الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

بين أن يكون المستصحب عدمه هو العنوان الأوّليّ المعبّر به عن حقيقة النسب ، والمأخوذ موضوعا للحكم في لسان دليله ـ كقرشيّة المرأة مثلا ونحو ذلك ـ ، أو يكون من العناوين الثانويّة المنتزعة عنه ـ كتحقّق الانتساب بينها وبين قريش (١) وأمثال ذلك ـ ، وتبديل أحد العنوانين بالآخر لا يخرج عدمه السابق عن المحموليّ إلى الربطيّ (٢) ، ولا ما يحرز باستصحابه عن المقارن إلى النعتيّ ، فلو قيل بكفاية إحراز العدم المقارن في تنقيح أنّ المرأة ممّن لا تحيض إلاّ إلى الخمسين فلا حاجة إلى تبديل العنوان ، وإلاّ لم يجد إلاّ تبعيد‌

__________________

(١) فإنّ الانتساب بينهما عنوان ثانويّ ملحوظ اسميّا يخبر عنه بالتحقّق ـ تارة ـ وعدمه ـ اخرى ـ ، منتزع من الربط النسبيّ الحاصل بين المرأة وقريش ، والملحوظ حرفيّا في العنوان الأوّليّ ـ قرشيّة المرأة ـ ، حذو انتزاع عنوان النسبة بين زيد والقيام من ( زيد قائم ).

وهذا تعريض بصاحب الكفاية قدس‌سره ، حيث بدّل العنوان الأوّل بالثاني مدّعيا أنّ الأخير مسبوق بالعدم وإن لم يكن الأوّل مسبوقا بوجود ولا بعدم.

ومحصّل الردّ : أنه لا جدوى للتبديل المذكور سوى تغيير العبارة ، وإلاّ فهما سواء في نعتيّة عدمهما وانتفاء الحالة السابقة له ، واختصاصها بالعدم المحموليّ منهما ـ كعدم القرشيّة وعدم تحقّق الانتساب إلى قريش ـ فلا يثبت باستصحاب الثاني عدم تحقّق الانتساب بين هذه المرأة وبين قريش ، كما لا يثبت باستصحاب الأوّل عدم قرشيّتها إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت.

(٢) يعني : أنّ العدم السابق إنّما هو العدم المحموليّ ، وهذا لا يعقل أن يتبدّل إلى الربطيّ بتبديل العنوان.

٤٦١

ذلك البون البعيد (١) ـ كما لا يخفى.

وليس مجرّد تعويلهم على هذا الأصل في إحراز حال من يشكّ في نسبه ما لم يصل حدّ الإجماع مجديا في حجّيّته (٢) ، بعد اضطراب‌

__________________

(١) فإنّ تبديل العنوان الأوّلي إلى الثانويّ الانتزاعيّ تبعيد للمسافة ، فإذا لم يجد استصحاب العدم المقارن من الأوّل في تنقيح حال المرأة وكان البون إليه بعيدا ، لم يجد فيه استصحاب العدم المقارن من الثاني بطريق أولى ، بل يصبح البون معه أبعد.

(٢) يعني أنّ أصالة العدم التي ادّعى شيخنا الأنصاري قدس‌سره تسالمهم على العمل بها في جميع المقامات إن قام الإجماع على العمل بها كذلك ، أو في خصوص باب النسب كفى ذلك في إثبات حجيّتها ، لكن لا إجماع تعبديّ معتبر عليه كاشف عن رأي المعصوم ، لاستناد المعوّلين على هذا الأصل إلى أصول وقواعد أخر ، فإنّ جملة منهم جعل أصالة العدم ـ مطلقا ـ من الأصول العقلائيّة التي لا مساس لها بالاستصحاب ، وجملة أخرى أرجعها إلى الاستصحاب ، وهؤلاء أيضا مختلفون في أنّ الاستصحاب أمارة ظنيّة أو أصل عمليّ ، والقائلون بأصليّته بين من يرى حجيّة الأصول المثبتة وبين من لا يراها ، فمن المحتمل ـ قويّا ـ أنّ هؤلاء عوّلوا على الأصل المذكور في المقام بناء منهم على كونه أمارة معتبرة ، ومثبتات الأمارة حجّة ، أو بناء منهم على حجّية المثبتات حتى في الأصول العمليّة ، إذن فلا إجماع تعبّدي في المقام ، كما ولم يتمّ عندنا شي‌ء من المباني المذكورة.

وبالجملة : فإن تمّ ما قوّيناه من جريان السيرة العقلائيّة على سلب النسب عن مشكوك الانتساب فهو ، وإلاّ فالاستصحاب لا يجدي إلاّ لإحراز عدمه المقارن دون النعتيّ إلاّ بناء على الأصل المثبت.

٤٦٢

كلماتهم في رجوع أصالة العدم إلى الاستصحاب ، أو كونها من الأصول العقلائيّة التي لا يدور التعويل عليها مدار تحقّق الحالة السابقة ، واختلافها (١) في كون الاستصحاب من الأمارات المعتبرة من باب الظنّ النوعيّ أو الأصول التعبّديّة ، وتعويلهم على الأصول المثبتة ـ تارة ـ ، وإلغائهم لها ـ اخرى ـ ، لعدم كون المسألة منقّحة منضبطة.

