ، غير مجد بعد ظهوره في المعنى الواحد المطّرد في الجميع ، وعدم الاختلاف في مدلوله العرفي باعتبار وروده لبيان ما له دخل في متعلّق التكليف أو مركّب‌

__________________

(١) فمدلوله في أبواب التكاليف هو نفس مدلوله في غيرها ، وليس له في الثانية شائبة طلب أصلا فكذلك في الأولى.

(٢) هذا غاية ما يمكن أن يقرّب به دعوى دلالة الخطاب الغيري في موارد التكاليف الوجوبية والاستحبابية على الطلب ، ومحصّله أن الطلب المتعلق بالمركب أو المقيد ينبسط لا محالة على أجزائه وعلى التقيّد بقيوده ، فيكون لكلّ جزء أو تقيّد شطر من الطلب ، والخطابات الغيريّة المتعلّقة بآحاد هذه الأجزاء والتقيدات بيان لتعلّق الطلب بكلّ منها على هذا النحو ، إذن فهي متكفلة للطلب المولوي كالخطاب النفسي المتعلق بجملة العمل.

ومحصّل الجواب أنّا لا نرى للخطابات الغيرية في الموارد المذكورة دلالة خاصة مفقودة في سائر الموارد ، بل المدلول العرفي في الجميع واحد وهو بيان الدخل والارتباط لا غير ، هذا.

ولا يخفى أن ما يقال من أن الجزئية والشرطية والمانعيّة منتزعة عن الحكم التكليفي يراد به أنها منتزعة عن الأمر النفسي المتعلق بالمركب أو المقيّد ، لا أنها منتزعة عن الأمر المتعلق بالجزء أو الشرط نفسه أو النهي المتعلق بالمانع كذلك.

١٧٠

آخر.

مضافا إلى ما يستلزمه (١) التفكيك في مدلوله بهذا الاعتبار لأن يكون مستعملا في الطلب بالقدر المشترك بين الوجوب والاستحباب ، وقد بيّن امتناعه في محلّه (٢).

__________________

(١) يعني أنّ لازم دعوى التفرقة بين الأبواب والالتزام بدلالته في متعلقات التكاليف على الطلب أن تكون الصيغة فيها مستعملة في إنشاء الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب ، وذلك في مثل المركبات التي تكون تارة واجبة واخرى مستحبة كالصلاة ، فإن الأمر المتعلق بجزئها مثلا نحو ( اركع في صلاتك ) لمّا كان شاملا للصلاة الواجبة والمستحبة معا فلازم كونه طلبا مولويا غيريا هو استعماله في الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب ، ليفيد وجوب الركوع في الصلاة الواجبة واستحبابه في المستحبة ، وهذا ممتنع لدى القوم ـ ومنهم المحقق المزبور قدس‌سره ـ ، لما بيّن في الأصول من امتناعه بناء على ما اشتهر بين القدماء من تركّب حقيقة كلّ من الوجوب والندب من جنس هو طلب الفعل وفصل هو المنع من الترك أو الترخيص فيه ، وكذا على ما اشتهر بين المتأخرين من بساطتهما وكون التفاوت بينهما بالشدة والضعف ، وذلك لاستحالة وجود الجنس غير متفصّل بفصل أو وجود الماهية المشكّكة غير محدودة بحدّ ، نعم على المختار ـ من خروج الوجوب والندب عن مدلول الصيغة ، وأنها لا تستعمل إلاّ في إنشاء النسبة الإيقاعية ، وإنّما يحكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى ما لم يرد منه الترخيص في مخالفته ـ فلا إشكال ، والتفصيل في محله.

وكيفما كان ، فمع امتناع إنشاء القدر المشترك في التكليف النفسي بناء على مسالك القوم ـ كما عرفت ـ فكيف يتصوّر في الغيري.

(٢) قد عرفت اختصاص الامتناع بالمسلكين المشهورين المتقدمين ، وأنه لا امتناع على المسلك المختار ، فالإشكال المذكور جدليّ لا برهانيّ.

١٧١

وثانيا : أنّه لو سلّم صحة التفكيك في مدلوله بين الأبواب ، وكونه في متعلّقات التكاليف ناظرا إلى جهة التكليف دون الوضع ، وطلبا مولويّا بهذا الاعتبار ، فلا يخفى أنّ ما يعتبره العقل في حسن الخطاب (١) ليس مدلولا لفظيا لهيئة الأمر والنهي ، كي تكون القيديّة المقيّدة بالمقدوريّة ونحوها هي مؤدّى الخطابات الغيريّة ، وإنّما هو قيد في ناحية المدلول ، وشرط عقليّ فيما يطالب به من المكلّف بأيّ كاشف كان ، وظاهر أنّ الطلب بالمركّب بما له من التعلّق بجملة أجزائه وقيوده الملحوظ اعتبار الوحدة فيها هو المتوقّف حسنه على مقدوريّة متعلّقه ، لا بآحاد تعلّقاته ، وإلاّ كانت خطابات مستقلّة. ولو فرض استقلال العقل باشتراط آحادها بذلك (٢) كان عند‌

__________________

(١) محصّله أنه بعد التسليم فشرائط حسن الخطاب إنما يعتبرها العقل في صحة الطلب الذي هو مدلول الخطاب ، وليست هي جزءا لمدلوله اللفظي كي يكون مفاد الخطاب الغيري القيديّة المقدورة مثلا ، ومن الواضح أنّ الطلب الذي يعتبر العقل شروطا في صحته هو الطلب المتعلق بجملة العمل بأجزائه وقيوده بلحاظ ما له من الوحدة الاعتبارية ، لا الطلبات الضمنية المتعلقة بآحاد أجزائه وتقيّداته ـ والمدعى دلالة الخطابات الغيرية عليها ـ ، إذ لو اعتبرت الشرائط في كلّ من هذه الطلبات باستقلالها وغير مرتبطة بأخواتها لأصبحت طلبات نفسيّة وأوامر استقلالية ، وهو خلف الفرض.

(٢) يعني من دون استلزامه خطابات مستقلة ، بل مع التحفظ على ارتباطيتها بعضها ببعض.

١٧٢

استفادة القيديّة من مثل « لا صلاة إلاّ بطهور » أيضا كذلك (١) ، وتعذّر إطلاقها بالكليّة. ولعلّ أن يكون الخلط في استفادة القيديّة من الخطاب الغيري أو ترتّبها على النهي النفسي ـ كما في باب النهي عن العبادة ، على أحد الوجهين فيه (٢) كما ستعرفه ـ قد أوجب هذا الوهم (٣).

وبالجملة فلا فرق بين أن يستفاد قيديّة الطهارة من قوله سبحانه ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) في آية الوضوء ، أو من قوله عليه‌السلام « لا صلاة إلاّ بطهور » في دلالة كلّ منهما على القيديّة المطلقة (٤) على كلّ‌

__________________

(١) لأنّ حكم العقل بذلك لا بدّ أن يكون بملاك قيديّتها للعمل وكونها من تعلّقاته ، لا لتعلّق الخطاب الغيري بها ، وهذا الملاك مطّرد في المثال ، ومقتضى ذلك أن تكون القيديّة مقصورة بحال التمكن من دون فرق بين ما سيق بلسان التكليف أو بمثل « لا صلاة إلاّ بطهور » ، فلا وجه لتفصيل الوحيد قدس‌سره على كلّ تقدير.

(٢) إشارة إلى ما سيأتي في الرابع من تنبيهات الخاتمة من البحث عن أنه إذا استفيدت المانعيّة من النهي النفسي المتعلق بحصة من العبادة ـ باعتبار أنّ حرمتها تنافي إطلاق الأمر بالعبادة فيقيّد بغير الحصّة المحرّمة ـ ، فهل المانعيّة مترتّبة على حرمتها الواقعية ، ومسببة عنها ، بحيث إذا ارتفعت الحرمة واقعا لانتفاء القدرة مثلا ارتفعت المانعية أيضا ، أم أنها غير مترتبة عليها بل هي في عرضها ، وجهان ، والتفصيل هناك.