لكن لا يخفى أنّ العمدة في مسيس الحاجة إلى هذا الأصل إنّما هي في أبواب المواريث ، ولا حاجة لأغلب ما يراد ترتيبه فيها (٢) إلى * سلب النسب (٣) عمّن يشكّ في نسبه ، كي يندرج فيما لا يجري الأصل لإحرازه.

أمّا إذا كان الشكّ في الفروع ـ كما إذا شكّ في كونه ابنا للميّت مثلا ـ فظاهر ، فإنّه وإن كانت وراثته منه مترتّبة على كونه ابنا له ، ولازمه توقّف الحكم بعدم وراثته منه على سلب البنوّة عنه (٤) ، لكن‌

__________________

(١) أي : اختلاف كلماتهم.

(٢) أي : ما يراد ترتيبه من الأحكام في أبواب المواريث.

(٣) سلبا نعتيّا ـ على نحو ليس الناقصة ـ ، بل يكفي سلبه محموليّا بنحو ليس التامّة ، فيمكن إحرازه بالأصل.

(٤) ولا يجدي استصحاب ابن له في إحرازه إلاّ على القول بالأصل المثبت.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( على ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٦٣

لا ترتّب لوراثة (١) من يشكّ كونه مشاركا أو حاجبا له إمّا عن أصل الإرث ـ كالدرجة أو الطبقة المتأخّرة ـ ، أو عن الزائد عن أدنى النصيبين ـ كالأبوين مثلا أو الزوجين (٢) ـ إلاّ على انتفاء ابن للميّت إمّا مطلقا ، أو ما عدا المعلوم كونه ابنا له ، فإنّه هو الذي نطقت به آيات الفرائض ، واستفيد من أدلّة المواريث.

أمّا بالنسبة إلى الشكّ في الحاجب فظاهر بعد أن كانت وراثة من يحجبه الولد ـ بأحد الوجهين ـ معلّقة في صريح آيات الإرث على انتفائه (٣).

__________________

(١) أي : لا يترتّب على سلب البنوّة عنه وراثة من يشكّ كون هذا المشكوك بنوّته مشاركا له ـ كسائر الأبناء ـ ، أو حاجبا له عن أصل الإرث ـ كالواقع في الدرجة المتأخرة من أولاد الأولاد ، أو في الطبقة المتأخرة من الإخوة والأجداد ـ ، أو حاجبا له عن الزائد على أدنى النصيبين ممّن يأتي ذكره ، وإنّما يترتّب وراثتهم على انتفاء ابن للميّت ـ على نحو ليس التامّة ـ وهو مسبوق بالتحقّق فيحرز بالأصل.

(٢) فإنّ الابن يحجب الامّ عن الثلث إلى السدس ، ويحجب الأب عن أن يردّ إليه الزائد على السدس ، ويحجب الزوج عن النصف إلى الربع ، والزوجة عن الربع إلى الثمن.

(٣) قال تعالى في وراثة الطبقة الثانية التي يحجبها الولد عن أصل الإرث ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ )، وفي وراثة الامّ التي يحجبها عن الزائد عن أدنى النصيبين ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ )، وفي وراثة‌

٤٦٤

وأمّا بالنسبة إلى الشكّ في المشارك فهو ـ وإن لم يكن في الظهور كسابقه * ـ لكن حيث لا خفاء في إطباق أدلّة المواريث على توقّف وراثة كلّ وارث في أيّ طبقة أو درجة لكلّ المال على انحصاره فيه (١) ، فمرجع هذا الحصر (٢) إلى عقد إيجابيّ ـ هو في الطبقة والدرجة الاولى (٣) عبارة عن تولّد المعلومين من الميّت ـ ، وسلبيّ ـ هو عدم تولّد غيرهم منه ـ لا محالة ، بلا مدخليّة لعدم كون المشكوك ابنا له في شي‌ء من ذلك (٤).

__________________

الزوجين اللذين يحجبهما عن الزائد ( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ). ( وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ )، وفي الجميع علّقت وراثة المحجوب على أن لا يكون للميّت ولد ـ على نحو العدم المقارن.

(١) أي : انحصار الوارث في ذلك الواحد أو الأكثر من طبقة أو درجة واحدة.

(٢) وشأن كلّ حصر أن ينحلّ إلى عقد إيجابيّ ، وآخر سلبيّ.

(٣) أي : بالنسبة إلى الدرجة الاولى من الطبقة الاولى هو تولّد أناس معلومين من الميّت بلا واسطة ، وبضميمة العقد السلبيّ ـ وهو عدم تولّد غيرهم منه ـ إليه يتحقّق الانحصار المذكور ، ويلتئم موضوع وراثتهم لكلّ المال. إذن فهو من الموضوعات المركّبة من جزءين يمكن إحراز أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل.

(٤) لا في العقد الإيجابيّ ولا السلبيّ.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( كسابقته ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٤٦٥

وبالجملة : فالحكم مترتّب في جميع موارد الشكّ في الفروع على * انتفاء المنتسب المشارك ـ مثلا ـ أو الحاجب ، وهو مسبوق بالتحقّق ـ كما قد عرفت ـ ، لا على سلب الانتساب عن الشخص ـ الغير المسبوق به (١) ـ ، فأصالة عدم تولّد ابن للميّت أصلا ، أو ما عدا المعلوم تولّده منه يكفي في إحرازه (٢) ، وإن كان الشكّ في انتساب المشكوك إليه ـ بعد ـ بحاله ، ولا حاجة إلى علاج هذا الشكّ أصلا ، بل لو انعكس الأمر وكان الأصل جاريا في إحراز عدم الانتساب دون المنتسب لم يجد في وراثة من يشكّ كونه مشاركا أو حاجبا له إلاّ باعتبار استلزام أحد العنوانين للآخر (٣) ، فيبتني على حجّية الأصل المثبت.