(٣) وهو سقوط القيدية المستفادة من الخطاب الغيري بالتعذّر ، قياسا لها بالقيدية المترتّبة ـ على أحد الوجهين ـ على النهي النفسي.

(٤) لعدم الموجب لتقييدها في الأوّل بصورة التمكن ـ حسبما سمعت.

١٧٣

تقدير.

الأمر الخامس : إنّه بعد الفراغ عن كون المانعيّة في المقام مطلقة غير مقصورة بصورة العلم بموضوعها ، فقد تشبّثوا لجوازها (١) في المشتبه :

تارة بإطلاق ما يدلّ على جوازها فيما كان من الملابس تستر العورة (٢).

وأخرى بإطلاق ما يدلّ على جوازها فيما أخذ من يد المسلم (٣) ، وما يلحق به (٤).

__________________

(١) الجواز المدّعى هنا جواز ظاهري تقتضيه أدلة اجتهادية أو أصول عملية ، مع كون المانعية الواقعية مترتبة على موضوعها الواقعي ، وهذا بخلاف الجواز المدعى في الأمر السابق ، فإنّه جواز واقعي ناش عن اختصاص المانعية ـ واقعا ـ بما علم عدم مأكوليته.

(٢) نحو ما دلّ على جواز صلاة الرجل في قميص واحد إذا كان كثيفا ، وكذا صلاة المرأة في الدرع والمقنعة ، والنهي عن الصلاة فيما شفّ أو وصف ، وما ورد من أمر المرأة بالتستّر في الصلاة بثوبين أو ثلاثة ( راجع البابين ٢١ و ٢٨ من أبواب لباس المصلي من الوسائل ) ، بدعوى شمول إطلاقها لجميع أنواع اللباس ـ ومنها المشكوك المبحوث عنه ـ ، هذا ، وممن استند إلى هذا الوجه صاحب الجواهر قدس‌سره ( الجواهر ٨ : ٨٠ ).

(٣) بالشراء منه أو من سوق المسلمين وإن لم يثبت إسلام البائع ، فإنّ الظاهر أن اعتبار سوقهم إنما هو لأماريّتها على إسلام من فيها من الباعة ، والروايات الدالة على ذلك مذكورة في الباب ٥٠ من أبواب النجاسات من الوسائل.

(٤) كالمصنوع في أرض يغلب فيها المسلمون ، وما وجد مطروحا في أرضهم ممّا عليه أثر استعمالهم ـ على كلام في الأخير ـ ، راجع الباب الآنف الذكر.

١٧٤

وثالثة بدعوى استلزام النزع حال الصلاة للحرج المنفيّ ، وبدعوى السيرة العمليّة على عدم التحرّز عن المشتبه (١) ، ونحو ذلك.

ولا يخفى عليك ما في جميع ذلك :

أمّا إطلاق جوازها فيما يستر العورة من الملابس فلو فرض الظفر بإطلاق ناظر إلى ما عمل اللباس منه (٢) غير مقصور مساقه بخصوص جهة التستّر به كان التمسّك به في المقام مبنيّا على القول بحجيّة الإطلاق والعموم المخصّص بالمنفصل (٣) بالنسبة إلى‌

__________________

(١) الوجوه الثلاثة الأخيرة استند إليها الفاضل النراقي قدس‌سره في مستنده قال ( ٤ : ٣١٦ ) : ( ولكن تعارضها ـ أي الموثقة ـ الأخبار المصرّحة بجواز الصلاة في الجلود التي تشترى من سوق المسلمين وفيما يصنع في بلد كان غالب أهله المسلمين من غير مسألة ، وتعارضهما بالعموم من وجه ، والأصل مع الجواز فهو الأظهر. ويؤيده بل يدلّ عليه عمل الناس بل إجماع المسلمين حيث إنه لم يعلم كون أكثر الثياب المعمولة من الصوف. مما يؤكل جزما ومع ذلك يلبسها ويصاحبها الناس من العوام والخواص في جميع الأمصار والأعصار ويصلون فيه من غير تشكيك أو إنكار ، بل لولاه لزم العسر والحرج في الأكثر ) انتهى موضع الحاجة. هذا ، وقد وقع في كلمات المحقق القمي وصاحب الجواهر وغيرهما قدس‌سره أيضا ذكر السيرة والحرج في سياق الوجوه المجوزة.