وكذا الحال فيما لو كان الشكّ راجعا إلى من في حاشية النسب ـ كالإخوة مثلا أو غيرهم ** من الحواشي (٤) ـ إذ لا توقّف لوراثة من يشكّ في مشاركة مشكوك الاخوّة ـ مثلا ـ ، أو حجبه له ـ بأحد‌

__________________

(١) أي : بالتحقّق ، و ( الغير ) صفة لـ ( سلب ).

(٢) أي : في إحراز انتفاء المنتسب ، فيترتّب عليه الحكم.

(٣) يعني : أنّ استصحاب عدم كون الشخص منتسبا ـ لو جرى ـ لا يجدي في إحراز عدم وجود المنتسب ـ الذي هو الموضوع للحكم ـ إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت ، لأنه لازم عقليّ للمستصحب.

(٤) كأولاد الإخوة والأعمام والأخوال وأولادهم.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( إلى ) ، والصحيح ما أثبتناه.

(**) الموجود في الطبعة الاولى ( غيرها ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٤٦٦

الوجهين (١) ـ إلاّ على انتفاء الأخ (٢) ، ولا مدخليّة لعدم كون المشكوك أخا له في ذلك (٣) ، وإن كان (٤) موجبا للحكم بعدم وراثته منه.

وبعد وضوح أنّ الانتهاء إلى عمود النسب (٥) والتولّد من‌

__________________

(١) وهما : الحجب عن أصل الإرث كحجب الأخ لولد الأخ ، وللعمومة والخؤولة ، والحجب عن بعضه كحجبه للامّ عن الثلث إلى السدس بشروط.

(٢) أو انتفاء ما عدا معلوم الاخوّة.

(٣) أي : في وراثة من ذكر.

(٤) أي : عدم كون المشكوك أخا للميّت ، لوضوح ترتّب وراثته على كونه أخا له ـ كما تقدّم نحوه في الفروع.

(٥) محصّل الكلام : أنّ عناوين الاخوّة والعمومة ونحوهما من حواشي النسب إنّما تنتزع عن التولّد من الأصول والانتهاء إلى عمود نسب واحد ، كما أنّ عنوان البنوّة ينتزع عن التولّد من النفس بلا واسطة أو معها ، والكلّ مشترك في المسبوقيّة بالعدم ، إذ كما أنه كان زمان ولم يكن للميّت ابن ، كذلك كان زمان ولم يكن لأبيه أو جدّه ـ مثلا ـ ابن ، فيجري الأصل لإحراز بقاء هذا العدم المحموليّ ، ويترتّب عليه وراثة المشارك للمشكوك والمحجوب له ، وهذا بخلاف أصول النسب من الآباء والأجداد ، إذ لا يعقل ـ مع فرض وجود الميّت وتولّده ـ أنه كان زمان ولم يكن له أب أو جدّ ، بل الأمر بالعكس وأنه كان زمان وكان له أب وجدّ ، ومقتضى الأصل حينئذ بقاؤه ، فيمنع عن وراثة من يشكّ كونه مشاركا أو حاجبا له ، نعم لا يحرز به أبوّة مشكوك الأبوّة أو جدودته للميّت ليترتّب عليه وراثته منه إلاّ على الأصل المثبت ، بل المحكم حينئذ أصالة عدم أبوّته أو جدودته له ـ على تحقيق يأتي.

٤٦٧

الأصول هو الذي ينتزع عنه عنوان الاخوّة ـ مثلا ـ أو العمومة ، ويترتّب عليه وراثة الحواشي ومشاركتها ، أو حجبها لمن تشاركه ، أو تحجبه ، ومن هنا يحجب ابن العمّ ـ وإن نزل وبعد بهذا الاعتبار (١) ـ عمّ الأب ، لكونه في الانتهاء إلى العمود أقرب منه إليه (٢) ، فلا جرم يكون الحواشي ـ أيضا ـ باعتبار التفرّع عن الأصول مسبوقة ـ كالفروع ـ بالعدم لا محالة ، ويجري الأصل في إحراز استمرار عدمها ، ويترتّب عليه وراثة من يشكّ مشاركة المشكوك أو حجبه له ، وإن كان الشكّ في اخوّته له ـ مثلا ـ بحاله ، ولا حاجة إلى علاج هذا الشكّ أصلا ـ حذو ما سمعته في الفروع ـ ، وعلى هذا يستقيم إلحاقهم للخناثى (٣) إذا نقصن عن الأربع بالأخوات في عدم‌

__________________

(١) أي : باعتبار النزول كابن ابن العمّ ، وهكذا نازلا.

(٢) فإنّ ابن العمّ ـ فنازلا ـ يجتمع مع الميّت في جدّة الأدنى ، إمّا عمّ الأب فيجتمع معه في جدّة الأعلى ، وبما أنّ الأوّل أقرب في الانتهاء إلى الأصول حجب الثاني وورث دونه ، وهذا شاهد على أنّ المحقّق لحواشي النسب هو التولّد من الأصول ، وأنّ العبرة في وراثتهم ـ مع التعدّد ـ هو الأقربيّة بهذا الاعتبار ، وإن بعد باعتبار التفرّع والنزول.