(٢) بأن يكون في مقام البيان من هذه الجهة أيضا ولا يكون مقتصرا على بيان جهة التستّر.

(٣) فإن الإطلاق المذكور ـ على تقدير الظفر به ـ مقيّد بما دلّ على عدم جواز الصلاة في غير المأكول ، ومعه فالتمسّك به في المقام تمسّك بالإطلاق في الشبهات المصداقيّة لمقيّده ، والمحقّق في محلّه فساده.

١٧٥

المصاديق المشتبهة ، وقد اتّضح فساده في محلّه ، لكن الظاهر أن لا يظفر المتتبّع في أبواب الملابس بإطلاق كذلك ، ويكون هذا التشبث ساقطا من أصله.

وتشبّث بعض من عاصرناه قدس‌سره بإطلاق جوازها في الخزّ بدعوى شموله لما يشكّ في غشّه بوبر الأرانب ونحوه ممّا تداول غشّه به ، وإلاّ (١) كان الحثّ على الصلاة فيه قليل الجدوى ، لندرة العلم بخلوصه ، وبالقطع بعدم الفرق بينه وبين سائر المشتبهات يتمّ المطلوب *.

وأنت خبير بما في كلتا الدعويين (٢) :

أمّا شمول إطلاقات الباب للمردّد بين الخالص والمغشوش فلأنّ الرخصة في الخزّ إن كانت واردة عليه بعنوانه النفس الأمري (٣) ـ كما هو الأصل في باب الألفاظ (٤) ـ كان ما يدلّ على عدم جوازها في المغشوش تنصيصا بما يقتضيه إطلاقها (٥) ، لا تقييدا له ،

__________________

(١) أي وإن لم يشمل المشكوك غشّه واختص بالمعلوم خلوصه.

(٢) وهما دعوى إطلاق نصوص الخز ، ودعوى القطع بعدم الفرق بينه وبين سائر المشتبهات.

(٣) وهو الخز الخالص غير المغشوش بغيره.

(٤) فإنه الموضوع له لغة ، فيحمل اللفظ عليه لو لا القرينة على الخلاف.

(٥) أي إطلاق الرخصة ، لأنّ مقتضى إطلاقها على هذا التقدير اختصاصها بالخز الخالص ، فيخرج المغشوش خروجا تخصّصيا.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( مط ) أي مطلقا ، والظاهر أن الصحيح ما أثبتناه.

١٧٦

وتسمية المغشوش باسمه من الخطأ أو التسامح في التطبيق ، وقد تقدّم عدم الاعتداد به (١) ، ويكون تسمية المردّد بين الخالص والمغشوش بهذا الاسم مردّدة (٢) بين الحقيقيّة الناشئة عن الانطباق على ذلك العنوان ، أو التسامحيّة التي لا جدوى لها ، وواضح أنّه مع الشكّ في مصداقيّة المصداق لا معنى للتمسّك بالعموم أو الإطلاق ، ولا يجوز قولا واحدا. ولو كانت الرخصة واردة على ما يسمّى في العرف خزّا (٣) ، لا على عنوانه النفس الأمري ـ كما ادّعاه المستدلّ وبالغ في الإصرار عليه ـ كان ما يدلّ على عدم جوازها في المغشوش تقييدا لإطلاقه ، والتمسّك به لجوازها في المردّد بين الخالص والمغشوش مبنيّا على حجيّة الإطلاق والعموم المخصّص بالمنفصل بالنسبة إلى المصاديق المشتبهة (٤) ، والذي أعهده منه قدس‌سره أنه كان لا يلتزم بذلك.

__________________

(١) تقدّم ذلك في الجهة الرابعة من الجهات الملحقة بالأمر الثاني.

(٢) يعني يتردّد أمر تسمية المشكوك خلوصه وغشّه بالخزّ بين كونها تسمية حقيقية ـ على تقدير خلوصه ـ أو تسمية مبنيّة على التسامح في التطبيق ـ على تقدير غشّه ـ ، إذن فهو مردد بين كونه مصداقا للخزّ حقيقة وعدمه ، ومعه كيف يصح التمسّك بإطلاق نصوص الخزّ ، وهل هو إلا من التمسك بالإطلاق في الشبهات المصداقيّة لنفسه ، وهو غير جائز قولا واحدا.

(٣) ليشمل المغشوش ـ كما يشمل الخالص.

(٤) أي للمخصص لا لنفس العام أو المطلق ـ كما كان على التقدير الأوّل ـ ، وهذا وإن كان خلافيا إلاّ أن المختار عندنا وعند المستدلّ ـ ظاهرا لأنّه المعهود منه كما في المتن ـ عدم الجواز.

١٧٧

وأمّا التعدّي إلى سائر المشتبهات بدعوى القطع بعدم الفرق ، فلا يخفى ما فيه من الغرابة ، إذ بعد أن كانت الرخصة في الخزّ تخصيصا لعموم المانعيّة على كلّ تقدير (١) ، فلو فرض ورودها على مسمّاه العرفي ، وشمول دليلها للغشّ الغير المعلوم ـ كما ادّعاه ـ كان ذلك تخصيصا آخر تبعيّا (٢) ، فكيف يدّعى القطع بعدم الفرق بين ما أخرجه المخصّص عن العموم وما بقي مشمولا له بعد التخصيص؟.

ويتلوه (٣) التشبّث بإطلاق ما يدلّ على جوازها فيما أخذ من يد المسلم وما يلحق به ، إذ لا عين ولا أثر لما يدلّ على هذا العنوان (٤) الشامل لكلّ مشتبه أخذ من يد المسلم وما بحكمه في شي‌ء من روايات ذلك الباب كي تكون من قبيل القضايا الحقيقيّة ، ويتمسّك بإطلاقها في كونها بمنزلة الكبرى الكليّة لأنواع‌

__________________

(١) من تقديري ورود الرخصة على الخز الحقيقي أو على المسمّى العرفي.

(٢) اقتضاه التخصيص الأصلي المتعلّق بالخز ، إذن فالتعدّي عن الخزّ الخالص إلى المشكوك خاص بالمورد اقتضاه ـ حسبما يدّعيه المستدلّ ـ دليل التخصيص ، فأخرجه عن عموم المانعية ، وأين هذا من سائر المشتبهات التي لا تخصيص في مواردها.

(٣) أي يتلو سابقه في الضعف التشبّث بإطلاق نصوص جواز الصلاة فيما أخذ من يد المسلم أو سوقهم أو صنع في أرضهم ، بدعوى شموله لمشتبه المأكوليّة ، وهذا هو الوجه الثاني من الوجوه الأربعة المتقدّمة.

(٤) أي عنوان المأخوذ من يد المسلم على نحو تكون يده أمارة في كلّ مشتبه سواء فيه مشتبه التذكية أم غيرها كالمأكولية أو كونه حريرا أو ذهبا أو نحوها.