(٣) فإنّهنّ إن كنّ أربعا حجبن الامّ عن الثلث قطعا ، إذ لا أقلّ من كونهنّ جميعا إناثا ، والأخوات الأربع يحجبنها عنه ، أمّا إذا نقصن عن الأربع ـ كالثنتين والثلاث ـ فلا حجب لترتّب وراثتها للثلث على أن لا يكون للميّت أخوان ، أو أخ واختان ، وهو محرز بالأصل ، لا على أن لا يكون المشكوك أخا له غير الممكن إحرازه به.

٤٦٨

حجب الامّ عن الثلث ، دون الإخوة ، إذ لا ترتّب لوراثتها له إلاّ على انتفاء الاخوّة ، لا على عدم اخوّة المشكوك ، فيجري الأصل في إحراز انتفائها ، ولا حاجة إلى إحراز حال الخناثى (١) ـ كما قد عرفت.

نعم لا يجري ذلك فيما إذا شكّ في الأصول ، ضرورة أنّ مقتضى الأصل فيها (٢) هو بعكس ما مرّ في الفروع والحواشي ، لكن لا يخفى أنّ أصالة بقاء الأب ـ مثلا ـ وإن كان مانعا عن الحكم بوراثة من يشكّ كونه مشاركا أو حاجبا له ، لكنّه لا يجدي في وراثة مشكوك الأبوّة ـ أصلا ـ ، بل يحكم بعدم وراثته من الميّت بأصالة عدم أبوّته له ، نظرا إلى أنّ حقيقة النسب ومنشأ انتزاع هذا العنوان وإن كان من الإضافات القائمة بطرفيها ، فإذا أضيفت إلى الأصول كانت توليدا ينتزع عنه عنوان الأبوّة ، أو إلى الفروع فتولّدا ينتزع عنه عنوان البنوّة ، لكن حيث لا خفاء في مباينة الجهة القائمة بأحد الطرفين للأخرى (٣) ، وجريان كلّ منهما لموضوعها مجرى‌

__________________

(١) أي : من حيث الذكورة والأنوثة.

(٢) مرّ آنفا بيان ما يقتضيه الأصل فيها ويترتّب عليه.

(٣) فجهة التوليد قائمة بالأب وعرض له ، وجهة التولّد قائمة بالابن ومن إعراضه ، فهما متباينتان ـ ذاتا ـ وإن تلازمتا ـ خارجا ـ ، فيكفي في الحكم بوراثة كلّ من الطرفين من الآخر إحراز الجهة القائمة بالوارث ـ وإن لم تحرز الأخرى ـ ، وبما أنّ توليد مشكوك الأبوّة للميّت أمر‌

٤٦٩

عرض مستقلّ لموضوع كذلك ، فلا خفاء حينئذ في انسلاب الجهة الأولى عن الأصول بعد تقرّرها وعند انعدام الفروع ، وإن لم تكن الأخرى لمكان عدم تقرّر موضوعها كذلك (١). وبعد وضوح أنّ وراثة كلّ واحد من طرفي عمود النسب عن الآخر إنّما تترتّب * على الجهة القائمة به بلا دخل لما يقوم منها بالآخر وينتزع عنه العنوان الآخر في ذلك (٢) وإن كان ملازما له وموضوعا لوراثته‌

__________________

حادث مسبوق بالعدم النعتي ، إذ كان في زمان موجودا ولم يكن أبا له فيستصحب عدمه ويترتّب عليه عدم وراثته منه ، وإن كان الشك في بنوّة الميّت له بحاله ، ولا حاجة إلى علاج هذا الشك.

وبهذا يفترق هذا المورد عن الموارد السابقة ، إذ قد عرفت أنّه ليس لانتفاء بنوّة المشكوك ، أو اخوّته ، أو عمومته للميت حالة سابقة ليستصحب ، ويترتّب عليه عدم وراثته منه ، وهذا بخلاف الأبوّة ، فإن انتفاء أبوته له مسبوق بالتحقق فيستصحب.

(١) المقصود بالعبارة بيان الفارق بين الأبوّة القائمة بالأب ، والبنوّة القائمة بالابن ، من حيث سبق العدم النعتي في الأوّل دون الثاني ، فإنّه كان للأب تقرّر في زمان منسلبا عنه أبوّته للميت ، ويشكّ في بقاء عدم أبوّته له فيستصحب ، أمّا الابن فلم يكن له تقرّر كذلك ، بل وجد إمّا ابنا له أو لا ، فلا مجال فيه للاستصحاب.

(٢) أي : بلا دخل للجهة القائمة بالآخر والمنتزع عنها العنوان الآخر في وراثة الأوّل.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يترتّب ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٧٠

منه (١) ـ فأصالة عدم توليد مشكوك الأبوّة للميّت يكفي في عدم وراثته منه (٢) وإن كان الشكّ في بنوّته له ـ بعد ـ بحاله ، ولا حاجة إلى علاج هذا الشّك ـ أصلا ـ ، بل لو انعكس الأمر في مجرى الأصل (٣) لم يجد إلاّ على القول بحجيّة الأصل المثبت ، هذا.