١٧٨

المشتبهات ، وإنّما هي مسوقة بأسرها للترخيص فيما كان يعمل (١) من الفراء والخفاف من الجلود المشكوكة تذكيتها ، لعدم مبالاة مخالفينا بشرائط التذكية (٢) ، واستحلالهم ذبائح أهل الكتاب والميتة بالدباغ ، وليست متكفّلة إلاّ لإلغاء الشكّ في تذكية ما كانت مأكوليّته محرزة ، ولا مجال لأن يدّعى شمولها لما إذا كانت مأكوليّته أيضا مشكوكة ، ويتعدى إلى ما عمل من الصوف أو الوبر أيضا (٣) بالقطع بعدم الفرق بين ما تحلّه الحياة وما لا تحلّه ، إذ بعد ما عرفت أنّ مساق هذه الروايات مساق القضايا الخارجية (٤) ، دون الحقيقية ، فلا جرم يتوقّف صحة هذه الدعوى على العلم بأنّ ما كانت الفراء والخفاف تعمل منه مردد * بعضه بين أن يكون من جلود‌

__________________

(١) أي كان يعمل في تلك الأعصار ، فالترخيص ناظر إليها على نحو القضيّة الخارجيّة.

(٢) لذهابهم إلى عدم اعتبار بعض شرائطها ـ كالاستقبال.

(٣) ليثبت الجواز في مشكوك المأكوليّة منهما أيضا.

(٤) لكونها مسوقة ـ كما سمعت ـ لبيان حكم الجلود المعروضة للبيع في أسواق تلك الأعصار ، فلا بدّ من أن تؤخذ بعين الاعتبار خصوصياتها التي كانت عليها ـ وهي كون الجلود مشكوكة التذكية ومحرزة المأكوليّة ـ بل أكثر هذه الروايات واضحة الدلالة على انحصار منشأ السؤال في الشك في التذكية وأنه لا نظر إلى ما سواها ، هذا. ولا يذهب عليك أنّ سوقها مساق القضايا الخارجيّة لا ينافي استفادة الحكم الكبروي منها على نحو القضية الحقيقية ـ كما هو واضح.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( مردّدا ) والصحيح ما أثبتناه.

١٧٩

المأكول أو غيره. ومع الغضّ (١) عن كفاية الشكّ في ذلك في امتناع هذه الدعوى ، فالنظر في روايات الباب يورث القطع بعدمه ، وأنّ حال ما كانت تعمل منه الفراء والخفاف في تلك الأعصار كحال ما تعمل من الجلود المعمولة في عصرنا في مثل بغداد ممّا يكثر فيه مخالفونا ، وكما لا نشكّ في مأكوليّة شي‌ء منه ـ وإنّما نشكّ في تذكيته ـ فكذا كان حالها في تلك الأعصار ، ومن هنا لا عين ولا أثر للسؤال عمّا كان يعمل من الصوف والوبر (٢) في شي‌ء من الروايات.

هذا كلّه ، مضافا إلى أنّه لا يبعد ظهور الأدلّة في أنّ اعتبار اليد في باب التذكية من فروع اعتبارها في إحراز الملكيّة بها (٣) ، فإن ميتة‌

__________________

(١) محصّل جوابه قدس‌سره عن الدعوى المذكورة وجهان :

أحدهما : أن دعوى الشمول للجلود المشكوكة المأكولية فرع العلم بوجودها في تلك الأسواق ، وإذ لا علم لنا به فالدعوى ساقطة.

والثاني : دعوى القطع بعدم وجودها فيها ، لوضوح ان الجلود المعمولة منها الفراء والخفاف ليست سوى جلود الأنعام التي ذبحت وأكلت لحومها وشحومها أو عرضت للبيع في الأسواق ، فلا يتطرّق إليها الشك إلاّ من حيث تذكيتها.

(٢) وليس إلاّ لعدم الشك في كونهما متّخذين من المأكول ، والشك في تذكية حيوانهما لا أثر له بالنسبة إلى قبيلهما ممّا لا تحلّه الحياة.

(٣) فإذا وجد في يد مسلم جزء حيوانيّ تحلّه الحياة كانت أمارة على ملكيّته له ، ومقتضى ملكيّته كونه مذكى ، إذ الميتة النجسة غير قابلة للملك ، فالملكية تكشف إنّا عن التذكية ، أمّا غير المأكول فهو قابل‌

١٨٠