ولمانع أن يمنع عن جريان أصالة عدم الأبوّة ـ أيضا ـ بالمعنى المجدي في عدم الوراثة ، بدعوى أنّ النسب (٤) ـ لكونه من الأعراض القائمة بموضوعين ـ فالمسلوب عن الأصول عند انعدام الفروع ليس هو بهذا المعنى المضاف إلى الطرفين ، وإنّما هو الأبوّة‌

__________________

(١) أي : وإن كانت الجهة الثانية ملازمة للأولى خارجا وموضوعا لوراثة من تقوم به ممّن تقوم به الاولى.

(٢) مرّ بيانه آنفا ، وكذا ما بعده.

(٣) بأن فرض جريان أصالة عدم بنوّة الميت لمشكوك الأبوّة دون أصالة عدم أبوّته للميت ، فإنّه لا يجدي في إحراز عدم أبوته له ليترتّب عليه عدم وراثته منه إلاّ على الأصل المثبت.

(٤) محصّل المناقشة : أنّ النسب عرض من مقولة الإضافة قائم بطرفين ، بحيث يكون القيام بهما معا دخيلا في حقيقته مأخوذا في مفهومه ، فلا تحقّق لابوّة شخص لآخر إلاّ عند تحقّق بنوّة الآخر له ، ولا ينتفي الأوّل إلاّ لدى انتفاء الثاني ، وعلى هذا فأصالة عدم أبوّة المشكوك للميّت لا يحرز بها إلاّ نفي الأبوّة القائمة بطرف واحد ، ولا يحرز بها نفي الأبوّة بمعناها القائم بطرفين والذي هو الموضوع للأثر الشرعي ـ حسب الفرض ـ ، إلاّ إذا أحرز عدم بنوّة الميّت له ، ولا مجال لإحرازه بالأصل ، لما مرّ من انتفاء حالته السابقة.

٤٧١

والتوليد بالمعنى الغير المتكرّر والقائم بطرف واحد ـ كما لا يخفى ـ ، ثمّ لو أغمضنا عن ذلك فغاية ما يترتّب من الأثر عليها هو عدم وراثته عن الميّت ، ولا تجدي في وراثة من يشكّ مشاركته أو حجبه له إلاّ بمعونة أمر آخر (١).

ولقد أطلنا الكلام في تشخيص الضابط في جريان الأصل لإحراز القيود الوجوديّة والعدميّة ، وتميّز موارده ، حيث لم نقف له على تحرير في كلماتهم ، ولم نجد بدّا منه ، والكلام يجرّ الكلام ، والحديث شجون (٢). ولنرجع إلى ما كنّا فيه.

فنقول : بعد ما تبيّن من عدم صحة التعويل في إحراز ما يراد إحرازه من القيد العدميّ ـ في محلّ البحث وأشباهه ـ باستصحاب العدم السابق على وجود الموضوع ، وتوقّفه (٣) على سبق تحقّقه‌

__________________

(١) المراد بالأمر الآخر ما مرّ من إثبات ملازم المستصحب به ـ المبنيّ على حجيّة الأصل المثبت ـ ، وذلك بأن يستصحب عدم أبوّة المشكوك لإحراز عدم وجود الأب الملازم له ، وترتيب أثره عليه.

(٢) الظاهر ( ذو شجون ) ، مثل معروف ، أي ذو فنون متشعّبة تأخذ منه في طرف فلا تلبث حتى تكون في آخر ، ويعرض لك منه ما لم تكن تقصده.

(٣) أي : توقّف إحراز القيد العدمي النعتي المذكور بالاستصحاب على سبق تحقّقه في موضوعه المعتبر تحقّقه فيه بعد تقرّره ـ أي الموضوع ـ ووجوده ، لما حقّق ـ مستوفى ـ من أنّه لا تحقّق للعدم النعتي سابقا على وجود موضوعه.

٤٧٢

فيما اعتبر تحقّقه فيه بعد تعيّنه وتقرّره المساوق لوجوده ـ حسبما استوفينا الكلام فيه ـ ، فلا يخلو الأمر في التقييد المستتبع لمانعيّة أجزاء غير المأكول من أن يرجع :

إمّا إلى اعتبار (١) أن لا يكون المصلّي في ظرف فعل الصلاة متلبّسا بها ، أو مصاحبا لها ، ونحو ذلك من الاعتبارات والعناوين اللاحقة للفاعل ، فيكون سبق تحقّقه فيه (٢) عند عدم تلبّسه بالمشكوك ـ مثلا ـ ، أو عدم تلطّخ بدنه به ونحو ذلك كافيا في جريان الأصل لإحرازه عند فعل الصلاة ـ كما في الطهارة وغيرها من القيود الراجعة إلى اعتبار وصف في الفاعل ، حسبما تقدّم الكلام فيه.

__________________

(١) تقدّم في أوائل المقام الثالث انقسام القيود المعتبرة في مثل الصلاة إلى أقسام ثلاثة ، وأنّه إمّا قيد للمصلّي في ظرف الصلاة ، أو قيد لما يصلّى فيه أو عليه ، أو قيد للصلاة نفسها. وتعرّض قدس‌سره هنا لحال خصوص القيديّة المستتبعة لمانعيّة غير المأكول ، وتحقيق حالها من حيث جريان الاستصحاب فيها وعدمه على تقدير اندراجها في كلّ من الأقسام الثلاثة المزبورة.

(٢) يعني : يكفي في جريان الاستصحاب ـ على هذا التقدير ـ سبق تحقّق عنوان عدم كون المصلّي متلبّسا بغير المأكول ، أو عدم كونه متلطّخا به حينما لم يكن متلبّسا بالمشكوك ، فيستصحب إلى ما بعد تلبّسه به.

وبعبارة واضحة : كان قبل تلبّسه بالمشكوك غير متلبّس بغير المأكول قطعا ، ويشكّ في بقائه على هذه الصفة بعد تلبّسه بالمشكوك ودخوله في الصلاة ، فيستصحب ويحرز به تحقّق القيد حال الصلاة.

٤٧٣

أو إلى اعتبار أن لا يكون اللباس ونحوه متّخذا منها ، ولا مشتملا عليها ، كي يرجع إلى ما اعتبر فيه (١) ، ويتّجه التفصيل في جريان الأصل الموضوعي ـ حينئذ ـ بين أن يكون المشتبه هو نفس اللباس ـ مثلا ـ ، أو يكون هو من عوارضه (٢) الموجبة لخروجه عمّا كان عليه من عدم الاشتمال والتلطّخ بأجزاء غير المأكول ، نظرا إلى انتفاء الحالة السابقة في الاولى ، وتحقّقها في الثانية (٣) فيكفي استصحاب حال اللباس ـ حينئذ ـ في إحراز القيد ، ولا يلتفت (٤)

__________________

(١) أي : يرجع التقييد المبحوث عنه ـ على هذا التقدير ـ إلى ما يعتبر في اللباس.

(٢) فلا يجري الأصل في الأوّل ، ويجري في الثاني.

(٣) أمّا انتفاؤها في الأولى فلأنه ليس هناك زمان كان اللباس ولم يكن من أجزاء غير المأكول ، ليستصحب بقاؤه على هذه الصفة ، بل هو وجد إمّا من هذه الأجزاء أو من غيرها. وأمّا تحققها في الثانية فلأنّ اللباس كان في زمان ولم يكن مشتملا على أجزاء غير المأكول ، ولا متلطّخا بها ، فيستصحب هذا العدم النعتي.

(٤) يعني أنّه في الصورة الثانية يجري الاستصحاب المنقّح لحال اللباس من حيث عدم اشتماله على غير المأكول ، ويكفي ذلك في إحراز القيد والحكم بصحّة الصلاة ، ولا يلتفت إلى نفس المشتبه الذي يشتمل عليه اللباس ، ولا حاجة إلى علاج الشكّ فيه كي يقال إنّه لا سبيل إلى علاجه لانتفاء الحالة السابقة فيه ـ كاللباس نفسه في الصورة الاولى ـ ، وذلك لعدم كونه مصداقا آخر لما اعتبر فيه القيد العدمي في عرض اللباس ليجب إحراز حاله ، فإنّ المعتبر في الصلاة أن لا يكون لباسها متّخذا من‌

٤٧٤

إلى ما عليه من المشتبه ، لعدم كونه مصداقا آخر لما اعتبر فيه ذلك في عرض اللباس ، كي يلزم إحراز حاله ورفع الشبهة عنه ، وإنّما يجري ـ من غير جهة كونه مغيّرا لحال اللباس (١) ـ مجرى سائر أنحاء المحمول ـ الذي بناء هذا القول على عدم مانعيّته.

أو رجوعه إلى اعتبار عدم تخصّص نفس الصلاة بخصوصيّة الوقوع في أجزاء غير المأكول ، ومانعيّتها بما هي لاحقة لها ، فلا يكون القيد ـ حينئذ ـ مسبوقا بالتحقّق عند وقوعها في المشكوك من أوّل الشروع (٢) وكون المشكوك بحيث يصدق معه عنوان الصلاة فيه (٣) ،

__________________

غير المأكول ، أو مشتملا عليه ، ولا يعتبر فيها أن لا يكون ما يشتمل عليه لباسها من غير المأكول ، فتدبّر.

(١) يعني : يجري ما على اللباس من المشتبه ـ من غير جهة كونه مغيّرا لحال اللباس ، ومؤثرا فيه بإعطائه صفة الاشتمال عليه ـ مجرى المحمول في الصلاة.

وبعبارة واضحة : إنّ فيه حيثيّتين : حيثيّة ذاته وهو بهذا الاعتبار محمول في الصلاة ، وبناء قائل هذا القول ـ التفصيل ـ على عدم مانعيّة غير المأكول منه ، وحيثيّة إحداثه وصفا في اللباس بصيرورته مشتملا عليه ، وقد عرفت أن الاستصحاب يكفي لإحرازه.

(٢) يعني : إذا وقعت الصلاة من أوّل الشروع فيها في المشكوك فليس هناك زمان كانت الصلاة ولم تكن واقعة في أجزاء غير المأكول لتستصحب ، بل هي وجدت إمّا واقعة فيها أو غير واقعة.

(٣) أي : مع فرض كون نسبة المشكوك إلى الصلاة نسبة الظرف إلى‌

٤٧٥

لا كبعض أقسام المحمول الذي لا بأس بالمعلوم منه.

وإذ قد عرفت ذلك فلا يخفى أنّ الظاهر (١) النواهي الغيريّة عن إيقاع (٢) الصلاة في غير المأكول ، وغيرها ممّا حكم فيه على الصلاة المتخصّصة بالخصوصيّة المذكورة بالفساد تارة ، وعدم الجواز اخرى ، والحرمة ثالثة إنّما هو مانعيّتها بما هي من الخصوصيّات اللاحقة لنفس الصلاة دون المصلّي ـ مثلا ـ أو ما يصلّي فيه ، واستنادها إلى المصلّي أو ما تقع * هي فيه (٣) لا يوجب صرف الأدلّة عن ظواهرها وإرجاع القيد إلى النعوت والعناوين اللاحقة بأحدهما ـ كما لا يخفى.

وأمّا الوجهان الأوّلان : فالأوّل منهما وإن عمّ نفعه في جريان‌

__________________

المظروف ـ ولو الظرفية التوسّعيّة حسبما مرّ في أوائل الرسالة ـ ، ليصدق معه عنوان الصلاة فيه ، لا كبعض أقسام المحمول الذي لا يصدق معه ذلك بل مجرّد المصاحبة للمصلّي ـ كالحقّة المعلّقة غير المتحرّكة بحركات الركوع والسجود ـ ، فإنّه لا بأس بالمعلوم منه في الصلاة فضلا عن المشتبه.

(١) محصله استظهار ثالث الوجوه الذي لا مجرى معه للأصل مطلقا.

(٢) متعلّق بالنواهي ، ومقتضى تعلقها به كونه هو المانع وإلاّ لتعلّقت بكون لباسه متخذا منه حال الصلاة أو بكون المصلّي لابسا له حالها.

(٣) يعني : أنّ استناد تخصّص الصلاة بالخصوصية المذكورة إلى المصلّي باعتبار صدورها منه ، أو إلى اللباس الذي تقع فيه الصلاة باعتبار كونها صفة له لا يوجب صرف ظهور الأدلّة في اعتبارها في الصلاة نفسها.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يقع ) والصحيح ما أثبتناه.

٤٧٦

الأصل لإحراز القيد في جميع صور الشكّ (١) ، لكنّا لم نقف له على عين ولا أثر لا في أخبار الباب ، ولا في كلمات الأصحاب ، فلا سبيل ـ حينئذ ـ إلى البناء عليه ، وصرف الأدلّة عن ظواهرها إليه.

والثاني أيضا وإن ذهب إليه غير واحد ، وعليه بنى التفصيل في جواز الصلاة في المشتبه بين الصورتين (٢) ـ كما تقدّم ذكره عند نقل الأقوال (٣) ـ ، نظرا إلى جريان الأصل الموضوعي في إحداهما ، وعدمه في الأخرى ، لكن لا يخفى خلوّ أدلّة الباب عمّا يصلح سندا له ، لانحصاره (٤) ـ فيما عثرنا عليه ـ فيما رواه سماعة (٥) عن أبي عبد الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ « ولا تلبسوا شيئا منها تصلّون فيه » ، ومثله في رواية ريّان بن الصلت (٦) عن أبي الحسن الرضا‌

__________________

(١) سواء كان المشتبه نفس اللباس ، أم كان من عوارضه.

(٢) المذكورتين آنفا ، وقد مرّ ذكر الوجه في جريان الأصل الموضوعي في الثانية دون الاولى.

(٣) في أوّل الرسالة ، فقد عدّ هذا قولا ثالثا في المسألة.

(٤) أي : انحصار ما يصلح سندا له.

(٥) رواه المشايخ الثلاثة عنه بأسانيد معتبرة ، ومتنه في رواية الكليني رحمه‌الله هكذا : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن جلود السباع ، فقال : « اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلّون فيه ». وفي رواية الصدوق والشيخ رحمهما الله عنه عليه‌السلام ـ في حديث ـ قال : « وأمّا الجلود ـ أي جلود السباع ـ فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلّون فيه » ، رواها في الوسائل في الخامس من أبواب لباس المصلي ـ الحديث ٣ و ٤.

(٦) رواها الشيخ قدس‌سره بسند معتبر عنه ، قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام

٤٧٧

ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ، وهو ـ أيضا ـ غير صالح لذلك ، فإنّ النهي الغيريّ (١) الظاهر في مانعيّة متعلّقه وإن تعلّق فيه بعنوان اللبس إلاّ أنّ تعقّبه بقوله عليه‌السلام « تصلّون فيه » يوجب صرف النهي عنه إليه من حيث ظهور مساقه في أنّه هو الذي يراد بالنهي انتفاؤه (٢) ـ كما نطقت به سائر أدلّة الباب ـ ، دون مجرّد التقييد لمتعلّق النهي ، كي يرجع مفاده ـ حينئذ ـ إلى أنّ ما يراد انتفاؤه إنّما هو اللبس عند فعل الصلاة ، وإلاّ لزم خلوّ الظرف عن الفائدة ـ كما لا يخفى.

ولو سلّم تكافؤ الاحتمالين فإمّا أن يحمل على ما ذكرنا ـ بقرينة سائر الأدلّة ـ ، أو يخرج ـ بمعارضتها ـ عن صلاحيّة التمسّك به (٣) ، ومع ذلك كلّه فحيث إنّه لا دلالة فيه على مانعيّة عوارض اللباس أصلا فلا انطباق له على المدّعى ، والتمسّك فيها‌

__________________

عن لبس فراء السمّور والسنجاب. إلى أن قال : فقال عليه‌السلام : « لا بأس بهذا كلّه إلاّ بالثعالب » ، رواها في الوسائل في نفس الباب ـ الحديث ٢. والنهي فيها وإن تعلّق بمطلق اللبس ، لكنّه منصرف إلى اللبس حال الصلاة ، إذ لا ريب في جوازه في نفسه ـ تكليفا.

(١) هذه المناقشة تختصّ بموثقة سماعة ، ولا تجري في معتبرة الريّان.

(٢) فيكون المراد النهي عن الصلاة فيه ، لا عن لبسه حال الصلاة ، وإلاّ لزم خلوّ الظرف ( فيه ) عن الفائدة ، إذ لو أريد الثاني لقيل : لا تلبسوه وأنتم تصلّون.

(٣) أي : بمعارضته لسائر الأدلّة يخرج الموثّق عن صلاحيّة التمسّك به ، لأنّها أكثر منه عددا ، وأقوى دلالة ، فتقدّم عليه.

٤٧٨

بسائر أدلّة الباب يفضي إلى هدم المبنى (١) ـ كما لا يخفى ـ ، هذا.

بل الظاهر أنّ توهّم رجوع القيد في محلّ البحث إلى اعتبار النعت في اللباس ـ كما هو مبنى هذا التفصيل ـ إنّما نشأ عن خلط في البين ، فإنّ الذي يظهر من التتبّع في كلمات الأصحاب وملاحظة استدلالاتهم إنّما هو استناد الخلاف الواقع بينهم ـ في قصر مانعيّة غير المأكول بما إذا كان خصوص اللباس متّخذا منها ، أو مشتملا عليها ، أو متلطخا بها ونحو ذلك ، أو تعميمها للمحمول أيضا إمّا مطلقا ، أو خصوص ما كان منه ملصقا بالثوب أو الجسد دون غيره ـ إلى الخلاف فيما يوجب صدق عنوان الصلاة فيه ، بعد الفراغ عن مانعيّة نفس ذلك العنوان (٢) ـ كما أطبقت عليه مفاد أدلّة الباب ـ ، لا إلى الخلاف في أنّه هل هو العنوان اللاحق للباس خاصّة كي يستقيم التمسّك‌

__________________

(١) لظهور سائر الأدلّة في اعتبار المانعيّة قيدا للصلاة نفسها بالنسبة إلى اللباس وعوارضه جميعا ، فتمسّك هذا القائل بها هدم لمبناه من أساسه.

(٢) أي : نفس عنوان الصلاة فيه ، ومحصّل الكلام : أن منشأ الخلاف المذكور هو الخلاف في أنّ عنوان الصلاة في غير المأكول ـ الذي هو العنوان المانع ـ هل يختصّ صدقه بما إذا كان اللباس أو عوارضه منه ، أو يعمّ المحمول الملصق بالثوب أو الجسد ، أو مطلق المحمول ، وليس المنشأ هو الخلاف في نفس عنوان المانع ، وأنّه هل هو كون اللباس متّخذا منه أو مشتملا عليه ، أو كون الأعمّ منه ومن المحمول كذلك. إذن فالعبرة إنما هي بعنوان الصلاة فيه ، فإنه المأخوذ عدمه في متعلّق التكليف ، وقد تقدّم أنّه لا مجال معه للتمسّك بالأصل الموضوعي.

٤٧٩

بالأصل الموضوعيّ فيما إذا كان المشتبه من عوارض اللباس (١) ، أو للأعمّ منه ومن المحمول أيضا ـ بأحد الوجهين ـ كي ينسدّ باب إجراء الأصل ـ مطلقا ـ (٢) ، كيف وليس في أدلّة الباب من ذلك (٣) عين ولا أثر.

وبالجملة : فالشبهة المتنازع فيها من هذه الجهة إنّما هي فيما يوجب لحوق العنوان المذكور (٤) للصلاة بعد الفراغ عن مانعيّته وتقيّد المطلوب بعدمه ، لا في نفس عنوان المانع وتعيين ما أخذ نعتا فيه (٥) ـ كما هو مبنى التوهّم المذكور (٦).

وحينئذ فلا جدوى لاستصحاب حال اللباس في إحراز القيد ـ ولو على القول بدوران العنوان المذكور مدار اتّخاذ اللباس منها (٧)

__________________

(١) دون ما إذا كان هو نفس اللباس ـ كما مرّ.

(٢) فإن عوارض اللباس والمحمول أيضا ـ على هذا الوجه ـ قد اعتبر في الصلاة أن لا تكون بنفسها من غير المأكول ، ولا أصل موضوعيّ يحرز ذلك ، لانتفاء الحالة السابقة فيها ـ كما تقدّم.

(٣) أي : من كون المانع أمرا يدور بين كونه عنوانا لاحقا للباس أو للأعمّ منه ومن المحمول.

(٤) وهو عنوان الصلاة فيه.

(٥) أي : ما أخذ عنوان المانع نعتا فيه لاحقا له من اللباس خاصّة ، أو الأعمّ منه ومن المحمول.

(٦) أي : منشأ توهم رجوع القيد إلى أخذه نعتا في اللباس خاصة الذي هو مبنى التفصيل المتقدّم.

(٧) أي القول باختصاص ما يوجب لحوق العنوان المذكور ـ الصلاة في غير‌

٤٨٠